الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الغرب وروسيا… عودة الصراع الإيديولوجي

سميح صعب *

تتصاعد حدة التحذيرات المتبادلة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي حول أوكرانيا. وتجدد التوتر عقب أنباء غربية عن حشد روسيا مجدداً قواتها على الحدود الأوكرانية في وضع هجومي.

وفي الوقت الذي كان وزراء الخارجية لدول حلف الأطلسي مجتمعين في ريغا، كرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحذيره للغرب: أوكرانيا خط أحمر. ومن الجهة المقابلة، كانت التحذيرات الغربية تتوالى وتتمحور كلها حول تحذير روسيا من “دفع ثمن” أي محاولة لغزو أوكرانيا. ووزير الخارجية الأميركي أكد أنه ستكون هناك “عواقب وخيمة” لأي توغل روسي في الأراضي الأوكرانية.

دول حلف شمال الأطلسي تتصرف وكأن الغزو الروسي حاصل لا محالة، ولذلك تصعد من إطلاق التحذيرات، أملاً في ألّا تتكرر تجربة ضم القرم في 2014.  وفي الوقت نفسه، يرسل بوتين إشارات إلى أن موسكو تخشى أن تسفر  زيادة المساعدات العسكرية لكييف، إلى استسهال الرئيس “فولوديمير زيلينسكي” خوض مغامرة ضد الانفصاليين، الذين يحظون بدعم الكرملين في منطقة دونباس شرق البلاد.

ارتفاع لهجة التهديدات تترافق مع حديث عن احتمال عقد قمة افتراضية بين الرئيس الأميركي جو بايدن وبوتين قبل نهاية السنة. وطبعاً، سيكون الموضوع الأوكراني على رأس جدول الإعمال. ولعل من المفيد التذكير أن قمة جنيف بين الزعيمين في 16 حزيران (يونيو)، كان لها الأثر البالغ في تنفيس التوترات التي سادت في الربيع عقب الحديث عن حشد روسيا نحو 150 الف جندي على الحدود مع أوكرانيا.

لكن التوتر اليوم أكثر جدية وخطورة، إذا ما أخذنا في الاعتبار المناورات العسكرية المتواصلة لدول حلف الأطلسي على حدود روسيا من جهة البحر الأسود أو من جهة جمهوريات البلطيق وبولندا. وقد اختار وزراء الخارجية للحلف الاجتماع في ريغا، كي يبعثوا بإشارة لا لبس فيها بأن الحلف يساند دول الخط الأمامي مع روسيا.

وكان الدعم الذي تلقته بولندا من حلف شمال الأطلسي خلال أزمة اللاجئين مع بيلاروسيا، عاملاً أساسياً في إحباط عملية الدفع بالمهاجرين من الشرق الأوسط وأفغانستان في اتجاه الاتحاد الأوروبي. ووقف الحلف والاتحاد مع وارسو في صد “الهجوم الهجين”، وفق المصطلح الذي بات يشير إلى أن الرئيس البيلاروسي “ألكسندر لوكاشنكو”، وبتواطؤ روسي، كان يريد الانتقام من العقوبات الأوروبية التي تستهدف مينسك، بسبب قمع النظام حركة الاحتجاج على الانتخابات الرئاسية عام 2020، والتي تقول المعارضة “سفيتلانا تيخونوفسكايا” أنها هي الفائزة فيها.

وإذا كانت هذه هي العناوين الظاهرة للخلاف الروسي-الغربي، فإن ما خفي قد يكون أعظم، لأنه يشير إلى اندلاع صراع إيديولوجي جديد بين الجانبين. وما القمة التي يعتزم بايدن عقدها افتراضياً بعد أيام مع “الدول الديموقراطية” في العالم، سوى تقسيم إيديولوجي للعالم، بين أنظمة ديموقراطية وأنظمة استبدادية. وطالما دعا بايدن إلى تحالف بين “الدول الديموقراطية” في مواجهة “الأنظمة الاستبدادية”. وبحسب التصنيف الأميركي، فإن روسيا والصين هما على رأس الفئة الثانية، وتالياً فهما ليستا مدعوتين إلى القمة الافتراضية والتي ستليها قمة حضورية العام المقبل.

الجدل الدائر في أوروبا أو ذاك الدائر في المحيط الهادئ، هما من تجليات الصراع الإيديولوجي الجديد، الذي يريد الغرب منه تأكيد استمرار تفوقه اقتصادياً وعسكرياً.

* كاتب صحافي لبناني

المصدر: النهار العربي