الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

دوام الحال من المحال(1)

الافتتاحية:

عبد الباسط حمودة *

هل يمكن أن يستمر واقع الحال في سوريا كما هو.. وإلى متى ؟ وهل ما يبدو من استقرار ظاهر دليل على أن الأمور تسير على ما يرام؟

الإجابة على السؤال الأول لا يعرفها أحد، مع أن دوام الحال من المحال.

والإجابة على السؤال الثاني تنقسم إلى إجابتين:

إذا كانت الإجابة بنعم فمن المفترض أن الشعب العربي في سوريا هو الذي يقرر ذلك، وبما أن الشعب لا يمتلك حرية التعبير، ولا تعبر وسائل إعلامنا الرسمية إلا عن وجهة نظر أحادية، غير متطابقة مع الواقع، فهذه الإجابة تفقد معناها في الوقت الحاضر.

وإذا كانت الإجابة بلا، فيجب أن نبحث عن الأسباب:

أولاً: لا تختلف حالتنا السورية عن مثيلاتها التونسية والمصرية إلا بالتفاصيل.. فالمظالم موجودة، وبمختلف الدرجات، والحرية شبه معدومة، وخاصة في تعبيرها السياسي، والحزب الحاكم موجود وواحد، والفساد على أشده، ومستوى العيش قد يكون في منزلة بين منزلتي تونس ومصر.. وبالتالي فالمطالب ستكون هي نفسها من إصلاح ديمقراطي ومكافحة الفساد… الخ.

ثانياً: إن أهم درسين من تونس ومصر هما سقوط خرافتي الاستقرار والخطر الإسلامي.. فالاستقرار المزعوم كان القصد منه تغطية كل ما تكشَّفَ عنه الوضع من فساد ونهب، والخطر الإسلامي هو رسالة موجَّهة إلى الخارج لتبرير البقاء في السلطة، ومن أجل المحافظة على الثروة المنهوبة.

إن الانتفاضات الشعبية ديمقراطية بطبيعتها، وهي تسمح للجميع بالمشاركة في إدارة شؤون البلاد، في إطار نظام وطني ديمقراطي، وتحت سقف القانون.

ثالثاً: ثمة عوامل خاصة بسورية، منها الأحداث الدامية في الماضي، والتي لم تجّرِ عليها أية مصالحة، وما زالت تثقل الذاكرة والمشاعر.. ومنها أيضاً التذرع بدور سوري مميز في الصراع العربي الإسرائيلي.. ونعتقد أن حذر شعبنا بهذا الخصوص يدل على حالة من الوعي والوطنية، مخافةً على الوطن من الضياع، مع أن تأجيل الإصلاحات المنتظرة كنوع من اللعب على الوقت هو الضياع بعينه.

رابعاً: لا أحد ينكر أن ثمة مؤيدين للنظام ورئيسه من الأزلام والمنتفعين، ويمكن حشدهم في أي وقت، مثلما أن هناك معارضين، كما يظهر على صفحات الإنترنت.. ولنتصور أن هذا الصراع انتقل إلى الشارع، أفلا يكون بداية لصدامات أهلية مدمرة؟ ومن المفترض ألا تدخل السلطة طرفاً في هذا الصراع، لأن ذلك يفقدها دور الحكم، وما قد ينجم عنه من مخاطر على الأمن الوطني.. ولم يعد من الممكن اتهام كل من يعارض بالخيانة والعمالة، هذا منطق بائس، فضلاً عن خطورته.. فعندما تفقد السلطة دورها الريادي للحكم واجتراح الحلول، فلا يمكن التنبؤ بما قد تؤول إليه الأمور في حال حدوث ثورات شعبية..

أما الحل الأمني والبلطجي فلن يكون ناجعاً في هذه الحالات، مثلما أثبت نجاعته في قمع الأفراد والتجمعات الحزبية والحقوقية، ولا يمكن أن تتحمل سورية، كوطن للجميع، قمعاً على نطاق واسع، في الوقت الذي تحتاج فيه لتغيير ما يجب تغييره.

الفرصة المنطقية التي يمكن أن تنقذ سورية الوطن والشعب هي المباشرة بإصلاحات حقيقية تفّضي لتغيير سياسي جدي، انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية الوطنية.. وهذه الإصلاحات تبدأ بإلغاء حالة الطوارئ والمحاكم الاستثنائية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتحرير الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، والعمل على إشاعة جو من الاطمئنان والمصالحة بما فيها طي ملف الثمانينات.

ولا تكفي الإصلاحات الاقتصادية على أهميتها ما لم تواكبها إصلاحات سياسية.. فلا يُعقل أن ننتظر عقوداً حتى نبدأ بالإصلاح الحقيقي والتغيير السياسي، فالأمور أكثر إلحاحاً، والأحداث تتسارع، بعد انفتاح ثغرات في جدار الاستبداد العربي.. لأن البديل عن ذلك مرعب وعواقبه وخيمة، وفترة السماح محدودةً، قبل أن ندخل في قلب العاصفة.

ثمة الكثير من المستشارين الأمنيين من الحرس القديم والجديد، وبخبرة لا أحد ينكرها أو ينساها!.. ولكن أين عقلاء سوريا وحكماؤها؟.

(1) المقال كُتبَ وحُرر لجريدة العربي الناطقة باسم حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سورية في شهر شباط 2011، ونشر بالعدد 170 آذار 2011

ـــــــــــــ