الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

صراع في سوق النقد والذهب

سمير خراط 

دخلت العربة الاقتصادية عامها الجديد محملة بالكثير من مآسي العام الماضي والعجز الظاهر بأغلبية القطاعات التي يرتكز عليها الاقتصاد وفي العالم بإجماله دون أي استثناء، والمحزن بالموضوع أن تقييم تلك العربة يتم أغلبه بعملة نسميها اليوم بالعملة السيادية (الدولار الأمريكي) والذي يسيطر على قرابة 70% من عمليات البيع والشراء والتسعير والدفع الدولي للخدمات والتبادل التجاري وليحتل اليورو المرتبة الثانية، علماً أن الذهب حافظ على مكانته كملاذ آمن ولم يعد وسيلة تسعير أو ثمن سلع أياً كان نوعها، مما دفعني الى إجراء دراسة بسيطة على ما أسميته الصراع بين الدولار واليورو والذهب وانعكاسات هذا الصراع على مسيرة عامنا الجديد .

وقد لاحظنا كيف كانت مسيرة الدولار خلال 2020 وكيف أنهى عامه بتراجع ملحوظ أمام (اليورو، الين الياباني، الفرنك السويسري، الدولار الكندي، الكرونة السويدية، والجنيه الإسترليني) وكيف أن اليورو حصل على  النسبة الأكبر من قيمة هذا المؤشر أي أكثر من النصف، ونتيجة لذلك اتجه اليورو لتحقيق مكاسب أمام الدولار،  ونظراً لأن اليورو يُعد العملة الاحتياطية الثانية عالمياً بعد الدولار بينما الذهب هو الملاذ الآمن التقليدي المفضل في الأوقات الضبابية وعدم اليقين وبالتالي يمكن لهما أن يملآن بعض الفراغ الذي ينتج عن تراجع مكانه الدولار.

تشير البيانات إلى أن مؤشر الدولار تراجع حتى اللحظة نتيجة تأثير جائحة كورونا على الاقتصاد وما بات يعرف بالإغلاق الكبير،  حيث كان الدولار قوي أمام اليورو في الأشهر الأولى من العام وكان زوج اليورو/ دولار في تراجع مستمر أي أن الدولار يحقق مكاسب مقابل اليورو، وذلك بسبب تراجع الأداء الاقتصادي لمنطقة اليورو مقارنة بأداء الاقتصاد الأمريكي كما أن تأثير كورونا كان أكبر في اقتصاديات منطقة اليورو، ولكن منذ شهر حزيران انعكست الأمور تماماً، ومع بداية تأثير جائحة كورونا بشكل أكبر على الاقتصاد الأمريكي حيث انكمش خلال الربع الثاني بحوالي 32.9%، وتراجع مركزها العالمي لتصبح الصين المنافس الأكثر ترجيحا ليكون اقوى اقتصاد بالعالم هذه التطورات بالإضافة للسياسات النقدية التي اتبعتها الإدارة الأمريكية خلقت اتجاهاً وميلاً نحو الهروب من الدولار، ومن أهم الأسباب لتراجع مؤشر الدولار: العجز المزدوج في الاقتصاد الأمريكي (عجز الحساب الجاري + عجز الموازنة)،  وراحت الاسواق العالمية تعتقد بأن الاقتصاد الأمريكي سيدخل حالة انكماش وربما ركود طويل المدى وزيادة عدم اليقين في الأسواق بسبب الانتخابات الأمريكية وما تبعها بعد ذلك وبشكل خاص محاولة الانقلاب الأخيرة على الديمقراطية باقتحام الكابيتول من قبل جماعة الرئيس ترامب والذي نتج عنه قتلى وجرحى ، مما انعكس وبشكل مباشر على الدولار .

كون الدولار أهم عملة يتم استخدامها كاحتياطي بالعالم، من حيث إذا اختار الناس تحويل أموالهم من العملات المحلية إلى عملة أجنبية غالباً ما يختارون الدولار، كما تحتفظ البنوك المركزية بالدولار كعملة احتياطية أولى وبكميات أكبر مقارنة مع باقي العملات، بالإضافة للعديد من الأسباب التي تجعل الدولار العملة الاحتياطية الأولى عالمياً مثل: بيع السلع الاستراتيجية بالدولار كالنفط والذهب، والاستثمار بالخارج وفي الاقتصاديات الأخرى يتطلب تحويل العملات المحلية إلى دولارات نظراً لكونه الأكثر انتشاراً بالإضافة لأن العملات المحلية غالباً ما تكون غير مقبولة وغير مفضلة لدى الآخرين، وهذه الأسباب تبقي الطلب على الدولار مستمر.

أما اليورو الذي يعتبر ثاني أكثر عملة انتشاراً بعد الدولار ويتم استخدامه بذات المعنى كعملة احتياطية كما هو الحال في الدولار ولكن في مرتبة ثانية بعد الدولار، وبالتالي عند ظهور أي مشكلة أو تراجع في قيمة الدولار يتحول الناس نحو استخدام اليورو سواء كأفراد أو كمؤسسات، ونتيجة لما أحدثته جائحة كورونا في الاقتصاد الأمريكي فقد الدولار جزء من قيمته، وهو ما دفع الناس والمؤسسات للاتجاه نحو اليورو والذهب بدلاً من الدولار. ونتيجة لذلك فإن زوج اليورو/دولار والذي كان حوالي 1.06 في نيسان الماضي عاد ليصل إلى حوالي 1.24 حالياً.

والذهب نظراً لطبيعته ومحدودية كميته يتم استخدامه كاحتياطي وملاذ آمن إلى جانب الدولار واليورو. بالإضافة إلى النقد الأجنبي تحتفظ البنوك المركزية بالذهب كاحتياطي دولي أيضاً. وكلما زاد الارتباك والضبابية وعدم اليقين يتم الاتجاه نحو الذهب باعتباره ملاذ أمن تقليدي وبالتالي ترتفع أسعاره. ونتيجة لآثار جائحة كورونا وما تبع ذلك من إغلاق كبير للاقتصاديات وما أحدثته من اضطراب عالمي وتدهور في الاقتصاد العالمي بشكل عام، اتجه الناس والمؤسسات إلى شراء الذهب للحفاظ على ثرواتهم وبالتالي هذا الطلب المتزايد دفع الأسعار للارتفاع بشكل كبير خلال الفترة الماضية. حيث أنه في بداية ظهور جائحة كورونا كان سعر أونصة الذهب بحدود 1600 دولار وارتفعت إلى 2050 دولار ليعاود هبوطه وينهي عامه بحدود 1950 دولار للأونصة الواحدة، وبذلك يحقق الذهب أسعاراً قياسية تاريخية في فترة وجيزة وأعلى مستوى له على الإطلاق.

وفي هذه المرحلة تكثر الأسئلة حول مستقبل هذا الثلاثي الدولار، اليورو، والذهب، ونظراً للضبابية وعدم اليقين والارتباك العالمي الكبير خصوصاً بعد جائحة كورونا والارتباكات الداخلية بالولايات المتحدة بيت الدولار ومركز العملة السيادية أصبح من الصعب جداً التنبؤ باتجاه أياً من هذا الثلاثي، ولكن يمكن القول بأن توقعات هذه الأيام قد تستمر على المدى القصير مع بعض الصعود والهبوط على الأقل لحين استلام الرئيس وظهور المؤشرات الأولى من السياسة التي سيتبعها الرئيس الجديد.

كلنا ينتظر بفارغ الصبر نتائج اجتماع بايدن الأول مع قيادة أركانه الاقتصادية ومعرفة خططه التحفيزية للعربة الاقتصادية والرؤى الشمولية بعلاقاته الدولية، هل سيستمر بحرب تجارية مع الصين، هل سيدخل بمواجهة مباشرة مع إيران، هل سيستمر ببهلوانات دبلوماسية ومناوشات اقتصادية مع الاتحاد الأوربي أم سيتخذ خطوات أكثر دبلوماسية من ترامب.

التخبط الظاهر اليوم بأسواق العملة سيربك العربة الاقتصادية ككل حيث جميع المؤشرات تقول أن عملة الدولار خلال عام 2021 ستتابع تراجعها ولكن هذا الكلام لا يعني على الاطلاق أن هناك انهيار محتمل لتلك العملة السيادية بل سيظهر على الأقل من سينافسها على هذا المركز إن كان اليورو أو بالتشارك مع الذهب  ويمكننا أن نقول أن سياسة جديدة ومفاهيم جديدة ومعايير جديدة تظهر بالأسواق العالمية ستكون بعيدة كل البعد عما نتبعه اليوم من أساليب بمفاهيم التعامل الدولي بالمدفوعات مما سيظهر مراكز قوى اقتصادية مختلفة كليا عن مفهوم القطب الاقتصادي أو كما كنا نسميه يسار ويمين وسوق حرة وعولمة وما الى ذلك من تسميات.

إذا فكرنا بشكل أكثر واقعية في الانعكاسات التي يتركها هذا الصراع على دول ذات اقتصادات ناشئة ، سنرى أن أول المتأثرين هم الدول التي اعتمدت بشكل أساسي على الدولار كاحتياطي ببنوكها المركزية حيث بتراجعه سيتأثر احتياطيها بشكل ملحوظ وستتأثر عملتها المحلية بالتدريج بشكل تراجعي ، إضافة إلى ذلك فيما إذا كانت سلة صادراتها بأغلبيتها مسعرة بالدولار مما يعني تراجعا بقيمة القطع الاجنبي ليس كعدد بل بالقيمة وأكبر مثال على ذلك الدول المصدرة للبترول الذي يتم بيعه وشراءه بتلك العملة السيادية، أما من الناحية الإيجابية فسترى أن مستورداتها لتلك الدول الناشئة ستكون أقل كلفة مقابل عملتها المحلية وستحقق وفر من جراء تراجع الدولار.


سمير الخراط
كاتب وباحث اقتصادي سوري، مقيم في باريس