الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حلب لم تسقط في أيام

أحمد مظهر سعدو

مخاض الثورة السورية كان ومازال عسيرًا، فمنذ بدأت سلمية ومن ثم جرها النظام الأسدي إلى مستنقع العسكرة، ومعه ومن خلاله العمل القسري نحو الطائفية، التي لم تكن بالأساس منهجًا ولا طريقًا سالكًا أمام قوى الثورة السورية، بكل ألوان الطيف الذي تشكلت منه، كان همها الرئيس الحرية والكرامة المفقودتين في زمن البعث، زمن التغول الواضح للدولة الأمنية، على مدى حكم وهيمنة سلطة الأسد الأب ومن ثم الابن، الذين كرسا وبشكل واضح دولة العصابة، الدولة الأمنية المنفلتة من أي عقال موضوعي يمكن أن يكون ناظمًا أو محددًا لها، خلا عمليات التعدي على كل ما في الوطن ونهب موارده وسلب ثرواته، وإلغاء أي صوت معارض فيه، وسحق أي محاولة للثورة أو العصيان، مهما كانت صغيرة، أو غير ذي جدوى، حتى باتت السياسة كابوسًا يخيف كل متلفظ بها أو متعاطٍ لآلياتها، فامتلأت السجون بأصحاب الرأي المخالف، وتمت تصفية كل الذين يفكرون بأي لمحة تفكير للانقلاب على السلطة الفاجرة في دمشق.

انطلقت ثورة الشعب السوري سلمية بامتياز، فحوَّلها نظام الأسد قسرًا إلى حمل السلاح دفاعًا عن النفس، وعن الأعراض، وعما تبقى من إمكانية للانتفاض، فبدأت كما نعلم جميعًا بانشقاقات أدت إلى تشكيل الجيش السوري الحر، لكنها ومع التدخلات الخارجية تحولت إلى تشكيلات عديدة، وذات منابع ومناهل خارجية في معظم حالاتها، بحيث انفرط عقد الجيش الحر، ليصبح جيوشًا متنوعة متعددة، متناثرة، ناهيك عن الفرقة وعدم التمكن من الإمساك بسلسلة قيادة عسكرية منسجمة، تتمكن من التصدي لهذا النفير الطائفي الخارجي، الذي استقدمته ايران للامساك بتلابيب سورية، وباسم الانتصار للحسين، وتنفيذًا لمشروعها الفارسي الطائفي، ولتتكوم جميعًا حول حلب، لأنهم وجدوا فيها تلك المعركة الفاصلة التي لابد من الانتصار فيها، على مجمل كتائب وثوار سورية. وجاءت معهم روسيا لتلتقي مصالحها مع مصالح إيران، لكن ضمن توضعات أخرى، وأهداف مختلفة.

الثوار في حلب وسوى حلب، ظنوا أن الحرب النظامية التقليدية يمكن أن تنتصر على تلك الجحافل الحاقدة الآتية مع جيش النظام، أو ما تبقى منه، ولم يلتفتوا البتة الى أن حرب التحرير الشعبية/حرب العصابات هي الأقرب لإمكانية تحقيق أي انتصار على جيوش نظامية، يدعمها الطيران وكل أسلحة روسيا الحديثة والمتطورة.

مع ذلك وبعد كل ما جرى يبدو أنه لابد من العودة إلى الوراء قليلًا ودراسة الامكانية والآلية العسكرية الجديدة الأفضل، لخوض معركة متواصلة، وهنا تصعد للذاكرة مرة أخرى مسألة حرب العصابات التي عملت عليها في السابق ثورات كثيرة وأدت إلى انتصارها على دول كبرى وعظمى، ونذكر هنا ما فعلته في الجزائر في مواجهة الفرنسيين، وأيضًا الثورة الفيتنامية ضد الأميركان، وقبلهم الفرنسيين، وفي بنغلاديش وفي الصين ضد اليابانيين. حرب العصابات لا تشبه الحرب التقليدية، فهي تفترق كليًا في مجمل مبادئها وقوانينها، وكذلك ماهية الإعداد لها. فهي تتكئ على العديد من المحددات والعناصر منها البعد الاستراتيجي المتعلق بكل عملياتها، وأيضًا التكتيك المرتبط بأساليب التنفيذ لهذه العمليات والمعارك، ومن ثم التقانة العلمية التي تساهم في حسم الكثير من مواقفها، وفي النهاية التخطيط والخطة والتي تساهم في عملية تمفصل تلك العناصر الثلاثة ضمن سياق الزمان والمكان.

يقول الاستراتيجي العسكري (صن تزو) “في حرب العصابات لا تحتل أرضًا، اقتل عدوك واهرب، داهم عدوك من حيث لا يتوقع، وكن مثل بقعة الزيت إذا ضاق عليك المكان انتقل إلى غيره”، فهل يمكن أن نتعلم من هذه الرؤية الاستراتيجية، لحرب العصابات أو حرب التحرير الشعبية؟

إن إعادة قراءة التاريخ، تاريخ الشعوب تعتبر منطلقًا لابد منه، ضمن تجارب الشعوب البعيدة، وتجارب العرب والمسلمين القريبة، ففي تجاربنا ما يمكن أن نتعلم منه أيضًا، وفي هزائمنا الكبيرة في العصر الحديث، ما يمكن اعتباره دروسًا لا يمكن القفز من فوقها أو تجاوزها. أخطاء الشعوب دروس مستفادة، هكذا لابد أن تكون.

يقول (ياسين الحافظ) بعد هزيمة عام 1967 في كتابه (الهزيمة والايديولوجيا المهزومة): “نحن العرب لم نفقه بعد وحدة الزمان، أي ترابط وتواصل وحداته أو لحظاته، كما أننا لم نفقه بعد أن هذا الترابط ذو طابع سببي وتراكمي. لذلك نخدع أنفسنا بالحديث عن (لحظات تاريخية) و(أيام مصيرية).. فلسطين لم تسقط في أيام، كما لم تسقط في شهور، بل إنها كانت تسقط كل يوم كسرة بعد كسرة، وحجراً بعد حجر”.

أحمد مظهر سعدو

كاتب صحافي سوري، رئيس القسم السياسي في صحيفة إشراق

 

المصدر: مجلة الغربال