الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

التقرير العام للمؤتمر السادس لحزب الاتحاد الاشتراكي العربـــــــــــــي في ســــــــــــــــــورية- ١٩٧٣- القسم السياسي الجزء الثاني


حزب الاتحاد الاشتراكي العربي                                                                         حرية * اشتراكية * وحدة                      في سورية

                                   التقرير العام للمؤتمر السادس

                           لحزب الاتحاد الاشتراكي العربـــــــــــــي

                                     في ســــــــــــــــــورية

                                          – ١٩٧٣ –

القســــــــــــــــــــم الســـــــــــــياســـــــــــي

(الجزء الثاني)

أولاً – ظروف المعركة و مقتضياتها:

   لقد قلنا منذ بداية التقرير أن الظرف الذي يحكم مسيرة قوى النضال العربي كلها من بينها حزبنا هو ظرف المعركة، معركة إزالة آثار العدوان كما حددها عبد الناصر هدفاً استراتيجياً لهذه المرحلة من نضال أمتنـــا.

   لقد تحددت مواقفنا بعد حرب حزيران، أي منذ أن أخذ عبد الناصر يستوعب أبعاد الهزيمة وآثارها وأسبابها ليتحرك على طريق الصمود فالتصدي بأن نساند بما نملك من طاقة، وهي طاقة محدودة و لا شك، اسـتراتيجية عبد الناصر التي حددت طريقها بأن لا سبيل الى التحرير واسترجاع الحق إلا بالقوة. وذهبت قناعاتنا دائماً ومازالت إلى أن لا سبيل لأمتنا لدحر العدوان إلا إعداد نفسها للقتال ووضع امكانياتها على هذا الطريق؛ فالهزيمة كانت لأن أمتنا لا في جمعها الكبير ولا في قطرٍ من أقطارها أو نظام من نُظُمها استطاعت أن تبني نفسها كأمة مقاتلة في سبيل حقها وتحريـر أرضهـا.

   وأصبح بناء الأمة المقاتلة هو المطلب والنداء، وبناء الأمة المقاتلة ولو في قُطرٍ ليس مجرد بناء للقوة المسلحة بل هو أيضاً بناء الشعب المقاتل والنظام الوطني الذي يقوى على تحمل أعباء حرب حديثة أو طويلة، كما هو مطلوب في صراعنا مع إسرائيل والامبريالية التي تساندهــا.

   واليوم و بعد مسيرة ست سنوات مازلنا بين صعود وهبـوط على هذا الطريق ولا يلوح بعد في الأفق المرئي لإعدادنا العربي ما يدل على تقدمنا وتقدم قوانا وإمكانيات النظم العربية على المواجهـة الظافرة وعلى التحريــر.

   تلك هي المحصلة الكبرى التي تتخبط بهـا أمتنا، وأمامها اليوم امتحان كبير، فالعدو يقف في قمة التحدي و يرى أن ظروف الأمة العربية لا تعبر إلا عن التمزق والضياع والعجز المطلق ويريد أن يُثبّت اليأس في نفوس جماهير شعبنا، معتقداً أنه قادر من خلال هذا الواقع الذي تتخبط به أمتنا أن يجني من ثمار عدوانه ما لم يكن يأمل أن يجنيـه في يوم من الأيام، و لا في اليوم الذي أعقب الهزيمة مباشرة وبعد تدمير قدرة الجيوش العربيـــة .

   فالمطلوب إذن مواجهة هذه المعضلة باستراتيجية جدية تجاه ما يلحظه العالم كله من قصور محاولات التصدي لدى قوى المواجهة العربية حتى اليوم عن أن ترسم طريقاً إلى التحرير. ومهمة رسم هذه الاستراتيجية للمواجهة تتجاوز امكانياتنا كحزب ولا نملك معطياتها ولكننا نملك أن نقول كلمتنا وأن نعبر عن منظـورنا للواقع وتطوراته وأن نؤكد على ضرورة المواجهة والتغييــر.

   إن الثورة العربية كلها في منطلقاتها الكبرى وأهدافها في المواقع التي انطلقت منها والقوى التي انطلقت منها والقوى التي تتحرك وراء شعاراتها وفي النظام والمؤسسات والأحزاب التي تقول بها، هي أمام هذا التحدي الكبير وخطر السقوط، إنها فعلاً أمام سؤال ’’ تكون أو لا تكون ‘‘ الذي طرحه عبد الناصر ليستنفر طاقات النضال العربي كلها للمعركة، و السؤال الكبير الذي يظل يطرح نفسه اليوم وبعد عبد الناصر، وبإلحاح الخطر المحدق وإلحاح التحدي المصيري، كيف يمضي النضال العربي نحو أهدافه عبر المصاعب الكبيـرة وتراكمات التخلف والتمزق والأخطاء، وفي هذه الظروف المفرطة التعقيد منها ما يتعلق بواقعنا العربي وثغراته التي لا تُسد وأمراضه التي لا تواجه، ومنها ما يتعلق بذلك العدو المتنمر على أرضنا بدعم القوى المعادية لأمتنا كلها، ومنها ما يتعلق بالأوضاع والتوازنات الدولية السائدة في العالم… كيف نمضي إذن نحو أهدافنا بدون تخطي هذا الجدار الشاهـق الذي خلفته هزيمة حزيران في طريقنــا؟

   من قبل كان عبد الناصر، كان هناك بعد الهزيمة بصيرةً وتصميماً، كان قائد الأمة في معركتنا المتعددة الأبعاد وكان رأس نظام أكبر قطر عربي، وكان معززاً بثقة أوسع قاعدة جماهيرية في الوطن العربي وله رصيده الكبير لدى قوى التحرر في العالم. وكان الطريق الذي صعد عليه عبد الناصر إمكانية كبرى للمواجهة المسؤولة الجدية لمتطلبات المعركة وكان كذلك محاولة جدية للتغيير والتجديد في ظروف المعركة ومن خلال التطلع إلى الأهداف الوطنية والقوميـة الكبــرى.

   كان مطلب النصر في المعركة لا شعاراً يُطلق بل التعبير عن التصميم ’’ فلا بديل عن النصر لأمتنا ‘‘ في هذا الصراع التاريخي والمصيري مع إسرائيل ومَن وراء إسرائيل، ولكن هذا النصر كان يبدو لعبد الناصر نفسه بعيداً وصعباً جداً. ولا بد له من طاقات فوق الطاقات المرصودة للمعركة بكثير، ولا بد على طريقه وفي سبيـله من تغييرات كثيرة تتناول طبيعة النظم المتصدرة و تتناول علاقاتها بالجماهير وعلاقاتهـا ببعضهــا.

   لقد كان لعبد الناصر استراتيجيته في المعركة ولقد تفهمها حزبنا واستوعب أبعادها وركز الكثير من نشراته وكتاباته ومواقفه عليها، إلا أن استراتيجية عبد الناصر نفسها واجهتها مصاعب وعقبات كثيرة وكانت تتأرجح بين صعود وهبوط في مواجهة الضغوط الكبرى وفي مواجهة مقاومات الواقع العربي المتردي والواقع الدولي، ولقد وقعت هذه الاستراتيجية في تعثر لم يستطع بعد أحد أن يتجاوزه من بعده منذ أن اضطر ولو مؤقتاً لإيقاف حرب الاستنزاف ومنذ أن اضطر ولو تكتيكياً ومناورة سياسية لقبول مبادرة ’’روجرز‘‘ ومنذ أن شهد أمام ناظريه قبيل أن يمضي سقوط آخر أمل في الجبهة الشرقية ومذبحة الفدائيين في الأردن .

   واليوم و بعد غياب عبد الناصر فإن الكثير من مرتكزات استراتيجيته قد تزعزعت فضلاً عما كان لشـخص عبد الناصر مـن دور كبير في مقومات تلك الاستراتيجيـة.

   فطريق عبد الناصر قد لا يقوى عليه غيره لأنه بحاجه إلى بصيرة عبد الناصر وتفاني عبد الناصر وحزمه ولإيمان الجماهير بعبد الناصر ولأثر عبد الناصر في العالم بأسـره.

   واليوم تبدو مقولات المعركة في الظاهر وكأنها المقولات ذاتها التي كانت أيام قيادة عبد الناصر إلا أنها قد أُفرغت في الواقع من كثير من مقوماتها وضماناتها. وأولى تلك الضمانات كانت قوة مصر والتماسك الوطني لشعبها خلف قيادته وتماسك الجماهير العربية حول مصر وصلابة مصر في خط التقدم والاشتراكية وخط النضال القاطع ضد الامبريالية وخط تعزيز النضال العربي التحرري في كل مكان وتعزيز مسيرة مصر في طريق الوحدة العربيــة .

   لقد خاض حزبنا في بحث عوامل الضعف التي أخذت تنتاب استراتيجية المواجهة العربية بعد غياب عبد الناصر وركز على ذلك في نشراته، وأكد على الجانب الثوري الذي لا بد أن يسود من جديد منطق استراتيجية المواجهة وهو جانب المراجعة العقلانية والتعلم من التجربة والخطأ والتغيير المتواصل للتصدي لمواجهة الثغرات والمصاعب التي تتكشف على الطريق. وقلنا أكثر من مرة لو كان عبد الناصر اليوم موجوداً وفي قمة المسؤولية والقيادة وكما علمَنا عبد الناصر في جملة الأفكار التي سار عليها بعد الهزيمة والتي نعتبرها الأساس المتين للخط الناصري المُتقدم والصاعد لراجع عبد الناصر نفسه وراجع استراتيجيته وراجع نظامه ولطالبنا جميعاً بأن نراجع أنفسنا ومواقفنا وطريقة بناء قـوانا .

   فالموقف العقلاني الثوري لا يُموه على نفسه ولا يُكابر في المُحال، ولا يترك للخطأ أن يتمادى مكابرة ووهماً، بل يواجه مقاومات الواقع بالتحليل الواضح ويقول هذا عجز وهذا لا يوصل إلى الهدف فلنفتش عن منطـق آخر في التقدم نحو أهدافنا وعن طريق مغايرة في بناء صعود قوانا وفي مواجهة التحديات ولنتصدى لمهمات المـرحلة.

   إن قوى المواجهة العربية ونظمها قد وضعت مقولات كثيرة لاستراتيجية المرحلة وحول العدوان وأهدافه والتصدي لها وفي سبيل مطلب التحريـر، إلا أنها مقولات لم تأخذ رصيداً فعلياً على أرض الواقع أو هي أخذت مضامين شكلية أو ضعيفة، وأمثلةُ ذلك:

   أ – أن أولى الشعارات التي رُفعت والمقولات التي قيلت تركز على قومية المعركة وعلى الوحدة في المعركة من أجلها، ولكن محصلة المسيرة على هذا الصعيد لا تلمس منه الجماهير لا وحدة في القوة ولا قوة في الوحدة… لا في السياسة والمواقف السياسية، ولا في حشد الطاقات ثمة وحدة ولا في استخدام سلاح البترول ولا في توجيه الاقتصاد ولا عن طريق المواجهة أو القتـال.

   لا في مسـتوى سياسة العمل العربي الموحد ولا في مستوى وحدة القوى والنظم التقدمية أو نظم وقوى المواجهة منها، تحققَ صعود واضح وفعال أو ما يعطي أملاً في إنجاز مثمر أو تأثير جدي لزحزحة العدو عن مواقعه ومواقفه التي تزداد تحدياً واستخفافاً فالوحدة في المعركة غير موجودة أصلا ( حتى ولا على الصعيد الثنائي إلا ما يجري من تنسيق بين مصر وسورية مازال الأمل معقوداً على تكامله ) ولا الوحدة على طريق المعركة أو من خلالها ولم يتحقق أي صعود وحدوي جدي لإعطاء جدوى أكبر للكفاح العربي بل على العكس من ذلك إننا نشاهد تعزيزاً أقوى وأكبر لإقليمية النظم و للمصالح والمنطلقات الإقليمية في غالبية المواقع العربيــة.

   وعند الحديث اليوم عن الوحدة وعن مشاريع وحدويه يُنظر بوجهٍ عام إلى تجربة عام ١٩٥٨ وكأنها شيءٌ فاتَ أوانه و يُركز على سلبياتها دون الإفادة من إيجابياتها العميقة والكثيرة في تحديد ملامح لمسيرة وحدوية جديدة وهي مسيرة لا يمكن أن تكون إلا مسيرة ثورية وحركة تجاوز لكل ما زُرع في أوضاع النظم والقوى التقدمية العربية من مُقومات ونعرات إقليمية .

   إن الاتحاد الثلاثي مع كل ما عُقد عليه من آمال مازال شكلاً مفرغاً من أي مضمون وحدوي حقيقي وهو لم يتقدم كثيراً على طريق أي إنجاز يحمل معنى الوحدة بل ولم يصل حتى اليوم إلى إعطاء أبسط ما يُطلب منه من خلال ’’ إعلانه ‘‘ في وضع استراتيجية سياسية وعسكرية واقتصادية موحدة للمعركة .

   ومشروع الوحدة الاندماجية بين مصر وليبيا لا يعطي منظوراً واضحاً ولا يُحرض تحركاً جماهيرياً دافعاً على هذا الطريق وأياً كان حماس الرئيس القـذافي وتمسكه، فإن السعي لهذا الاندماج ما يـزال يغوص في الشكليات والدراسات المكتبية بينما تتعزز ردود أفعال إقليمية وتتركز هنا وهناك تناقضات في المصالح والمنطلقـات .

   ب – وفي المواجهة الوطنية لمتطلبات المعركة على صعيد كل قطر، ومن خلال التأكيد على أن لا طريق إلا طريق القتال والنضال المسلح لتحرير الأرض، طُرحت مقولات وشعارات ومشت أساليب وتجارب من قبل العديد من النظم والقيادات والقوى العربيـة .

   لقد طُرحت مقولات للوحدة الوطنية ولقاء القوى التقدمية ووحدة القوى الثورية ولقيام الجبهات الوطنية والتقدمية ولتعزيز الصمود وبناء قوة الجيوش وقوة الشعب وصلابة جبهات القتال وصلابة الجبهة الداخلية وفي بناء الاقتصاد للحرب… ومقولات عن طريق الحرب في الصراع العربي الإسرائيلي بين قتال الجيوش والحرب النظامية وبين كفاح الشعب المسلح وحرب التحرير الشعبية، ومقولات كثيرة ومتباينة عن المقاومة الفلسطينية ودور هذه المقاومـة …

   ولقد كانت لنا تحليلاتنا لهذه المقولات المختلفة ولرصيدها على أرض الواقع وأكدنا أن القتال هو المطلوب أي القدرة الفعلية على السير في مقاتلة العدو ومواصلة القتال، قتال الجيوش وقتال المقاومة الشعبية معها وبناء قدرة الشعوب على مواجهة ظروف الحرب القاسية .

   ولهذه القدرة على القتال مقوماتها على خطوط المواجهة وكذلك في الداخل وفي صفوف المواطنين وفي خطط الاقتصاد وفي بناء المؤسسات وتلاحم النظم بالجمـاهير.

   ولبناء هذه القدرة في الظروف التي تعيش فيها أمتنا لم يجد عبد الناصر إلا طريقاً واحداً فعالاً ومجدياً، وهي طريق حرب الاستنزاف التي باشرها في عام ١٩٦٩ بعد أن ملك الإمكانيات القتالية الأولية لمباشرة مثل هذا النمط من المواجهة مع العدو. إن تلك الحرب وحدها كانت المُمكنة في حينها كبداية وهي التي وضعت الحرارة في المواقع والمواقف، وهي وحدها كانت المحرك والكاشف لمواطن القوة ومواطن الضعف ولما هو كائن في المواقع ولمـا يجب أن يتقدم في امكانياتنا ومساندة أصدقائنا تجاه ما يتقدم في إمكانيات العدو الصهيوني والدعم الأمريكي المساند له إلى أقصى الحدود. فحرب الاستنزاف وحدها باستمرارها كان من الممكن أن تفرض حركة مستمرة في صعود المواجهة العربية وتضع النظم والقوى أمام مسؤولياتها وتفرض ما يجب من تغيير. وهي التي تُصهر القوى ببعضها في نار المعركة وتذيب التناقضات الجزئية في مواجهة الاخطار الكبرى وتُلحِم أواصر الوحدة الوطنية، وهي التي تُحرك، أيضاً المواقف الدولية والعربيـة …

   ولكن حرب الاستنزاف هذه توقفت، توقفت لمهلة أو ليكون بعدها حرب الاقتحام؛ إلا أن التوقف استمر وتواصل لتتلقى المواقع العربية الضربات المنفردة والمهينة من إسرائيل من غير أن تبّرز حتى اليوم قدرة فعالة على العودة إلى هذا الطريق التمهيدي للتحرير في استراتيجية عبد الناصر، كمرحلة لا بد منها طالت أو قصرت لإبقاء القضية ملتهبة فلا تخبو و لتظل الكاشف المستمر والإلزام المتواصل .

   واليــوم و مع كل ما تطـور و تـراكم هـل مـن سبيــل غيـر هـذا السبيــــل ؟

   ج- إن إسقاط النظم العربية التقدمية كان هدفاً من أهداف العدوان ومازال.. تلك أيضاً مقولة ومازالت، والواقع أن العدوان كان يستهدف إسقاط عبد الناصر، ويرمي إلى تساقط النظم والمواقع التقدمية الأخرى في الوطن العربي بالتابعية، والعدوان الإسرائيلي معززاً بالإمبريالية الأمريكية مازال يضغط على مصر وعلى النظم العربية التقدمية المتصدية للمواجهة ويُراهن على سقوطها، ولكن نقائص هذه النظم كانت المدخل إلى الهزيمة ومازال قصور هذه النظم هو الذي يباعد بينها وبين هدف التحرير وأن عجزها هو الضاغط الأكبر الذي يراهن عليه العدو كما تراهن عليه الإمبريالية لإيقاعها في التناقض والتعثر والتصادم… ولإسقاطها وإسقـاط مرحلة كاملة من النضال العـربي .

   إنها نظم تقدمية إلا أنها غير صلبة التقدم وتحررية إلا أنها لا تحمل المقومات العميقة والقاطعة لهذا التحرير فإيمانها بالجماهير وحركة الجماهير مازال ضعيفاً ولفظياً، إنها تضع نفسها فوق الجماهير لا في قلبها، وتتحرك بدونها، لا في طليعتها وكثيراً ما تقع في تناقض معهـا أو تصـادم .

   إن الجماهير قد أعطت الكثير لهذه النظم ومازالت تعطي، بل وحين هُزمت وتكشفت نقائصها لم تنفك عنها الجماهير ولم تطالب بتغييرها وإسقاطها ولم تتحرك من مواقع التصادم معها، فالحس الوطني للجماهير كان كبيراً وقوياً وتطلعها كان ومازال على العدو و دعوة الجماهير لهذه النظم كانت أن تصحح نفسها لتقوى على مواجهة العدو وأن تصحح علاقاتها بالجماهير وأن تكون أكثر إيماناً بالشعب وأكثر ديمقراطية، وطالبتها بأن تتماسك وأن تُصلب عودها في مواجهة التحديات وأن تنفتح على الجماهير وتطلق مبادراتها وتُشركها في تقرير المصير وفي بناء صمودها وبناء وحدتها الوطنية وأن تحشد طاقاتها فعلاً للمعركة .

   إن عبد الناصر عندما تجاوب مع حركة الجماهير وجسد إرادتها في الصمود والتصدي أعطته الجماهير أكثر وصمدت وراءه وتحملت شراسة ضربات العدو وقدمت كبرى التضحيات و أن قيادة النظام في سورية عندما مشت خطوة واحدة باتجاه الجماهير عند الحركة التصحيحية مشت نحوها الجماهير خطوات وأعطتها رصيداً كبيراً من الدعم والصمود ورصيداً عربياً ودولياً أكبر، ولكن عبد الناصر قضى وتعرقلت مسيرة مصر التقدمية تجاه الأزمات والمصاعب والضغوط التي طوقتها وتراجع دور مصر القـومي ودورها على صعيد حركة التحرر العالمي وليس هناك في هذه المرحلة ما هو أخطر من تراجع دور مصر في قيادة معركة الأمة العربيـة .

   ومسيرة التصحيح في سورية إذا ما حققـت إنجازات وخطوات وتغييرات كان من الممكن أن تشكل نقلة انطلاق في صعود حركة الجماهير من جديد في سورية لتكون مرتكز استناد في إيقاف الانهيار العربي ولتعطي مثالاً ونموذجاً للطريق ولتحرك مواقع عربية أخرى نحو التغيير ولتحقق صعوداً جماهيرياً في أقطار عربية أخرى. فإن البيروقراطية الجديدة في الدولة والحزب وأجهزة الحكم التهمت الكثير من هذه المنجزات وأفرغتها من كثير من مضامينها لتنكفئ حركة الجماهير وما كادت تتقدم وراء الأمل الجديد في أن تأخذ سورية دورها النضالي القومي المؤهلة له، ولتعود من جديد أزمة الثقة لا بين الحكم والشعب فحسب بل وبين الشعب والقوى التقدمية كلها بعد أن تعطلت قدرتها على التأثير الإيجابي في النظام وليتحول بالفعل إلى نظام ديمقراطي شعبي حقيقي من خلال الحيز الضيق والمتخلف عن تطلعات الجماهير الذي أخذته صيغة الجبهة الوطنية التقدمية و صيغة علاقتها بالجماهير والمـؤسسات الجماهيرية .

   ولكن ومع هذا كله فإن مصر وسورية مازالتا المُعوّل عليهما في المعركة وإذا كان تركيزنا على نظاميهما دون غيرهما فلأنهما المؤهلتان. ولأنهما المطالبتان بالتغيير في سبيل قدرة أصح و أقوى ولأنهما أمام مصير واحد ودور متلازم في المعركة وإذا كانتا تتهيآن اليوم لتحريك جبهتيهما أو لمباشرة حرب استنزاف جديدة ففي هذا السبيل أيضاً لا بد من صيغة أصح للوحدة الوطنية ومن توجه أكثر تصميماً وثقة باتجاه الجماهير وباتجاه التقدم وقوى التقدم .

   فالتغيير يبقى تحركاً في الفراغ واللاجدوى ما لم يأخذ طريقه الحقيقي طريق الجماهير، وما لم يتأكد البناء الديمقراطي الصحيح للنظام، وما لم تكن الثقة بالجماهير إيمانا بحريتها وجهداً حقيقياً لإطلاق مبادراتها وإخراجها من دوامة التمزق واليأس، ولكي تعطي الجماهير وتضحي، والجماهير ولا شك معطاءة وبعطاء الجماهير يمكن أن تقوى النظم التقدمية وتحتمي وتواجه أعداءهـا.

   إن استراتيجية عبد الناصر في مواجهة الظروف التي خلفتها هزيمة حزيران وكما فهمنا هذه الاستراتيجية كانت تتحرك في اتجاهين: فعبد الناصر كان يكافح و يعمل لتحريك القوى الجاهزة أو التي يمكن أن تتجهز على المدى القصير، والصعود بها لإيقاف الانهيار أولاً تحت شعار الصمود وللتقـدم بهذه القوى وبكل ما يرفدها على طريق التصدي بأمل التقدم بها من خلال المشقات والمصاعب على طريق معركة التحريـر.

   وكانت استراتيجية عبد الناصر تتطلع في الوقت ذاته إلى فسح المجال عريضة أمام الاحتمالات الأصح والأوثق، أي فسح المجال أمام قوى الثورة الجذرية لتبني نفسها مستفيدة من فرص النضال وما تقدمه من خبرات وما تكشفه من كفاءات نضالية ليتصلب عودها وينضج وعيها وطاقاتها ولتتقدم نحو الأهداف الكبرى من غير أن تكون مقيدة بما تفرضه الظروف على النظم في حدود مقوماتها وقواها الراهنة وطاقاتها من تراجعات أو تنازلات في هذا المجال أو ذاك.

   فالطاقات الراهنة أقصى مداها المنظور ’’ إزالـة آثار العدوان ‘‘ أما القوى الجذرية فهي المُعول عليها للتغيير الجذري ولمواصلة معركة الأمة حتى النهاية، معركة الحرية والاشتراكية والوحدة والتحرير الكامل.

   وعلى هذا الأساس فهمنا مثلاً موقف عبد الناصر من المقاومة الفلسطينية، إنه لم يُرد أن يفرض عليها التكييف مع شروط النظم أو شروط السياسات العربية، بأمل أن تصنع نفسها كحركة ثورة وأن تضمن لنفسها استمرارية ثورتها في ظروف هذه المعركة وما بعدها. فهو بعد الهزيمة لم يعد يُركز على ’’ منظمة التحرير ‘‘ بل أخذ يساند الفئات المقاتلة كلها وكان تحفظه تجاه المجموعات التي تدفع إلى أقصى التطرف أكثر من تحفظـه تجاه غيرها لأنها تطرح للمرحلة الحاضرة ما لا يمكن أن يكون طريقاً لوحدة القوى ويضعها وغيرها أمام تصادم مع النظم القائمة وأمام مطالب في الحال لا يمكن توفيرها لها وبهذا تُعرض مسيرتها للخطر وهذا الذي كان .

   ومن هذا المنطلق كان عبد الناصر يخاطب الجيل الجديد للثورة في مصر وفي المواقع العربية الأخرى ويتحدث عن مهمات مرحلة ما بعد إزالة آثار العدوان ويركز على الأبعاد التاريخية لثورة الأمة العربية وصراعها الطويل مع أعدائهـا.

   ولكن من جاؤوا بعد عبد الناصر ومن تطلعوا إلى أن يحتلوا دوره في قيادة الأمة العربية لم يستوعبوا تجربته في أبعادها الكبرى ولم يفيدوا من استراتيجيته المتحركة المراحل ومن حركة التغيير فيها أمام المعوقات التي تكشـفت وتتكشـف على طريقهـا.

   وصعود النظم التقدمية أخذ خطاً أشبه ما يكون بالتراجع ( مع تصاعد امكانياتها العسكرية وتسليحها ) إذا ما قيس بتصاعد قوة العدو وتراكم المهمات والمسؤوليات الضخمة التي تواجه هذه النظم. إنها نظم تحاصر نفسها محاصرة العدو لها وتتقدم على طريق غير موضّحة ولا واضحة وتعيش تناقضاً بين حركتها في بناء ذاتها وصلابتها وحركتها نحو المعركـة .

   فهي تُموه على نفسها كما تُموه على الآخرين، وكأنها تتوقع أن يتم التقدم هكذا عفواً بمجرد أن تسير بقوتها في صعود من خلال سلسة حسابية بالتراكمات التي تتحقق، ولكن العثرات تتراكم أيضاً والمصاعب تزداد، وتخـلف العقول وضيق أفقهـا يلعب دوره الفعال وأخطر ما في الأمر عندما تقف هذه النظم في طريق صعود حركة الجماهير وتسد الطريق أمام ما يمكن أن يظل رصيداً للمستقبل أو عندما تريد أن تستهلك جميع القوى أو أن تستوعبها في إطار حركة النظم المتعثرة.

   وبذلك فإنها لا تحد من امكانياتها كنظم أو تفرط بقسط من هذه الإمكانيات للتضييق على حركة الجماهير وتطويقها بل وهي تقطع الطريق على بناء قوى المستقبل بل ومن قدرتها هي نفسها على أن تكون تغييراً باتجاه المستقبـل. إن شعار ’’ إما معنا وإما علينا ‘‘ معنا في كل شيء ولا نتحمل أن يقال لنا ’’ لا ‘‘ مطلقاً؛ كلمة خطيرة عندما ترفعها النظـم. إنها تجعل من موقفها الموقف المطلق وتريد من الآخرين التسليم المطلق وبهذا لا تحاصر الآخرين بل وتحاصر نفسها وتوقف حيوية القوى الدافعة نحو المستقبل وتغرق الجميع في لعبة الحاضر، وتقف في النهـاية، وتقـف جماهير أمتنا أمام الطريق المسدود، ليعود ويتجدد بإلحاح كبير مطلب التغيير، فالطريق التي تصعد عليهـا النظم وتصعد اليوم عليها قوى النضال العربي كلها ليسـت مقصرة عن بلوغ الهدف الكبير بل هي طريق الانهيار الذي لم يتوقف إذا لم تُراجع نفسها ولا بد اليوم من المراجعة الكاملـة.

   ولكننا إذ لا نقوى على أن نفرض المراجعة على الآخرين فلا أقل من أن نراجع أنفسنا ونراجع مسيرتنا، إلا أن أثرنا صغير بالنسبة لما هو مطلوب وطاقاتنا محدودة، إنها محصورة في قُطر وهي محاصرة ومحدودة في هذا القطر ذاته، وفي هذا القطر حاولنا أن نفعل ونؤثر من خلال قناعاتنا وإمكانياتنا، إن حزبنا كان ومازال حزباً قطرياً، ولو أنه يقوم على أساس قومي ومن خلال تطلعات قومية ويرفع راية الثورة العربية الواحدة من خلال منطلقاته الناصرية الثورية. و خارج حدود القطر لا نملك إلا الموقف المنادي والناقد ونقدنا ولو أنه لم يأخذ أبعاد النقد المتعمق والكامل تضيق به النظـم ذرعاً ولا تطيقـه .

   إننا في هذا القطر العربي السوري، ولنفعل في صمود هذا القطر ولنؤثر في تحولاته الوطنية الديمقراطية والقومية والوحدوية وفي أداء دوره في معركة الأمة العربية وفي أداء دوره المساند والملازم لدور مصر عبد الناصر اخترنا طريق الجبهة الوطنية التقدمية ولا طريق أمامنا للفعل في الحاضر ولحماية إمكانيات المستقبل إلا طريق العمل الجبهوي، إنه كان وسيظل أساساً في استراتيجيتنا السياسية وبخاصة في ظروف المعركة، ولكن هل هذه ’’ الجبهـة ‘‘ القائمة والتي جمدنا أنفسنا فيها ثم جمدتنا تشكل صعوداً في العمل الجبهوي كما نفهمه وكما تتطلع من خلاله جماهيرنا لوحدتها الوطنية ؟

   هذا هـو السـؤال الذي وقفنا عنده  ســنعود إليه وسـيعطي هذا المؤتمـر جوابـه عليـــه .

   و أياً كان الجواب فإن مطلب الجبهة الصحيحة سيظل مطلبنا وأن دعم النظام الوطني التقدمي في سورية على طريق المعركة سيظل موقفنـا.

   ولا شك أن النظام الوطني في سورية يؤدي اليوم دوراً أساسياً في المعركة وقيادته تحمل مسؤوليات وأعباء كبرى وتسير في خط معقول في مواقفنا العربية والدولية لتعطي خيراً أكبر من الرصيد لصمود سورية واستمرارها في خط التقدم والتحرر ورفض المخططات الامبريالية والتصدي لهــا.

   وعندما نواجه الأمر الواقع وهو أن التصدي اليوم لأعداء أمتنا مازال يجري على الإمكانيات الجاهزة والنظم التقدمية القائمة وسورية على ما فيها من تقصير نسبي في استخدام طاقاتها الوطنية كلها، مازالت متقدمة نسبياً في مواقفها، نجد أن اضطرارنا إلى القبول بتجميد علاقتنا ’’ بالجبهة ‘‘ القائمة اذ لم نقبل لأنفسنا دوراً تابعاً فيها وبقينا أوفياء لقناعاتنا الاستراتيجية والمبدئية لا بد في المقابل أن نظل حريصين على موقف الحوار الإيجابي مع حزب البعث والـقوى الوطنية التقدمية الأخرى فلن نقطع جسور التعاون مع نظام الحكم ولن ننتقل إلى الموقف المُخاصم بأية حال، وأياً كانت مواقف أجهزة الحكم منا.

   ولقد أخذنا على أنفسنا عهداً ونحن أوفياء لهذا العهد، ولن نقبل التفريط به أو الخروج عنه لأي عضو من تنظيمنا، فما دامت ظروف المعركة القائمة فإننا لن نُشغل هـذا النظام بأي تحرك من تحركاتنا يمكن أن يعتبره معادياً أو مصادماً.. وسنظل نؤيد كل خطوة وطنية و تقدمية تعزز صمود سورية العربيـة.

   وبالحوار الإيجابي والمواقف الإيجابية سنظل نطالب النظام بالتغيير والتغيير في الاتجاه الديمقراطي الشعبي الصحيح.. وسنظل نطالب حزب البعث بالانفتـاح .

   ولكن وقبل أن نطالب نظام الحكم ونطالب حزب البعث لا بد أن نطالب أنفسنا بالالتزام المسؤول بهذه المواقف، وقبل أن نطالب الآخرين بالتغيير لا بد أن نُجري نحن التغيير في داخل حزبنا وأن نتقدم في بنائه بناءً ديمقراطياً ثورياً فعندما نطالب الآخرين بالارتفاع إلى مستوى المسؤولية التاريخية في هذه المرحلة الخطيرة التي يمر بها قطرنا وتمر بها أمتنا لا بد أن يكون تماسك حزبنا ووضوح فكره ومواقفنا الملتزمة دليلاً على ارتفاعنا إلى مستوى هذه المسؤولية وإلا فإننا نقع في المزاودة بلا رصيد من طاقاتنا وقدراتنا وندخل أيضاً في اللعبة الديماغوجية و نُخادع جماهير أمتنـا .

……………………

يتبع.. (الجزء الثالث 1 – 2)