الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أوهام وتضارب مصالح.. ماذا بعد في سورية؟

عبد الباسط حمودة *

استباقاً للعام الجديد وعلى أبواب الذكرى العاشرة للثورة وبمواجهة طوابير الحاجة والفقر المدقع الذي يعيشه المواطن السوري بظل نظام الشبيحة وعدم إمكانيته تأمين الضروريات المعيشية، تقوم أبواق القتل والجريمة في أجهزة دعايتهم التضليلية وتلفزيونهم التشبيحي، بنصح المواطنين بتناول الذُرة مع الكريما للتغلب على الجوع والفاقة! وكأن الذرة متوفرة في سورية للطعام في وقت لا يتوفر فيه القمح أيضاً، فلو كان هناك ذُرة لصنعه المواطنون خبزاً ولتناولوه مطبوخاً!

فماذا يريد نظام الشبيحة من خلال ذلك أن يوصل من رسائل؟ وإلى أين تتجه الأمور أمام هذا الواقع الذي لا تنفع معه أي محاولة لتجميله؟ تبدو استراتيجية النظام واضحة، وهو لا يبذل جهداً في إخفائها، ففيما هو يلهي المعارضة بلعبة اللجنة الدستورية، ويُغرقها في متاهة التفاصيل التي يتقنها، يحضّر بهدوء لانتخاباتٍ رئاسية يحين أجلها خلال ستة أشهر، تماماً كما فعل في الانتخابات البرلمانية الصيف الماضي، وهو يلقى في ذلك دعم حلفائه ورعاته؛ وإذا كان الموقف الإيراني غير مهم هنا، باعتباره أكثر تطرّفاً من موقف النظام نفسه، خصوصاً في سلوك ميلشياته على الأرض، ورفضها إعادة بعض المهجّرين إلى قراهم وبلداتهم، فإن الموقف الروسي الذي طرأ عليه تغير عميق يعدّ مركزياً، وخصوصًا أنه صاحب فكرة مؤتمر سوتشي وأستانا واللجنة الدستورية، ففي زيارته إلى دمشق في أيلول/سبتمبر الماضي، فجر لافروف، وزير خارجية روسيا، قنبلة في وجه الجميع، عندما قال إن عمل اللجنة الدستورية غير مرتبط بإجراء الانتخابات الرئاسية، وإنه ليس هناك حد زمني لإنهاء أعمالها، ذلك في وقت يراهن فيه نظام التشبيح الأسدي على تغير الرياح لمصلحته مع إدارة “بايدن” الجديدة، حيث يتوقع أن يصبح، كما في عهد إدارة “أوباما”، المستفيد الأكبر في حال حصول تقارب بين واشنطن وطهران.

إنها المراهنة على الزمن وتغير التحالفات في وقت تم تهجير ملايين السوريين قسراً خارج الوطن واستشهاد حوالي مليوني سورية وسوري قضوا تحت التعذيب بمعتقلات نظام الاستبداد الأسدي- هذا ما صرح به المدعو رمزياً “حفار القبور” باعترافاته في ألمانيا- إنه غيضٌ من فيض ممارسات القتل والجريمة التي مازالت منذ أكثر من خمسين عاماً مستمرة في سورية.

إضافة إلى أن الفيلم الوثائقي “سورية.. الصرخة المكبوتة” نقل شهادات حقيقية على ألسنة ضحايا الاغتصاب ممن عايشن آلام وأوجاع وعذابات المعتقلات في سجون آل أسد؛ لقد سردن جانباً بسيطاً مما عانين من عذابات تندى لها جبين الإنسانية المدافعة- زوراً- عن حقوق المرأة وحريتها، بعد أن باتت هذه المرأة سلاحاً بيد الأسد “سلاح دمار المرأة والمجتمع” بغية “وأد الثورة السورية”؛ فلماذا لم تحصل غضبة دولية بعد عرض هذا الفيلم “الصرخة المكبوتة”؟

هذه لها علاقة باستفهامات وأسئلة كثيرة: لماذا حضر جنازة حافظ أسد رؤساء وزعماء سياسيين وهو المُجرم المحترف؟ ولماذا لم يقمّ العالم بمحاسبة حافظ أسد على جرائمه في حماة ولبنان والمخيمات الفلسطينية؟ ولماذا لم يقمّ بمحاكمة بشار على اغتيال الحريري وعشرات السياسيين والمثقفين في لبنان وسورية؟ ولماذا ترك هذا العالم(المتحضر) بشار يقتل السوريين بكل ما تشتهيه نفسه من أسلحة إبادة؟؟

هكذا هو الحال اليوم، استكملت الثورة المضادة انقضاضها، عبر الصمت الدولي والعربي المطبق، بل بتواطؤ دولي وعربي رسمي حد الخيانة لتجديد إحكام القبضة الأمنية ولمزيد من تصدع المجتمع على خطوط دينية وطائفية وأثنية على وقع التطبيع وآثاره المدمرة، وبدل ثنائية الوطني- الإنساني التي وعدت بها البواكير الثورية، حل الهبوط إلى ما دون الوطني في حركات الثورة المضادة وقواها، الحاكمة منها والمتمردة، لكن تلك القوى لم تأتِ هذه المرة إلا مصحوبة باحتلالات لا يُستبعد معها، ومع ما يرافقها من تكسر مجتمعي، أن تغدو الأوطان نفسها حدثاً ماضياً، وبالفعل- وهذا أكثر ما يؤلم- فإن الأسباب التي استنهضت الثورات زادت وتفاقمت وتنذر بثورة أقوى وأشد، بينما غدا النفي والطرد يطالان كتلاً سكانية ضخمة على مرأى ومسمع كل شعوب العالم، لتدفع هذه الكتل أكلاف انهزام الحرية واغترابها؛ أما القوى الثورية، في المقابل، فتعيش تصدعاً يُستبعد معه التعافي السريع- لا تعافي الثورات فحسب- بل تعافي الأوطان نفسها؛ فما هي استراتيجية المعارضة في المقابل؟.. لا يجافي المرء الحقيقة إذا قال إنه لا توجد لديها أي استراتيجية، خلا استمرار الرهان على وهم أن تنتج اللجنة الدستورية توافقاً حول دستور يسمح لها بالقول إن انتقالاً سياسياً يحصل من خلاله ويتجسّد بمشاركتها في السلطة التي ستنّتج عنه!، علماً أن الرهان هنا يرتبط كلياً بقدرة العقوبات الأميركية على إحداث تغييرٍ في سلوك النظام على هذا الصعيد، وهو الأمر المذعن للرغبة الصهيونية والمصالح المشتركة مع الدول الفاعلة والمؤثرة بالملف السوري ككل، هذه الرغبة التي مازالت تحتضن استمرار نظام القتل والشبيحة الأسدي بعصر سورية وحلبها أشد ما يكون نحو التحلل الأقصى.

النظام ذاهب نحو انتخابات شبيهة بانتخابات 2014 يدّعي من خلالها شرعية الاستمرار في حكم أنقاض دولة ومجتمع، والمعارضة- المزعومة- مستمرة في لعبة اللجنة الدستورية وتأمل من خلالها تغيير النظام مع مزيد من التصدع في صفوفها، والعالم مستمر في تجاهل الموضوع السوري والاعتياد على العيش مع دولة فاشلة أخرى في المنطقة، وسورية لسوف تستمر في التحلل أكثر، حتى تظهر نخبة سورية مسؤولة ومستعدة للتضحية ومن جميع المكونات- الاجتماعية والسياسية- قادرة على التعاون لاجتراح خطة وطنية مستقلة بعيدة عن جميع الأجندات لإنقاذ سورية من الاستبداد وحلفائه وما يمكن إنقاذه مما تبقى من أهلنا وحقوقنا وتاريخنا الذي ثبت استهدافهم من جميع حلفاء القاتل؛ كل ذلك في الوقت الذي قام الشعب السوري بإسقاط الأسد منذ الأشهر الأولى للثورة، وأن من بقي بعد ذلك هم المحتلين ومنهم بشار أسد الذي غدا عنصر صغير في هذا الاحتلال الدولي؛ إذاً: فإن 50 ألف جندي روسي مع أحدث أسلحتهم وطيرانهم، و100 ألف مرتزق إيراني مع أسلحتهم، وآلاف المرتزقة من القاعديين والدواعش، هؤلاء يليق بهم التفاوض حول الدستور مع من غطاهم في مجلس الأمن الدولي وليستمر الضحك واللعب على من بقي في سورية بهمروجة الذُرة بالكريما!.

الزمن هو ما يتسرب من حياة ملايين السوريين النازحين، بعيداً عن بيوتهم، وملايين اللاجئين، بعيداً عن بلدهم، وعن سنوات تمدرس أطفالهم، أولئك الذي سُرقت حيواتهم ومقدراتهم، وتتآمر الآن قوى إقليمية ودولية على سرقة حقهم في سحب الشرعية من نظام القتلة بدمشق، الذي يطمح بمعونة الروس والإيرانيين وغيرهم كثير، لإعادة التعويم، وتكريس حكم العائلة الآبقـة إلى الأبـد!

يشعر السوريون حقاً أنهم فقدوا أعمارهم، وأن أحداثاً مفجعة من المجازر والموت والدمار، رافقت يومياتهم لمدة عقد كامل قد فعلت بهم الكثير، لكنها وإلى اللحظة، لم تفقدهم إحساسهم بالزمن، ولا سـيما لحظته الفارقـة؛ حيث لن يستطيع أحـدٌ إعادتهـم إلى سـكونٍ مميتٍ تكتنزه عبـارة “إلى الأبـد”!


عبد الباسط حمودة

مهندس وباحث سوري

 

المصدر: إشراق