الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

تدمر.. التي لا نعرفها “ما تحت الأرض”

سعد فنصة *

عندما يخرج الإنسان من وطنه مُهاجراً.. أو مُهجراً، تتسع رؤية الإشراق التي شهدها من نافذته الوحيدة في وطنه، وغالباً ما يتسع الأفق أمامه، أمام وحدة الوجود، مع وضاعة أقفاص الشعارات السياسية الفارهة والفارغة، المقفلة على عقله، دون أي محتوى فكري عميق وحقيقي. يُمَكِن للسوري المُهجَّر أن يبني نصّه الإنساني الخاص على مسرح الحياة، حينها تسقط كل السفاسف، وتَخفُت صدى الخرافات في عقله، ولعلّ في مقدمتها “الشوفينية” الدينية أو القومية، فلا يعود ذاك الطفل المسحور.. بالقص “التوراتي” عن أسطورة (الخلق)، والأشباه التي نُقِلَت عنه.

ولكن ما رأيك عندما تكتشف كلّ ذلك أو بعضه، وأنت لازلت مُقيماً في وطنك المُقفل عليه.. والمُغفل عنه، بحُكمِ مُتلازمة السياسات الرسمية الضيقة والقاصرة.**

———————-

شهدت سورية خلال فترات سحيقة من التغيرات المناخية والتبدلات الجيولوجية، تعاقباً مُثيراً لأولى الدلائل الأثرية، عن معارف الإنسان البدائي في العصور الحجرية الغامضة، وكانت من بين المناطق التي أثبتت التحريّات الأثرية التي أُجريت خلال الخمسين عاماً الماضية في “الحَوضَة التدمرية” وسط البادية السورية، بأنها بمثابة المكتبة الفكرية الأولى لثقافات تطور الإنسان، كذلك أثارت هذه المكتشفات معارف جديدة كانت مجهولة عن ظهور الإنسان في هذه البقعة من العالم .

بعد ظهور نوع من البشر أطلق عليه (  HOMO HABILIS) “هومو هابيل” أي الإنسان الصانع والذي أُرخ لاكتشاف بقاياه في “تنزانيا” و”اثيوبيا” بين 3 الى 2.5 مليون عام، وسُمّىَ بالإنسان الصانع أو الماهر، وحَمَلَ صفاتٍ بدائية جداً، لكنه صنع أولى أدواته البدائية من الأحجار القاسية والصوّان، فطَوَرَ من أنظمة حياته. ومنذ نحو مليون ونصف عام من الآن ظهر نوع جديد من البشر، مُتطوّر في صفاته الفيزيولوجية والحيوية عن سَلفِه “الإنسان الصانع” دُعِيَ ( HOMO ERECTUS ) “هومو اركتوس” أي الإنسان المنتصب القامة، فكان حجم دماغه أكبر من حجم دماغ الهومو هابيل وأطول قامة منه، (160-150) سم؛ وهو الإنسان الذي يُعتقد- حتى الآن- بأنه خرج من القارة الإفريقية، وقد وُجِدَت بقايا من جمجمته في كهف “الندوية” شمال “تدمر” وقُدِّرَ تأريخ حياته إلى ما قبل 450 ألف عام من الآن.

كانت أقدم الدلائل البشرية على ظهور الإنسان “العاقل” ( HOMO SAPIENSE ) السلف المباشر للإنسان الحالي؛ والمنحدر من ذات خصائصه الجينية وصفاته البيولوجية، كان في موقع “أم التلال” شمال تدمر، حيث جاء هذا الإنسان المكتمل طويل القامة، (170-160) سم وحجم دماغه الكبير يُماثِلُ حجمَ دماغ الإنسان المُعاصر، وصفاته الوراثية مُشتركة مع مورثاتنا (نختلف مع القرود بثلاثة ملايين عنصر جيني) وهو الذي دفع الحضارة الإنسانية في وقتنا الحالي الى أهم الابتكارات المتفوقة، بالإضافة الى خَلْقِــهِ كلَّ عناصر الشر والكراهية، مسبباً في ذلك، خراباً مدمراً للحياة على الأرض وبيئتها الطبيعية.

إن المُتأمل لتدمر من بعيد، لا يرى منها إلا التاجَ التاريخي.. الذي نهض خلال الألفي عام مضت من عُمر “الحَوضَة التدمرية” ويتبدّى في بقايا أسوارٍ وأعمدةٍ وأسواقٍ ومعابدَ وقصورٍ ومدافن أرضية وبرجية عظيمة، وقد يكون كلّ ذلك بات معروفاً عن تدمر في قصورها وزخارفها وتجارتها التي وصلت الى المحيط الهندي، وفقدت اليومَ ملامح قد لا تُعوَّض.. بعد التدمير المُتَعمَد من جميع الأطراف المتصارعة، وبعد دخول الغزاة الجدد “داعش” براياتهم السوداء، تشبُّهاً بالتاريخ الإسلامي الفاتح، وظهور الخلافة الكاريكاتورية فخر الصناعة الاستخباراتية المُعولمة.

لكن حقائق أغنى من تاريخ البشرية الطويل، لازال مخفياً في أحضان تلك التلال الأثرية المجاورة وتحت الرمال الحارقة. ففي هذه “الحَوضَة التدمريّة” والتي لم يتبق منها سوى هذه الواحة الخضراء الصغيرة، قدّمت التحريات الأثرية دلائلَ عن أنها كانت مُغطاةً بغاباتٍ مطيرة، وبينابيع ماءٍ ساهمت في انتشار غابات كثيفة، جلبت إليها الحيوانات بكثرة، ممّا ساهم في تنوُّع مصادر الغذاء، وأدت الى سرعةِ نمو الاستيطان البشري، الذي ساهم بدوره منذ العصور الحجرية الحديثة (حوالي عشرة آلاف عام من الآن) بتغيير جذري في نمط تفكير الإنسان، وتحويله من الصيد الى الزراعة، والبناء الهندسي المُبتكَر للمساكن الأولى، واستطاع أن يُؤسّس لمفهوم واضح عن كيان الأسرة وأنظمتها الدينية، في إطار ثقافة القبيلة، وقدّم من خلالها نوعاً من الاتصال الحضاري المُبكر بين هذا التجمعات السكانية البدائية.

وقد أثبت رئيس البعثة الكندية العاملة في موقع “جرف العجلة” و”بئر الهمل” البروفسور “لوتنسورر” أن هذه المواقع من الحوضة التدمرية احتفظت بالعديد من الحقب التي تعود الى عصور ما قبل التاريخ، الممتدة الى ما قبل مليون وخمسمئة الف عام من الآن، مُقارنةً مع ما تم اكتشافه من قبل البعثة الفرنسية العاملة في موقع “الكوم” (ثمانين كيلو متر شمالي تدمر) التي عُثر فيها بغزارة على مُكتشفاتٍ من الأدوات الصوانية، لم يُماثلها أيُّ موقع سابق في العالم، تمَّ الكشف عنه إلى اليوم، دلَّ على تطور ذهنية الإنسان البدائي، في تحسين أدواته الصوانية وتكَيُفِها مع متطلباته الحياتية.

لقد جاء البحث الأثري في العصور الحجرية الأقدم في العالم، ليثبت أن تدمر وحوضتها الجيولوجية قد استوطِنَت في تلك الحقب، وأن ما تمّ الكشف عنه في مواقع “جرف العجلة” و”ثنية البيضا” و”كهف الدوارة” و”الكوم” و”بئر الهمل” وغيرها من محيط تدمر قد ساهم في تغذية معارف جديدة لم تكن معروفة في السابق عن حركة الإنسان القديم وانتشاره بين القارات.

لقد كانت هذه المنطقة الفريدة من العالم مثارَ اهتمام الباحثين العالميين، وبالإضافة الى الأبحاث الأثرية، المحورية، كانت هناك أبحاث في الفلسفة الإنسانية (جاك كوفان) والمناخ والبيئات القديمة علوم الجيولوجيا وتغيرات القشرة الأرضية، إضافة الى علوم “الأنتروبولوجي” والنبات والحيوان، وعلوم أخرى، تتعلّق بتطور البحث الأثري في تحديد التأريخ الدقيق للاكتشافات الأثرية، عبر دراسات الفيزياء النووية، والحقل المغناطيسي للصخور، وقياس نسبة الكثافة المتبدلة بالنسبة الى شدة اتجاه المجال المغناطيسي الأرضي؛ “توقفت الأبحاث والتحريات الميدانية في العام 2011”.

قدَّم موقع “بئر الهمل” في “الكوم” بعمق 25 متراً تحت سطح الأرض، أكثر من ثلاثين سوية أثرية (طبقة) عملت عليها بعثة سويسرية بإدارة البروفسور” جون ماري لوتانسرر” مُعطيات نادرة ومعلومات مُتتابعة عُدَت مخزوناً متكاملاً.. يُوضح تطوّر ثقافات عصور ما قبل التاريخ وبيئاتها، وهذا الموقع المتصل بيَّن أن هذه الرقعة من العالم قد استوطِنت على مدار 300.000 الف عام مُتصلة، قال عنها العالم الفرنسي “إريك بويدا” الذي يُنقب في موقع “الكوم” المُجاور: “لم أرَ أو أسمع في حياتي شيئاً مُماثلا في العالم؛ كهذا الذي أشاهده الآن.. لأول مرّة“.

بيّن الكشف عن المستويات الأكثر عُمقاً من البئر.. تم العثور فيها على شظايا لأدوات صوانية ثخينة، تتراكم فوقها سويات أثرية تعود إلى ما قبل 200 ألف عام من الآن، دُعِيت بطبقات الثقافة “الهُملية” التي تميَّزَ صانعوها بالنِصَال والحِرَاب الطويلة المُشذبة، وهي أدوات صيد فعالة تؤكد على قِدَم تطوّر تقنيات الصيد، وصناعة الحراب الحجرية؛ تمّ تأريخها ما بين (110- 95) ألف عام من الآن. إضافة الى المكتشفات الصوانية والحجرية، قدّم الموقع مُكتشفاتٍ غير مسبوقةٍ في فهم الدلالات الطبيعية والبيئية والمناخية السائدة، في تلك المراحل السحيقة من الغموض المعرفي، عن الإنسان البدائي، فكان الكشف عن قطعة من العظم لوحيد القرن، وكذلك الفكّ السُفلي للأسد، كان الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى بقايا إنسانية من عصر “الباليوليتك المشرقي“، لسِنٍّ بشرية وعظمِ ساعد، وكان الكشف الأبرز والأكثر إثارة عن (الجمل العملاق) الذي كشفت البعثة السويسرية في ذات الموقع، عن ثلاثين عظمة من عظام نوع ضخم، غير معروف في العالم، ولم يُكشف سابقاً عن مثيل له، لجمل عملاق بضعفي حجم الجمل العادي، حتى أن العالم السويسري قد ظنّ بداية أن ما تمّ الكشف عنه هو بقايا عظام لزرافة، وقد أثار هذا الكشف في العام 2003 اهتمامَ العالم أجمع بقصة الجمل العملاق الذي تم تأريخه إلى 450.000 أربعمئة وخمسين ألف عام .

وأخيراً.. تُوِجت هذه الفتوحات الأثرية بالكشف المُثير لقطعة من جمجمة بشرية عاشت قبل 500 ألف عام، تثبت انتمائها لمجموعة الإنسان المُنتصب القامة من موقع “الندوية” اكتشفت عام 1996، وكان لي شرف توثيقها والكتابة عنها بحُكم عملي الأثريّ والمُتحفي، عبر سلسلة من المقالات، عن أبرز الكشوفات الأثرية من تلك الحقبة وغيرها؛ وعن المراحل التاريخية الغامضة، من بواكير النشأة الإنسانية الأولى في سورية عموماً؛ وبخاصةٍ في الحوضة التدمرية التي قدّمت تسلسلاً بشرياً مُتكاملاً، منذ العصور الحجرية المُسمّاة (الباليوليتك) الأقدم، مروراً عند (الباليوليتك) الأعلى ثم العصور الحجرية والتي دُعِيت باسم (النيوليتك) ( العصور الحجرية الأحدث) وهي التي عُرفت فيها أساليب الحياة المشابهة لحياتنا اليوم.. من مُستقر دافئ للسكن الطويل للأسرة، ومن أمن غذائي وتمويني، وبتدجين الحيوانات لأول مرة، وحياة الصراع مع القوى الطبيعية من أجل البقاء.

لازلت اذكر جيداً دهشة المتعة باكتشافات جديدة، بعيون الباحثين والأثريين، عن قدرات إنسان هاتيك العصور، حين قَدَّمَت أولى ملامح ذكاء الإنسان ما قبل الحديث، من خلال نَصلَةٍ صوّانية صغيرة، اكتشفت في أواسط تسعينات القرن الماضي، في موقع “أم التلال” القريب من “تدمر” وكان المُثير في هذا الاكتشاف أن إنسان ذلك العصر استخدم القار كوسيلة مُبتكرة في لصقِ َنصلَةِ رُمحِه مع الساعد الخشبي أو العظمي، قبل أكثر 45.000 ألف عام من الآن، حيث عَدّ الأثريون هذا الكشفَ أحد ابرز اكتشافات القرن؛ والدالة دلالة قاطعة على بدء ظهور (تكنولوجيا) الإنسان البدائي في العصور الحجرية.

قدَّم موقع “أم التلال” أيضاً كشفاً حديثاً عن نصلة رمح توضعت داخل الفقرة العظمية لرقبة حمار بري، تمّ رميها من عُلُوٍ قُدِّرَ بأربعين متراً، أُرخت إلى ما قبل 70 ألف عام، تعود إلى النمط الفريد والغامض لإنسان “النياندرتال” الذي لم يكن معروفاً من قبل.. أنه استوطن شرق المتوسط، بعد اكتشاف أكمل هيكل عظمي لطفل ينتسب إلى هذه المجموعة الإنسانية المنقرضة، عام 1993 في مغارة “الدردرية” بالقرب من بلدة “عفرين“. كما قدمت هذه المواقع المحيطة بتدمر كنزاً فريداً من المعلومات عن أربع عصور مناخية، مرّت على هذه المنطقة من العالم، عرفت فيها عصوراً مناخية باردة هطلت فيها أمطار غزيرة، فصلت بينها عصورٌ جافة وحارة، اذ كان كلّ عصر مناخي مُعين.. يُقدِّم مزيداً من الوثائق الأثرية التي خلَّفها انسان العصور الحجرية في الطبقات الرسوبية، الدالَّةِ على أنماط مُتغيرة، في مواجهة المُتغيرات المناخية، حين يقُل الغذاء وتنخفض درجات الحرارة، لتُثبت بعض البقايا المتفحمة، على أن انسان “الهومو اركتوس” عرف النار واستخدمها حتى ظهور الإنسان العاقل الذي استثمر النار في التدفئة بتقنياتٍ متطورة وأكثر ذكاء من أسلافه المنقرضة، فتخطَّى بواسطتها العصر الجليدي المتأخر، عبر رحلة طويلة لتطور الإنسانية في الحَوضَة التدمرية.. قُدِّرت وثائقها الأثرية بمليون و200 ألف عام من الإصرار على البقاء.

___________________________________

* الكاتب عمل مديرا للتصوير والتوثيق البصري في متحف دمشق الوطني لما يقارب الثلاثين عاما وصور وأخرج العديد من الأفلام الوثائقية.

** يتعرض الكاتب” فنصة” لقصة إعداد هذا النص الذي كان معداً بالأساس، ليتم تصويره وإخراجه وثائقياً بعدسة المخرج السوري الفنان “ريمون بطرس” عن ( تدمر تحت الأرض)، كما يقول، عندما اصطدم بالمؤسسة الرسمية التي رفضت المساهمة في تمويل وإنتاج هذا الفيلم، شرع الكاتب والمصور” فنصة” في حينه بتقديم أجزاء منه في سلسلة محاضرات بدمشق قبل سنوات بعيدة، وخلال إحداها، نهض احد المتحمسين الدينين الذي كان جالسا في إحدى الزوايا المظلمة في القاعة، ملوحاً بقبضته… وهو يَصْرُخ : “آدم هو خلق الله.. آدم هو خلق الله”.. ساد القاعة وجوم بارد، وصمت ثقيل، لحِظَـهُ في وجوه الحاضرين على ضوء عارض الصور التي كان يَعرُض وثائقه الأثرية بواسطته.

قال له في حينه: ان القص التوراتي الذي جاء بهذه القصة، ووردت مرّات عدة في الكتب المقدسة، وفي مقدمتها القرآن، ليست كوثيقة علمية يمكن اسقاطُها على وثائق الآثار المكتشفة أو مقارنتها بالعلوم المُحدَثة كما يفعل الاحتيال الكهنوتي الديني الجاهل، “بل ليَعي الناس والمؤمنين من أمثالك الحكمة في كنه هذا القص”.

……………………………………………………….

– المقال بالأصل.. خاص بموقع “شرفات سوريا” بموافقة كاتبه.

المصدر: صفحة الكاتب على وسائل التواصل