الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

القرن الأفريقي بين الماضي والحاضر

تعاظمت الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة بعد اندلاع حرب اليمن

هاشم علي حامد محمد *

سعت دول عربية عدة في السنوات الأخيرة إلى تقوية حضورها في هذه المنطقة، نظراً إلى ما تشكّله من أهمية اقتصادية واستراتيجية للبلدان التي يمر نفطها عبر المنافذ البحرية التي تتحكّم فيها هذه الدول، بيد أن ذلك لم يكن مقتصراً على هذه الدول فقط، فبلدان غربية عدة وعلى رأسها الولايات المتحدة، وكذلك الصين والهند واليابان وتركيا وإيران وإسرائيل، ظلت تسعى إلى تقوية نفوذها في هذه المنطقة، وأصبحت أميركا بعد حرب الخليج الثانية تولي القرن الأفريقي أهمية جيوسياسية كبرى. وأسهمت حالة الفراغ العسكري والأمني التي شهدها الإقليم في العقود الماضية في دفع واشنطن للاهتمام به أكثر، لا سيما بعد تخلّي فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، طوعاً أو قسراً، عن هذه المنطقة التي كانت تاريخياً مجالاً لنفوذها بالتقاسم، وبعدما بدأ تغلغل الصين في أفريقيا عموماً والقرن الأفريقي خصوصاً.

ومع أن واشنطن تمتلك، وبشكل معلن، قاعدة عسكرية في جيبوتي، فإن مصادر صحافية تحدثت عن وجود قواعد عسكرية سرية لها في القرن الأفريقي وما حوله، وأيضاً عن وجود قاعدتين بحريتين في كينيا (مومباسا ونابلوك). وقد وجدت إسرائيل مجالاً في هذه المنطقة الحيوية، فأسست وجوداً عسكرياً وأمنياً كما طورت علاقاتها السياسية مع بعض أنظمتها، خصوصاً النظام الإريتري والأوغندي. وتعاظمت الأهمية الاستراتيجية للقرن الأفريقي بعد اندلاع الحرب في اليمن وتدخّل التحالف العربي عسكرياً بقيادة المملكة العربية السعودية بدافع التصدي لتوسّع النفوذ الإيراني.

وتركّزت الأنظار في الفترة الأخيرة، لا سيما بعد الحرب الأهلية الصومالية القرن الماضي والحرب اليمنية، على منطقة القرن الأفريقي، وباتت محط تنافس قوى إقليمية ودولية.

مؤشرات تغيير:

وتاريخياً، شكّلت منطقة القرن الأفريقي مركز تعايش لشعوب عدة بحكم الممرات المائية والمواقع المتشاطئة، وعرفت المنطقة منذ القدم في تداخلها الجغرافي الذي يتمثل في محاذاة مياه عدن والبحر الأحمر والمحيط الهندي، وهي رقعة جامعة لأهم دول القرن الأفريقي ممثلة بالصومال وإثيوبيا الكبيرة بما فيها إريتريا والسودان الشرقي، ومن الجهة المقابلة اليمن، حيث شكلت هذه الرقعة تفاعلات تاريخية، وكانت محط ممالك وحضارات وتعايش وتفاعل بين ثقافات عدة إلى جانب صراعات شهدتها هذه المنطقة على خلفيات سياسية ودينية.

وعرفت الحبشة بعراقتها المسيحية التي ظلت مصدر إلهام لحكامها في تعاملاتها مع الجوار. وبعد ظهور الإسلام، بقيت العلاقة امتداداً لواقع يتجدد، ويحكي التاريخ الإسلامي بشيء من الامتنان عن تلك العلاقة الإنسانية إذ حمى ملك الحبشة النجاشي المسلمين الفارين بدينهم الى أراضي بلاده ووفّر لهم الأمان، وما تبع ذلك من تداخل عربي أفريقي، يعتبر ضمن أهم معطيات الحراك الحضاري والثقافي القديم لسكان منطقة القرن الأفريقي.

ونشأت منذ القدم نزاعات بين ممالك الصومال والحبشة، ويتحدث التاريخ عن تفاعلات القرن الأفريقي بين مكوناته الحضارية التي لا تزال حتى الآن ماثلة في طبيعة هذه المنطقة.

الأوضاع السياسية:

وأدى عدم استقرار الأوضاع السياسية في جزيرة العرب خلال الفترة التي تلت عهد الخلفاء الراشدين، جراء الصراع على الحكم، إلى نزوح أعداد كبيرة من مسلمي شبه الجزيرة العربية إلى المدن الساحلية الصومالية، ما اعتبر واحداً من أهم العوامل التي نتج منها انتشار الإسلام في منطقة شبه جزيرة الصومال، وأصبحت مقديشو منارة لهذا الدين على الساحل الشرقي لأفريقيا آنذاك.

وتتحدث مصادر عن أن هجرات العرب الى سواحل الحبشة والصومال كانت مستمرة منذ عصور قديمة، ولم تنقطع حتى الوقت الحاضر، وكانت طبيعة البحر الأحمر والقرن الأفريقي من العوامل المساعدة، خصوصا في ما يتعلق بالملاحة الميسّرة طوال العام بين شاطئيه الشرقي والغربي، وكانت الحبشة إحدى هذه الأسواق التي يقصدونها لحمل البضائع منها وإليها.

وفي تلك الأثناء، كانت بذور سلطنة “عدل” قد بدأت بتثبيت وجودها، وعلى مدار 100 عام، امتدت من سنة 1150 وحتى سنة 1250 لعب القرن الأفريقي دوراً بالغ الأهمية ومحورياً في التاريخ الإسلامي، إذ أشار المؤرخان ياقوت الحموي وعلي بن موسى بن سعيد المغربي إلى أن الصوماليين كانوا من أغنى الأمم الإسلامية في تلك الفترة، وأصبحت سلطنة “عدل” من أهم مراكز التجارة، وكوّنت إمبراطورية شاسعة امتدت من رأس قصير عند مضيق باب المندب وحتى منطقة هاديا في إثيوبيا، إلى أن وقعت تحت حكم سلطنة “إيفات” الإسلامية الناشئة التي بسطت ملكها على مناطق عدة من إثيوبيا والصومال. وأكملت سلطنة “عدل”، التي أصبحت مملكة بعد وصول مدّ سلطنة “إيفات” إليها، نهضتها الاقتصادية والحضارية تحت مظلة الأخيرة.

وشهدت منطقة القرن الأفريقي الصغير (الصومال وإثيوبيا واليمن) تفاعلاً قوامه التنافس الحضاري بين مكوّنات المنطقة بمختلف تبايناتها، في الممالك الإسلامية القديمة، وما يقابلها من ثقافات أخرى، ونسبة إلى ما شكلته تلك الصراعات في ثوبها الديني الحضاري من أثر، ما زالت بقاياه حاضرة إلى يومنا.

الأبعاد الحضارية:

منطقة الحبشة، هي ما يشار إليها في الرقعة الجغرافية التي تضم كلاً من إريتريا وإثيوبيا الحالية وجيبوتي والسودان بأراضيه الواسعة إلى حدود بلاد النوبة مع مصر، وشهدت هذه المنطقة حضارات إنسانية عدة، بعضها تمثّل في حضارة “أكسوم” وما حفلت به من عراقة تاريخية، وكانت لتلك المناطق علاقاتها القديمة مع الجزيرة العربية، قبل وبعد رسالة الإسلام.

وتقول مصادر إن أبرهة الحبشي حكم اليمن وسعى إلى خراب الكعبة. وقبل ذلك، هاجرت قبائل حبشت الجنوبية إلى المنطقة، وأنشأت دولة الحبشة، آخذة معها ثقافتها، وكان ذلك عام 1000 قبل الميلاد، ولاحقاً توثقت صلات قريش الاقتصادية بالمنطقة، حيث كانت تردها القوافل التجارية من قبل البعثة، قاصدة بلاد الحبشة، كما يحكي المؤرخ ابن الجوزي.

وبعد البعثة النبوية، أمّها المستضعفون من الصحابة هرباً من أذى قريش إلى ملك عادل، “لا يُظلم عنده أحد”، وهي المقولة التي نقلها التاريخ عن النبي محمد، دافعاً أصحابه إلى الهجرة للحبشة. ومنذ ذلك الحين، والوجود الإسلامي في القرن الأفريقي يتنامى ويتعاظم شأنه.

* كاتب وباحث في شؤون القرن الأفريقي، أثيوبي من أصل سوداني

المصدر: اندبندنت عربية