الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

استبدادٌ شطبَ الشعب ورهن البلاد لاحتلالاتٍ مقيتةٍ تشبهه

غادرنا عام 2020 ودخل عامٌ جديد مدشناً نهاية عشرية من الربيع الديمقراطي العربي «عشرية بكل ما لها وما عليها»، مع العديد من المناسبات البائسة والمُرة التي رافقت العام الفائت ومنها على سبيل المثال الوطأة الثقيلة لجائحة كورونا على كل ما يتحرك في عالمنا فضلاً عن الجائحة الأسدية المستمرة منذ خمسون عاماً في سورية مع حمولاتها البعثية والصفوية.

فلم تكن مناسبة تأسيس مملكة الطغيان الأسدي بذكراها الخمسين إلا مؤشر على الدور الوظيفي الكامن في تلك الفاشية التي دشنتها تلك الحركة القهرية والتي كانت التمهيد للوريث القاصر الأسدي البعثي القاتل بذكراه العشرين أيضاً.

فما الذي تعلمناه كسوريين بعد هذه العشرية والمناسبات العديدة المرافقة لـ«الانفجار الثوري الكبير»؟ فهل تعلمنا شيئاً ينجم عنه تحوُّل يُعتد به، ويفضي إلى تغيير جدي نحو الأفضل والتحسن حسب تعبير المرحوم الياس مرقص؟ وما هي تجليات الانتقال من نظام الاستبداد والفساد إلى الديمقراطية والحرية والكرامة؟ وأين نحن من هذا الانكشاف الكبير والتشرد واللجوء؟ وهل، هذا كله، جعلنا ندرك الكثير من الوقائع بهدف الكف عن حالة التشتت والضياع والتشرذم عبر أجندات بمواجهة جماهيرنا السورية خاصة والعربية عامة عنوانها الخلط بين المسؤولين عن الجرائم والمصائب والضحايا ورعاتهم المتجددين؟ وما السبيل للتخلص من الاحتلالات التي تم تكريسها بفعل الاستبداد والحفاظ على عروشه العميلة؟ أليس من دور للنخب والطلائع الثقافية والسياسية للخلاص، وكيف، أم سيطول زمن الاجترار والشقشقة اللفظية الفارغة؟.

إن السوريين في الداخل محكمون بقوى أمر واقع، وهي ذاتها خاضعة لشروط خارجية تتحكم بها الدول صاحبة النفوذ إلى هذه الدرجة أو تلك، وهي تتحمل مسؤولية كبيرة في استنقاع الحالة الوطنية الراهنة، بانتظار تسوية سياسية طال انتظارها وتشابكت المسارات الموصلة إليها، وهذا ما ينعكس على وضع عامة الناس ويباعد ويفرق بينهم.

المحكومون من قبل قوى الأمر الواقع في الداخل لا يمكنهم التعبير عن رأيهم سياسياً بحرية، مع اختلاف درجة القدرة على التعبير بين منطقة وأخرى، مع أنهم وصلوا إلى درجة متقدمة في كشف الانتهاكات وفرز الوقائع، بخاصة في مناطق سيطرة نظام الشبيحة الفاشي والمرتهن، بحيث تبدو ملامح رأي عام بدأ بالتبلور على نحوٍ تدريجي، ولو أنه لم يصل إلى مرحلة الانتظام في هيئات مجتمعية فعالة “أحزاب ونقابات وجمعيات مختلفة”، لكنه يشكل الأساس الذي ستنبثق منه هذه الهيئات والمكونات الاجتماعية لاحقاً.

أما السوريون في الخارج، مع اختلاف أماكن تواجدهم وظروفهم، فإنهم جزء لا يتجزأ من الواقع السوري، بكل ما يعانيه من إخفاقات ونجاحات، فيما يعتبر المهجرون إلى أوروبا عينة يمكن من خلالها تقييم وجهات النظر وفرزها، نظراً لتوافر حرية التعبير عن الرأي، لا سيما وأن الكثير منهم ينتمون إلى الطبقة الوسطى أو بقاياها، وبوسعهم قول آرائهم بكل صراحةٍ ووضوح في ضوء المخاطر الكبيرة التي سببها الربيع الديمقراطي العربي على أوروبا كلها وشعوبيتها الليبرالية.

هناك الكثير من الآراء التي تقارب الواقع بصورة موضوعية؛ فثمة الذين راجعوا مواقفهم السابقة، وأولئك المتكئين إلى حالة ثورية لم تعد قائمة بعد التحولات العميقة التي طرأت على حياة السوريين التي يبدو خطابها منفصماً عن الواقع وضعيف الشعور بالمسؤولية، إن لم يكن انتهازياً وتحريضياً، ذلك أن كل طرح لا يتحدد بمحتوى تغييري واضح، وفي الاتجاه العام للانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، مهما كانت المصاعب، يعدُّ عبثياً ومضللاً، هذا لا ينفي بالطبع واقع أن الكم الكبير من الجرائم والمظالم والمشاكل غير المحلولة هو ما يشكل أرضية لممارسة التطرف وتبني الآراء ذات الصلة.

مع ذلك، على المستوى الشعبي، تعلمَ الناس الكثير، ومنه أن التغيير بطريقة الانفجار العشوائي لن يفضي إلا إلى المزيد من الدمار، وإن «الحفر» تحت سلطات الأمر الواقع وكشف طبيعة ممارساتها سيمهد لتغييرٍ ثابت، ولو بعد حين؛ خلال هذه العملية المستمرة والمتصاعدة، يتعلم الناس الحوار والتضامن وتنظيم أنشطتهم، بما يشبه نواة لمجتمع مدني يولد قيصرياً وبصعوبة بسبب العوائق المفروضة من قبل قوى الأمر الواقع، وهي التي تفضل التعامل مع المجتمعات الأهلية لسهولة احتوائها، بسبب طبيعتها الأقرب إلى بنية السلطات المستبدة، والوقوف في وجه الأنشطة المدنية، التي تقارب المسائل الوطنية بطريقة أكثر معقولية وديمقراطية.

أما على صعيد قوى الأمر الواقع الحاكمة، لن يتغير أي شيء، نظراً لطبيعتها الطاغوتية المستبدة؛ فالنظام القاتل ما يزال يتخبط في سياساته التي كان لها الدور الأهم في الوصول إلى هذا الحال من البؤس، خاصة مع اعتراف مرتزق الضاحية الإيراني أخيراً بأنهم كانوا، إيران وروسيا، خلف كل الترتيبات التي سبقت الثورة في سورية ورافقتها من حيث الإعداد والعدة والجرائم كلها بنفس المنهجية الفارسية القاتلة بمواجهة الشعوب الإيرانية وأولهم إخوتنا في الأحواز العربية، وهذا الدور والتغلغل الإيراني كان معروفاً لكل صاحب رؤية وبصيرة استشراف سياسية في سورية منذ ما بعد 2005، لكن الجديد هو انكشاف حال العجز والفساد التي يرزح تحتها نظام الشبيحة، فضلاً عن انحسار مؤيديه والحالة المعيشية الأسوأ في المناطق التي يسيطر عليها.

كما وتتصف المناطق الشمالية بسيطرة تنظيمات لا علاقة لها بالسياسة، وهي مستعدة لخدمة أسيادها الجدد والعمل لديهم كمرتزقة بما يشابه ارتزاق نظام الشبيحة وميليشياته الطائفية، فضلاً عن وجود المجموعات المصنفة إرهابيةً، والمتحكمة بالعباد من خلال أيديولوجيات أقل ما يقال عنها أنها خارج العصر، وبرغم درجة التنظيم الأكثر فعالية، قد ترقى لما يشبه دولة، تخضع ما تسمى الإدارة الإرهابية الذاتية في الجزيرة السورية لظروف غير مستقرة، وقد كانت ولاتزال بؤرة صراع الدول ذات النفوذ في سورية على هذه المنطقة.

وكان الفشل السياسي لما يسمى المعارضة مريراً، وتمثل في عدم القدرة على ترجمة الشعارات الشعبية إلى برامج سياسية قابلة للتحقق والقياس، بعيداً عن الشقشقات اللفظية والاستعراضات العاطفية، وقاد، علاوة على أسباب أخرى مهمة ومعيقات جدية داخلية وخارجية، إلى إجهاض عملية التغيير، وتاهت المسألة الوطنية السورية وآفاق التغيير في سراديب المصالح والصراعات الدولية والإقليمية.

الحصيلة السياسية ما تزال ضحلة بعد عشرة أعوام على انفتاح آفاق التغيير في مواجهة آلة الفتك الوحشيّة بصورة لا رجعة فيها، ولكن التحول النوعي سيحصل حين يدرك السوريون جميعاً بأنه يتوقف عليهم، وعليهم فقط، الكثير في ما يتعلق ببناء وطن يمكن أن يعتز به أبناؤهم في المستقبل، وحين يتم العمل بناءً على المشتركات وتأجيل الخلافات لما بعد التغيير في مشرقٍ عربي يواجه قوى إقليمية ودولية تتصارع من أجل السيطرة عليه من دون أن تكون له هيكلية أو ماهية أو ذات واضحة ومتمثلة في دولة أو في نظام إقليمي، ذلك بسبب هشاشة النظام العربي كله الذي ضحى بالمسألة الفلسطينية، وضعف المجتمعات العربية التي تمر بمرحلة انتقالية، وبتحولات نوعية، صعبة ومعقدة، لا أحد يمكنه التكهن بمآلاتها، وعلى ذلك، فإذا استمر الحال على ما هو عليه، يخشى أن هذه المنطقة لا تسير باتجاه إعادة التشكيل والاندماج، وإنما نحو مزيد من التفكك والتشقق وربما التصدّع، وهذا ما ينبغي الانتباه له، وتالياً العمل على تخفيف مخاطره وتجاوزه.

هكذا يطل اليوم عام (2021) علينا وعلى العالم بأسئلة وجودية حول أزمات داخلية وخارجية تديرها وتشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية، كما حول مستقبلها الشعبوي ووزنها ورعايتها للاستبداد والنهب والإرهاب الدولي في أحوال جديدة، ضمانة لاستمرار هيمنتها على النظام الدولي بين ضمانات أخرى عسكرية واقتصادية وتكنولوجية، تفرض معها صهينة علنية لحكامٍ عرب لطالما تطبعوا بطباع الصهاينة طويلاً بعد المتاجرة بالقضية الفلسطينية، حتى باتوا في طور العلانية المفضوحة هذه الأيام.