الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

معركة الجبل أم بازار الجبل

أحمد طه *

استوقفتني مقالة للسيد براء عبد الرحمن بعنوان “ما القرار الذي تسبب باغتيال زهران علوش

حيث بدأ مقالته بإطلالة على طريقة تفكير “زهران البراغماتية” التي حوّلت من الراية السوداء وعلم القاعدة إلى علم الثورة (الذي كانوا يسمونه علم ’’عدنان وهبة‘‘) في نهاية المطاف، فيقول: ” القائد الذي اكتشف أن الحديث عن جيش عسكري يحمل اسم “الإسلام” ويرفع “رايته السوداء”، لن يكون له المستقبل السياسي في سوريا”

أي أن هذا التحول لم يكن بشكل من الأشكال رجوعاً إلى مبادئ الثورة الأولى، ولكن فقط بسبب أنه لن يكون لجيش الإسلام أي دور في مستقبل سوريا إذا بقي يحمل اسم الإسلام ويرفع الراية السوداء، ثم يذهب مباشرة بعد ذلك ليضع حداً فاصلاً بينه وبين الغلاة أصحاب نظرية الدولة الاسلامية .

حيث يؤكد السيد براء وعلى لسان زهران “إن هؤلاء الغلاة سيخرجون ويؤسسون فصائل ولربما سيأتي اليوم الذي يقاتلوننا ونقاتلهم لأنهم يكفرون كل من لا ينتمي إليهم”.

 كما هو معلوم جميع الفصائل ذات التوجه الإسلامي السلفي ابتداءً من تنظيم داعش وانتهاءً بالفصائل ذات نفس التوجه التي تعتبر نفسها أكثر اعتدالاً، كانوا يبغون على بعضهم البعض تحت مسمى الغلو، ومن يبدأ بالقتال ينسب لنفسه وفكره وفصيله العقيدة السليمة والإسلام الصحيح، بينما يبدأ الطرف الأخر بشحذ الهمم تحت راية غلو الطرف الأخر، ولكن الحقيقة الوحيدة والثابت الوحيد هي أنهم جميعاً متطرفون وغلاة، وما يتخذونه من أسباب لقتال بعضهم ليس إلا ذريعة للهيمنة والسيطرة على الغنائم وفرض وجودهم لأي عملية سياسية لاحقة، فجيش الإسلام الذي يصفه براء عبد الرحمن بأن قائده يحذر من الغلو يعدم أسرى داعش بنفس اسلوبهم الهمجي، ويعدم ماجد خبية ابو على بنفس أساليب داعش الاستعراضية.

 وكمـا تدخلت النصرة وداعش بالحيـاة اليومية لسكان وأهـالي ادلـب والرقــة والمنـاطق المتواجـدة فيهــا، كان جهــاز الحسبة التابع لجيش الإسلام في “دومـا” يصول ويجـول فهــو المسيطر على الجوامـع وله مخبرين يحّضرون خطب الجمعة ويكتبون التقـارير ويرفعونهــا إلى قادتهـم، كما النّظام تمامـاً، وله دوريات تتجـول في الأسواق تكسّر محلات الأراجيـل ومحـلات التجميل النسائيـة وتتدخل في أفـراح النـاس حتى وصل بهـا الحـد أن أصدرت فتـوى لمنع استخدام المزهر ذي القاعدة ، ولن ندخل في تفاصيل ما كانت تفعله الحسبة فهذا باب أخر وهو ليس موضوع بحثنا، ولكن إذا لم يكن هذا هو الغلو وهذا  فكر القاعدة التكفيري الإقصائي فماذا يكون !!

 لقد شابهوا النظام بأفعاله تحت مسمى آخر، النظام السوري الذي شن الحرب على السوريين بحجة الإرهاب؛ هذا ما فعله تماماً جيش الإسلام بشن الحرب على الآخرين بحجة الغلو تارة، وبحجة الإخوان والعلمانية تارة أخرى . ومن هنا تم إطلاق اسم إمارة الخوف على مدينة دوما، أما بالنسبة لمقولة أنه صاحب مشروع سياسي فهو كذلك بكل تأكيد، مثله مثل باقي المجموعات الجهادية كداعش وجبهة النصرة، حيث أنهم كانوا أيضاً أصحاب مشاريع سياسية، وكما أنشأ هو مكتب سياسي وحاول انشاء إدارة محلية تنافس تلك الموجودة ، كذلك حرصت النصرة (هيئة تحرير الشام) على أن يكون لها واجهة سياسية هي حكومة الإنقاذ، وهذا ليس بعيداً عما تفعله قسد وما يفعله نظام الأسد الذي يقود جهازه الأمني كل مفاصل الحياة وبالمقابل توجد هياكل وزارات وإدارات تنفيذية.

ثم يحدثنا عن خصومه العلمانيين الذين كان يرونه صاحب مشروع وعلى هذا الاساس عملوا على خلق “بروباغاندا إعلامية “حتى أنهم يصنعون دراما حول كل خطأ يرتكبه جيش الإسلام، “لكن تلك التحولات السياسية التي يؤمن بها أي صاحب مشروع عسكري ووطني كانت تخيف خصومه العلمانيين … لذلك كان الخطأ الذي يرتكبه زهران علوش بتصريح أو فعل يتم صناعة دراما منه ويتحول لقضية إعلامية ومناشدات دولية ووساطات وتدخلات خارجية..”

وهنا نسأل عن اعتقال وإخفاء نشطاء دوما الأربعة إضافة إلى عشرات المئات من المعتقلين، والسجون التي أسسها (التوبة، الكهف، الباطون، الفرع 103، الفرع 105، الفرع 111، فرع الأمن العسكري، فرع الأمن الداخلي، …) والاغتيالات السياسية التي بدأت بالدكتور “عدنان وهبه” لأنه حسب تعبيرهم بأن العلمانيين يحملون “راية عميه”، وأن من يموت تحت علم الثورة “الراية الـ عميه” يموت على غير الإسلام، تلاها اغتيالات كل من ناهض وخالف وحذر من تفكيرهم مثل محمد سعيد فليطاني “أبو عدنان” ثم عدنان خبيه “أبو عمار”،و الشيخ عدنان الرز أبو محمود ، والشيخ أبو أحمد عيون ومحاولات اغتيال متعددة لأبو صبحي طه “قائد جيش الأمة” أسفرت عن استشهاد ابنه وابن اخيه واصابته بجروح بالغة ومحاولة اغتيال الشيخ خالد طفور أبو سليمان ….، هل كل هذه الأفعال هي بروباغاندا إعلامية يفتعلها العلمانيون لتشويه صورة جيش الإسلام وزعيمه زهران ؟

ثم يتحفنا السيد براء عبد الرحمن بنظرية زهران للخصومة السياسية “كذلك قام زهران بتأسيس القيادة الموحدة إلى جانب خصومه الذي يعتبرهم أشعريين أو إخوان مسلمين وتم تنصيب نائبه بالقيادة (أبو محمد الفاتح) قائد الاتحاد الإسلامي وتم تنصيب قائد القضاء الموحد (خالد طفور) شرعي الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام”.

وهنا عنده الخصومه السياسية أساسها أن لا تكون سلفياً!! وليس أي سلفي، فالسلفيون الذين ينتمون لداعش والنصرة هم أيضاً خصوم، فما بالك إذا كان الخصم أشعرياً أو إخوانياً، ربما هذا الإنتماء يُخرج من الملة ويجعله حلال الدم والمال، وهذا ما حصل في حربه على كل الفصائل فلا بد من ذريعة، فحربه ضد جيش الأمة كانت ضد مفسدين وحربه ضد القطاع الأوسط في الغوطة الشرقية حيث فيلق الرحمن والاتحاد الإسلامي (الأشعريين والأخوان) لأنهم متحالفون مع الخوارج والغــلاة.

لكن السيد براء نسي أن يسلط الضوء على الجزء الآخر من النظرية الزهرانية وهي خطاب الداخل وخطاب الخارج، الذي يعتبر الديمقراطية تحت قدميه، ونظرية فقه التغلب بديلاً للنظرية الانتخابية، بالمقابل يضع مندوباً له في الائتلاف رغم أنه لا يعترف بالائتلاف !!!

ثم بعد أن ساق لنا كاتب المقال ملامح التطور الفكري والاستراتيجي لزهران من شعار خاتم النبوة والراية السوداء إلى  تبني علم الثورة وغيرة خصومة العلمانيين من انجازاته ومشروعه النهضوي، يأتي الى قصة الاغتيال ليجعل منه ذلك البطل الأسطوري الذي رفض الأوامر الخارجية التي كانت تمنعه من اقتحام دمشق، وقد قدم حياته ثمناً لهذا الموقف البطولي”. معركة “الله غالب”؛ المعركة التي كانت الأطراف الدولية تعارضها . فدمشق التي لا ينبغي أن تسقط بيد مسلحين وإسلاميين يبعدون عن الحدود الإسرائيلية مسافة 30 دقيقة”، أما الحقائق فتقول أنه في عام 2014 استلم من الموك 2 مليون دولار اضافة لـ 300 طن من الذخائر المتنوعة لفك الحصار عن الغوطة وثم بعد شهرين وفي نفس العام وبعد مطالبات من الموك لفتح معركة فك الحصار عاد واشتكى إلى الموك أن الأموال لم تكن تكفي فتم إرسال مليون دولار أخرى و مع ذلك لم يفعل شيئاً، بل أجاب في أحد المرات عن سبب تكديس كل هذه الأسلحة وعدم فتح جبهات بأن هذه الأسلحة هي للاستقرار فيما بعد سقوط النظام .

وقبل بالمفاوضات أخيراً فقط لفك الحصار عن أهل الغوطة “قبيل اغتياله حدثت مفاوضات كان طرفاً بها ولأول مرة كان يقبل بوقف إطلاق النار وفتح المعابر بعد الحالة المأساوية التي كان يعيشها الأهالي حينها”، علماً أنه حصته من مستودعات الدخانية التي تم الاستيلاء عليها كانت بحدود 1066 طن من المواد الغذائية (سكر، رز، زيت… ) عدا عن مستودعات “بيتنجانة” الشهيرة التي سيطر عليها وكانت تكفي أهالي الغوطة لسنوات، كل ذلك ولم نتحدث عن الأنفاق الخاصة بجيش الإسلام وشراكته مع تجار الدم في ذلك الحين، ثم يأتي براء عبد الرحمن ليجعله منه بطلاً قبل بالهدنة بسبب جوع أهالي الغوطة .

وعن معركة الجبل ” الله غالب ” والتي حاول إبرازها وكأنها قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على دمشق، أولاً بقي مساحات واسعة للوصول إلى دمشق ثم إن ضاحية الأسد والفوج 45 بقيتا بعيدتين عن نيرانه فأين المعركة وأين دمشق، ثانياً عن أي انتصار يتحدث وقد ترك جيش الإسلام عناصره وجرحاه والشهداء على أرض المعركة وتراجع إلى دوما .

للحظـات تشـعر أن المقـالـة تصلـح لفلـم هنـدي ” لولا موت البطل في النهـايـة “، ولكن اسـتلام القيـادة من قبـل من رشـحه البطل لأن يكـون خليفـة لـه، والـذي قـال بـلا مواربـة وبصريـح العبـارة “نحــن ننبطـح ونتلـقى أوامــر بدون دعـم أنا شـغيل بالأجـرة، اعطيني مصاري بوقـف مـا بتعطيني مـا بوقــف” كشـف لنـا مـا كـان يخبـئ ويخطط هـذا البطـل وخليفتـه أيضـاً

https://youtu.be/sXLWIicjjG4

كان حرياً بالسيد بـراء أن يبدأ من هنا، هل فتح زهران هذه المعركة “حتى يعطوه مصاري ويوقف ؟؟ ” وكلنـا في داخل الغوطة كنـا نعلم أن جيش الإسلام الوحيد الذي طالما عارض التوجه باتجاه دمشق فمـا هـو سـر معـركة الجبل يا تـرى؟؟؟

قديما قالوا ’’ إذا عُرف السبب بطل العجب ‘‘، وهنا يأتي الوقت ليعرف القارئ من هو براء عبد الرحمن !

” براء ” هو أنس الوزير إعلامي جيش الإسلام الأشهر ومن الحلقة الأمنية الضيقة، ومن أوائل منتسبي جيش الاسلام وصاحب البروباغندا الإعلامية التي بررت جميع أعمال جيش الإسلام، بما فيها كل الاقتتالات الداخلية التي خاضها وهو بالطبع الاعلامي الذي ظهر عند عرض اقفاص الاسرى في ساحات دوما والذين كانوا بمعظمهم مدنيين وتم أسرهم من مدينة عدرا العمالية، وهو الأمني الذي كان يتابع جميع الإعلاميين والقنوات الاعلامية والذي ساهم في تعذيب بعض الإعلاميين داخل سجن التوبة والسجون الأخرى . وهو يعمل الآن مع آخرين في إدارة استثمارات جيش الإسلام في اسطنبول ( حوالات، صرافة، عقارات، خدمات سياحية وإعلانية…) .

ربما يكون المقال ليس دفاعاً عن زهران بقدر ما هو دفاع عن براء عبد الرحمن نفسه وبالتالي ربما تكون مقالته القادمة حول المؤسساتية والفكر المؤسساتي في فكر القائد زهران، وربما تكون حول تضحياته وتضحيات زهران للكشف عن مصير النشطاء الأربعة ( رزان، وائل، سميرة، وناظم )، ربما، من يدري ؟؟


أحمد طه 
مهندس وكاتب سوري