الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

كتاب « الأندلس إبادة شعب وحضارة » للكاتب: ’’ معقل زهور عدي ‘‘..الحلقة السادسة

 

( الحرية أولاً ) ينشر حصرياً كتاب « الأندلس إبادة شعب وحضارة » للكاتب: ’’ معقل زهور عدي ‘‘.. الحلقة السادسة:

الفصل الثالث ( الجزء الثاني )

تطور المواجهة بين الأندلس  والممالك الأسبانية:

في عام 1031 كانت الإمارات الأندلسية ماتزال تحتل معظم مساحة شبه الجزيرة الايبرية وبقيت الممالك الإسبانية محصورة في الشريط المحاذي لجبال البيرينية في الشمال فيما عدا الجزء الغربي من اوسترياس الذي تمدد نحو الجنوب حتى نهر دوير كما يظهر في الخارطة أدناه(27).   خلال القرون الثلاثة التي سبقت العام 1031م وجد شريط من المنطقة العازلة التي كانت أرضاً غير مسكونة شمال نهر دوير من المحيط الأطلسي غربا حتى أرغون في الشرق حيث لا وجود لسلطة لكلا الطرفين فيها لكن السكان المسيحيين في الشمال والمستوطنين الأوربيين كانوا ينزحون نحو ذلك الشريط ببطء دون مقاومة وازدادت وتيرة نزوحهم بعد العام 1031م, أما في الشمال الشرقي فكان الوضع مختلفا حيث ظلت الجبهة الإسلامية هناك متقدمة نحو سفوح جبال البيرينية حتى أواخر القرن الحادي عشر؛ وبعد أن ترسخ احتلال وادي نهر دوير عسكرياً تقدمت جيوش مملكة قشتالة- ليون فاحتلت طليطلة عام 1085م ولولا تدخل دولة المرابطين في المغرب لانهار مجمل الوضع في الأندلس منذ ذلك التاريخ . وقد أسفر تدخل المرابطين ثم الموحدين بعدهم في منتصف القرن الثاني عشر عن وقف هجمات المملكة الإسبانية وإجبارها نحو التراجع الى وضع دفاعي .

وفي مطلع القرن الثالث عشر وبالتحديد في عام 1212م وقعت معركة كبرى بين تحالف واسع ضم الممالك المسيحية المتنافسة قشتالة وأرغون ونافار ومملكة البرتغال وفرسان سانتياغو ومتطوعين من فرنسا ومتطوعين من ليون ومن أوربة بعد أن أعلن البابا انوست الثالث الدعوة لحرب صليبية لا يحل الغفران على من لا يشارك أو يساهم فيها فأرسلت ايطاليا وفرنسا الجنود والمؤون للحرب . وفي الطرف الآخر كان هناك السلطان محمد الناصر سلطان دولة الموحدين التي وضعت الأندلس تحت حكمها إضافة للمغرب.

وفي هذه المعركة تقرر في الواقع مصير الأندلس بعد أن هُزمت دولة الموحدين وقُتل عشرات الألوف من الجيش (وقيل مئة الف) وانكفأ السلطان وبقية جيشه نحو المغرب .

وفي صيف عام 1236م بعد 24 عاماً على معركة العقاب سقطت قرطبة, وفي منتصف القرن الثالث عشر لم يبق في الأندلس سوى إمارة غرناطة التي انضوت تحت حماية قشتالة . وفي عام 1492 تسلم فرناندو وزوجته ايزابيلا ملِكا قشتالة وأراغون مفاتيح غرناطة بعد حصار دام حوالي عام وسقطت بذلك آخر المدن الأندلسية . وتظهر الخارطة أقاليم الأندلس المختلفة والممالك التي استولت عليها قبل سقوط غرناطة .

السردية التقليدية الغربية لحروب “الاسترداد”:

اعتُبرت “حروب الاسترداد” حرباً لأجل طرد المسلمين الدخلاء الذين كانوا يرتكبون خطأ باحتلالهم أرضاً يعود الحق فيها للمسيحيين . وهكذا تشكل التفكير باستخدام مشاعر العداء الديني لإعطاء الدفعة الأولى للمقاومة .

وفي ذلك الوقت فإن ملوك كل من قشتالة وليون وأستورياس الذين قدموا أنفسهم كورثة لدولة القوط توصلوا للاعتقاد أن عليهم مسؤولية استخلاص كل الأراضي التي كانت ذات مرة تحت حكم المملكة القوطية .

ويعتقد بعض المؤرخين أن ذلك المفهوم ل”الإسترداد” ظل قائما دون أي تعديل ذي قيمة طوال العصور الوسطى لغاية السيطرة النهائية على غرناطة والاتحاد الحتمي بين قشتالة واراغون تحت حكم فرديناند وايزابيلا .

مع ذلك فإن المؤرخين في الثلاثين عاما الأخيرة أو ما يقارب تلك الفترة, قد تحدوا تلك الافتراضات, متسائلين فيما إذا كان من المناسب أصلا الحديث عن “استرداد”. وهل حقاً ما حصل هو “استرداد”؟ أم أن المفهوم لا يعدو أن يكون أسطورة؟ وإذا كان من المشروع الحديث عن “استرداد” فما هو المعنى الذي قصد من وراء ذلك التعبير؟

أوضح المؤرخ ديريك لوماكس أن مفهوم الاسترداد قد تم إدخاله من قبل المسيحيين الإسبان عقب دخول المسلمين الأندلس عام 711م مباشرة، وأحرز ذلك المفهوم تقدما في القرن التاسع الميلادي في مملكة أستورياس .

على أية حال فمفهوم “الإسترداد” لم يكن مفهوماً استاتيكياً وصل صيغته النهائية في مملكة أستورياس لكنه تطور وتعرض لمؤثرات عبر الأجيال المتعاقبة(28)، والخطورة في سيادة ذلك المفهوم لدى المؤرخين الإسبان والغربيين حتى ما بعد منتصف القرن العشرين حين بدأ يتعرض للنقد أنه يشرّع إبادة شعب الأندلس وكل الوسائل الجهنمية التي استخدمت في تهجيره وإجبار من بقي على تغيير دينه بحد السيف بما في ذلك محاكم التفتيش الرهيبة، من أجل ذلك لم نجد حتى عهد قريب في الغرب تلك الصرخة بالشعور بالذنب تجاه أفظع وأوسع حملات الابادة والتطهير الديني التي تمت داخل أوربة عبر التاريخ .

لقد كان مفهوم حرب “الاسترداد” السابق غطاءً فكرياً يمنح الغرب ليس فقط الأداة الضرورية لقلب وقائع التاريخ وإعادة كتابته بطريقة كاذبة ولكن أيضاً لوضع الزهور فوق جثث مذبحة كبرى وجريمة بحق الانسانية؛ فبدلاً من الشعور بالعار لطرد وتهجير ما يقارب ثلاثة ملايين أندلسي عبر حملات متلاحقة وقتل مئات الألوف منهم وإجبار ملايين آخرين على تغيير دينهم تحت تهديد القتل والسجن والتعذيب وأولئك الأندلسيين في غالبيتهم  ليسوا من العرب ولا من البربر بل هم من السكان الأصليين لشبه الجزيرة الايبرية الذين كان أجدادهم يعيشون فيها قبل اجتياح قبائل القوط بمئات السنين, وكل ما في الأمر أن آباءهم وأجدادهم اعتنقوا الاسلام, وتعلموا العربية, وأصبحوا جزءاً من الحضارة العربية- الاسلامية؛ أقول بدلاً من الشعور بالعار فقد أصبحت تلك الأعمال مدعاة للافتخار والاحتفال في كل الغرب وليس فقط في إسبانيا .

ومن حظ أجيال اليوم من العرب والمسلمين أن مراجعة واسعة لدى المؤرخين الغربيين قد بدأت منذ ثلاثين سنة ليس فقط لتاريخ الأندلس وما يسمى بحروب “الاسترداد” ولكن أيضاً لتاريخ إسبانيا القديم الذي يظهر الهوية الحقيقية لشعب شبه الجزيرة الايبرية والتي تكونت في جزء هام منها من الحضارة الكنعانية الفينيقية خلال ستمئة عام من القرن التاسع قبل الميلاد وحتى القرن الثالث قبل الميلاد حين سيطرت الامبراطورية الرومانية على ايبريا .

وبدون شك فستحمل تلك المراجعة التاريخية التي تتسم بقدر من الموضوعية والبحث العلمي يقظة للضمير الغربي لإدانة الجرائم التي ارتكبت في الأندلس تحت ستار “الاسترداد” .

التقدم الحضاري الأندلسي وحروب “الاسترداد”:

من المعروف على نطاق واسع أن الأندلس شهد نهضة حضارية جعلت منه فردوس أوربة الثقافي, وجاء ذلك النهوض مترافقا مع النهوض الاقتصادي والثراء والترف الذي لم تعهد أوربة مثيلاً له من حيث اتساع قاعدته الاجتماعية, فأوربة العصور الوسطى كانت غارقة في الفقر والجهل, بينما تنحصر مظاهر الثراء والترف في قصور النبلاء والملوك .

وأحد العوامل الهامة التي حفزت حروب “الاسترداد” هي الفارق الحضاري والمادي بين القوط والفرنجة وبين مدن الأندلس العامرة بالغنى والثقافة .

وقد شهدت الفترة اعتباراً من القرن الحادي عشر زيادة سكانية في أوربة مقابل شح في الموارد الاقتصادية بسبب البنية الاجتماعية السائدة وتسلط الكنيسة التي جمدت مفاعيل التطور الحضاري .

في بداية القرن الحادي عشر وحتى القرن الرابع عشر حين حدث الطاعون الكبير ازداد عدد سكان أوربة من 30 مليون نسمة وحتى 80 مليون نسمة تقريباً وكانت الكثافة الأكبر للسكان في فرنسا وألمانيا ويقدر علماء الديمغرافيا أن عدد سكان فرنسا ارتفع من حوالي خمسة ملايين نسمة في العام 1000م إلى حوالي 15 مليون في القرن الرابع عشر قبل الطاعون الكبير والبعض يرفع التقدير إلى 19 مليون نسمة وفق المؤشرات الديمغرافية والسجلات الملكية وبنسبة ازدياد مشابهة ارتفع عدد سكان البلدان التي تتكلم الألمانية (الجرمان) من ثلاثة ملايين إلى 12 مليون نسمة(29), ولم يرافق تلك الطفرة السكانية طفرة في وسائل الانتاج, ويُعلمنا التاريخ أن الطفرات السكانية حين تحدث بالنسبة للشعوب المعزولة وذات نمط الانتاج المحدود كالمجتمعات الرعوية أو الرعوية- الزراعية حين تكون الزراعة محدودة الانتاج بسبب طبيعة الأرض أو الطقس أو الظروف النباتية كانتشار الغابات أو ضعف التقنيات الزراعية وقلة مهارة اليد العاملة فإن ذلك يمكن أن يدفع تلك المجتمعات نحو الغزو أو الهجرة . ومن الطبيعي أن يستهدف الغزو المراكز الحضارية الأكثر ثراءً كما حدث في اجتياحات المغول للمراكز الحضارية في آسيا وصولاً الى المنطقة العربية في القرن الثالث عشر الميلادي .

ويربط البعض الحملات الصليبية نحو المشرق العربي- الاسلامي بأوضاع أوربة الاجتماعية- الاقتصادية وعجز نظامها الاجتماعي عن مواجهة الطفرة السكانية في تلك الفترة بصورة مشابهة لما هو الحال بالنسبة لحروب “الاسترداد” . وهناك مؤشرات متعددة لمشاركة الفرنسيين الواسعة في حروب “الاسترداد” واستيطانهم إثر ذلك في إسبانيا وانصهارهم ضمن البوتقة “الإسبانية” كما سيرد لاحقاً .

يقول ستانلي بول: “وكانت حروب المسيحيين نقمة وسوط عذاب على أعدائهم, فقد كانوا جُفاة أميين, وكانت أخلاقهم على اتساق مع أميتهم, وما كان يُتوقع من هؤلاء الجفاة المتوحشين الا التعصب والقسوة, فإنهم لم يؤمّنوا مستجيراً, ولم يتركوا فاراً, ولم يبقوا على جريح, وهذا يذكرنا والحزن يملأ صدورنا بما كان للعرب من بطولة ورفق وسماحة خلق, فكثيرا ما عفوا عن أعدائهم نبلاء متكرمين, بينما نرى اليوم رجال ليون وقشتالة العتاة يذبحون جميع رجال الحاميات, ويستأصلون مدنا مليئة بالسكان, حتى إذا أحد نجا من سيفهم لم ينجُ من استعبادهم”(30) .

تحيلنا الفقرة السابقة لستانلي بول التي تطرق فيها للأساليب الوحشية التي اتبعها القوط وحلفاؤهم في الحرب إلى ذات الأساليب الوحشية التي اتبعتها الحملات الصليبية نحو بلاد الشام وجرائم القتل الجماعي للمدنيين دون تمييز مثلما حدث عند الاستيلاء على بيت المقدس عام 1099 حين ذُبح معظم سكانها (حوالي 70000) رجل وامرأة وطفل؛ والهدف هنا واحد وهو الإبادة وإرهاب بقية مدن البلاد.

يقول المؤرخ كالاغان في حديثه عن الفترة التي أعقبت انقلاب التوازن لصالح الممالك القوطية وانحسار المسلمين في الأندلس نحو الجنوب: “مع ذلك فإن إسبانيا الإسلامية التي أصبحت أقل أهمية من قشتالة وأرغون بقيت اللحن المفتاح لشبه الجزيرة الايبرية ليس فقط لكونها وحدها موضوع الحرب ولكن لحضارتها ولبقاء تفوقها الكبير خاصة في الجوانب المادية والروحية على قشتالة وأرغون, لقد كان ذلك الزمن في الحقيقة هو الزمن الذي قدم فيه العالم الإسلامي أعظم علمائه, وفيه أصبحت الدول المسيحية متأثرة بقوة بروح الثقافة الاسلامية”؛ ويا للأسف فقد كان جزاء تلك المنارة للعلم والحضارة ليس فقط التدمير وتشريد شعبها واستعباده, لكن تشويه التاريخ بعد ذلك وتصوير حَمَلة مشعل الحضارة كغزاة وثنيين وأولئك الذين دمروا مدنهم وأحرقوا كتبهم كحملة للإيمان القويم !.

ونأتي الآن إلى سؤال رئيسي: إذا كانت الغالبية العظمى لسكان شبه الجزيرة الايبرية قد تحولت للإسلام بعد الفتح العربي- الاسلامي بزمن قصير, وتعلمت اللغة العربية التي أصبحت سائدة كلغة الشعب اليومية, ونسيت اللاتينية, وأصبحت عاداتهم عربية- اسلامية, وإذا كان مصيرهم بعد هيمنة الممالك الإسبانية على ديارهم يتراوح بين التهجير والقتل والاستعباد أما تغيير دينهم بحد السيف فلا بد أنه كان الأقل انتشاراً, بينما الراجح أن التهجير كان الأوسع انتشاراً, وقد بدأ التهجير مبكراً مع بداية القرن الحادي عشر وكان يتم عموماً من الشمال نحو الجنوب, وبعض ذلك التهجير جرى بموجب مراسيم أصدرها الملوك الإسبان بعد احتلالهم المدن يمنحون فيها المسلمين مهلة زمنية قصيرة لمغادرة بيوتهم وتسليمها مع أملاكهم للموظفين المعتمدين من الملك, وهناك نوع آخر من التهجير تم بصورة ذاتية من قبل المسلمين قبل دخول المحتلين الإسبان مدنهم بدافع الخوف من القتل أو اغتصاب النساء أو العبودية, فإذا كان الأمر كذلك فمن أين جاء السكان الجدد؟

ولا شك أن الإجابة عن ذلك السؤال ستلقي أيضاً الضوء بطريقة غير مباشرة عن مصادر القوة البشرية التي سمحت بتكوين جيوش الممالك القوطية رغم أن نسبة القوط في أيام مملكتهم قبل الفتح الإسلامي لم تتجاوز 3% من السكان في ايبريا . ويمكن أن نجد جوابا في ذلك البحث لـ فايفس و خايمي فسنس: Economic History of Spain || 13. Reconquest and Resettlement in the 12th and 13th Centuries Vives, Jaime Vicens تحت عنوان: “إعادة التوطين لمدن مملكة أراغون “حيث يقول البحث: “كقاعدة عامة فإن المدن الاسلامية لوادي نهر الايبرو قد احتلت عن طريق استسلامها (دون حرب) وسكانها المسلمون كان بإمكانهم البقاء في ديارهم مدة سنة واحدة, وبعد ذلك عليهم مغادرة منازلهم والخروج خارج أسوار المدينة إلى أماكن تجمع خاصة بهم, مع تركهم أملاكهم المنقولة وغير المنقولة ضمن بلدية مدينتهم أو ضمن بلدية مدينة أخرى, وكنتيجة لذلك برزت بوضوح مشكلة اعادة توطين في المدن بصورة خاصة بخلاف الريف حيث لم تحصل فيه تغييرات جوهرية مماثلة (السبب غالبا هو الحاجة الماسة لليد العاملة لزراعة الأراضي التي وزعت على النبلاء والفرسان وموظفي الدولة الرئيسيين) .

وفي المدن بعد أن تم تطهيرها من المسلمين بعد استسلامهم كان من الضروري ايجاد مستوطنين مسيحيين إما من الداخل أو من خارج المملكة وحيث أنه لم يكن هناك طبقة بورجوازية مدنية محلية فإن السكان الجدد الذين كان عليهم النهوض بأعمال التجارة الصغيرة والكبيرة كان يتوجب جلبهم من الأجانب مثلما كانت الحالة بالنسبة للمدن القريبة من البيرنيه, وهكذا فإن الفرنكيين الذين احتلوا سابقاً منذ أربعين سنة أجزاء متفرقة من جاكا, سانغوزا, بنبلونة, وايستيلا, وهوكانوا هم الذين استوطنوا في سرغوزا (سرقسطة) توديلا, ترازونا (طرشونة) وهكذا.., ونتيجة لذلك فقد كان المستوطنون الأوائل في مدن أراغون من أصول أجنبية, وقد جاؤوا منجذبين بمنافع خاصة عرضت عليهم ،

يمكن الاستنتاج بسهولة أن ما سبق لا ينطبق بالضرورة فقط على مدن مملكة أرغون, بالتالي فالمسألة لم تكن تحرير إسبانيا الأرض والشعب من نير الاحتلال العربي- الاسلامي, لكنها كانت إبادة شعب من أجل جلب شعب آخر وتوطينه مكانه تحت رايات دينية صليبية، كما يلقي المثال السابق ضوءاً على المصادر المحتملة للقوى البشرية التي بواسطتها جرت حروب ” الاسترداد” .

 يقول كالاغان إن القرنين الحادي عشر والثاني عشر شهدا زيادة سكانية في شبه الجزيرة الايبرية وتعود تلك الزيادة لعدة أسباب منها تدفق السكان من أوربة خاصة فرنسا إلى ايبريا بسبب الزيادة السكانية في فرنسا مما دفع الناس إلى ترك موطن آبائهم باحثين عن أماكن لحياة أفضل وكثير من المهاجرين الفرنسيين استوطنوا بصورة دائمة في ايبريا وبينما كانت أعداد السكان في الولايات المسيحية في ازدياد كانت أعداد المسلمين الأندلسيين في تناقص مستمر (لم يذكُر السبب في الاضطهاد وحملات التهجير القسرية!) وكان سكان المدن المسيحية خليطاً من سكان غاليسيا وليون وقشتالة والباسك وأراغون وكتالونيا وهي مجموعات غير منسجمة بقيت لفترة متباعدة عن بعضها مع ازدياد مطرد لأعداد ما اصطلح على تسميته بالفرنكيين وهم في الواقع من مختلف مناطق أوربة ممن استوطنوا في ايبريا وجاؤوا من المانيا وانكلترا وإيطاليا ومن غاسكوني وتولوز وبروفنس وأقاليم أخرى فرنسية(31) .

يصف ماثيوكار في كتابه الرائع “الدين والدم – إبادة شعب الأندلس” محاصرة غرناطة كالآتي: “شق زهاء ستين ألف فارس وجندي من المشاة طريقهم عبر الوديان النهرية والسهول حتى جبال غرناطة العالية, مدعومين بأرتال إمدادات ووحدات غير نظامية كانت مهمتها الوحيدة حرق المحاصيل وتدميرها, ضمت الجيوش النصرانية في صفوفها كثيراً من المتطوعين الأجانب, جذبهم الوعد البابوي بغفران الذنوب لمن يحاربون الكفار, فضلاً عن فرص النهب التي كانت توفرها تلك الحروب, فقد  شارك رماة وحاملو فؤوس انجليز ومحاربون قدامى من حرب الوردتين ومرتزقة سويسريون ولوردات وفرسان من أنحاء أوربة كافة في حرب أسماها الديبلوماسي البندقي أندريا نافاجيرو ’’حربا جميلة ربحناها بالحب‘‘ “؛ لا يمكن للمرء تصور مشهد أكثر من هذا المشهد تعبيراً عن طبيعة حروب “الاسترداد” الصليبية وعمق الانخراط الأوربي فيها منذ بدايتها وحتى نهايتها عند سقوط غرناطة عام 1492م .

حضارة الأندلس:

في بداية النهضة الحضارية الأندلسية كانت الكتب تُحمل على ظهر الجمال في القوافل من بغداد ودمشق إلى الأندلس, وكان الأندلسيون يسافرون إلى المشرق لطلب العلم, كما أن كثيراً من علماء وأدباء المشرق هاجروا للأندلس لأسباب مختلفة, ومما امتاز به الأندلسيون إقبالهم على الثقافة العربية- الإسلامية بشغف غير معهود, وانتشار ذلك الشغف لدى الطبقات الوسطى المدنية انتشاراً واسعاً؛ وفي عصر لاحق ظهر تفوق العلماء والأدباء والفلاسفة والفقهاء الأندلسيين وأصبحوا أساتذة وأندادا لأقرانهم المشرقيين .

أما الطبقات الوسطى الأندلسية من تجار وحرفيين ومزارعين وممن شغلوا الوظائف الحكومية والدينية- الشرعية فقد تفوقوا بالتأكيد بحبهم للثقافة والكتب على نظرائهم المشرقيين, فلم يكن يخلو منزل من مكتبة عامرة بمئات الكتب, وكان الأندلسيون يتفاخرون بمكتباتهم كما يتفاخر بعض الناس هذه الأيام بسياراتهم الحديثة .

“إلى جانب صقلية أصبحت الأندلس قناة فكرية بين العالم المسيحي (الأوربي) والعالم العربي مكنت أوربة من إعادة بناء ارتباطاتها المنقطعة بتراثها الكلاسيكي, فكانت قوافل الأمتعة من بغداد ودمشق تأتي بالكتب والمخطوطات العربية من المكتبات العامة (والوراقين) إلى إسبانيا, جنباً إلى جنب مع ترجمات النصوص اليونانية واللاتينية الكلاسيكية التي اختفت من أوربة منذ انهيار الامبراطورية الرومانية, كما قطع سلسلة من العلماء  المسيحيين (الأوربيين) من أمثال أبيلارد البائي وروبرت الشيستري وجيرالد الكريموني الرحلة الشاقة جنوب جبال البيرينيه لزيارة المكتبات العامة ومدارس الترجمة التي ازدهرت في ايبريا الأندلسية, وتُرجمت هذه النصوص إلى اللغة اللاتينية, إلى جانب ترجمات الأعمال العربية في مجال الكيمياء واللاهوت والرياضيات والفلك والطب, وقد شكلت هذه اللقاءات جزءاً مما سماه المؤرخ ريتشارد بوليت ’’النقل الهائل للثقافة والعلم والتقنية‘‘ من العالم الإسلامي إلى أوربة, وهو النقل الذي أسهم في وضع الأساس لعصر النهضة الأوربي” .

“كانت قرطبة في أوجها إبان القرن العاشر, مدينة لا نظير لها في العالم المسيحي (الأوربي) (في الحقيقة لا نظير لها حتى في العالم الاسلامي أيضاً) فزهت بطرقها المعبّدة وشوارعها المُضاءة ومستشفياتها ومدارسها وحماماتها العامة, ومكتباتها العامة, وفي الوقت الذي كانت فيه أكبر مكتبة في أوربة المسيحية تضم ستمئة مجلد على الأكثر, كانت الصناعة المنزلية للخطاطين العرب في قرطبة تنتج زهاء ستين ألف كتاب مكتوب باليد في العام, ويُقال إن المكتبات العامة في عهد الخليفة الأموي الحكم “المهيب والمثقف والاداري” المولع بالكتب كانت تضم نحو أربعمئة ألف مخطوطة في مختلف المواضيع من الشعر واللاهوت إلى الفلسفة والطب والزراعة”(32) .

يقول ابن عذارى في كتابه “البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب“: ومما قيل في آثار قرطبة وعظمتها حين تكامل أمرها في مدة بني أمية- رحمهم الله- إن عدة الدور التي بداخلها للرعية دون الوزراء وأكابر أهل الخدمة (113000) مئة وثلاثة عشر ألف دار, ومساجدها ثلاثة آلاف مسجد… وعدد حماماتها ثلاثمئة حمام”(33) .

ووصف ابن حوقل النصيبي الرخاء والثروة لأهالي الأندلس فقال: “وأما جزيرة الأندلس … تغلب عليها المياه الجارية والشجر والثمر والرخص والسعة في الأحوال.. من الرقيق الفاخر والخصب الظاهر إلى أسباب التملك الفاشِّية فيها, ولِما هي به من أسباب رغد العيش وسعته وكثرته, يملك ذلك منهم مهينهم وأرباب صنائعهم, لقلة مؤنتهم وصلاح معاشهم وبلادهم”(34) .

فإذا تذكرنا وصف ستانلي بول للمحاربين في حروب “الاسترداد” بالوحشية والجهل فربما يصبح مبرراً وصف حروب “الاسترداد” بأنها في جانب من جوانبها حرب برابرة ضد مجتمع حضاري مترف, تحدوهم الرغبة القوية في النهب والسلب والتملك أكثر من رغبتهم في خدمة الكنيسة . والشبه كبير بينهم وبين قبائل الجرمان التي اجتاحت روما وأعملت فيها سلباً ونهباً وحرقاً, وتسببت في انهيار الامبراطورية الرومانية بكل ما كانت تحمله من معالم حضارية ورجوع أوربة نحو الغرق في ظلام القرون الوسطى .

يقول المقري عن حال العلم في الأندلس: “وأما حال أهل الأندلس في فنون العلوم فتحقيق الانصاف في هذا الباب أنهم أحرص الناس على التميز… والعالم عندهم مُعظَم من الخاصة والعامة, يشار إليه ويُحال عليه, وينبه (يعلو) قدره وذكره عند الناس, ويكرم في جوار أو ابتياع حاجة وما أشبه ذلك.. فالعالم عندهم بارع لأنه يطلب العلم بباعث من نفسه يحمله على أن يترك الشغل الذي يستفيد منه, وينفق من عنده حتى يتعلم, وكل العلوم لها عندهم حظ واعتناء, إلا الفلسفة والتنجيم فإن لها حظاً عظيماً عند خواصهم” .

كتب ليفي بروفنسال: “إن الإشعاع الذي كانت تعكسه قرطبة على المسيحية الغربية لا يمارى فيه… وهذا الإشعاع آخذ في تأكيد ذاته, وفي بعض الوثائق النادرة جداً مع الأسف أن الشاعرة الألمانية روزيثا التي نظمت أبيات شعرها في منتصف القرن العاشر تدعو العاصمة الأموية قرطبة بـ “زينة الدنيا” ويرسل أوتون الأول إمبراطور جرمانيا السفير جان دي غورتس في عام 956م الى عبد الرحمن الثالث فينقل إلينا مترجم حياة ذلك السفير ما شعر به إزاء حضارة كان مع ذلك يعرف عنها من قبل أنها رقيقة وناعمة”(35) .

أما النص الآتي لبروفنسال أيضاً فهو يلقي بضوئين في آن واحد, أحدها على ما سبق أن تعرضنا له من انخراط أوربة خلف حروب “الاسترداد” والطبيعة الصليبية لتلك الحروب أما الآخر فيبين أحد عوامل التأثير الحضاري الأندلسي في فرنسا القرون الوسطى: “على الرغم من أن فرنسا كانت في العصور الوسطى في عزلة عميقة بسبب وضعها الجغرافي, الا أن ذلك لم يحُل دون وصول المؤثرات الحضارية من الأندلس إليها عبر الممالك المسيحية في شمال الأندلس, ذلك أن الحملة الصليبية الفرنسية (ليفي بروفنسال يصفها بالصليبية بوضوح) التي استهدفت عام 1064م مدينة برباسترو الواقعة ضمن إقليم اراغون كانت تضم في صفوفها فرساناً من أغلب مقاطعات المملكة بقيادة أمير نورماندي فلما فاجأت المدينة وانتهت من نهبها, عادت عبر جبال البيرينيه ومعها أعداد هائلة من الأسرى المسلمين, وليس ما يمنع هنا من الظن بأن هؤلاء الأسرى قد عملوا في المدن التي سيقوا إليها على نشر المعرفة بالفنون والأساليب التي لم تكن قد خطرت ببال أسيادهم قبل أن يذوبوا بين السكان، وقد رأينا أن غالبية الكلمات الفرنسية المشتقة من العربية قد جاءت عبر اللغة الإسبانية”(36).

واذا ربطنا بين النص السابق الذي تحدث عن توطين الفرنسيين في مملكة أراغون بعد طرد العرب والمسلمين منها والفراغ السكاني الذي أحدثه ذلك الطرد, وبين هذا النص الذي يخبرنا عن حملة عسكرية كبيرة منظمة من المملكة الفرنكية لاجتياح المدن الإسلامية في اراغون ونهبها وسوّق سكانها أسرى لأصبح لدينا رؤية أفضل لسبب اختلال ميزان القوى لصالح الممالك الإسبانية, ولطبيعة الموارد البشرية القادمة من أوربة سواء منها المشاركة بالمجهود الحربي أو بالاستيطان والاستيلاء على ممتلكات وأراضي أهل الأندلس الذين طُردوا من ديارهم وسُلبوا جميع أملاكهم .

أما التأثيرات الحضارية التي يتحدث عنها بروفنسال والتي انتقلت إلى فرنسا عبر الأندلس فنادرا ما يرد ذكرها لدى المؤرخين الغربيين, وفي حين تبقى محصورة ضمن بعض الكتب والأبحاث الأكاديمية المعمقة فإن الثقافة المتداولة على نطاق أوسع تسقطها إلى حد كبير .

تذكر بعض التقديرات أن السكان المسلمين في ايبريا بداية القرن الثاني عشر بما في ذلك الأمازيغ والعرب والإيبريين الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام كان عددهم جميعاً زُهاء خمسة ملايين ونصف المليون, وفي  نهاية القرن الخامس عشر كان عدد المسلمين في إسبانيا يتراوح بين خمسمئة ألف وستمئة الف من أصل إجمالي سكان إسبانيا الذين كان عددهم يتراوح بين سبعة إلى ثمانية مليون نسمة .

ومما سبق يمكن استنتاج أن الغالبية العظمى لسكان ايبريا في القرن الثاني عشر كانت من الأندلسيين المسلمين الذين انصهروا في بوتقة الحضارة العربية- الإسلامية، فلو افترضنا جدلاً عدم زيادة عدد المسلمين من القرن الثاني عشر حتى القرن الخامس عشر لكانت نسبتهم حوالي 73% من إجمالي السكان.

وقد تم طرد وتهجير قسم كبير منهم خلال مئتين وخمسين عاماً تقريباً قبل سقوط غرناطة أما القسم الآخر فقد وجد نفسه مجبراً على التحول نحو المسيحية بدل الهجرة أو التعرض للاضطهاد . أما الذين بقوا بعد سقوط غرناطة فقد كان ينتظرهم سيف محاكم التفتيش .

لقد تم التهجير بحملات منظمة كان فيها الأندلسيون مخيرين بين الهجرة أو الموت أو الاستعباد, فلا يعقل أن يهاجر شعب بكامله من أرض آبائه وأجداده ويترك بيته وأرضه لسبب أقل من القتل أو الاستعباد.

ههنا تم اقتلاع شعبٍ هو صاحب أرقى حضارة عرفتها أوربة حتى ذلك الوقت, دون رحمة ودون شفقـة, واعتُبرت تلك الجريمـة الكبـرى بحق الإنسانيـة مبـررة بل وممجدة في أوربة كلهـا لوقت طويل وجـرى إضفاء الشرعية عليهـا على المستوى العالمي بجعل هذه الأفعـال مرادفة لمصالح الدين .

هوامش الحلقة السادسة:

(27) الخارطة من كتاب : حروب الاسترداد والحروب الصليبية في إسبانيا القرون الوسطى – جوزيف كالاغان

(28) كما سبق ص 21 -22

(29) أوربة في قمة العصور الوسطى – ديفيد كانادين – الفصل الأول – العالم المسيحي في بداية القرن الحادي عشر .

 (30) كتاب قصة الأندلس – ستانلي بول – ص 83

(31)  كالاغان – تاريخ إسبانيا في العصر الوسيط – ص 282

 (32) كتاب الدين والدم – إبادة شعب الأندلس – ماثيو كار

(33) كتاب البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذارى – ص 355

( 34) كتاب نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب – أحمد المقري

(35) حضارة العرب في الأندلس – ليفي بروفنسال – ص 84

(36) كالسابق – ص 95

———————————
يتبع.. الفصل الرابع

«معقل زهور عدي»: كاتب وباحث عربي سوري