الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

التعليم والعمل المدني والدين… عن النزعة الإنسانية الضائعة في بلادنا

عمرو حمزاوي *

كيف تصل المجتمعات الحديثة إلى أنسنة وجودها باعتماد قيم المساواة والتسامح والتضامن وقبول الآخر وتجريم التمييز؟

هل هي الديمقراطية، معرفة بتداول السلطة وحكم القانون وحقوق المواطنة، التي تمكن من هذا؟

هل هو خليط من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية الذي ينتج التطور الإيجابي للمجتمعات الحديثة؟

أم أن المساواة والتسامح والتضامن قيم تغرسها المؤسسات التعليمية والمدنية والدينية في المجتمع ثم تتلقفها السياسة وتبلورها في نظام ديمقراطي وضمانات للعدالة الاجتماعية؟

لهذه التساؤلات أهمية كبرى في واقع عربي معاصر تتعثر به صناعة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتغيب عنه أيضا وعلى نحو موجع قيم المساواة والتسامح والتضامن.

وقد بت على يقين، دون تجاهل لأهمية النظام الديمقراطي إن يوما تبلور وضمانات العدالة إن يوما اشتد عودها لجهة أنسنة الوجود المجتمعي على المدى الطويل، أن خطوات البداية في بلاد العرب وثيقة الارتباط بالمؤسسات التعليمية والمدنية والدينية وبدورها في غرس القيم الصحيحة.

فمجتمعات تهمش النساء وتميز ضد الضعفاء ومحدودي الدخل وتعاني نخبها السياسية والإعلامية من مرض عضال اسمه ادعاء احتكار الحقيقة المطلقة وتصنع توترات طائفية متكررة، ليس للديمقراطية ولا للعدالة الاجتماعية أن تنهيا أزماتها وأن تستعيدا لها الإنسانية بين ليلة وضحاها. فما بالنا بديمقراطية غائبة وبعدالة اجتماعية متعثرة وذات وجود ورقي في أحسن الأحوال.

مناط الأمل، إذا، هو في مؤسسات تعليمية تنشر المساواة والتسامح والتضامن عبر مناهج وأدوات حديثة تتجاوز المحتوى الأبوي والسلطوي التقليدي.

خطوة بداية ثانية ترتبط بالمؤسسات المدنية، الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، التي تستطيع بقربها من المواطنات والمواطنين غرس المساواة والتسامح ومقاومة التطرف والتخلف الخانقين.

وخطوة بداية أخرى تستند إلى دور ايجابي للمؤسسات الدينية التي يمكن لها، وبجانب محاربة الإتجار بالدين في السياسة والوقوف في وجه الإساءة إليه عبر الزج به إلى عوالم التطرف، اعتماد فهم مستنير ومتسامح ومنفتح على الآخر ومحب للقيم الإنسانية.

هنا يتعين على حكومات بلاد العرب أن تدرك أن سياساتها وممارساتها القمعية قضت، وإن بدرجات متفاوتة، على استقلالية المؤسسات التعليمية والمدنية والدينية وأفقدتها بالتبعية الفاعلية المجتمعية. ويتمثل السبيل الوحيد لاستعادة الفاعلية المفقودة في كف يد الحكومات عن مرافق التعليم والعمل المدني-الأهلي والدين.

فمنذ خمسينيات القرن العشرين وحكومات بلاد العرب تتعامل مع هذه المرافق بغية السيطرة والفرض الأحادي لأولوياتها وإسكات الرأي الآخر ولم تتحسب لإفراغها المدارس والجامعات من النزعة العلمية والمؤسسات المدنية والجمعيات الأهلية من التسامح والتضامن والسلطات الدينية من النزعة الإنسانية. بل أن حكومات بلاد العرب في اندفاعها نحو السيطرة أغلقت الفضاء العام وألحقت المواطنات والمواطنين قسرا بجماعات الولاءات الأولية (كالطائفة والقبيلة والحركة الدينية) التي لا تقيم عادة الكثير من الاعتبار لا للقيم الحداثية ولا للنزعة الإنسانية ولا لرابطة المواطنة المتجاوزة حدود العرق والدين والمذهب واللغة.

بسياساتها وممارساتها القمعية، حاصرت حكومات بلاد العرب مواطنيها ودفعتهم بعد أن جردتهم من مرافق تعليم وعمل مدني-أهلي ودين فعالة إلى الارتماء في الأحضان الخانقة للولاءات الأولية. ولا مخرج لنا من كل ذلك سوى باستعادة استقلالية مدارسنا وجامعاتنا ونقاباتنا وجمعياتنا الأهلية وسلطاتنا الدينية، فقط حينها سيكتسب حديث الديمقراطية والعدالة الاجتماعية شيئا من المعنى والمضمون.

* كاتب مصري

المصدر: القدس العربي