الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

مأساة (عقل قربان).. والقطبة المخفية بأداء اللجنة الدستورية

عبد الباسط حمودة *

التشكيك الشعبي باستمرار عدم تمسك هيئة التفاوض المعارضة بمرجعية جنيف والقرارات الدولية لمجلس الأمن الدولي رقم 2254 و 2118، تصاعد بعد انتشار وثيقة للمعارضة تجاهلت أي إشارة إلى هذه المرجعية، فقد أعقبت نهاية أعمال الجولة الرابعة من اجتماعات اللجنة الدستورية التي اختتمت في جنيف مؤخراً عاصفة من الجدل أثارتها الوثيقة، وأعادت التساؤلات مجدداً حول أداء هيئة التفاوض المعارضة وهل تنازلت بالفعل عن بند مرحلة الحكم الانتقالي المنصوص عليه في قرارات مجلس الأمن حول سورية؛ ولماذا؟ أم مازالت متمسكة بهذه القرارات والمرجعية للحل السياسي؟

في الوقت الذي تعرف تلك الهيئة بأن سلطة أسد لم تقتل السوريين وحدها، بل دفعت لجميع المرتزقة من كل حدب وصوب لمشاركتها جرائمها المقززة، ومنهم شركة «فاغنر» الروسية التي تقوم بأعمالها ونشاطاتها على تأجير المرتزقة، ومؤخراً قام أحد مرتزقتها باختراق جدار الصمت المضروب حولها، وسرّب معلومات تبيّن أن مشغليهم ليسوا فقط دمويين تجاه الشعب السوري، وإنما أيضاً لا يعبؤون بمصير موظفيهم ” مرتزقتهم” الذين يرسلونهم لقتل السوريين.

معلومات جمة صرح عنها المرتزق ’’ مارات جابيدولين‘‘ لشبكة «ميدوزا» الإعلامية، بعد أن أعلن عن إرسال مخطوط مذكراته الممتلئ بجرائم الشركة للمطبعة.

الكتاب أعاد سحبه من الطباعة، والذي قال أنه يتضمن تفاصيل كثيرة لم تكن معروفة عن طبيعة العلاقة داخل هذه المجموعات وطبيعة علاقتها مع قوات جيش الإرهاب السوري من جانب ومع جيش الإرهاب الروسي النظامي من جانب آخر.

تفاصيل المقابلة عدّها مراقبون ” بأضخم تسريب لمعلومات أحيطت بكتمان لفترة طويلة. ” ومنها معلومات عن طريقة دخولهم غير الرسمية لسورية، وسرقة آثارها وفساد القيادات، وكذب ادعاءات جيش سلطة أسد بقتال تنظيم “داعش”، ومسؤولية الجيش الروسي عن مقتل مئات من مرتزقة الشركة وقطع رؤوس من حاول الانشقاق من ميليشيا سلطة أسد، وإنكار الروس خلال الاتصال بالأمريكان وجود مقاتلين روس في مناطق قام الأميركان بقصفها لاحقاً في استرخاص واضح وجليّ لأرواح مرتزقتهم القتلة.

إنها حلقة من حلقات انكشاف جريمة هائلة، وأكاذيب شاركت فيها دول وأحزاب وإعلام وميليشيا واستخبارات وشركات، جريمة لن يهدأ السوريين الأحرار حتى انجلائها وتحقيق عدالة المحاسبة للجميع.

فما الغاية والمآل الذي تسعى إليه هيئة المفاوضات باستمرارها في لجنة دستورية مشبوهة؟ هل لأن الجهة المشرفة على عملهم هي نفس الجهة التي وجهت وأشرفت على أداء وعمل نظام الشبيحة البعثأسدي منذ بداية الستينات؟

لقد اجتمعت كل جيوش العالم في سورية، جحافل وأساطيل مَلأَت البحر حَتَّى ضَاقَ عَنها، وأشعلت جوف السماء بقاذفات تُمطِر السوريين موتاً وبراميل متفجرة، باتت سورية مكان القسمة والتقسيم، فالكل جاء إلى دمشق لأخذ حصته من المنطقة، اتحدوا على اقتسام الدولة العربية، دولة بني أمية؛ جاؤوا باسم الحرب على «إرهابٍ» لطالما رعوه، يحاربون شبحاً من صنعهم ليقتلون مَنْ بقي من أطفالنا، ويهشّمون ما تبقى من دِمَشْق التي أنجبت طُلَيْطِلَة، ويدمّرون سَرِيرَ الشّرقِ وواحته المزهرة، ويبعثرون الوطَن الذي حوى تنوُّع الأَجْنَاس وَالأَدْيان بسماحة الحضارة العربية الإسلامية، ويعيدون رسم صورة جلق، ويغيِّبون ذكر الوليد بن عبدالملك ورسمه، فلن يسمحوا لأحد بمناداته، وتذكُّره والتذكير به ليبدلوا ملامح المسجد المحزون وتاريخه، ويعيدوا على مسامعنا قول شوقي: «فلا الأذان أذانٌ في منارته.. إذا تعالى ولا الآذان آذان»، ويعود الأذان في دمشق غريباً كما بدأ أول مرة!

مروعٌ هذا الحشد لجيوش الأرض في سورية بنتائجه الموحشة، دمشق هي منارة الحضارة العربية، اجتمعوا لخطفها من تاريخها وأهلها بدعوة من رأس الجريمة والإرهاب فيها، وغضّوا الطرف عن إيران لتهجير أهلها وسجن وقتل من تبقى، وتركوا «دواعشهم» يهدّمون آثارها؛ كلّهم يترقّب اكتمال تشويه صورتها القديمة وهدم مساجدها، حتى ينفضّوا إليها وينقضّوا على أرضها، سعياً لهدم رمزيتها عند العرب والمسلمين، ويقسّموها لدويلات إن استطاعوا، تُوزِّع تركتها على الأقليات؛ هكذا تشي التصريحات والمؤتمرات بل المؤامرات ويخطط شركاء الحرب على شعبنا السوري.

عالمٌ مغرق في الانكار والكتمان وغض الطرف عن ممارسات الاستبداد لبضع عقود أشرفوا وساعدوا على إكمالها بأحسن إخراجٍ وقهر، فقد شاركوا في جمع وإتلاف كتاب أعده وطبعه «عقل قربان» بعنوان (ثمن الجولان) بعد هروبه من سورية ومن ثم اعتقاله وجلبه من لبنان وزجه في السجن بزنزانة حتى فقد عقله ومات بمنتصف الثمانينات.

«عقل قربان» ضابط المخابرات السوري برتبة نقيب من محافظة السويداء، كان مقرباً من اللجنة العسكرية الانفصالية العميلة إياها، وقبل هزيمة حزيران/يونيو 1967 كان قد حضر اجتماعات سرية بين وزير دفاع البعث حافظ أسد مع ضباطٍ اسرائيليين بمطار الضمير، وقد كان الشاهد الوحيد- من بين ثلة مقربة من حافظ- على اتفاقهم على بيع الجولان مقابل تطويب السلطة وخيانة الأمة وحصار مصر والقضاء عليها وقطع طريق نهوضها حين لم تتأثر بجريمة الانفصال؛ إنه اطلع على تفاصيل عمالة وخيانة من قاد أكبر هزيمة أمام العدو ثم استولى على السلطة في انقلاب عسكري عام 1970 جراء ذلك.

أثقله عبء ووطأة تأنيب ضميره، فلم يقوَ «عقل قربان» على احتمال الصمت والسكوت على ما دار وجرى في كواليس تلك اللقاءات السرية، وما انتهت إليه من نتائج، ففرَّ إلى لبنان وتوارى عن الأنظار لفترة من الزمن أواخر الستينات، وبعد مدة قصيرة أصدرت إحدى دور النشر اللبنانية كتابه الذي سرد فيه تفاصيل كل ما دار في تلك اللقاءات السرية، بين حافظ أسد والإسرائيليين، فجُنَّ جنون أسد شخصياً، وثارت ثائرة كل أعضاء القيادة البعثية حينها والتي كان من أبرز أركانها ووزير دفاعها حافظ؛ فأسرعوا يطلبون رأس الرجل المختفي، خططوا وجدُّوا في طلبه، دون كلل في لبنان، تفتيشاً وتحصيلاً حتى تمكنوا من العثور عليه بعد ملاحقات ومؤامرة استخباراتية وخطة محكمة شاركت فيها حتى المخابرات الإسرائيلية، بتعاون مع عملاء سريين لهم في لبنان؛ وقد أشار لها الصحفي اللبناني الأشهر «سليم اللوزي» الذي عاقبه أسد بأسوأ من جزاء «عقل قربان»!

لقد تمَّ جمع كل نسخ الكتاب الذي لم يُتَحْ له أن ينتشر ويرى النور، وإتلافها، وخُطف «عقل قربان» وأحضر لفرع المخابرات العسكرية، أودع في زنزانة خاصة وصدرت الأوامر لكل طواقم العاملين في سجن المزة بعدم الاقتراب منه أو التحدث إليه، بما في ذلك مدير السجن نفسه، إذ تمَّ فرز عناصر خاصة فقط لمتابعة شؤونه بزنزانته ليمارس فيها الصمت وحيداً ثم العواء والبكاء والصراخ ثم الجنون المطبق حتى الموت رحمهُ الله.

أشار لذلك بعض معتقلي ونزلاء سجن المزة ممن التقيتهم بالمعتقل نهاية الثمانينات وإبان الثورة أيضاً، والذين أسرّوا لعائلاتهم ببعض أطراف الحديث حول «عقل قربان»، وأكدها بعض الأصدقاء المشتركين ممن تزاوروا مع معتقلي قيادات البعث بعد خروجهم مثل «ضافي الجمعاني» و«يوسف زعين» وآخرين.

أتينا على ذكر مأساة «عقل قربان» لنذكر الكثيرين بمن فضح وكشف علناً ومبكراً جذر العمالة والخيانة ولنشير أيضاً للدور الخفي لنفس الأجهزة والدول التي تشرف على اللجنة الدستورية الصورية وأدائها المشين في وقت يتطلب كل المكاشفة والتحلي بروح الوطنية الحقة والصادقة وليس ادعائها بالشقشقة اللفظية.


عبد الباسط حمودة

مهندس وباحث سوري

 

المصدر: إشراق