الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

التواصل الاستراتيجي للنظام السوري: الممارسات والأيديولوجيا

أحمد عيشة *

يتناول هذا المقال التواصل الاستراتيجي للنظام السوري، باعتباره ممارسة سياسية تسير جنبًا إلى جنب مع تكتيكاته السياسية والاجتماعية والعسكرية القمعية للسيطرة على المجال السياسي، وكسب الحرب الأهلية الدائرة في البلاد، وقمع معارضيه بعنف منذ انطلاقة الانتفاضة السورية في آذار/ مارس 2011. وذلك بالاعتماد على المصادر الأولية والثانوية، إضافة إلى تحليل الخطاب (المنطوق) في خطابات الرئيس السوري بشار الأسد الرئيسة منذ عام 2011، تشير الدراسة إلى أن هذه الاستراتيجية هي ممارسة ديناميكية للسياسة، تجمع بين تعبئة وسائل الإعلام وأساليب (أجناس) الثقافة كتقنيات قوة مع لغة سياسية متجذرة في أيديولوجية حزب البعث، لإضفاء الشرعية على حرب النظام ضد خصومه، وضمان الدعم، واستدعاء (تجميع) المواطنين بصفتهم شخصيات فردية سياسية.

تتناول هذه الدراسة التواصل الاستراتيجي للنظام السوري بعد عام 2011، كممارسة ديناميكية للسياسة تحشد الإعلام (والأنواع الثقافية) كسلع لسلطة النظام، و”ثقافة التواصل” البعثية القائمة بالفعل لإعادة إنتاج قوة النظام؛ والسيطرة على المجالات السياسية والثقافية والرمزية في سورية، وضمان نجاة النظام وبقائه، خاصة أثناء حالات الصراع. بالاعتماد على بحث غير منشور أجريته في سورية قبل الانتفاضة، وعلى مصادر أولية وثانوية، وتحليل خطابات الرئيس السوري بشار الأسد العلنية منذ آذار/ مارس 2011، تشير هذه الدراسة إلى أن ممارسات التواصل الاستراتيجية للنظام السوري قد انتشرت على الصعيدين الاجتماعي والثقافي، وفي المساحات الشخصية، منذ وصول الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى السلطة عبر انقلابه العسكري عام 1970، وتسير جنبًا إلى جنب مع ممارسات وتدابير أخرى للنظام تهدف إلى ضمان استمراريته والسيطرة على المجال السياسي، واستدعاء السوريين ليكونوا رعايا سياسيين لأيديولوجية البعث القومية، وربط فسيفساء سورية من الجماعات العرقية والدينية والطائفية كأعضاء في أمة عربية متخيلة؛ ووضع حدود أو قيود لما يمكن أن يقال في العلن، كما يقول ميشيل فوكو: “حول موضوع معين في لحظة تاريخية معينة”.

يعتمد هذا الاقتراح على ديناميكيتين مترابطتين/ متشابكتين: الأولى هي فهم الثقافة كممارسات استطرادية (سيميائية) لصنع المعنى، وهو فهم يستدعي اهتمامًا تحليليًا لكيفية استخدام الفاعلين للكلمات والرموز والصور والمشاهد لأغراض مختلفة، ومن ضمن ذلك تطبيع سلطة النظام في سياقات تاريخية مختلفة؛ والثانية عدّ التواصل والسياسة عناصر تأسيسية في بناء الإجماع، وتغيير التأثير العام، وإنتاج الذات السياسية، وتعزيز أنظمة التمثيل الأيديولوجية التي تصبح مادية عندما “تُدرج ضمن الممارسات”.

لا يعني هذا الاقتراح أن أنظمة التمثيلات الأيديولوجية قابلةٌ للتصديق أو مقبولة من دون مقاومة (كانت الانتفاضة السورية، في جوهرها، مؤلفة من أعمال مقاومة شعبية لهذه الأنظمة الأيديولوجية وهياكل السلطة) إنما يعني معالجة الممارسات التي كان النظام يستخدمها باستمرار لتعبئة أنظمة التمثيل، لغرس السلطة وصقلها، بطرقٍ بديهية.

يشير المثقف والمعارض السوري ياسين الحاج صالح، في كتابه “الثورة المستحيلة (2017): فهم المأساة السورية”، إلى الأيديولوجية القومية البعثية القائمة منذ عام 1963 بكونها “عقيدة العروبة المطلقة”. ويكتب أن مثل هذه العقيدة تتصور أن: سورية بلد عربي… بمعنى أنها مع باقي الدول العربية تشكّل الوطن العربي. كما تدعي أن الهوية العربية لهذه البلدان أساسية، وتحدد وتعرف بالكامل جميع السكان والأراضي والدول… وأبرز ما يميز العروبة البعثية يظهر في مشروعها للتجانس السياسي والفكري الكامل الذي شُرع به داخل سورية… [إلى]… خلق التوحيد بين جميع السوريين ووضع البعثية كحقيقتهم العميقة، وحزب البعث كحامل لرسالتهم الأبدية كعرب.

وفقًا لعقيدة حزب البعث، كان لا بد من تكوين جميع السوريين بشكل فعال كمواطنين عرب سوريين، بغض النظر عن طائفتهم أو دينهم أو عرقهم، وهي تسمية تجمع بين علامات الهوية المهمة للهويات السورية والعربية معًا، وتظهر في مختلف الرموز والمراجع، مثل الاسم الرسمي للدولة، بالجمهورية العربية السورية، وفي أسماء مؤسسات الدولة التي تتضمن وسائل الإعلام (على سبيل المثال، يُطلق على التلفزيون الحكومي اسم التلفزيون العربي السوري، والجيش بالجيش العربي السوري). ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الممارسات، فإن مشروع البعث التأسيسي الذي كان يهدف إلى بناء “أمة عربية سورية”، يُفترض أن تتوقف فيها الطائفية والقبلية عن الوجود، لم يتحقق إطلاقًا. في الواقع، على الرغم من أن الحزب جنّد في صفوفه من جميع الأعراق والأديان، فإنه استغل الطائفية كممارسة سياسية حافظ عليها الرئيس الراحل حافظ الأسد، بما يضمن بقاء الأعضاء الرئيسين في “الدائرة القاعدية العلوية”، التي ينتمي إليها. وكذلك في المناصب، مثل الجيش ومؤسسات الدولة وإدارات المخابرات، فقد أنشأ نظامَ سلطةٍ ساعد في إحياء الطائفية في سياقات اجتماعية وتاريخية معينة.

لا توجد عمليًا دراسات تناولت على وجه التحديد التواصل الاستراتيجي للنظام السوري، باعتباره ممارسة سياسية، قبل الانتفاضة وبعدها. ومع ذلك، منذ عام 2011، ناقشت كثير من الدراسات السرديات المتعددة المتنازع عليها التي ظهرت في سياق الانتفاضة التي تحولت إلى حرب ونشر جهات فاعلة متنوعة للسردية الطائفية المهيمنة خلال مسار الصراع. وركزت دراسات أخرى على استخدام الدولة الإسلامية والجماعات الإسلامية الأخرى لوسائل الإعلام، وتناولت دراسات أخرى دور منصات التواصل الاجتماعي، في الانتفاضة التي تحولت إلى حرب أهلية. قبل عام 2011، تضمنت قلة من الأعمال النقدية (على الرغم من عدم استخدام مفهوم التواصل الاستراتيجي على وجه التحديد) مسألة التحليل الثقافي النقدي المتضمن في المناقشات حول قوة النظام السوري وطول عمره (فترة حكمه) على الرغم من النكسات والتحديات المختلفة، ومن ضمن ذلك انتفاضة الإخوان المسلمين السورية في عام 1982 التي قمعها النظام بعنف. قدمت هذه الدراسات تحليلًا دقيقًا لحشد النظام للثقافة، وعلاقته بالنخب وكذلك مع المنتجين الإعلاميين والثقافيين، والآليات التي ساعدت المنتجين الثقافيين في الحفاظ على سلطة النظام والتعبير عنها.

في دراستها المهمة للنظام السياسي في سورية في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، تقدّم ليزا ويدين (Wedeen Lisa (1999 تحليلًا معقدًا ومتشابكًا للآليات المتطورة التي طبقها النظام للحثّ على الطاعة والامتثال بين السكان. تناولت الباحثة المذكورة في عملها ما تصطلح على تسميته بـ “الغموض”، مع الامتداد القوي، للمشروع السياسي للنظام الذي استخدم لغة موجهة من السوق والصور في الصحف والمسرحيات والكتب والبرامج التلفزيونية للترويج لعبادة شخصية الأسد، التي أدت إلى فرض “الطاعة، والتواطؤ الناجم عنها، وعزل السوريين عن بعضهم البعض، ووضع المبادئ التوجيهية للخطاب والسلوك العام”. ومع ذلك، توضح ويدين أيضًا أن السوريين أيّدوا علنًا النظام، كشكل من أشكال التخفي (التقية)، لكنهم صدّوا (قاوموا) بشكل خاص حدود الامتثال والطاعة، وهي حجة قدمتها أيضًا ميريام كوك Miriam cooke في تحليلها للانشقاق السري والتخريبي في سورية في أواخر القرن العشرين، إذ تبيّن كوك في كتابها “سورية المعارضة، Dissident Syria، كيف تدخل النظام السوري بفاعلية في الثقافة وسعى إلى تشكيلها، خالقًا معضلات لجيل سابق من الفنانين والكتاب والمثقفين السوريين الممزقين، بين الرغبة في انتقاد السلطة والالتزام بالمساومة والتصالح معها.

وبالتركيز على الإنتاج الثقافي البصري السوري، تقدم عالمة الأنثروبولوجيا الإعلامية كريستا سالاماندرا Christa Salamandra أول إثنوغرافيا مفصلة للمسلسلات السورية (المسلسلات التلفزيونية) ومنتجيها، والتزامهم المستمر بأيديولوجية التنوير السياسية للنظام، وهي حجة شرحتها أكثر دونا ديلا راتا Donna Della Ratta في تنظيرها للعلاقة بين المنتجين الثقافيين والنظام كاستراتيجية سرية (بالهمس) تعكس الضرورات الاستراتيجية لكلا الجانبين والتي تبني هذا الترتيب كجزء من مشروع وطني محلي الإنتاج.

بشكل عام، النخب السياسية السورية، كحال النخب الأخرى في دول ما بعد الاستعمار، رأت الثقافةَ محفزًا محتملًا للتغيير الاجتماعي والتقدم الوطني، وهي وجهة نظر تتماشى مع رغبة حزب البعث في تركيز جميع الممارسات الثقافية تحت سيطرة الأجهزة الحكومية. كان هذا الرأي أيضًا محوريًا في “الحركة التصحيحية” للرئيس السابق حافظ الأسد، التي شكلت أساس حكمه، وهدفت إلى تشكيل وبناء الهوية الوطنية السورية كهوية وطنية عربية مع إدارة توقعات الحرية والحركية المتصاعدة. طوال فترة حكم حافظ (1970-2000) وبعد وفاته عندما تولى ابنه بشار السلطة، كان مفهوم “التنوير” موجهًا، ويستخدم بصورة تبادلية مع لغة النظام السياسية المتعلقة بالاقتصاد والإصلاحات السياسية وخطابات المواطنة (ويدين، 2013).

في الآونة الأخيرة، تناولت ديلا راتا (2017) كيف تجسّد التنوير، كأيديولوجية سياسية، في أشكال جديدة من أنواع الإنتاج الثقافي المرئي التي يرعاها النظام، مشددًا على التقارب بين احتياجات النظام والمنتجين الثقافيين في الخطاب الأيديولوجي للتنوير، وهو نمط متبادل من التوافق تسميه كوك (2007) “النقد الموجه”، وهي حالة يستولي فيها النظام على عمل المثقفين الذين يرون أنفسهم منتقدين للنظام، كاستراتيجية سياسية.

إن أيّ تحليل للتواصل الاستراتيجي للنظام السوري يوجب دراسة تفصيلية للترابط بين اللغة والثقافة وبين وسائل الإعلام والمنتجين الثقافيين والنظام مع الوقت؛ ودور المؤسسات الأخرى (مثل جهاز الأمن القوي والجيش) في المساعدة في الحفاظ على الوضع الراهن؛ والحقائق الاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية السياسية التي أعطت معنًى للمعتقدات الثقافية والاجتماعية؛ والتركيبة الديموغرافية لسورية؛ واستمرار نظام المحسوبية الذي أعطى الأقلية العلوية امتيازات مادية مقابل الدعم السياسي؛ وظهور وصعود الدولة الإسلامية والجماعات الإسلامية الأخرى؛ والتدخل الدولي والإقليمي والاعتبارات الجيوسياسية؛ فضلًا عن الدعم المستمر من حلفائه: إيران وحزب الله وروسيا، وهي مساع معقدة خارج نطاق هذه الدراسة. وإضافة إلى ذلك، يجب أن ينشغل مثل هذا التحليل مع التوصّل الاستراتيجي للنظام، وأن يُمارَس ويُنتج في منصّات ثقافية متنوعة: المشهد/ العرض، الفيلم، الموسيقى، الفن، الرموز، الهجاء، الصور، الأداء، الروايات، والشعر. وبالنظر إلى السياق المتطور المعقد للصراع السوري، الذي انخرط فيه مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة وشهد انفجارًا في الأنواع الثقافية الجديدة والمنصات الإعلامية كساحات حرب، سأقصر التحليل على معالجة تعبئة النظام للمساحات الإعلامية المختلفة، كسلع للسلطة وحشد الرئيس بشار الأسد للغة سياسية تكرر باستمرار المجازات الرئيسة لثقافة التواصل البعثية المزمنة. وسأركز على لغة الأسد السياسية، باعتبارها ممارسةً مستمرةً مهمةً لصنع المعنى، وموقعًا للنضالات ومشاركة في من أجل السلطة” التي تكمل مواقع وممارسات النضال الأخرى في لحظات الأزمات. ومع ذلك، فإن ما هو أساسي للمناقشة هو البيئة الإعلامية المتشابكة في سورية، والعلاقة بين النظام والثقافة، التي سأهتم بها باختصار لاحقًا.

يمكنكم قراءة البحث كاملًا بالضغط على الرابط:
https://www.harmoon.org/wp-content/uploads/2020/12/التواصل-الاستراتيجي-للنظام-السوري.pdf

* مهندس وناشط سوري ومعتقل سياسي سابق ومترجم لغة إنكليزية

المصدر: حرمون