الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

كتاب « الأندلس إبادة شعب وحضارة » للكاتب: ’’ معقل زهور عدي ‘‘..الحلقة الخامسة

 

( الحرية أولاً ) ينشر حصرياً كتاب « الأندلس إبادة شعب وحضارة » للكاتب: ’’ معقل زهور عدي ‘‘.. الحلقة الخامسة:

الفصل الثالث ( الجزء الأول )

حروب “الاسترداد”:

بالعودة لبداية الفتح العربي- الاسلامي للأندلس فبعد المعركة الفاصلة قرب نهر برباط بين جيش القوط بقيادة الملك رودريك (لذريق) وبين الجيش الأموي بقيادة طارق بن زياد والتي تحطم فيها الجيش القوطي واختفى على إثرها الملك رودريك وقيل فيما بعد إنه غرق في النهر أثناء انسحابه, انسحبت القوى العسكرية القوطية بالتدريج أمام المسلمين ولا بد أن قسماً منها وبخاصة الأرقاء والمرتزقة قد ترك الجيش بعد أن فقد الأمل في النصر, أما القسم الآخر الذي يحكم قيادته النبلاء من القوطيين المقاتلين الذي تبقى بعد عدة معارك لاحقة خاسرة أيضاً فقد انتهى به المطاف الى منطقة أستورياس الشمالية الجبلية شديدة الوعورة . حيث تحصن بالجبال واستفاد من بُعد المنطقة عن المدن والمراكز السكانية في شبه الجزيرة. انضم هؤلاء النبلاء ومن معهم من الفرسان والجنود الى أهالي أستورياس الذين كانوا قد اعتصموا بالسلاسل الجبلية العالية المسماة بالقمم الأوربية عندما هاجم موسى بن نصير إقليمهم, ومن المؤكد حسب ليفي بروفانس أن أولئك الأهالي قد تركوا الجبال وعادوا إلى ديارهم بعد أن تبين لهم عدم جدوى المقاومة, وربما وصلتهم أخبار الأقاليم الأخرى عن إمكانية التفاهم مع الحكم الاسلامي الجديد, أما النبلاء القوط وحاشيتهم وهم الذين نفوا أنفسهم طواعية ولم يرضوا بتسليم مقاليد أمورهم للسلطة الجديدة فقد استمروا في المنطقة الوعرة من أستورياس واختاروا من بينهم زعيماً عليهم يدعى بلايو وهو ابن أحد أشراف بلاط الملك القوطي أخيكا, وقد اختار قرية متواضعة في إقليم استورياس لتكون مقراً له .

وعندما علم المسلمون بالتمرد في أستورياس وجهوا له قوة مقاتلة لإنهائه فانسحب بلايو ومن معه نحو الجبال وتحصنوا بموقع صعب داخل تلك الجبال يسمى صخرة كوفادونغا حيث فاجأوا القوة المسلمة وتمكنوا من محاصرتها والقضاء عليها وقد أحيطت تلك المعركة التي حصلت عام 718م بهالة من الأساطير لدى القوط المسيحيين وأوربة واعتبرت نصراً إلهياً تدخلت فيه العذراء, بينما تتحدث الرواية العربية عن عدد محدود من المتمردين يتحصنون بالجبال على طريقة حرب العصابات وأن كلفة القضاء عليهم لم تكن تتناسب مع أهميتهم العسكرية, ولا بد أن القوة الموجهة اليهم قد عانت صعوبات كبيرة في مسالك وعرة لا عهد لهم بها, فكان القرار بتركهم في عزلتهم الجبلية.

ومثل تلك الحالة تتكرر مراراً في التاريخ, وفي حالة مشابهة استعصت احدى القلاع الجبلية على صلاح الدين الأيوبي في مصياف قرب حماة بسورية فحاصرها ثم تركها, ولا يحتاج الأمر لمعجزة ليقتنع الجيش المهاجم بصعوبة اخضاع عصابات تتوزع في منطقة جبلية لا يعرف مسالكها إلا أهلها .

والأرجح أن المسلمين اكتفوا بطرد فلول الجيش القوطي نحو الجبال المعزولة في أقصى الشمال وأبقوا سهول اوسترياس في يدهم مع بناء تحصينات كافية .

وفي كتاب: “أخبار مجموعة” المشهور لدى مؤرخي الأندلس ورد الآتي حول تلك المعركة: “دخل عقبة بن الحجاج الأندلس سنة عشر ومئة للهجرة ويوافق ذلك العام 728م فأقام عليها سنين وافتتح الأرض حتى بلغ أربونة وافتتح جليقية, وألية, وبنبلونة, ولم تبق بجليقية قرية لم تفتتح غير الصخرة, فإنه لاذ بها ملك يقال له بلاي في ثلاثمئة رجل, فلم يزل يقاتلونه ويغاورونه حتى مات أصحابه جوعاً, وترامت طائفة منهم إلى الطاعة, فلم يزالوا ينقصون حتى بقي في ثلاثين رجلاُ, ليست معهم عُشر نَسوة، (يقصد قليل من الشراب والنسوة بفتح النون جرعة الشراب) فيما يقال إن عيشهم كان بالعسل… وأعيا المسلمين أمرهم وتركوهم وقالوا ثلاثون علجاً ما عسى أن يكون أمرهم واحتقروهم, ثم بلغ أمرهم إلى أمر عظيم”. وسواء كان عددهم أكثر من ذلك أو أقل فلا شيء في الرواية العربية يوحي بمعركة فاصلة ذات أهمية .

ومما يبعث على الاستغراب أن مؤرخاً قديراً مثل ليفي بروفنسال يظهر قناعته التامة بأن تلك المعركة ذات أهمية كبرى وأنها أعطت الدفعة المعنوية الأولى لحروب “الاسترداد” .

وبدون شك فقد نُسجت هالة أسطورية كبيرة حول تلك المعركة المحدودة جداً, واختلط فيها الخيال الديني مع الخيال الملحمي اذ تذكر الأسطورة أن السيدة العذراء نزلت اليهم وساندتهم في معركتهم التي  أبادوا فيها القوة المهاجمة الكبيرة, لكن الحديث عن الأساطير شيء والحديث عن المعارك الحقيقية شيء آخر تماماً .

ولم يحفظ التاريخ من دويلة بلايو سوى تلك المعركة وذلك دليل آخر على محدوديتها, وفي عام 737 م مات بلايو دون أن يذكر أنه حرر أراض أو مدناً أو خاض معارك أخرى ذات أهمية .

وحتى خلال زعامة الفونسو الأول خلف بلايو التي استمرت ثمانية عشر عاما في الحكم (739 – 757)م فهناك جدل بين المؤرخين حول طبيعة نشاطه العسكري, ويبدو أنه كان خاليا تقريبا من السيطرة على أي مدينة هامة لذا نظر بعض المرخين لنشاطه العسكري باعتباره مجرد غارات للسلب والنهب أكثر من أن تكون معارك ضمن أهداف مثل احتلال أراض أو توسيع مملكة . لكن تلك الفترة من تاريخ الأندلس شهدت صراعات داخلية عنيفة كان أبرزها تمرد البربر .

ويمكن اليوم القول بشيء من اليقين أن بقاء دويلة استورياس على قيد الحياة وما راكمته من الاستعدادات الحربية واستقطاب بقية القوط المستائين من السلطة الإسلامية الجديدة لم يكن ليحدث لولا التمزقات الداخلية التي شغلت المسلمين تماما وشلت اي امكانية لتوجيه قواهم العسكرية باتجاه أستورياس . وأهم صراع داخلي انعكس بصورة مباشرة على الأوضاع في شمال الأندلس هو تمرد البربر .

كان للبربر مساهمة كبيرة في فتح الأندلس, فقوة الفتح الأولى بقيادة طارق بن زياد كانت غالبيتها العظمى من البربر, وبفضل صلابتهم وتضحياتهم تمكن ذلك الجيش الصغير من احراز انتصار تاريخي يعتبر بمثابة معجزة عسكرية, وحتى بعد أن جاء المدد من موسى بن نصير بحوالي 18000 مقاتل معظمهم من عرب الشام وأقلية منهم من الموالي فقد بقي جيش طارق بن زياد يحرز النصر تلو النصر حتى خضعت البلاد كلها للفاتحين المسلمين, وبخلاف ما توقع البربر لم يحصلوا على معاملة عادلة فيما يتعلق بتوزيع الغنائم والأراضي الزراعية, فحصل العرب على حصة الأسد وأعطي البربر ما بقي, وأوضح دليل على ذلك استقرار العرب في الجنوب الغني بموارده الطبيعية وأراضيه الخصبة وبيئته المتحضرة, بينما ترك للبربر المنطقة الشمالية الغربية من البلاد الأقل خصوبة وتحضرا وخاصة اقليم جليقة المتاخم لأستورياس .

ويبدو أن الاضطرابات التي حدثت في شمال افريقية بين العرب والبربر في الفترة ذاتها انعكست أيضا على الوضع السياسي داخل الأندلس, وأخيراً فإن سوء إدارة بعض الحكام الذين تعاقبوا على الأندلس خلال تلك الفترة وقصر نظرهم وخضوعهم للدوافع العصبية القبلية والعنصرية أوصل وضع البربر إلى الثورة . وأول ما نتج عن ثورتهم إجلاؤهم للعرب المقيمين في إقليمهم مما أحدث خلخلة بشرية وعسكرية في وضع ذلك الإقليم ثم أتت فترة من القحط والجوع مع بداية العام 750م أجبرت البربر على النزوح من المناطق الشمالية, فخلا اقليم جليقة من البربر والعرب وأصبح أرضاً سائبة ضمتها دويلة أستورياس دون أي عناء, وأقصى ما فعلته أستورياس هو مضايقة من بقي من البربر بأعمال حرب عصابات لدفعهم نحو اللحاق ببقية البربر الذين انسحبوا إلى الجنوب . بعد ذلك هبط الفونسو الأول من جبال أستورياس وضم إليه استرقة ثم معظم اقليم جليقة وسهل ليون فتشكلت بذلك نواة المملكة الإسبانية المحاربة (قشتالة).

ويذكر ليفي بروفنسال أن الأراضي التي ضمها الفونسو بقيت خالية لأن الفونسو لم يكن لديه القوات الكافية لشغلها أي أن الأراضي التي كسبها نتيجة انسحاب العرب والبربر منها بصورة رئيسية وليس بالحرب اذ لم يكن لديه قوى عسكرية ولا بشرية للسيطرة عليها.

مع ذلك لم تشكل تلك الدولة الحديثة خطراً على الأندلس لفترة طويلة حتى بداية القرن الحادي عشر, واحتلت الشمال الغربي وهو الجزء الأقل خصوبة في الأندلس والذي كان دوماً في التاريخ الأكثر تأخراً في الحضارة.

وترافق تشكل تلك الدولة مع حملات عسكرية للإمبراطورية الميروفنجية على حدود فرنسا وداخل الأندلس, فبعد الفتح العربي- الاسلامي لإيبريا عام 711م توسع الجيش المسلم في فتوحاته حتى دخل بلاد الغال وراء جبال البيرنية واحتل بعض المقاطعات في الجنوب الفرنسي والتي كانت تابعة لمملكة القوط مثل لنجدوك وروسيون وسبتمانيا وغوتيا, لكنهم اضطروا بعد ذلك للانسحاب عن معظم تلك المناطق بعد أن تدخل شارل مارتل وارتد المسلمون إلى أربونة . لكن المسلمين عاودوا عدة مرات اختراق جبال البيرينية واحتلال جنوب بلاد الغال .

وفي النهاية وضعت معركة بلاط الشهداء عام 732م حداً تاريخياً فاصلاً للمحاولات الجريئة للجيش المسلم لتوسيع السيطرة نحو بلاد الغال . وبعد ذلك أدرك شارل مارتل حاكم الإمبراطورية الميروفنجية وخلفاؤه خطر التمدد العربي- الإسلامي فبدء بتحصين المواقع الحدودية قرب سلسلة جبال البيرينية, وأنشأ شارلمان ما يعرف بالحزام الدفاعي على طول جبال البيرينية الفاصلة بين فرنسا واسبانيا والمكون من سلسلة من الحاميات سمي بـ “ماركا دي سبانكا” وبدون شك فقد نظرت الإمبراطورية الميروفنجية الى دولة اوسترياس كحامية بوجه الجيوش المسلمة الأندلسية في الشمال الغربي للأندلس .

وفي عام 751 م قام ابن شارل مارتل الذي استولى على الامبراطورية الميروفنجية بحملة في الجزء الشمالي الشرقي من الأندلس فاحتل الثغور الاسلامية في سبتمانيا, وفي عام 785 م احتلت الجيوش الفرنكية جيرونا ثم برشلونة عام 801 م .

ومن المهم ملاحظة أن شارل مارتل سلم حاميات الحزام الدفاعي السابقة للنبلاء القوط بما في ذلك أهم تلك الحاميات في برشلونة وما حولها. أي أن برشلونة وما حولها قُدمت لقمة سائغة للنبلاء القوط من قبل شارل مارتل . وهناك تكونت نواة مملكة الأرغون .

وفي الحقيقة من الصعب تفسير تحول ذلك الموقع الجبلي المعزول الذي تحصنت فيه أعداد قليلة من نبلاء القوط وحاشيتهم  في أستورياس الى كيان قادر على التوسع دون اعتبار الدعم الذي لقيه من الامبراطورية الميروفنجية ووريثتها الفرنكية التي تحولت لاحقا للامبراطورية الرومانية المقدسة وكانت تسيطر اضافة لفرنسا على المانيا وشمال اوربة وجزء من ايطاليا وشرق أوربة أيضاً .

ويمكن للمرء تصور مدى الخوف والشعور بالكارثة الذي حل بأوربة المسيحية بعد الفتح الاسلامي المفاجئ للأندلس من خلال ما كتبه في رثاء إسبانيا القوطية مؤلف مجهول في كتاب “تاريخ عام 754” اللاتيني بعد نصف قرن تقريبا من الأحداث التي يصفها: “حتى لو تحولت أوصال الانسان إلى ألسنة, لما استطاعت الطبيعة البشرية أن تُعبر عن خراب إسبانيا وشرورها الكثيرة والكبيرة”(15) .

خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت السردية التاريخية السائدة لإسبانيا تقول بنشوء الهوية الإسبانية الوطنية بداية في عصر القوط ثم تبلورت في مملكة أستورياس, وفي القرن العشرين ومع التحولات السياسية الديمقراطية في إسبانيا والتي ترافقت مع شيء من الانفتاح الفكري والتخلي عن المفاهيم الوطنية- الفاشية التي حملتها مرحلة فرانكو, فقد توجه النقد لتلك السردية من خلال تناقضها في مسألتين: الأولى أن المجتمع الإسباني- المسيحي قد نشأ وفق السردية التقليدية في أستورياس التي هي أقل الأقاليم تأثرا بالتحول الروماني (الرومنة) وكذلك بالتحول نحو المسيحية، مع استثناء اقليم الباسك .

وفي الناحية الأخرى فهناك مفارقة في أن إحياء القيم القوطية والذي برز كعقيدة سياسية لدى النخب مع نهاية القرن التاسع الميلادي قد اختيرت  له أستورياس التي تتمتع بتاريخ هزيل لمثل ذلك المشروع, فمنطقة أستورياس التي قيل إن حظها من التأثيرات الرومانية كان قليلا, هي أيضا كما قيل لم تمتلك هياكل سياسية قوطية تذكر أو هوية قوطية . فقد كانت كما يقال موطناً لشعوب بدائية قديمة ذات بنية قبلية إلى حد كبير, وكانت علاقتها بالدولة القوطية محدودة للغاية, ولم يتم احتلالها أبدا والسيطرة عليها أو ضمها للدولة القوطية(16). ويمكن بسهولة أن نرى رابطاً بين تضخيم معركة كوفادونغا وإضفاء الطابع التاريخي عليها وبين تضخيم مكانة مملكة أستورياس بطريقة تفتقر للأساس العلمي التاريخي .

ومن المستغرب فعلاً كيف يتم وضع الغالبية الساحقة من الشعب الإسباني الذي اعتنق الإسلام وفق إجماع المصادر التاريخية الغربية وراء الظهر واعتباره خارج السردية التاريخية لإسبانيا ويوضع في مكانه الأقلية القوطية التي لم تتجاوز نسبتها 3% من السكان عند الفتح العربي الاسلامي  باعتبارها تمثل إسبانيا والوطنية الإسبانية والروح الإسبانية. ويختار لتلك الوطنية الإسبانية حاضنة أستورياس والتي هي أبعد ما تكون عن أي ميراث يتعلق بالدولة القوطية البائدة .

والحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها أن مملكة أستورياس لم تكن سوى معسكر تجميع في البداية لنبلاء القوط وحاشيتهم ثم لكل الناقمين على الوجود العربي الإسلامي في الأندلس سواء لتعصب ديني أو بسبب مصادرة أملاكهم وتوزيعها على الفلاحين الأقنان, أو كمحاربين مرتزقة من الأندلس وبلاد الغال القريبة . وأن تلك الدولة لم تكن قادرة على تهديد الأندلس إلا بعد مئات السنين من وجودها .

أما ما يقال عن الهوية الاسبانية فقد نشأت بعد أن توسعت مملكة أستورياس وصولاً إلى مملكة قشتالة وخلال القرون اللاحقة وخاصة بعد بداية القرن الحادي عشر الميلادي .

حروب “الإسترداد “والحروب الصليبية:                                                                                      

منذ حوالي العام 750م وحتى تفكك وانحلال الدولة الأموية عام 1031م لم تتمكن مملكة أستورياس- ليون من إحراز أي انتصار عسكري ذي قيمة وبقيت محصورة شمال نهر دوير إضافة لدويلات صغيرة مثل نافار وأرغون التي نشأت حول برشلونة في الشمال الشرقي وكانت كلها دائما بوضع دفاعي تجاه الحملات العسكرية السنوية لأمراء الدولة الأموية والتي كانت تسمى بالصوائف, وتهدف بصورة رئيسية إلى ردع أي محاولة للعدو للتقرب من حدود الدولة .

وبغض النظر عن التعبئة الدينية, والمشاعر الثأرية عند بقايا القوط, وحلمهم باستعادة مملكتهم التي انهارت بصورة تامة, فإن الواقعية السياسية كانت تتطلب منهم التعايش مع الدولة الأندلسية, خاصة بعد التحولات الواسعة والعميقة لدى الشعب في الأندلس سواء لجهة اعتناق الاسلام أو انتشار اللغة العربية, أو التبدلات الاجتماعية التي أزاحت عن كاهل الطبقات الوسطى والفقيرة والأرقاء عبأً كبيراً ودفعت نحو الازدهار الاقتصادي والتقدم الحضاري ولا يمكن بالطبع أن يكونوا بعيدين عن ذلك كله .

وبالنسبة للدولة الأموية الأندلسية فقد اتبع حكامها الاستراتيجية التي رسمها مؤسسها عبد الرحمن الداخل بصورة تامة وهي في جوهرها استراتيجية دفاعية, فمن الواضح أن عبد الرحمن الداخل لم تكن له أي رغبة في الغزو والتوسع, والحروب التي خاضها كانت لحفظ حدود الدولة التي ورثها عن يوسف الفهري وردع أي محاولة للاعتداء عليها أو اقتطاع أراض منها, إضافة لحروبه العديدة ضد محاولات التمرد التي تكررت خاصة في السنوات العشر الأولى للحكم . وضمن تلك الاستراتيجية الدفاعية استطاع أن يعقد معاهدة سلام مع شارل مارتل حاكم الامبراطورية الفرنكية المجاور بل قيل إنه عرض عليه أن يتزوج ابنته لتوثيق رابطة الصداقة بين البلدين لكن شارل مارتل رفض ذلك في حين قبل الدخول مع عبد الرحمن في معاهدة سلام وحسن جوار .

وربما ينهض تساؤل عن السبب الذي كان وراء ترك الدولة الأموية دولة أستورياس وعدم بذل الجهد العسكري لإنهائها وضم أرضها التي احتلتها خلال مرحلة الضعف الداخلية التي سبقت الدولة الأموية, فالدولة الأموية كانت تمتلك جيشاً قوياً وأسطولاً بحرياً, ويذكر المؤرخون أن عبد الرحمن الداخل امتلك قبل وفاته جيشاً يزيد عن مئة ألف جندي, وجيشاً آخر مخصصاً لحماية الحكم يقارب أربعين ألف جندي, وأسطولاً بحرياً قوياً, كما أسس عدداً من القواعد البحرية التي تضم مصانع للسفن في كل من طركونة وطرطوشة وقرطاجنة وإشبيلية وغيرها, وربما كان أفضل مؤشر لقوته العسكرية ما نقل عنه قبل أواخر حياته عام 163 للهجرة من تفكيره بحملة عسكرية كبرى نحو بلاد الشام لانتزاعها من يد الخليفة العباسي واستعادة الدولة الأموية, وشجعه على ذلك أفراد أسرته الأموية, لكن صرفه عن ذلك اشتعال الثورة في سرقسطة، ثم توفي بعد ذلك عام 172 للهجرة.

وهناك مجموعة من الأسباب يمكن أن يفكر فيها المرء جوابا للتساؤل السابق, أولها يرتبط بالاستراتيجية الدفاعية التي سبق الإشارة اليها للدولة الأموية, والسبب الثاني المحتمل هو انشغال عبد الرحمن الداخل لفترة من حكمه بإخماد الثورات التي كان يقودها الأمراء المحليون وأحيانا بدفع وتحريض من الدولة العباسية, فكرس بذلك تفكيراً لخلفائه بتوجيه اهتمامهم العسكري نحو الداخل وليس نحو الخارج مع بقاء سياسة الردع الموجهة للخارج الذي يمكن أن يشكل خطراً على الدولة, والسبب الثالث ربما يكمن في المساحة الواسعة جداً لإقليم الأندلس فلم تكن الدولة تشعر بالحاجة لمساحات إضافية, بل كانت تشعر- ربما- بأن المنطقة الشمالية والغربية التي اقتطعتها مملكة أستورياس فائضة عنها خاصة أن أراضيها هي الأقل خصوبة في الإقليم كما أن شعبها الذي يغلب عليه الطابع القبلي شكل دائماً مشكلة أمام الدول التي تعاقبت على الأندلس, حتى إن المملكة القوطية السابقة لم تضم تلك المنطقة الى الدولة المركزية التي أنشأتها وبقيت العلاقة بين أستورياس والدولة القوطية شبه معدومة طوال فترة بقاء القوط في الحكم .

مع ذلك فعبد الرحمن الداخل لم يترك قشتالة خارجة عن سيطرة الدولة الأموية لكنه أخضعها ووضعها تحت سيطرته كما يتضح جلياً من المعاهدة التي أبرمها عبد الرحمن الداخل مع مملكة قشتالة في الشمال وفيها تقدم مملكة قشتالة جزية سنوية وتخضع لسيادة الدولة الأمويةمقابل عدم المس بأمن شعبها وممتلكاته وعدم التدخل في حياتهم و معتقداتهم وفيما يلي نص المعاهدة:

“بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب أمان الملك العظيم عبد الرحمن للبطارقة والرهبان والأعيان والنصارى والأندلسيين أهل قشتالة ومن تبعهم من سائر البلدان، كتاب أمان وسلام، وشهد على نفسه أن عهده لا ينسخ، ما أقاموا على تأدية عشرة آلاف أوقية من الذهب، وعشرة آلاف رطل من الفضة، وعشرة آلاف رأس من خيار الخيل، ومثلها من البغال مع ألف درع وألف بيضة، ومثلها من الرماح في كل عام إلى خمس سنين، كتب بمدينة قرطبة ثلاث صفر عام اثنين وأربعين ومئة ( 759) للميلاد”.

وشكلت تلك المعاهدة بديلاً لعبد الرحمن الداخل عن السيطرة الكاملة على قشتالة مع ما وفرته من أموال وتجهيزات وخيل وبغال …

وأخيراً فهناك أيضاً احتمال أن يكون عبد الرحمن الداخل قد تساهل بترك شمال إيبريا لممالك مسيحية ضعيفة كحاجز بينه وبين الامبراطورية الفرنكية القوية, وربما اعتبر وجود معارضة مسيحية ضمن دولة هزيلة محكومة أفضل من انتشارها في الأندلس .

وإذا كانت السردية التقليدية لتاريخ الأندلس تصور أن “حروب الاسترداد” قد بدأت مع معركة كوفادونغا وتشكل دولة اوسترياس فإن عدم وجود معارك ذات قيمة بين دولة اوسترياس والدولة الأموية في الأندلس لما يقرب من ثلاثمئة عام كفيل بثقب تلك السردية بطريقة تجعل من غرقها أمراً لا مفر منه . ويبدو أن الأجيال الجديدة من المؤرخين والتي اصبحت تنظر للتاريخ بدرجة من الموضوعية لم تعرفها الأجيال السابقة لم تعد مقتنعة بتلك السردية التقليدية لتاريخ الأندلس .

وقد شملت المراجعة ليس فقط لتاريخ حروب “الاسترداد” ولكن لمفهوم “الاسترداد” ذاته وبصورة أعمق لعلاقته بالحروب الصليبية بل لإمكانية اعتباره جزءاً منها أكثر من أي شيء آخر .

وبالتأكيد فإن إدخال عامل الحروب الصليبية ومواقف بابوات الفاتيكان المتلاحقين من دولة الأندلس والتحريض والتعبئة لملوك ومسيحيي أوربة للحرب المقدسة ضد المسلمين يمكن أن يساهم بتفسير التحول في موازين القوى الذي طرأ على العلاقة بين المملكة القوطية في شمال الأندلس وبين الإمارات الإسلامية والذي يرسم لنا خطاً تصاعدياً بعد منتصف القرن الحادي عشر لصالح مملكة اوسترياس التي انضوت ضمن مملكة قشتالة والمملكة الأخرى (أراغون) الأقل أهمية في شرق وشمال الأندلس التي تشكلت بتاريخ لاحق بفضل تدخل الامبراطورية الفرنكية واحتلالها لبرشلونة كما سبق الاشارة اليه .

على أن أوربة الغارقة في ظلام القرون الوسطى والتي كانت خاضعة لتوجيهات بابا الفاتيكان أظهرت باكراً دعمها لمحاربة المسلمين في الأندلس وطردهم من البلاد كما تبين غزوة شارلمان ملك الفرنجة (الفرنكيين) .

غزو شارلمان ملك الفرنجة لبلاد الأندلس:

في عام 157 للهجرة الموافق 774 للميلاد ثار سليمان بن يقظان الكلبي والي برشلونة والحسين بن يحيى الأنصاري والي سرقسطة (جده سعد بن عبادة الصحابي المعروف)، واتفقا على خلع عبد الرحمن الداخل، فأرسل عبد الرحمن جيشاً إلى سليمان بقيادة ثعلبة بن عبيد الجذامي فهزمه سليمان وأسره وتفرق جنده، لكن سليمان لم يطمئن لنصره، ودفعه الخوف من بطش عبد الرحمن الداخل إلى أن يلجأ لشارلمان ملك الفرنجة، فسار إليه في نفر من أصحابه حتى دخل الى مقره في مدينة بادربورن في مقاطعة ويستفاليا (شمال غرب ألمانيا) عام 160 للهجرة. وعرض سليمان على شارلمان المحالفة على قتال عبد الرحمن، واقترح أن يقوم شارلمان بغزو الولايات الأندلسية الشمالية على أن تكون هذه الولايات من نصيب شارلمان بعد تنفيذ الاتفاق، وتعهد بمعاونته، وبأن يسلمه المدن التي يحكمها هو وصحبه ولا سيما سرقسطة، وأخيراً بأن يسلمه أسيره القائد ثعلبة بن عبيد . وأن يكون سليمان وباقي زعماء الثورة الأندلسية خاضعين لملك الفرنج شارلمان منضوين تحت حمايته.

اقتنع شارلمان بغزو الأندلس، ومن أجل ذلك أعد حملة عسكرية كبيرة الحجم قوية التسلح، ولإسباغ الصبغة الصليبية على حملته الضخمة أرسل “شارلمان” برسالة إلى البابا “هادريان” يبلغه فيها بعزمه على محاربة المسلمين وطردهم من الأندلس؛ فشكره البابا على ذلك، ووعده بإقامة الصلوات بكنائس روما ليل نهار حتى يعود ظافراً إلى مملكته، كما وعده بتوفير الدعم الداخلي من نصارى إسبانيا المستعربين الذين يعيشون في كنف الدولة الإسلامية بالأندلس.

جمع شارلمان جيشاً ضخماً مع عدد كبير من الجنود والمتطوعة القادمين من البلدان الأوربية المسيحية الأخرى كايطاليا واليونان وانكلترا، وتحرك نحو جبال البيرينيه في بداية الربيع وهناك قسم جيشه الضخم إلى قسمين: قسم يهجم من ناحية الشرق، والآخر من ناحية الغرب على أن يكون اللقاء بين القسمين عند سرقسطة؛ حيث يلتقي شارلمان مع زعماء الثورة، لكن الحسين بن يحيى الأنصاري والي سرقسطة بدل موقفه خلال تلك الفترة، وقام بتحصين سرقسطة والاستعداد لمواجهة شارلمان .

وصلت جيوش شارلمان ومعه الثوار بقيادة سليمان بن يقظان إلى مدينة سرقسطة فوجدوها شديدة التحصين، وأهلها بقيادة الحسين بن يحيى في غاية التحوط والاستعداد للدفاع عنها، وحاول شارلمان وسليمان فتح المدينة وضربا عليها الحصار بشدة ولكن شدة التحصين والاستماتة في الدفاع وقفا سداً منيعاً في وجه جيوش الفرنجة، ثم جاءت الأخبار لـشارلمان من بلاده أن القبائل السكسونية- ألد أعداء شارلمان- قد انتهزوا فرصة غيابه وقاموا باجتياح أراضيه فيما وراء الراين، وهنا شعر شارلمان أنه لا فائدة من بقائه في الأندلس بعدما فشل في اقتحام سرقسطة، واختلف حلفاؤه من المسلمين فيما بينهم، وأعداؤه من خلفه استولوا على أراضيه بفرنسا، فقرر الرجوع بسرعة إلى بلاده، ولكنه غضب بشدة من حليفه سليمان بن يقظان لتخاذله وخداعه له، فقبض عليه وأخذه معه إلى بلاده أسيراً، وكان ذلك في شهر شوال سنة 161للهجرة = يوليو/تموز سنة 778 للميلاد(17).

صحيح أنه لا يمكن الاستهانة بالعوامل الأخرى في موضوع الخلل الذي أصاب التوازن في العلاقة بين الأندلس وقشتالة وأرغون مثل انحلال الدولة الأموية عام 1031م وتفكك عرى الدولة المركزية الى إمارات اتسمت العلاقة بينها بالتنافس والخصومة التي تصل الى حد الاستعانة بقشتالة الإسبانية للتغلب على إمارة أندلسية مجاورة لكن بالرغم من ذلك يبقى السؤال: هل كان ممكنا للمملكتين الإسبانيتين التوصل للانتصار العسكري التام على جميع الإمارات الأندلسية وإنجاز الإبادة والتطهير الديني دون المساهمة الأوربية البشرية والمالية التي تعتبر جزءا من الحروب الصليبية؟

وهل كان ممكناً بدون تحريض الفاتيكان والمؤسسات الكنسية التي تتبعهم  نشر التعصب الديني المسيحي في المملكتين الإسبانيتين قشتالة وأرغون ورفع درجة ذلك التعصب لاحقاً نحو تشريع محاكم التفتيش وإجبار الناس على تغيير دينهم بحد السيف وتهجير الملايين من السكان الأصليين الذين وجدوا هم وأجدادهم في ايبريا قبل غزو القوط وقبل الرومان؟ لمجرد أنهم أصبحوا مسلمين منذ مئات السنين ؟

لاحظ الدكتور حسين مؤنس في كتابه “معالم تاريخ المغرب والأندلس” أن الإمارات المسيحية الشمالية بما في ذلك ليون كانت في حالة ضعف وكانت ممالك صغيرة وفقيرة, تتكون من أراض زراعية, ليس فيها مدن تذكر سوى ليون وأبيط وربما استرقة, بالتالي فواقع الأمر أن الوضع كان في مطلع القرن الحادي عشر يمكن وصفه بتوازن الضعف بين ليون- قشتالة وبين طليطلة وما حولها, ويبدو أن فراغاً في القوة حصل في طليطلة بسبب الأوضاع السياسية الداخلية السيئة التي كانت تعم الأندلس فلم تكن الولاية ذات الأهمية الاستراتيجية وسط الأندلس والتي تضم أراض تقارب خمس مساحة الأندلس تملك سوى 500 مقاتل, ولا بد أن ملك قشتالة الذي آل إليه الحكم بعد موت أخيه سانشو والذي لجأ لطليطلة أثناء صراعه مع أخيه قد اكتشف خلال إقامته بطليطلة ضعف قوة الولاية وإمكانية السيطرة عليها بجهد عسكري محدود , فلجأ إلى تجميع قوى عسكرية من الممالك المسيحية الشمالية , وأحدث اختراقا سياسيا وعسكريا حين تحالف مع حاكم طليطلة يحيى بن ذي النون لدعمه في مواجهة بقية الولايات الأندلسية , ثم انقض عليه لاحقا , فاستولى على طليطلة وكسب أراض واسعة استطاع بواسطتها إرساء دعائم مملكة قشتالة لتصبح من أكبر ممالك الأندلس .

ويذكر الدكتور حسين مؤنس أن الممالك المسيحية شمال الأندلس كانت قبل مطلع القرن الحادي عشر في وضع دفاعي تجاه الأندلس, وهمها العيش بسلام واتقاء خطر القوى المحاربة المسلمة وبالتالي لا يمكن الحديث عن حروب “استرداد” قبل ذلك التاريخ وهذا صحيح, لكن الصحيح أيضاً أن ميزان القوى لم يختل تماما بعد ذلك سوى بعد أن تحولت المواجهة إلى حرب صليبية انخرطت أوربة والمؤسسة البابوية  فيها بصورة فعالة ودائمة.
وعندما نتحدث عن تحول المواجهة إلى حرب صليبية فنحن نتحدث عن مشاركة أوربية شاملة في المعارك ضد المسلمين في الأندلس ويشمل ذلك التعبئة والحشد وضخ الحماسة والأفكار الدينية المتعصبة وكذلك المشاركة البشرية وبكل ما تتطلبه الحرب .

وفي كتابه “تاريخ اسبانيا العصر الوسيط” كتب المؤرخ جوزيف كالاغان: “كان القرن الحادي عشر مرحلة انتقالية تميزت باندماج إسبانيا المسيحية (يقصد الممالك المسيحية خاصة قشتالة وأرغون) بالمسيحية الغربية وأيضا بإعادة هيكلة البنية السياسية للأندلس, لقد كثفت الولايات الإسبانية المسيحية علاقاتها مع الشمال المسيحي خاصة مع فرنسا والبابوية بكل طريقة كانت ودخلت في السياق العام للحضارة الأوربية, وهكذا قدم من الأراضي شمال جبال البيرينيه الفرسان والرهبان والتجار والحرفيون والعلماء, أحيانا بدافع المغامرة والتجديد, ولكن في الغالب للاستقرار وبناء حياة جديدة لهم”، وبالطبع فقد فات السيد كالاغان القول بأن مكتسباتهم في الأرض الجديدة كانت الأملاك والأراضي والثروات التي حصلوا عليها بعد طرد الأندلسيين واغتصاب أملاكهم وبيوتهم . وأن ما كان يطلب منهم بالدرجة الرئيسية هو المشاركة بالقتال ضد الأندلسيين, وتأمين متطلبات الحرب الدائمة . لكن النص السابق يلقي ضوءاً كافيا على حقيقة أن غزواً خارجياً كان يتم للأندلس وأنه كان مترافقاً مع الاستيطان وهذا الغزو في الواقع هو الذي غير موازين الصراع في الأندلس بحيث جعل الأندلس يحارب باستمرار حربا تراجعية أمام قوى بشرية وعسكرية لا طاقة له بها على وجه الاطلاق(18).

في رسالة يُعتقد أنها كتبت حول العام 1096م وبعد مضي عام على إعلانه التعبئة والتجنيد من أجل الحملة الصليبية الأولى في مجلس كليرمونت عام 1095م خاطب البابا أوربان الثاني أربعة مجموعات مقاتلة كتالونية قوية كانت عازمة على الانضمام للحملة من أجل القدس, وفي رسالته حث البابا تلك الفرق المقاتلة على أن تبقى في ايبريا وأن لا تترك  أرضها وتذهب نحو الشرق, وبدلاً من ذلك فقد شجعهم على مواصلة القتال ضد المسلمين في ايبريا, فتلك المجهودات سوف تكسبهم مكافآت روحية تعادل المكافآت التي يمكن أن يحصلوا عليها من القتال في آسيا وقد كان للبابا أسباب جعلته واثقا من أن النبلاء الكاتالونيين سيستجيبون لندائه في العدول عن التوجه إلى القدس(19).

وفي نهاية القرن الحادي عشر الميلادي تماماً قبل انطلاق أول حملة صليبية, عبّر الملك سانشو الأول ملك أرغون ونافار عن تطلعاته كالتالي: “ليكن معلوماً بالنسبة لجميع المخلصين أنه من أجل توسيع كنيسة المسيح التي أبعدت سابقاً من الأقاليم الإسبانية فإنني أنا سانشو سوف أرعى توطين السكان في ذلك المكان (مونتيميور- جنوب قرطبة) من أجل استعادة وتوسيع كنيسة المسيح, ولتدمير الوثنيين (يقصد المسلمين) أعداء المسيح, ومن أجل نهضة ونفع المسيحيين, لكي تتحرر المملكة التي هوجمت واحتلت من قبل الإسماعيليين (يقصد العرب) لخدمة وشرف المسيح . وبحيث يتم طرد كل أولئك الذين يقومون بالطقوس الكافرة, والتطهر من قذارة أخطائهم الشريرة, ولتتعزز هناك كنيسة سيدنا عيسى المسيح الى الأبد”(20).

يُظهر النص السابق قوة وعمق الروح الصليبية في خطاب الملوك الإسبان فيما يتعلق بحربهم ضد المسلمين, فالمسألة بجوهرها هي مسألة تطهير ديني, وخدمة لكنيسة المسيح, ويتطابق ذلك مع خطابات البابوات في الفاتيكان عن تطهير القدس من الوثنيين المسلمين واستعادة قبر المسيح وكنيسته في الأراضي المقدسة؛ وبكلام آخر فإن تحرير المملكة بعد تدمير وطرد المسلمين واستئصال عاداتهم سوف يؤدي إلى انتعاش ونمو وازدهار الدين المسيحي .

ويُظهر النص السابق أيضاً أن جميع المآسي الكبرى التي حلت بشعب الأندلس لاحقاً لم تأت من فراغ, ولا هي مجرد فورة غضب أو رد فعل وإنما جاءت تنفيذا لعقيدة تطهيرية- استئصالية تبلورت عند الملوك القوط والكنيسة الإسبانية وأصبحت جزءاً من ايمانهم المسيحي . وهي ذات العقيدة الصليبية التي صاغها الفاتيكان لدفع جماهير المؤمنين نحو حمل السلاح والتوجه للأراضي المقدسة .

وفي رده على رسالة استغاثة بعث بها حاكم طليطلة إلى فرناندو الأول يستنجد به ضد حاكم سرقسطة المسلم, كتب فرناندو: “نحن فقط نريد استعادة أرضنا التي قمتم باحتلالها منا في الزمن الماضي في بداية تاريخكم (يقصد تاريخ المسلمين في الأندلس) وأقمتم فيها الزمن الذي أتيح لكم (كان من نصيبكم) وقد أصبحت الغلبة لنا عليكم, بسبب شركم, (يقصد كفركم), فاذهبوا اذن للجهة الأخرى من المضيق (مضيق جبل طارق) واتركوا بلادنا لنا, فلا خير لكم في بقائكم هنا معنا بعد اليوم, فسنظل وراءكم حتى يفصل الله بيننا”(21)، وهي رسالة تحمل معاني الإهانة إضافة للتهديد بدلاً من الإجابة سلباً أو إيجاباً .

وفي حين لا يشعر المرء بأي تعاطف مع حاكم طليطلة الذي أرسل يستنجد بفرناندو, إلا أن ما ورد فيها يؤكد روح الإبادة والتطهير الديني لحرب “الاسترداد” التي تفاقمت منذ مطلع القرن الحادي عشر .

ما ينبغي الانتباه إليه أن الخطاب المتكرر الذي يحمل كل معاني الإبادة والتطهير الديني قفز فوق حقيقة جوهرية وهي أن معظم المسلمين الذين يريد إخراجهم من الأندلس هم أهل البلاد الأصليون الذين أسلموا . وتكمن الخدعة في ذلك الخطاب في اعتباره وكأن أهل البلاد الأصليين “الإسبان” بقوا على دينهم المسيحي وأن المسلمين هم العرب أو المورو, بالتالي فإخراج المسلمين هو إخراج  لغرباء احتلوا البلاد مدة من الزمن (مهما طالت).

ويناقش غالاكان في كتابه “الاسترداد والحرب الصليبية في اسبانيا العصور الوسطى” الملامح الصليبية في حروب “الإسترداد” ويقول في مقدمة الكتاب إن المؤرخين للعصور الوسطى (ويقصد المؤرخين الغربيين) قد مالوا إلى نظرة ضيقة بالتركيز على الحروب الصليبية التي توجهت نحو الأراضي المقدسة (يقصد بلاد الشام) خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي بينما يرى هو أن الحروب في شبه الجزيرة الإيبرية والتي وصفت عموما بحروب “الاسترداد” قد تحولت من قبل البابوية (الفاتيكان) إلى حروب صليبية خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر .

كتب لويس غارسيا: “في عام 1958م نشر القس خوسيه غونيغز تامبيديه من كاتدرائية بامبلونة كتابه “تاريخ صعود الصليبية في اسبانيا” ويعتبر الكتاب مسحاً تاريخياً لإسبانيا شاملاً للفترة من عام 711 م- القرن التاسع عشر يضم أكثر من 700 صفحة . واعتبر الكتاب مرجعاً لعمق مصادره خلال الخمسين عاماً اللاحقة على نشره, مع ذلك فإن قيمته لا يمكن أن تحجب طابعه الايديولوجي, وفي كتابه أكد خوسيه على الملامح الصليبية لحرب “الاسترداد” وبرر ذلك باعتبارها رداً على العواقب السلبية للغاية التي حملها الغزو المغاربي (الموريسكي) على المسيحية .

اعتبر خوسيه حرب “الاسترداد” حرباً مقدسة, وأنها تحولت إلى حرب صليبية اعتباراً من النصف الثاني للقرن الحادي عشر, أما في الوقت الراهن فهناك كثيرون لا يتفقون مع خوسيه في اعتبار حرب “الاسترداد “حرباً صليبية وبعضهم يجد ذلك مبالغة ذات لحن امبريالي, وقد واجهت أفكار خوسيه الاستنكار والتجاهل من قبل المؤرخين الكلاسيكيين بسبب ربطها بين التاريخ الداخلي لشبه الجزيرة الايبرية وما يحدث خارجها ولكون وجهة نظر خوسيه تطرح التساؤل ليس فقط حول الملامح الايبرية الحقيقية لحرب “الاسترداد” لكنها تتطلب من المؤرخين مد نظرهم إلى ما وراء جبال البيرينيه وشواطئ ايبريا مع البحر المتوسط .

لكن وبعد خمسة وأربعين عاماً من ظهور كتاب خوسيه نشر جوزيف غالاكان كتابه حول الموضوع ذاته بمقاربة مشابهة تماما لمقاربة خوسيه وقد توصل فيه إلى أن الحروب بين المسلمين الأندلسيين والممالك المسيحية (القوطية) والتي وضع لها عنوان “الاسترداد”  قد تحولت بفعل تدخل المؤسسة البابوية إلى حرب صليبية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر, وهكذا لم تظهر مداخلة غالاكان التوافق مع ما طرحه خوسيه سابقاً فقط ولكنها أدخلت فكرة جديدة وهي اعتبار تدخل المؤسسة البابوية عاملاً فعالاً في تحول الحرب إلى حرب صليبية . وقد كان مفاجئاً أن غالاكان وهو الخبير في تاريخ العصور الوسطى لشبه الجزيرة الإيبرية يقترح أن تدخل المؤسسة البابوية قد غير طابع الصراع ضد الاسلام في ايبريا “(22). لكن أخطر ما كُتب حول طابع الحرب الصليبي والتدخل الخارجي جاء من ريتشارد فليتشزر الذي كتب مقالة عام 1987 يقرر فيها أن لا أهمية لفكرة “الاسترداد” كما أكد أن التوتر الذي ساد العلاقة بين الأندلسيين المسلمين والمسيحيين حتى عام 1080م, وغلبة التوجهات العدوانية عند المسيحيين اعتباراً من ذلك التاريخ إنما يعزى إلى التحريض والدفع من الخارج وخصوصاً من المغامرين القادمين من فرنسا سواء منهم الرهبان الكنسيون أو الفئات الأخرى والذين أسسوا لأنفسهم في إسبانيا في الفترة ما بين العام 1080- 1140م, وهكذا فإن طابع الحرب المستديمة بين الطرفين المسلم والمسيحي  قد جُلبت بواسطة الأفكار الصليبية والتي لم تكن نابعة من إسبانيا ولكن تم تصديرها اليها من الخارج”(23).

وكدليل آخر على الطابع الصليبي  لحروب الاسترداد ففي زمن الموحدين كان من الصعوبة بمكان على يعقوب المنصور إيقاف خطر الأعداء في وقت واحد بكل من الأندلس وافريقية، وهكذا فقد استغل البرتغاليون أولاً وجوده في إفريقية، ثم حالة الإرهاق التي كانت عليها قواته بعد العودة منها، وأخيراً انشغاله بمؤامرات أقاربه، ليكثفوا من هجماتهم التي امتدت إلى مختلف أنحاء الأندلس. ففي البرتغال وبعد أن خصص سانشو، الذي خلف والده هنريكيث على العرش عام 1185م، السنوات الثلاث الأولى من عهده لإعادة تعمير وتنظيم التي أصابها الخراب من جراء الحروب، وهو ما جعله يستحق لقب المعمر للمراكز والقلاع التي أصابها، بدأ بمهاجمة أراضي المسلمين، وقد استغل في ربيع 1189م وجود الجيوش الصليبية الجرارة القادمة من بلدان الشمال، على أراضي مملكته، وكانت عادة تتوقف في الموانئ البرتغالية إما اضطراراً أو اختيارا أثناء توجهها نحو فلسطين، ليقوم وبمساعدتها بغزو شامل لمنطقة غرب الأندلس، وكانت البداية بأهم معاقل هذه المنطقة وأكثرها تحصنا وهي مدينة شلب  .

وخلال نفس سنة 1189م، أي بعد عام واحد من استعادة القدس من طرف صلاح الدين الأيوبي، أرغمت العواصف البحرية عدداً من الفلاندريين والألمان المتوجهين إلى فلسطين على ظهر أسطول مكون من خمسين سفينة فرنسية، للالتجاء إلى ميناء لشبونة، وكانت هذه السفن قد توقفت قبل ذلك في ميناء شنت ياقب. وأثناء وجودهم في لشبونة اتفقوا مع سانشو للتوجه الى شلب على اعتبار أنها كانت ملجأ للقراصنة، وعلى اعتبار أن المسلمين كانوا ينطلقون منها نحو مختلف جهات بحر المحيط (المحيط الأطلسي) حيث يأسرون الكثير من المسيحيين ويستولون على ثرواتهم !.

وقد استهدف الهجوم في البداية مدينة “البورو” حيث تمكن الفيلق الصليبي الذي قام به، من إبادة ساكنيها الذين  تقدر أعدادهم بستة آلاف نسمة، هذا النجاح شجع سانشو على تكرير العملية خصوصا مع مجيء قوات صليبية أخرى ألمانية وإنجليزية. وقد غادرت هذه القوات خليج تاجة يوم 16 يوليو 1189م، وفي ظرف أربعة أيام رست في خليج “بورتيماو” على بعد 12 كلم من شلب، ثم انتقلت بعد ذلك إلى ميناء نهر “دراري” الواقع على مسافة ثلاثة أميال من شلب وذلك للالتقاء بالقوات البرتغالية البرية المشاركة في الحصار وكان على رأسها الكونط “ميندو” ثم مباشرة بعد هذا، تمت مهاجمة شلب بعزيمة كبيرة حيث تم احتلال أرباضها، وأمام هول المفاجأة، انتابت سكانها حالة رعب التجئوا معها الى ما خلف أسوار المدينة دون أن ينتبهوا إلى أنهم تركوا أبوابها مفتوحة. وحسب مؤلف “تاريخ سانشو الأول” فإنه كان من السهل وقتها احتلال المدينة، غير أن جشع الأجانب المشاركين في الهجوم حال دون ذلك؛ حيث انهمكوا في النهب وحمل كل شيء نفيس وجدوه بالأرباض إلى سفنهم وإضرام النيران فيما دون ذلك(24).

وهنا سوف نتوقف قليــلاً .

وأول ما ينبغي الإشارة إليه تذكير القارئ بأن أوربة الحالية ليست أوربة القرنين الثاني عشر والثالث عشر, فالمؤسسة البابوية الحالية تملك فقط نفوذاً روحياً محدود التأثير بينما كانت في قمة قوتها ونفوذها الفكري والسياسي على ملوك أوربة وشعوبها المتدينة في العصور الوسطى وبالتالي فإن انخراطها في الحروب ضد الأندلس كان يعني الكثير بالنسبة لتأمين الدعم المالي والبشري والحماس الديني لتلك الحروب .

والنقطة الثانية أن المؤرخين الغربيين لم يتجاهلوا النظر إلى الحروب الصليبية ضد الأندلس عن غير قصد كنوع من الاهمال والتقصير, لكن لسبب جوهري يتمثل في أن توصيف الحروب ضد المسلمين في الأندلس بوصفها حروبا صليبية ينفي عنها في الواقع تلك الصفة التي حرص المؤرخون الغربيون على اشاعتها واعتبارها شبه مسلمة بكونها حروب “استرداد” ومفهوم “الاسترداد” هنا يحمل بوضوح معنى التحرير والإنقاذ من الاحتلال الأجنبي . فالحروب الصليبية شيء والحروب الوطنية شيء آخر مختلف تماماً .

ولكون مفهوم “الاسترداد” يعاني في الأصل من الاختلال الداخلي والغموض ويتضح ذلك بسهولة من حقيقة أن الغالبية الساحقة من السكان الأصليين في إيبريا (إسبانيا الحالية) قد اعتنقوا الاسلام بإجماع المؤرخين, وتعلموا العربية ونسوا اللاتينية عبر مئات السنين, فما معنى التحرير والاسترداد هنا؟

هكذا فمفهوم “الاسترداد” ميت بالولادة وما كان له أن ينهض سوى بحقنه بالتعصب الديني, لكن إدراك الحقيقة الصليبية لحروب “لاسترداد” والاقرار بها سيلحق بذلك المفهوم ضرراً مدمراً لا يمكن إصلاحه . وذلك بالضبط ما دفع المؤرخين الغربيين لتفادي توجيه الانتباه للحروب الصليبية التي كانت تجري في إسبانيا تحت عنوان “الاسترداد” .

والملاحظة الأخيرة أن المكاسب الكبرى لحروب “الاسترداد ” والتي تزامنت مع انهيار التوازن في القوى بين ممالك الأندلس والممالك الإسبانية خاصة قشتالة وأرغون والبرتغال (جليقية كما تسمى بالعربية) حدثت بالتوافق مع انخراط البابوية في الحروب الصليبية في الأندلس، فحتى العام 1031م كانت الممالك الإسبانية بوضع دفاعي تجاه الأندلس, وكانت معظم أراضي إسبانيا والبرتغال بيد الأندلسيين (حوالي 75% من شبه الجزيرة الإيبرية) .

والحقيقة أن الانخراط البابوي في الحروب ضد الأندلس لم يبدأ كما ذكر كالاغان مع القرن الثاني عشر بل قبل ذلك, لكن ذلك الانخراط كان يتصاعد مع الزمن حتى بلغ ذروته خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر, ويمكن الإشارة هنا إلى حملة شارل مارتل التي عرض لها هذا البحث سابقاً حوالي العام 778م والتي أرسل فيها البابا هادريان رسالة له قبل انطلاقها يشجعه فيها ويبارك حملته لطرد المسلمين من اسبانيا ويعده بدعمه بالمتطوعين وبتوجيه التعليمات إلى الكنائس في الأندلس لدعم الحملة .

مع ذلك يمكن القول إن الحملات الصليبية الكبرى وما رافقها من حشد لا مثيل له في أوربة بلغت ذروتها بالفعل في القرنين الثاني عشر والثالث عشر وهي الفترة التي شهدت انقلاب موازين القوى في الأندلس وسقوط اشبيلية وقرطبة وانحسار الوجود الأندلسي نحو غرناطة وما حولها . فقبل معركة العقاب التي حدثت عام 1212م وفي التحضير لها، بعث الفونسو الثامن ملك قشتالة، كبيرالأساقفة رودريغو إلى روما، ليطلب من البابا إعلان الحرب الصليبية ضد المسلمين في الأندلس, وقبل عودة رودريغو إلى طليطلة ذهب إلى إيطاليا وفرنسا وألمانيا لتنظيم التجنيد, وقد كتب البابا اينوسنت الثالث إلى أساقفة فرنسا لحث المؤمنين بقوة على المسارعة لمد يد العون والنجدة لملك قشتالة, كما أعلن عن رضاه ومباركته عن الفونسو الثامن وشعبه, وحذر الحكام المسيحيين طالباً منهم المحافظة على السلام فيما بينهم .

وخلال احتفال في طليطلة بمناسبة أحد الأعياد المسيحية, بدأت عملية التعبئة لجيش ذي صفة دولية ومع المقاتلين الصليبيين الفرنسيين كان مندوب البابا حاضراً بنفسه, وكذلك رئيس أساقفة ناربون (جنوب فرنسا) أرنالد أموري, وويليام رئيس أساقفة بوردو, الفيكونت ريموند من تورين, ثيوبلاد من بلازون, وغيرهم, وحين تحرك الجيش خارجاً من طليطلة في 20 حزيران (يونيو) عام 1212م تم تقسيمه إلى ثلاثة أقسام, أحد تلك الأقسام الثلاثة كان الجنود الذين جاؤوا من خارج إسبانيا من خلف جبال البيرينيه يقودهم اللورد لوبيز دي هارو حاكم بيسكاي, وفي السياق ذاته أثناء توجههم نحو الجنوب قام الفرنسيون والمقاتلون الصليبيون الترامونتان الآخرون بمحاصرة حامية مالغون ثم قاموا بذبحهم جميعاً“(25).

ويُظهر ما سبق بوضوح المشاركة الفعالة القوية لأوربة والفاتيكان في الحرب ضد الأندلس, مع العلم أن قسم الجيش الذي وصف بأنه يضم المقاتلين من وراء البيرينيه هو للمقاتلين الذين قدموا حديثاً, ولنا أن نضع في الاعتبار أن نسبه هامة من الجنود في الأقسام الأخرى هي أيضاً لمقاتلين قدموا قبل ذلك الوقت واستقروا في قشتالة وأصبحوا في عداد سكانها الدائمين .

فإذا أردنا اقتراح سردية لتاريخ العلاقة بن الأندلس والممالك القوطية التي نشأت شمال شبه الجزيرة الإيبرية يمكن القول إن تلك الممالك الصغيرة والضعيفة كونتها أقلية محدودة من النبلاء القوط وأشلاء القوة العسكرية التي دمرها الفتح العربي الاسلامي, واستندت الى الكنيسة الكاثوليكية في تجميعها للمسيحيين شمال الأندلس وقد كانوا من أصول متعددة وبحالة شبه قبلية، فمنطقة نافار كان يسكنها الباسكيون ومنطقة استورياس لم تكن ذات صفة قوطية بل لم يتمكن القوط من دمجها بمملكتهم التي كانت قائمة قبل الفتح الاسلامي, وتُبين المعاهدة التي أجراها عبد الرحمن الداخل الأموي مع قشتالة خضوع تلك الامارة لسلطة الدولة الأموية مع تمتعها بما يشبه الحكم الذاتي, فالدولة الأموية لم تكن تمانع في وجود إمارة مسيحية خاضعة لها إلى جانبها ولم تشعر بخطر من وجودها, وربما استمر الوضع مستقراً ضمن حدود معينة على تلك الشاكلة مع ممارسة الدولة الأموية سياسة الردع من خلال حملات “الصوائف” (الصوائف والشواتي) والتي كانت تستهدف أي بؤرة عسكرية يمكن أن تشكل تهديداً لحدود الأندلس الشمالية, وربما كانت الحدود مفتوحة للتبادل التجاري والعمل .

وفي بداية القرن الحادي عشر توترت العلاقة بين الطرفين بفعل الضخ الفكري- الديني الذي جاء من أوربة, خاصة من فرنسا, ومن المؤسسة البابوية, وذلك مع صعود الصليبية التي خيم ظلها فوق أوربة, وهنا تحول الحلم القوطي القديم باستعادة مملكتهم الضائعة إلى مشروع سياسي صليبي مضمونه طرد المسلمين من إسبانيا بالأساس, وتعمق التدخل البابوي في هذا المشروع ودفع معه آلاف المتطوعين نحو الحرب المقدسة في إسبانيا ومشاركة جيوش كاملة العدة والعتاد في بعض المعارك, وتدفق على قشتالة وأراغون المال والسلاح والرجال, وانتشرت في أوربة فكرة القتال في إسبانيا, وترافقت مع الاستيطان هناك ونهب المدن الأندلسية الغنية, وفي تلك المرحلة التي امتدت مئات السنين ولدت الهوية الإسبانية التي انصهر فيها المقاتلون من مختلف أنحاء أوربة مع بقايا القوط وتحت إمرة ملوكهم ونبلائهم, واستعيدت اللغة اللاتينية من خلال الزخم الديني والتي تحولت نحو الإسبانية .

صحيح أن الأندلس عانى من الانقسام بعد انهيار الدولة الأموية عام 1031م لكن الممالك القوطية المسيحية كانت أيضاً تعاني من الانقسام, وجرت بينها مواجهات مسلحة بعض الأحيان, وما كان بإمكانها أن تصل من القوة إلى حد إنهاء الوجود العربي- الإسلامي في الأندلس على وجه الإطلاق لولا تحول المواجهة إلى حرب صليبية دخلت معها أوربة بقوة ضد الأندلس . في حين لم تجد الأندلس الدعم الذي يعادل كفة ميزان القوى الذي اختل بشدة بين الطرفين, وأكثر التعابير بلاغة عن تلك الحقيقة ما قاله أبو يوسف يعقوب المنصور أمير الموحدين لأبنائه حين شعر بدنو أجله: ” أوصيكم بتقوى الله واليتيمة ” قالوا: من اليتيمة؟ قال: ” الأندلس وأهلها الأيتام ” .

هكذا تُرك الأيتام وحيدين على مائدة اللئام, ولم يكن باستطاعتهم مهما فعلوا مواجهة الاجتياح الصليبي الأوربي في زمن كانت فيه أوربة تعاني من طفرة سكانية لم تشهدها سابقاً, وضيق في وفرة الغذاء والمعيشة بينما كان الأندلس فردوساً لا مثيل له في أوربة وكانت قرطبة زينة الدنيا كما وصفتها شاعرة اوربية .

وعلى خلاف نظرة ساذجة انتشرت في المشرق تلوم الأندلسيين لتقاعسهم وخلودهم للدعة والرفاهية, فقد كان المسلمون العاديون يقاومون الغزو دائماً بإصرار أثار إعجاب أعدائهم أنفسهم كما يقول ماثيو كار ويتابع في ذلك الموضوع “وقد أبدى المؤرخ الإسباني فرناندو دي بوليفار إعجابه الشديد بالتحدي الذي أظهره سكان ” الحمة ” حين بذل الأندلسيون كل قوتهم وطاقتهم في القتال كما يتحتم على الرجل الشجاع أن يفعل حين يدافع عن حياته وزوجته وأطفاله من تهديد الرق, ولذلك لم يكونوا يحجمون عن القتال فوق جثث أطفالهم وإخوانهم وأحبتهم على أمل إنقاذ الباقين” ويتابع ماثيو كار قائلاً: “لكن الموارد البشرية والمادية المتوافرة للجيوش المهاجمة كانت دائماً أكبر, ومن ذلك ما قاله مُسّلم غرناطي مجهول حين تذكر: “هاجمنا النصارى من كل حدب وصوب في سيل لا ينقطع, فرقة بعد أخرى.. وأخذوا يضربوننا بحماس وإصرار كالجراد في كثرة فرسانهم وأسلحتهم… وعندما ضعفت قوتنا خيموا في أرضنا وضربونا بلدة بعد أخرى… وأحضروا كثيراً من المدافع الكبيرة التي هدمت الأسوار الحصينة للمدن”(26).

لا شك أن القيادات الأندلسية لم تكن عموماً على قدر مسؤولية الخطر الداهم, وأن تفرقها وتناحرها ساهم بصورة مؤكدة بالهزائم التي انتهت بفقد الأندلس, لكن لا ينبغي لذلك أن يحجب عنا العناصر الرئيسية الأخرى في المشهد الأندلسي الكارثي, وأهم تلك العناصر هو التفوق العسكري والبشري الساحق الذي جاء نتيجة انخراط أوربة كلها في المعارك ضد الأندلسيين, والموارد البشرية التي ضختها نحو إيبريا من فرسان وجنود وسكان مستوطنين من مختلف الطبقات الاجتماعية وأسلحة وتمويل وتحريض ديني صليبي تم فيه تسخير طاقات الكنائس الكاثوليكية لخدمة المجهود الحربي . وأمام التفوق الكاسح الذي حدث بعد منتصف القرن الحادي عشر خصوصاً, أصبحت نتائج الصراع مرتسمة في الأفق, ولم تنفع المقاومة الباسلة للمرابطين والموحدين والأندلسيين سوى في تأخير ذلك المصير .

هوامش الحلقة الخامسة:

(15) كتاب الدين والدم – إبادة شعب الأندلس – ماثيو كار

(16) كتاب ” اسبانيا – تاريخ فريد ” – ستانلي بين

(17) جمعت المعلومات عن غزو شارلمان من:

 – محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس، الجزء الأول، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة: الرابعة، 1417هـ / 1997م.

– شريف عبد العزيز: معركة باب الشزري، موقع ملتقى الخطباء.

– كتاب صقر قريش – علي الأدهم.

(18) ” كتاب تاريخ إسبانيا العصر الوسيط – جوزيف ف . او كالاغان – ص202  “

          MEDIEVAL SPAIN ..Joseph F. O’Callaghan   A History of

(19) من كتاب ( الصيليبية في الطرف ) ( دراسات في الصليبية والشرق اللاتيني ) Crusading on the Edge

تحرير د. آلان ف . موريه – الجزء الرابع – ص 268

 (20) حروب الاسترداد والحروب الصليبية في إسبانيا القرون الوسطى – جوزيف كالاغان-ص26

(21) البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب – ابن عذارى – الجزء الرابع

 (22) الصليبية في الطرف ( الأفكار والممارسات الصليبية في ايبريا واقليم البلطيق 1100-1500 م) – حررت من قبل توربين نيلسن وابن فونيسبيرج شميت – ص  101

   Crusading on the Edge Ideas and Practice of Crusading in Iberia and the Baltic Region, 1100–1500

(23) كالسابق – ص 102 .

(24) التاريخ السياسي للإمبراطورية الموحدية، تأليف: أمبروسيو هويثي ميراندا، ترجمة: د. عبد الواحد أكمير، منشورات الزمن – الطبعة الأولى 2004

(25) تاريخ اسبانيا العصر الوسيط – جوزيف كالاغان – ص 247

(26) الدين والدم – إبادة شعب الأندلس – ماثيوكار
———————————
يتبع.. الفصل الثالث ( الجزء الثاني )

«معقل زهور عدي»: كاتب وباحث عربي سوري