الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ابتزاز أمريكي جديد

علي محمد فخرو *

ها أن الأصولي المسيحي اليميني المتطرف، الصهيوني الهوى، صديق وداعم لبطانة نتنياهو الاستعمارية الاستئصالية، الجاثمة على رقبة شعب فلسطين بالقتل والسجن والتهجير، وسرقة الأرض والمياه. ها أن الذي يحلم ويخطط ليأخذ مكان الرئيس المهزوم ترامب وقيادة الحزب الجمهوري في انتخابات سنة 2024 الرئاسية الأمريكية، وبالطبع على شرط بدعم من اللوبي الصهيوني الأمريكي، يقول في إحدى عواصم بلدان العرب بأن أمريكا ستعتبر أي تعرض أو نقد أو ذكر لكلمة الصهيونية، مساويا لمعاداة السامية، وبالتالي يكون مساويا للإرهاب والتعصُب العرقي.

وهكذا ستكتمل حلقة الحماية التامة الأمريكية للاستعمار الاحتلالي الصهيوني لفلسطين المحتلة. فإن أنت أشرت، ولو بكلمة واحدة لبعض مبالغات الهولوكوست، كما فعل العديد من مفكري وكتاب الغرب، سواء من اليهود أو من غير اليهود، فأنت مضاد للسامية. فرواية الهولوكوست ليست حدثا تاريخيا فيه ما فيه وعليه ما عليه، وإنما أصبحت سردا مقدسا لا يمكن مناقشته، أو مس كلمة منه، والمطلوب أن يبقى سردا متميزا وخاصا، لا يشبه أي سرد آخر، جاثما على ضمير الإنسانية إلى يوم القيامة، وبموازاة ذلك ستستمر مسرحية ابتزاز وحلب الغرب، وبالأخص ألمانيا، جيلا بعد جيل وإلى أبد الآبدين؟

وفي الجهة المقابلة، وكما يملي بومبيو على العالم، إن أنت أشرت إلى الاسم الحركي للصهيونية، وما بني عليها من ادعاءات وأكاذيب تاريخية ودينية وافتراءات، حتى على خالق الكون، من أجل تبرير سرقة أرض فلسطين من أهلها العرب وتهجيرهم إلى المنافي، وادعاء حق ملكية كل ما بين نهري النيل والفرات، كأرض منحها الله لشعبه المختار، فإنك أيضا ستكون معاديا للسامية، وستضعك السلطة الأمريكية الحاضنة للصهيونية في قائمة الإرهابيين، وستفرض تلك القائمة على العالم كله. وهكذا سيكون كل يهودي في العالم، وليس أي مسيحي أو مسلم أو بوذي أو هندوكي أو ملحد، أو تابع لأي دين، له وضع خاص في مسيرة تاريخ البشرية. إنه فوق أي نقد أو مساءلة أو محاكمة. لكن أمثال ترامب وبومبيو وكوشنر، يتجاهلون عن عمد ما يدور من نقاشات ناقدة ورافضة، لأغلب ما بنيت عليه الصهيونية الكلاسيكية وشقيقتها الصهيونية اليمينية المتطرفة، التي ينادي بها حزب الليكود، والتي يكتبها ويجاهر بها علنا، داخل الكيان الصهيوني وخارجه، بعض أحرار وأشراف وأصحاب ضمائر من كتاب ومفكري اليهود، خصوصا تحت عنوان «ما بعد الصهيونية» إضافة لرفض أغلبهم للممارسات اليومية الاستعمارية والاستعلائية، التي تمارس باسم المبادئ والحقوق والخرافات الدينية التي تقوم عليها أفكار كل أنواع الصهيونيات، ابتداء بالصهيونية السياسية العلمانية الكلاسيكية، مرورا بصهيونية الخلاص، والصهيونية التصحيحية والصهيونية الروحية والثقافية والصهيونية المقاتلة، وانتهاء بغالبية أنواع صهيونيات ما بعد الصهيونية. لكن أولئك وأتباعهم قلة. أما الأغلبية الساحقة فلا يعترفون إلا بشعار «أرض إسرائيل لشعب إسرائيل حسب توراة إسرائيل» وأن الفكرة السياسية «لدولة إسرائيل الكبرى (من النيل إلى الفرات) قد تبلورت، وبالتالي لا مساومة على يهودية الكيان الصهيوني، كضرورة للوصول إلى ذلك الهدف، ما يعني طرد السكان العرب من كل فلسطين التاريخية، ورفض عودة المهجرين، وفي أحسن الحالات معاملة العربي الفلسطيني كمواطن من الدرجة الثالثة.

من هنا لا يستطيع الإنسان إدراك هذا العمى الأمريكي غير الإنساني، لكل ما يكتب ويقال عن الفكر والتنظيم الصهيوني، عبر أكثر من مئة عام، منذ المؤسس هرتزل، بل وما قبله، ولكل الممارسات اللاإنسانية، من قتل وسجن الأبرياء، وهدم البيوت وسرقة الأرض والمياه، ومحاصرة الملايين في غزة، والمماطلات الحقيرة التي لا تنتهي في كل مباحثات. لا يستطيع الإنسان فهم كيف لا ترى الحكومات الأمريكية المتعاقبة الوجهين المتناقضين للوجود الصهيوني منذ احتلال فلسطين عام 1948: وجه الدعايات والتجميل الظاهر، والوجه القبيح الكالح للممارسة اليومية. ما يفجع القلب هو أن يتجرأ بومبيو ويقول ذلك فوق أرض عربية وباحتقار متعمد لمشاعر ومواقف شعوبها، وضدا لكل ما كتب وقيل عن الجوانب المظلمة في الحركة الصهيونية في آلاف المقالات والكتب. أما الفجيعة الأكبر فهي وجود بعض العرب ممُن بدأوا بسبب جهلهم وبلاداتهم السياسية، يساهمون في بناء صهيونية جديدة، هي الصهيونية العربية، التي يبدو أنها ستنافس وستبز الصهيونيتين: الصهيونية التاريخية اليهودية بشتى صورها، والصهيونية الأمريكية بشتى ألاعيبها ومجانينها.

* كاتب بحريني

المصدر: القدس العربي