الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

صباح الحلاق: الانتفاضة كانت فرصة ذهبية لنعمل على جندرة العملية السياسية

غسان ناصر *

يستضيف مركز حرمون للدراسات المعاصرة، في حوار اليوم، الكاتبة والباحثة النسوية السورية، والناشطة في حقوق المرأة، المحامية صباح الحلاق، عضو اللجنة الدستورية في مفاوضات جنيف عن المجتمع المدني، والعضو في المجلس الاستشاري النسائي، والعضو في مجلس إدارة رابطة النساء السوريات، التي تُعدّ إحدى مؤسّسات تجمع سوريات من أجل الديمقراطية.

ساهمت ضيفتنا في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2011، مع مجموعة من أبناء وبنات بلدها، في تأسيس الرابطة السورية للمواطنة، سعيًا لبناء دولة المواطنة في سورية المستقبل، كما ساهمت في إنجاز بحوث ودراسات، صدر بعضها في كتب مشتركة، منها: “النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في الدول العربية: الأبعاد السياسية والاجتماعية” (2013)، و”المواطنة والمكوّنات الاجتماعية في المنطقة العربية” (2015)…

معها كان هذا الحوار..

بداية، من هي السيدة صباح الحلاق؟ وماذا غيّرت ثورة آذار/ مارس 2011 في حياتها وأولوياتها؟

أنا امرأة سورية ناشطة في حقوق المرأة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، عملت في رابطة النساء السوريات منذ 1986 ولا أزال، وكذلك في الهيئة السورية لشؤون الأسرة (هيئة حكومية)، وفي بداية الثورة، كنت ومجموعة من النسويات/ين نتطلع إلى الانتفاضة بأنها الفرصة الذهبية كي نعمل على جندرة كل العملية السياسية وإدماج حقوقنا، وهذا هو التغيير الأساسي الذي بدأ مع الثورة ولا يزال.

من أهمّ ما أفتخر به، مشاركتي مع مجموعة من رجالات وسيدات سورية في تأسيس الرابطة السورية للمواطنة بتاريخ 15/ 12/ 2011 لتحقيق هدف إستراتيجي بعيد المدى، وهو بناء دولة المواطنة في سورية، وذلك بعد اجتماعات وأنشطة عدة، استهدفت الشباب/ات بورش عمل وجلسات حوار، لتمكينهم وتزويدهم بالمعرفة كأداة لاستمرار النضال نحو دولة المواطنة.

كونك شاركتِ في مفاوضات جنيف، ممثلةً للمجتمع المدني السوري، أسألك: ما آخر نتائج المفاوضات التي لم تخرج للعلن بعد، وإلى أي مدى تقدمت المفاوضات بعد الجلسة الثالثة التي جرت في آب/ أغسطس الماضي؟

العملية الدستورية معقدة، كما هي حال الملف السوري عامة، وهي عملية تفاوضية لا تأتي نتائجها سريعًا، ومن هنا يجب أن لا نتوقع نتائج على المدى القريب، وما زالت اللجنة الدستورية المصغرة في مرحلة التعرّف إلى رؤى جميع الأطراف والأعضاء، لذلك يمكنني القول إن الجولة الثالثة كانت أفضل حالًا من الجولات السابقة، كونها شرعت بنقاش المبادئ الوطنية الأساسية، وهي مدخل حرصنا على طرح عدد من المبادئ الدستورية ذات العلاقة، لا كما أراد الوفد المدعوم من الحكومة التركيز فقط على الهوية الوطنية، واستطعنا أن نخلُص إلى مفهوم توافقي “نوعًا ما”، وإثارة قضية مفصلية هي التنوّع الثقافي وحقوق جميع المكوّنات السورية.

جندرة الدستور:

السؤال الذي تطرحه شخصيات معارضة لوجود اللجنة الدستورية من الأساس، ولمسار مفاوضات جنيف، وبدورنا نطرحه عليك، هو: كيف سيتم صياغة دستور سوري، من دون انتقال سياسي حقيقي يضمن رحيل بشار الأسد ونظام حكمه؟

القضية ليست متعلّقة بأشخاص، بل بمنظومة الحكم الدكتاتورية والشمولية والأمنية. ومنذ بداية العملية الدستورية، صرّح المبعوث الأممي الخاص لسورية، غير بيدرسون، بأنها بوابة للحلّ السياسي وليست هي بحد ذاتها الحلّ. وهذا ما نتبناه نحن أيضًا.

ولا بدّ من تنفيذ القرار 2254 بكل ما يتضمن من عملية سياسية انتقالية، وإن لم يذكر هذا المصطلح بالحرف، وما زلتُ أرى أن السلام المستدام لا يمكن أن يتم في سورية دون تحقيق آليّات العدالة الانتقالية، ليس المساءلة والمحاسبة فحسب، بل إعادة هيكلة كل المؤسسات وبخاصة الجيش والأمن، وكذلك بدون دستور مبني على مبادئ المواطنة من منظور جندري، يدعم مطالبنا بتعديل وسنّ قوانين ضامنة لحقوق جميع المواطنين والمواطنات. وكوني عضوًا في اللجنة الدستورية دليلٌ على قناعتي بأن مشاركتنا ضرورة وهي واجب عليّ لأسباب عدة، منها أننا ناضلنا كنسويات للمشاركة في جميع مراحل العملية الانتقالية، وعملنا سنوات على وثائق جندرة الدستور، والمشاركة في اللجنة هي لتضمين الدستور من المنظور الجندري.

هل لديك تحفظات على اللجنة الدستورية، ومسار مفاوضات جنيف في جولاته الثلاث، ما هي ولماذا؟

بالتأكيد لديّ، التحفظ الأول: عدم تحديد المدة الزمنية للعملية الدستورية، وهذا يعني أن من الممكن اللعب بالوقت إلى أمد غير محدد، كما يحصل الآن، فبعد ثلاث جولات لم نبدأ بعد بالولوج في متن الدستور بدءًا من المقدمة. والتحفظ الثاني: عدم مشاركة مكوّن المجتمع المدني في وضع الأجندة وتحديد تواريخ انعقاد الجلسات، وقد ترتب على هذا الأمر توقف اجتماعات اللجنة الدستورية المصغرة تسعة أشهر، وهذا ما يحدث الآن في قرار انعقاد الجولة الرابعة، ولو تم إشراكنا بوضع الأجندة، ربما استطعنا المساهمة في وضع اقتراحات توفيقية بين الطرفين “المعارضة والحكومة”. وفي البداية، لم يكن باستطاعتنا الحصول على محاضر الجلسات لنتمكن من العودة إليها والبناء عليها، ولكن تمت معالجة هذا الأمر.

ما تقييمكِ لتجربة غرفة المجتمع المدني السوري (CSSR) في المفاوضات السياسية بين وفدَي النظام والمعارضة في جنيف؟ وما الذي أضافته هذه الغرفة التي تعدّ أول آليّة منظمة لإشراك المجتمع المدني في المفاوضات السياسية السورية – السورية التي تقاد من قبل الأمم المتحدة؟

كنتُ من أوائل النساء اللواتي شاركن في غرفة المجتمع المدني، وأرى أن هذا الجسم (CSSR) أُسّسَ نتيجة لمطالبة منظمات المجتمع المدني السوري بحق المشاركة في العملية التفاوضية، وتلبية من مكتب المبعوث الأممي الخاص لسورية، ولم تكن تسمّى “مفاوضات”، وإنما “محادثات”، كون الوفدَين لم يجلسا على طاولة واحدة حينذاك. وقد استطاعت هذه الغرفة جمع مئات من السوريين/ات، من مختلف الأيديولوجيات والجغرافيات والاتّجاهات السياسية، باستثناء الممثلين/ات عن مناطق الإدارة الذاتية.

وقد تميّزت هذه الغرفة بسحب صلاحيات مكتب المبعوث الخاص والمنظمات الداعمة، واستلامنا زمام الأمر، في ما يتعلق بوضع الأجندة، وصولًا إلى تيسير الجلسات وإعداد التقارير عن الاجتماعات، ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، رغبة منّا في إشراك أكبر عدد من المنظمات في الاطّلاع والتعليقات ووضع الأولويات، والتشاور معنا بقائمة المشاركين/ات التي حرصنا على أن تشمل أغلبية المنظمات في الجغرافيات المتعدّدة والميول السياسية والأيديولوجية، وعلى نسبة للنساء تصل إلى 40 %، وقد وصلت في بعض الاجتماعات إلى 48 %، وقد أبدى الجميع تفهمهم لطلبنا، ولا تزال هذه الآليّة قائمة حتى يومنا هذا. كما استطعنا إيجاد نقاط مشتركة في مواقف صعبة، ونقاط توافقية لم تصل إليها المحادثات بين أطراف النزاع، ومنها رفع العقوبات الاقتصادية أحادية الجانب عن كل ما يؤثّر على حياة الناس -الصحية والمعيشية والتعليمية- وكذلك المطالبة بالحلّ السياسي لسورية كحلّ وحيد للنزاع، وغير ذلك.

نحو “كوتا نسائية” بنسبة 50%:

هل لك أن تعرّفينا إلى رابطة النساء السوريات: النشأة ودواعي التأسيس والمبادئ والأهداف، والدور الذي تقوم به اليوم؟

رابطة النساء السوريات من أوائل المنظمات النسائية في القرن الماضي، تأسست عام 1948، وكانت منظمة رديفة للحزب الشيوعي السوري على نهج الاتحاد السوفيتي سابقًا، وفي عام 1987 عقدت مؤتمرها السابع، وأعلنت استقلاليتها عن الحزب، وتحوّلت إلى منظمة نسوية هدفها العام تحقيق المساواة بين النساء والرجال في الحقوق الإنسانية، وتعزيز دور النساء في التنمية المستدامة وبناء السلام المستدام.

هذا التحوّل قادته رئيسة الرابطة الصديقة نوال يازجي، متحدّية العقلية الذكورية الوصائية لدى الحزب، وشجعت الشّابات على الانضمام إلى الرابطة والنضال معًا لتحقيق أهدافها. وكان للرابطة انتشار في أغلبية المحافظات السورية، والأعضاء من مرجعيات مختلفة، جغرافيًا وقوميًا ودينيًا وأيديولوجيًا وسياسيًا، وتُعرّف الرابطة نفسها بأنها “منظمة نسوية ديمقراطية علمانية”، وهذا ما يجمعنا على اختلافاتنا. ولا تزال الرابطة إلى يومنا هذا ناشطةً داخل سورية وفي لبنان، ولديها ثلاثة أعضاء سيدات في المجلس الاستشاري النسائي، وسيدة عضو في اللجنة الدستورية المصغرة.

ركزت الرابطة في أنشطتها على الأبحاث، ومنها: “التمييز في قوانين الأحوال الشخصية 2010″، و”العمل المنزلي غير المأجور”، و”العنف ضد النساء في النزاع السوري المسلح” وغيرها. وتقوم الرابطة كمنظمة منسقة لتقارير الظل لاتّفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) منذ عام 2007 إلى يومنا هذا. إضافة إلى تنظيم ورشات تدريبية ومؤتمرات وجلسات حوار حول “جندرة الدستور”، واستخدام المنظور الجندري في كامل العملية الانتقالية من الألف للياء. وكان انضمامي إلى الرابطة في عام 1986، وأنا من الجيل الثالث بالعضوية، وما أزال عضوًا فيها، وهي من أهم محطات حياتي التي جعلت مني امرأة نسوية.

ما تقييمك لمشاركة المرأة السورية في الحياة السياسية بعد الثورة، خاصة في المرحلة الراهنة، ولا سيّما حضورها في اللجنة الدستورية ووفود التفاوض، وقوى وأطياف الثورة والمعارضة، والمجالس المحلية، والتكتلات السياسية الكبرى والأحزاب الحديثة الناشئة داخل سورية وخارجها؟

ربما يجدر بنا القول إن مشاركة المرأة السياسية قديمة تاريخيًا في سورية، أي ما قبل العام 2011، وهذه المشاركة شهدت صعودًا ملحوظًا بعد انطلاقة ثورتنا. شخصيًا، أعدّ المشاركة السياسية مضمنة بسياقات مختلفة عن المتعارف عليه (أحزاب ولجان مفوضات ولجنة الدستور وغيرها). المشاركة السياسية تبدأ من أصغر حلقة انتخابية، وهي لجنة البناء، إلى لجنة الحيّ وصولًا إلى الحلقات السياسية الأعلى، وهذا ما أرى ضرورة التركيز عليه في آليّات التمكين السياسي للنساء. وأرى أن مشاركة النساء في المجالس المحلية ذات تأثير أكبر، من حيث متابعة الخدمات المعيشية للمواطنين والمواطنات. وهذا لا يتعارض مع مطالبتنا بوجود “كوتا نسائية” 30% كحد أدنى وصولًا إلى نسبة 50%. وفي هذا السياق، صدر العديد من الأبحاث حول تطور مشاركة النساء بعد عام 2011، وخلصت إلى أنها ما زالت ضحلة، مقارنة بمساهماتهن المتعدّدة الاتّجاهات، وبيّنت تلك الدراسات أبرز المعوقات تجاه زيادة نسب مشاركة النساء.

وقد شاركتُ في دراسة حول “النساء في مجلس الشعب السوري” عام 2005 لصالح الهيئة السورية لشؤون الأسرة، ولا تزال المعوقات والتحدّيات ذاتها ماثلة أمام النساء، وهذا يفرض على المنظمات النسائية والنسوية ومنظمات المجتمع المدني العملَ معًا للضغط على الحكومات لتذليل تلك المعوقات والتحدّيات. ونتيجة لمطالبتنا بـ “الكوتا” في العملية السياسية عامة، وفي اللجنة الدستورية خاصة، ودعم مكتب المبعوث الأممي الخاص لسورية لمطلبنا؛ وصلت نسبة مشاركة النساء إلى 28% في اللجنة الدستورية، وإلى 30% في اللجنة المصغرة، وتؤدي السيدات الأعضاء في الكتل الثلاث أدوارًا مهمة، عبر مداخلاتهن المختلفة، وبعضهن تركز على حقوق النساء في الدستور. ونتج عن مشاركة النساء في لجان المفاوضات وضع “الكوتا” في أدبيات الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وصار هناك نائبة لرئيس الائتلاف، وأصبح هذا عُرفًا لديهم، وشهدنا ترشيح نساء عن الكتل المشاركة باللجنة الدستورية. ولكن نسب المشاركة -كما قلتُ- لا تزال دون الطموح، وهذا يسري على جميع التشكيلات السياسية لدى جميع الأطراف.

هل يعني هذا أنك مع المحاصصة كمعيار ضامن لتمثيل المرأة في مؤسسات الثورة والمعارضة، بنسبة لا تقل عن 30% وصولًا إلى المناصفة؟

نحن طالبنا بقانون “الكوتا” منذ عشرات السنين من الحكومة السورية التي تنتهج “كوتا” (محاصصة غير معلنة) ولكن لم تكن هناك استجابة إلى يومنا هذا، ونحن أيضًا توجهنا عبر مؤتمر المعارضة السورية، الذي عقد في القاهرة بتاريخ (2 و3 تمّوز/ يوليو 2012)، لمطلب الحصة 30% ولم يكن هناك تجاوب، وكذلك ذكرت أن الائتلاف الوطني وضع في وثيقته تبني “الكوتا” بنسبة 30%، إلّا أنه لم يطبقها في عضوية اللجنة الدستورية ووفد المفاوضات، ويبقى هذا مطلبنا الذي تحقّق نسبيًا في اللجنة الدستورية، وسوف نعمل على المطالبة بالنص في الدستور، لأننا -النسويات- مقتنعات بأنه تدبير إيجابي مؤقت، يتلازم مع تمكين النساء السياسي والاقتصادي والمعرفي، وهو أداة ناجعة لزيادة مشاركة النساء في جميع مؤسسات الدولة، وتجارب الدول الناجحة، مثل تونس والمغرب، تؤكد ذلك.

كيف ترين السبيل إلى تذليل العقبات وضمان مشاركة نسائية كمية ونوعية في دوائر صنع القرار، والانخراط أكثر في مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات النسوية، والهيئات المعنية بقضايا المرأة الموجودة على الساحة الآن، على المديين القريب والبعيد؟

أرى من أولوياتنا كحركة نسوية استمرار العمل على المطالبة بـ “الكوتا النسائية”، كأداة لزيادة مشاركة النساء، وهذه المطالبة سوف تكون بأدوات مختلفة، منها حملات الضغط والمناصرة مع أعضاء اللجنة الدستورية ومع كتل المعارضة ومع الحكومة السورية ومع الجهات الدولية المعنية بالملف السوري. وكذلك تشكيل كتلة حرجة داخل اللجنة الدستورية، تجمع مناصري/ات حقوق المرأة من جميع الأطراف، لضمان النصّ على “الكوتا” في الدستور. وفي الوقت نفسه، العمل على برامج تمكين النساء السوريات في مختلف الجغرافيات داخل وخارج سورية، وتمكينهن من الوصول إلى مواقع صنع القرار في منظماتهن وفي الهيئات المحلية، واستمرار العمل على أدبيات مقارنة للدساتير الحساسة للمنظور الجندري، وهذه الإستراتيجية قصيرة وطويلة المدى، لأننا عملنا عليها منذ 2011 وما نزال نعمل. أمّا ما نراه بعيد المدى فهو تغيير العقلية المجتمعية الذكورية، وهذا الأمر يساهم به بالدرجة الأولى الدستور الحساس للجندر والقوانين المعدلة وفقه، لأننا نرى أن المنظومة القانونية هي الرافعة لوعي الناس، عندما يتمتع الأشخاص بحقوقهم يقتنعون بجدوى تحقيق المساواة بين جميع المواطنين والمواطنات.

معوقات المشاركة السياسية للنساء السوريات:

إذا كان هناك ضعفٌ في التمثيل السياسي للمرأة (هنا أقدّم الفرضية الأكثر قربًا للواقع)، فما هي الأسباب الرئيسة برأيكِ؟ وهل لمستِ تحسنًا مع مرور سنوات الجمر (2011-2020)؟ وهل هناك فعلًا سلوك إقصائي وتمييزي تجاه المشاركة السياسية للمرأة، من قِبل بعض النخب السياسية ومطابخ قرارهم السياسي، بحسب دراسات مختصة؟

أعتقد أن هذا السؤال مرتبط بالسؤال السابق ضمنيًا، ولذلك سأحاول عدم تكرار وصف الحال، وأركز على الأسباب المعوقة للمشاركة السياسية للنساء السوريات، وهي تتجلى بـ:

تأثير العقلية المجتمعية الذكورية التي يحملها الرجال والنساء وتنميط أدوارهم/ن، وهذا يعوق تغيير هذه الأدوار وتشاركها بينهما، كالقول بأن “السياسة لها رجالها”، والنساء “ستات بيوت” وغيرها الكثير..

التمييز بالقوانين ضد النساء، وعلى رأسها: قانون الأحوال الشخصية العام بمعظم مواده؛ لكونه ينتقص من مواطنية المرأة الإنسانية، إذ يعتبرها لا شيء في إطلاق صلاحية الرجل بالطلاق بإرادة منفردة، وفي قوننة تعدّد الزوجات هي ربع إنسان! وفي حصتها المنقوصة في الإرث نصف إنسان! وعلى رأس هذا التمييز اعتبارها قاصرًا منذ ولادتها حتى مماتها، بوجود الولاية (القوامة) بيد ذكور العائلة لجهة العصبة، وعلى الرغم من التعديلات الكثيرة على هذا القانون، فإنه ما زال قاصرًا عن تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات بين الرجال والنساء. كل هذا التمييز القانوني يعدّ عائقًا أمام مشاركة النساء السياسية، وينعكس هذا التمييز على قوانين الجنسية والعقوبات والأحوال المدنية الذي يقونن تبعية النساء لذكور العائلة (الأب والزوج)، ولا يحق للنساء الحصول على سجل مدني مستقلّ كمواطنة.

تخلّف آليّات الدعاية الانتخابية، التي تعتمد على الصور والمضافات والمبالغة في إنفاق الأموال، أكثر مما تعتمد على برامج انتخابية محددة وحوارات مع الناخبين/ات أو مع حركات اجتماعية.

تخلق الآليّات الانتخابية المعتمدة لدى الحكومة السورية أساسًا على قوائم “الجبهة الوطنية التقدمية” (التي صار اسمها “قائمة الوحدة الوطنية”)، اتّجاهات نحو اللامبالاة لدى المواطنين/ات بعامة، وتُحبط الآمال سلفًا بإمكانية النجاح في الانتخابات للمستقلّين/ات وبخاصة للنساء اللواتي ما زالت القاعدة العريضة منهن بعيدات عن العمل في المجال السياسي.

قانون أحزاب معقد الشروط والموافقات الأمنية وغيرها…

قصور قانون الجمعيات المعمول به عن الترخيص لعدد من المنظمات الناشطة ميدانيًا، على الرغم من عمل الحكومة والجمعيات على مشروع التعديل حتى وصل إلى المسودة 27 ولكن بقيت في أدراج المسؤولين ليومنا هذا، إذ لا يوجد نيّة لدى الحكومة بتعديله، وهي تعرف يقينًا مدى خطورة الترخيص لمنظمات المجتمع المدني.

إن نسبة النساء المرشحات باسم أحزابهن تُعدّ مؤشرًا واضحًا على أن الأحزاب السياسية، على اختلاف مرجعياتها (ماركسية، قومية، دينية)، لم تضع قضية المرأة في سلّم أولوياتها، وحقها في الوصول إلى مواقع صنع القرار من منسيّات هذه الأحزاب. وهنا يمكننا الولوج مباشرة إلى ربط ذلك بالعقلية المجتمعية الذكورية التي هي نسيج عام في المجتمع تنطوي ضمنه الأحزاب.

جدير بالذكر أن الالتزام الحزبي أحيانًا قد يقف عائقًا أمام طرح النساء لقضاياهن، في ظل غياب أولويات قضية المرأة عن برامج الأحزاب السياسية، وبالتالي فإن هذه الأحزاب ليست ملتزمة بهذه القضية، فيتم تغليب العام على الخاص مع افتقاد آليّات للربط بينهما وفق علاقة جدلية بناءة.

يمكن الإشارة إلى أن الأصوليين لا يُقدّمون المرأة المرشحة عنهم، ولكنهم يستخدمونها كصوت، وهذا يُلاحظ في أماكن الاقتراع، وبخاصة لمرشحي المناطق ذات الطابع الديني (الأرياف وبعض المحافظات السورية).

القدرة الاقتصادية المحدودة للنساء نتيجة حرمانها من الإرث، في معظم المناطق السورية، على اختلاف مرجعياتها الدينية والمذهبية والقومية، وهذا الأمر لافت للنظر في وحدتهم على حرمان النساء من إرث الملكيات (الأراضي والعقارات)، وهذا ما جاء في بحث رابطة النساء السوريات “التمييز في قوانين الأحوال الشخصية”، وكذلك في الحق المنقوص في القانون أصلًا، وهذا ينعكس على قدرتها على تقديم الضمانات للحصول على قرض وتمويل حملتها الانتخابية.

الباحثة النسوية لمى قنوت ترى أن دور المرأة السورية بعد الثورة قُوّضَ، وأن ما أثّر على المرأة سلبًا هو تحالف المعارضة مع القوى السلفية الجهادية المسلّحة التي كانت -ولا يزال بعضها- يتحكم على الأرض في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، وفرضت استبدادًا سياسيًا وعسكريًا ودينيًا على المجتمع بشكل عام، وبخاصة على المرأة. هل تتفقين معها في هذه الرؤية؟ وماذا تضيفين؟

أتفق مع السيدة لمى في ما ذكرت من معوقات، في بحثها “المشاركة السياسية للمرأة السورية بين المتن والهامش”، وأضيف أن هناك تجربة في مناطق “الإدارة الذاتية”، يجب علينا الإضاءة عليها، وهي نظام المناصفة في الرئاسة المشتركة (رجل وامرأة)، وهي تجربة ناجحة إلى حد ما، ويمكننا استخدامها كمثال، لأنها مطبقة على مجموع السوريين والسوريات. وأضيف أن مشاركة النساء ليست من الأولويات على أجنداتهم، وعند تحالفاتهم تسقط حقوق النساء! مثلما جرى في مؤتمر القاهرة، الذي أشرت إليه سابقًا، إذ تخلت الأحزاب اليسارية عن مصطلح “العلمانية”، وربطت حقوق المرأة بما يتوافق والموروث الثقافي.

تعاني الفتيات والنساء، من كل المكوّنات السورية، حالة عنف متعدد الأوجه، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وقانونيًا وجنسيًا، في الداخل السوري، ما الذي يمكن أن تقدّمه لهم مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني على أرض الواقع، لتخفيف مظاهر التعنيف الذي يتعرضن له باستمرار، ووقف استباحة حقوقهن في جميع المجالات، والقضاء على كل أشكال التمييز ضدهن، في ظل وضع متشظٍ وصراع سياسي وعسكري سوري – سوري متواصل؟

إن العنف ضد النساء، في الفضاءين الأسري والعام، لم يكن أمرًا طارئًا على المجتمع السوري، بل هو ظاهرة شائعة في كثير من الأوساط الاجتماعية في سورية، ويكمن التباين بين الفئات الاجتماعية المختلفة في مستويات هذا التمييز وأشكاله فقط. ومع اندلاع النزاع المسلح واشتداده؛ اتّسعت واشتدّت كل مظاهر وأشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، تلك التي خبرتها النساء قبل النزاع المسلح، إضافة إلى أشكال جديدة من العنف، بسبب النزاع نفسه. وكان من الأشكال الجديدة للعنف ضد النساء اشتدادُ العنف السياسي والتحرّش الجنسي والاغتصاب بطرائق منهجية، والتعرّض للفاقة والفقر الشديدين، وعنف النزوح واللجوء والاتجار بالبشر وبالأطفال المولودين خارج إطار الزواج، والإجبار على ممارسة الدعارة، مع ازدياد أشكال العنف الأخرى مثل الإجبار على ارتداء الحجاب، وانتشار تعدّد الزوجات وغيرها.

وإن عملية تحقيق المساواة ومكافحة أشكال العنف ضد النساء تحتاج إلى تغييرات قانونية وإجرائية واسعة تشتمل مختلف المجالات، فوجود التمييز ضد النساء في عدد من القوانين كان عاملًا حاسمًا في فقر النساء وهشاشة أوضاعهن الاجتماعية، وفي تسهيل عمليات الابتزاز والعنف التي تعرّضت لها النساء في ظروف النزاع الحالي. لذا يجب علينا الاستمرار في عملنا الذي بدأناه قبل عشرات السنين، قبل اندلاع الانتفاضة السورية، وهو:

– اعتماد المرجعيات القانونية الأممية، ومنها “إعلان القضاء على العنف ضد المرأة”، وقرارات الأمم المتحدة التي أصدرتها بشأن حماية النساء في النزاعات المسلّحة، خاصة قرار مجلس الأمن رقم 1325 والقرارات الملحقة به، واتّفاقية (سيداو)، والشرعية الدولية لحقوق الإنسان، جميعها تشكّل آليّة قادرة على الإسهام في القضاء على ظاهرة العنف ضد النساء في أيام السلم، وفي أيام الحرب، وتتحمّل كل أطراف الصراع مسؤوليتها في ذلك.

– تقديم الدعم والمساندة والعدالة للنساء ضحايا الاعتقال والخطف والتشريد والحصار.

– استمرارية العمل على حشد التأييد من جميع القوى الفاعلة والمؤثّرة في مسار التحوّل الديمقراطي في سورية، محليًا وإقليميًا ودوليًا.

– تسهيل عمل الجمعيات النسوية في الدول المستضيفة للاجئين، وتمكين هذه الجمعيات من توسيع مجال خدماتها لدعم النساء.

– زيادة عدد مراكز الدعم النفسي والقانوني في سورية، وفي أماكن إقامة اللاجئات السوريات، وفتح دور إيواء خاصة للنساء المعنفات والمعرّضات للخطر.

– التشبيك بين جميع المؤسسات العاملة على حماية النساء السوريات من العنف في سورية وبلدان اللجوء.

– ربط الإعانات الدولية التي تقدّم للدول المستضيفة للاجئات السوريات بمدى التزامها بحماية اللاجئات من العنف واحترام مسؤولياتها تجاههن. ومراقبة “الجمعيات الخيرية” التي تقدم إعانات للاجئين والنازحين، لمنع استغلال اللاجئات والنازحات، ومنع الترويج لأفكار تحرّض الأهالي على تزويج القاصرات وفق مبرّرات دينية.

– بناء قدرات اللاجئات السوريات وتحويلهن إلى قياديات، وتمكينهن من إنشاء لجان قادرة على التعامل مع قضايا العنف الموجه ضد النساء، وتقديم الدعم المالي والفني اللازمين لعمل هذه اللجان.

معظم المفاهيم السياسية في المسألة السورية تمّ تشويهها أو تسخيرها لخدمة النظام الاستبدادي الأسدي، من ذلك وصف ما يحدث في سورية منذ سنوات بأنه “حرب أهلية”! ما هو دور قوى ومؤسسات المجتمع المدني وما يتبع لها من منابر إعلامية لتصحيح مثل هذه المفاهيم التي أضرت بالشعب السوري عامة؟

بداية، أقول إن هناك مصطلحات استخدمتها معظم أطراف النزاع لتشوية ثورة الكرامة والحرّية، وليس فقط النظام، نعم بدأها النظام بتصريح بثينة شعبان: “إن ما يجري هو نزاع طائفي”، وكان هذا في بداية الانتفاضة 2011، وما حصل في حمص بداية كان من عمل النظام، ولكن من دعم هذه العملية التشويهية لثورتنا هم الفصائل المسلّحة (وأتحفظ على تسميتها معارضة)، من التسميات على سبيل الذكر لا الحصر (الإسلامية السنيّة). وكذلك استُخدمت تعابير ذات بعد عنصري أجّجت الخوف لدى بعض المكوّنات السورية، وهذا من حقهم، وبدأت سردية المظلوميات لدى الجميع دون استثناء. في هذه الحال التي وصلنا إليها، علينا أن نرى ما حصل في بلدنا بنظرة موضوعية مستقلّة، ونعمل مع جميع السوريين/ات في مختلف الجغرافيات السورية، ونستمرّ في حوار وطني بنّاء يسعى لتحقيق العيش المشترك للجميع على قدم المساواة، ونركز جهودنا جميعًا على المصلحة المشتركة في إيقاف النزيف السوري واستدامة السلام.

بتقديرك، إلى أي حد استطاعت قوى ومنظمات المجتمع المدني السوري، ومن بينها رابطة النساء السوريات، نقل صوت السوريات في الداخل، ونقل الصورة الحقيقية لما يجري على أرض الواقع في كامل الجغرافيا السورية التي مزقتها الحرب، إلى شعوب العالم الحرّ وللسياسيين.

كنت قد ذكرت دور غرفة المجتمع المدني والمجلس الاستشاري النسائي، ولدى رابطة النساء السوريات ثلاث أعضاء فيه، كما ذكرت آنفًا. وأؤكّد أن ردم الفجوات بين المسارات الثلاث يتحقّق بنسب مختلفة، وهناك مشاريع لمنظمات المجتمع المدني تعمل على نقل المطالب بين المسارات المختلفة إلى أصحاب القرار في الملف السوري.

أخيرًا، هل أنت متفائلة حاليًا، بأن الطريق للوصول إلى دولة سورية حرّة وتعدّدية وديمقراطية بات قريبًا؟

لقد وضعت على خلفية صفحتـي على (فيسبوك) مقـولــة الـراحــل سعد الله ونــوس: “نحن محكومون بالأمل”، لذلك أبقى متعلقة بالأمل، ولو كان بعيد التحقّق، وسوف تأتي الحرّيـة ويتمتع بهـا جميع السـوريين والسـوريات في دولـة المواطنـة، ولو بعد حين.

* صحافي سوري – فلسطيني

المصدر: حرمون