الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

كتاب « الأندلس إبادة شعب وحضارة » للكاتب: ’’ معقل زهور عدي ‘‘.. الحلقة الرابعة

 

( الحرية أولاً ) ينشر حصرياً كتاب « الأندلس إبادة شعب وحضارة » للكاتب: ’’ معقل زهور عدي ‘‘..الحلقة الرابعة

 الفصل الثاني

عصر القوط :

خلال القرن الخامس الميلادي شهدت السيطرة للإمبراطورية الرومانية الغربية تراجعاً مع اجتياح القبائل الجرمانية التي استقرت على طول الحدود الرومانية والتي جاءت تحت ضغط توسع الهون, وإحدى تلك الجماعات والتي دُعيت لاحقاً بالقوط أعطيت الحق من قبل الامبراطور الروماني “فالنس” بالاستقرار داخل الامبراطورية منذ العام 376م, لكن سوء المعاملة التي تلقاها القوط من قبل الإداريين الرومان المحليين وفشل الامبراطور في احتواء الأزمة التي نشأت بسبب ذلك أوصل الأمور للثورة, ومن ثم حدثت معركة كبيرة بين الرومان والقوط في العام 378م قُتل فيها الامبراطور فالنس وتحطم جيشه تحطيماً تاماً، في Battle of Adrianople وهي معركة أدريانوبل .

وبالرغم من حجم انتصار القوط الكبير فقد عقدوا اتفاقاً مع الامبراطور الروماني ثيودوسيس الأول يعترف فيه بوجودهم ضمن الامبراطورية الرومانية الغربية كحلفاء يمتلكون درجة من الاستقلال الذاتي والحديث هنا يدور حول ما يشبه الفدرالية, لكن ورثة ثيودوسيس الأول كانوا أقل قدرة على احتواء التغلغل الجرماني في الامبراطورية الرومانية الغربية, وفي عام 406م حاول القوط الشرقيون مهاجمة إيطاليا, وضمن محاولات ردعهم عن ذلك فقد استطاعت قبائل الفاندال والسويب والآلان الدخول الى أراضي الغال وإسبانيا, وبعد اجتياح وتدمير البلاد لمدة عامين, استقر السويب وقسم من الفندال في المقاطعة الشمالية الغربية من البلاد (غالشيا) واستقر القسم الآخر من الفندال في الجزء الجنوبي من البلاد في مقاطعة (باتيكا) أما الآلان ذوي الأصول الآسيوية الإيرانية فقد استقروا في وسط البلاد في مقاطعتي ليستوانيا وقرطاجنة, وفي ذلك الوقت بقيت مناطق تراكونة وحدها تحت السيطرة الرومانية، وفي مرحلة لاحقة اجتاز الفاندال مضيق جبل طارق نحو المغرب عام 429م وتمكنوا من بسط سيطرتهم على المنطقة وعلى جزر البليار حتى أعادت الامبراطورية البيزنطية احتلال المغرب عام 534 م .

وفي إسبانيا تحول السويب الوثنيون إلى المسيحية الأريوسية لكنهم انقلبوا إلى الكاثوليكية في القرن السادس الميلادي على يد القديس مارتين أسقف باراكا, وقد استمرت مملكتهم المستقلة في غالشيا حتى انحدار العصر القوطي في 585 م.

وما هو جدير بالملاحظة أن الوجود القوطي في شبه الجزيرة الإيبرية لم يكن وجوداً سكانياً كثيفاً, ولم يُحدث انقلاباً في الديمغرافيا هناك, فالغالبية الساحقة من السكان بقيت إيبرية- رومانية ومن أصل ما يقرب من ستة ملايين نسمة يقدر أنهم سكان إيبريا في ذلك الوقت لم يتجاوز عدد الغزاة البرابرة القوط مئتا ألف  نسمة موزعين على الأرجاء الواسعة لإيبريا.

ويمكن لنا أن نُخمن أن تغييراً طفيفاً فقط طرأ على ديمغرافية سكان إيبريا خلال المرحلة الرومانية أيضاً بالقياس لما كان عليه الحال في سورية مثلاً, لكن ذلك يحتاج إلى مزيد من الأدلة والدراسات .

فالقوط هم أساساً قبائل شبه بدائية محاربة, وسيطرتهم على إيبريا كانت بسبب ضعف وتحلل الامبراطورية الرومانية الغربية, وأيضاً بسبب تحضر الشعب الإيبري الذي ابتعد عن التمرس بالقتال خلال القرون الطويلة السابقة واستسلم للحماية والإدارة الرومانية، ومقاومة اجتياحات القوط والتي كانت مدمرة في البداية لم تحصل من قوى عسكرية محلية بل من القوة العسكرية الرومانية الحاكمة فقط . وفي ظل الحكم القوطي بقيت الوظائف الإدارية الهامة بيد الإيبريين أو الإيبريين- الرومان كما يرغب بعض المؤرخين بوصفهم أو الرومان عند المؤرخين القدماء الذين تبنوا نظرية “رومنة إيبريا“, وبقي هؤلاء يعملون وفق الأنظمة والقوانين الرومانية .

بعد اجتياح الفرنكيين لبلاد الغال الجنوبية وانتصارهم على القوط هناك عام 507م اضطر القوط للانسحاب من كامل بلاد الغال عبر جبال البيرينيه نحو إيبريا وبذلك ازداد تغلغلهم في شبه الجزيرة, وأنشأ ملوكهم عاصمة في وسط البلاد (طليطلة) . بالرغم من أن القوط اكتسبوا بعض الصفات الرومانية خلال احتكاكهم لمدة مئة عام مع الرومان قبل استقرارهم في إيبريا, لكن تلك الصفات ظلت قشرة رقيقة وبقي بينهم وبين السكان الأصليين الإيبريين فوارق كبيرة في الثقافة والاجتماع والدين والعادات والقوانين أبقتهم بعيدين عن الإيبريين .

فاللغة القوطية تختلف اختلافاً كبيراً عن اللغة اللاتينية من حيث أصلها الجرماني, وهي من اللغات الهندو- أوربية وقد مرت بمراحل متعددة منذ هجرة القبائل القوطية الجرمانية باتجاه بلاد الغال وشبه الجزيرة الإيبرية لكنها بقيت معزولة وظلت مستعملة ضمن نطاق ضيق في إيبريا حتى الفتح العربي الاسلامي, كما أن القوط اعتنقوا المسيحية وفق المذهب الآريوسي بخلاف أهل إيبريا الذين كانوا يدينون بالكاثوليكية .

وبالرغم من إلغاء القانون الروماني الذي كان سابقاً يمنع الزيجات المختلطة بين القوط والسكان المحليين في القرن السادس الميلادي (ربما بسبب الفارق بين المذهبين الكاثوليكي والآريوسي) فقد باءت كل المحاولات لدمج القوط بالسكان الأصليين للوصول إلى نوع من الوحدة الثقافية والسياسية إلى فشل مريع، ومن الدلائل على ذلك الارتياح الكبير لدى الأهالي لعودة السلطة البيزنطية في القرن السادس الميلادي في الجنوب الشرقي من البلاد.

لكن أهم محاولة بذلها القوط للتقرب من الشعب الإيبري كانت في تغيير مذهبهم المسيحي من الأريوسية للكاثوليكية التي كانت مذهب المسيحيين الإيبريين على يد ريكارد (586-601) الذي أعلن التحول التام نحو الكاثوليكية, وبعد أن تبعه النبلاء القوط ورؤساء الكنائس فقد أزيلت عقبة كأداء أمام تقارب القوط مع الإيبريين؛ وبفضل ذلك وبسبب فقدان أمل الإيبريين في تمكن الامبراطورية البيزنطية من دعم وجودها العسكري فقد استطاع سوينثيلا الملك القوطي (621-631) أن يوسع هيمنة القوط على شبه الجزيرة ويضم بعض المناطق التي كانت ما تزال خاضعة للسيطرة البيزنطية في الشرق والجنوب .

بالتالي يمكن اعتبار أن النصف الثاني من القرن السادس الميلادي وربما أواخره أيضاً شهد تحول الوجود القوطي إلى كيان سياسي يضم معظم شبه الجزيرة الإيبرية وتشكل المملكة القوطية بمؤسساتها الأكثر استقرارا.

ومثلما كان التحول القوطي نحو الكاثوليكية مؤشراً لغلبة الحضارة الإيبرية- الرومانية, فقد تُمثل مؤشر آخر لغلبة تلك الحضارة في المكانة التي احتلها الأساقفة الكاثوليك إلى جانب المؤسسة الملكية القوطية .

اتبع ملوك القوط التقاليد البيزنطية في احتفاظ الملك بحق تعيين الأساقفة والذين كانوا يمثلون أغلبية الشعب أو يدعون تمثيله وفي تسميتهم إلى مجالس العاصمة “طليطلة”, ورغم كون الطابع الأصلي لتلك المجالس هو الطابع الديني- الكنسي فقد كان لهم تأثير استثنائي على القرارات الحكومية . ترافق تمركز السلطة في العاصمة وفي المؤسسة الملكية مع غياب الاستقلال الإداري للمقاطعات, وهناك دلائل على انخفاض إلى الحد الأدنى في النشاط الزراعي وتربية الماشية واللذين كانا ركنين أساسيين في الاقتصاد.

وفي عام 654م أصدر الملك ريكيوسوينث كوداً للقانون يماثل في شكله ومضمونه القانون الروماني, مع بعض التعديلات المستمدة من التقاليد الجرمانية ومنها تحديد براءة الانسان من ذنب معين بتعريضه لمحنة الماء البارد.

تميزت الفترة الأخيرة للقوط في إيبريا باضطراب سياسي أواخر القرن السابع الميلادي, وأحد أسباب ذلك الاضطراب يعود إلى تضارب طرق انتقال السلطة بين الملوك, ففي حين بذلت محاولات للوصول إلى تشريع انتقال السلطة من الملك المتوفى إلى أبنائه لكن تلك المحاولات لم تصمد أمام المجلسين اللذين هما قاعدة المؤسسة الملكية القوطية, مجلس النبلاء ومجلس الأساقفة, وقد عُرف عن القوط قتل ملوكهم والتآمر عليهم, لكن عوامل أخرى لا بد أنها لعبت دوراً في انحلال الدولة القوطية وقد سبق الاشارة للانحدار الكبير في اقتصاد البلاد في تلك الفترة .

وفدَ القوط لشبه الجزيرة كمحاربين برابرة, وبقوا معظم فترة سيطرتهم من القرن الخامس حتى القرن السابع قوة عسكرية أجنبية بعيدة عن ثقافة البلاد وحضارتها ودينها وتقاليدها, فأصولهم الجرمانية وديانتهم الأريوسية ومستواهم الحضاري المتدني ولغتهم القوطية وأعدادهم القليلة التي لم تتجاوز نسبة 3% من السكان كل ذلك لم يساعدهم على الاندماج الحضاري مع السكان الأصليين . رغم سيطرتهم العسكرية . ويمكن النظر  للخمسين عاماً الأخيرة في حكمهم كفترة ذهبية بعد تحولهم للكاثوليكية, وتبنيهم للأنظمة والقوانين الرومانية, واستكمالهم بناء المؤسسة الملكية بإعطاء السكان الأصليين قدراً من السلطة من خلال مجلس الأساقفة.

لكن يبدو أن تلك الانجازات لم تكن كافية لردم الهوة بينهم وبين السكان الأصليين, كما أن طبقة النبلاء كانت مكروهة بصورة خاصة لاستيلائها على الأراضي الزراعية وتحويل قسم من السكان إلى عبيد أو أقنان في مزارعهم . كما يبدو أن القوط فشلوا في إدارة البلاد إدارة تشجع النمو الاقتصادي في حقول الزراعة وتربية الحيوان والتجارة .

وباختصار, فلا يمكن تفسير السهولة التي جرى بها تحطيم دولتهم على يد العرب المسلمين بعد العام 711م, وانهيار مقاومتهم دفعة واحدة, وتلاشي نفوذهم السياسي وولاء الشعب لهم, وكأن المحيط قد ابتلعهم بموجة واحدة, سوى بأنهم لم يكونوا سوى قشرة عسكرية فوق البنية الاجتماعية والحضارية للمجتمع .

لكن لا بد لنا في المقابل أن نذكر أن بعض المؤرخين والموسوعيين في هسبانيا القرون الوسطى مثل القديس ايسيدور الاشبيلي الذي ولد في قرطاجنة وعاش بين (560-636)م . يعطي للقوط قيمة أكثر تقديراً, وبصورة خاصة فهو يثمن جهدهم في توحيد هسبانيا الممزقة, وبناء الدولة المركزية لأول مرة منذ عهد طويل؛ على أن شهادته تلك يمكن الطعن فيها بسبب تاريخه الشخصي القريب من ملوك وأمراء القوط على أية حال .

وتظهر آثار تقرب ايسيدور الاشبيلي من المؤسسة الحاكمة وتحول الكنيسة الكاثوليكية إلى شريك في السلطة والثروة بامتلاكها القصور والأراضي واستغلال قوة الأرقاء بموقفه من العبودية والذي يناقض فيه روح المسيحية الإنساني, وقد كتب عنه المؤرخ الهولندي دوزي: “أقول إن هذا القسيس اقتبس مبادئ حكيمي العصر القديم أرسطو وشيشرون فقد قال الفيلسوف اليوناني: إن الطبيعة خلقت البعض ليحكموا وخلقت الآخرين لطاعتهم؛ كما قال الفيلسوف الروماني: ليس من الظلم أن يقوم بالخدمة قومٌ لا يعرفون كيف يحكمون أنفسهم.. وجاء نفس الشيء على لسان “ايسودور الاشبيلي“(6). وبالطبع فإن ذلك  يناقض تماماً روح المسيحية التي ترى أن الجميع متساوون أمام الله .

في كتابه “إسبانيا تاريخ فريد” فإن ستانلي .ج. باين المؤرخ الأمريكي يقول ما يلي: “ما يميز النظرة المعتادة بصورة عامة للملامح الرئيسية للتاريخ الإسباني أنه سلبي وجدلي أكثر من تاريخ أي بلد أوربي, ويبدأ ذلك من تقييم القوطيين, الذين اعتُبِروا دائماً ميالين للانقسام على أنفسهم, ولا يتصفون بالحكمة, وأن انحدارهم كان سريعاً, لقد ظهرت ممالكهم في العصور الوسطى هشة البنيان, ورجعية, كما أن حروب الاسترداد يعتريها الكثير من الشكوك, كما تحتمل الجدل, وقد تأخرت كثيراً” .

ويتبن مما سبق مدى التغير الذي طرأ على الفهم  الغربي التقليدي للتاريخ الإسباني وللمرحلة القوطية خلال النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم .

الفتح العربي- الإسلامي (أسلمة الأندلس وتعريبه):

بعد فتح الأندلس تلاشت كل مظاهر الدولة القوطية خلال فترة قصيرة لا تتجاوز ستة سنوات, وانسحبت النخب القوطية العسكرية والأرستقراطية والدينية نحو أقصى الشمال في أستورياس الجبلية الوعرة والتي تحيط بها أراض جرداء قليلة السكان وشبه معزولة وتمكنت هناك من البقاء وتأسيس كيان مستقل بفضل الطبيعة الصعبة للإقليم وابتعاده عن المدن الرئيسية في اسبانيا وافتقاره لأي إغراء باستمرار القتال لأجل السيطرة عليه. أما بقية الأندلس فقد انتشر فيها الإسلام انتشار النار في الهشيم, ولم تمض سنوات قليلة حتى أصبحت غالبية السكان الكبرى معتنقة للإسلام دون إكراه .

كتب السير توماس أرنولد في كتابه “بحث في تاريخ نشر العقيدة الاسلامية” يتحدث عن تسامح العرب المسلمين بعد فتح الأندلس :”أما عن حمل الناس على الدخول في الاسلام, أو اضطهادهم بأي وسيلة من وسائل الاضطهاد, في الأيام الأولى التي أعقبت الفتح العربي, فإننا لا نسمع عن ذلك شيئاً, وفي الحق فإن سياسة التسامح الديني التي أظهرها هؤلاء الفاتحون نحو الديانة المسيحية كان لها أكبر الأثر في تسهيل استيلائهم على هذه البلاد, وإن الشكوى الوحيدة التي شكى منها المسيحيون هي فرض الجزية عليهم, والتي كانت تبلغ 48 درهما عن الأغنياء, و24 درهما عن الطبقة الوسطى, و12 درهما عن العمال مقابل اعفائهم من الخدمة العسكرية, على أن هذه الجزية لم تفرض إلا على القادرين من الرجال, في حين أعفي منها النساء والأطفال والرهبان والمقعدون والعميان والمساكين والمرضى والأرقاء, مع العلم بأن الموظفين المكلفين بجمع الضرائب كانوا من المسيحيين أنفسهم مما خفف وطأتها على الناس”(7) .

لعل أول الداخلين للإسلام بعد الفتح الاسلامي كانت طبقة الأرقاء أملا في تغير أوضاعهم البائسة, فتحولهم للإسلام في ظل دولة مسلمة كان يعني تغيراً نوعياً في وضعهم الطبقي والإنساني وعلاقتهم بأسيادهم المسيحيين, ويبدو أن تلك الطبقة كانت تضم عدداً هاماً نسبياً من السكان وقسم منها كان لايزال وثنياً, فالرومان لم يسعوا قط لفرض المسيحية على السكان بل ربما دخلت المسيحية إسبانيا قبل سيطرة الرومان عليها وانتشرت فيها على يد المسيحيين الأوائل إلى جانب العقائد القديمة المرتبطة بالفينيقيين واليونان .

ومن أجل تصور مدى الاضطهاد والظلم الذي كان يحيق بطبقة الأرقاء أستعير هنا فقرة للمؤرخ الهولندي المشهور دوزي في وصفه لحياة طبقة الرقيق في عصر القوط: “.. يستحيل على العبد أو القن أن يتزوج دون رضى مولاه, ويبطل زواجه إن تم بغير الحصول على موافقة سيده, ويحال بينه وبين امرأته بالقوة, وإذا اقترن أحد الأرقاء بامرأة في خدمة سيد آخر, تقاسم السيدان بالتساوي الأولاد الناتجين عن هذا الزواج, وكان قانون القوط الغربيين في هذه الأحوال أقل إنسانية من قانون الامبراطورية الرومانية, ذلك أن الامبراطور قسطنطين الأول حرم فصل النساء عن أزواجهن, والأولاد عن أبويهم والأخوة عن أخواتهم, وعلى وجه العموم , فليس يخامر أحدا الشك في أن وضع طبقة الرقيق لم يكن محتملا أيام القوط, ويتجلى ذلك عندما يتأمل الانسان قوانينهم الفظة تجاه العبيد”(8).

كما انتقلت للإسلام بسرعة أيضاً فئة من أشراف المسيحيين سواء عن قناعة أو ربما لتضمن الحفاظ على مصالحها بالتقرب من السلطة الحاكمة. ويذكر المؤرخون وجود المذهب المسيحي الآريوسي في إسبانيا قبل الفتح الإسلامي وتأثيره الفكري كعامل سهل التحول نحو الإسلام , فالمذهب الأريوسي لا يؤمن بأن المسيح ابن حقيقي لله بل كما يقال ابن بالتبني بمعنى أنه إنسان اختاره الله ليكون بمثابة ابن له وذلك يقترب من الفكرة الإسلامية عن المسيح .

ويستفاد من الروايات التاريخية أن رجال الدين المسيحيين كانوا يشتكون من تفشي الانحلال الخلقي خاصة عند الطبقة القوطية الحاكمة وانغماسها في الترف والمتع المادية مقابل معاناة الطبقات الوسطى والفقيرة والأرقاء من الاستغلال والأوضاع الاقتصادية الصعبة . ولعلهم وجدوا في الإسلام والمسلمين نافذة خلاص لهم, ومما يدعم ذلك الرأي الاستقرار الواضح للحكم العربي- الإسلامي, يقول سير أرنولد توماس: “ومن الثابت لدينا أن هؤلاء المسيحيين الذين مالوا للصلح ورضوا عن طيب خاطر بحرمانهم ما كانوا يتمتعون به من نفوذ سياسي وسلطة, لم يكن ثمة ما يدعوهم للشكوى, حتى إننا لم نسمع خلال  القرن الثامن الميلادي كله إلا عن محاولة واحدة للثورة من جانب هؤلاء المسيحيين المقيمين بمدينة باجة, ويظهر أنهم انضووا في ثورتهم هذه تحت لواء رئيس عربي” وتبدو الإشارة هنا الى ثورة علاء بن المغيث الذي أرسله العباسيون لتقويض سلطة عبد الرحمن الداخل عام 146 وكان عاملاً على مدينة باجة ومن الواضح أن ذلك التمرد كان عملاً سياسياً بالدرجة الأولى ولا يمكن النظر إليه كتعبير عن ثورة مسيحية خاصة مع وجود علاء بن المغيث على راس ذلك التمرد مع جيشه العباسي .

وما يستحق الوقوف عنده هو الحجم الصغير للقوى العسكرية العربية- الإسلامية التي سيطرت على شبه الجزيرة الإيبرية فعند الفتح كانت حوالي 12000 مقاتل فقط وربما زاد عددها بعد ذلك لكنها لم تصل في السنوات الأولى لأكثر من 30 الف مقاتل كان مطلوباً منها السيطرة على مساحة حوالي 600000 كم2 بوجود بضعة ملايين من السكان في حين قُدر جيش القوط بقيادة لذريق الذي واجه طارق بن زياد قرب نهر برباط (Barbate) وفق المصادر العربية بمئة الف رجل بينما تشكك المصادر الغربية بذلك الرقم .

يقول ليفي بروفانسال في كتابه “تاريخ اسبانيا الاسلامية” في معرض حديثه عن الفتح العربي- الاسلامي وتفسيره لذلك الفتح الذي وصف بالمعجزة وعلاقته بالأوضاع الاجتماعية والسياسية لدولة القوط الآتي “وبرغم كل هذا, لا يوجد مثال واحد في التاريخ يخبرنا بأن دولة منظمة قد تركت في استكانة أراضيها تغتصب من قبل بعض فصائل الفرسان الشجاعة, لو كانت تنعم بالصحة وهيكلها سليم معافى, ولحكامها الهيبة والطاعة, فالفتوحات الكبرى قد صادفت دائماً تحللاً سياسياً واجتماعياً للأمم التي هبطت فوقها… وهذا ما حدث بالفعل لإسبانيا القوطية”(9) لكن السيد بروفانسال نسي عاملاً على غاية من الأهمية وهو الفارق السوسيولوجي- الثقافي بين القوط والإيبريين والذي لم يتم اختراقه بسبب انغلاق القوط ولغتهم المختلفة واعتناقهم المذهب الأريوسي معظم فترة حكمهم لإيبريا . وتشبه حالة القوط في إسبانيا من عدة وجوه حالة حكم المماليك في مصر وسورية من سنة 1250م إلي سنة 1517 م. فهم كانوا بالأساس نخباً عسكرية أجنبية عن أهل البلاد استمدت شيئا من الشرعية من خلال المؤسسة الدينية, لكنها بقيت مغلقة على نفسها الى حد كبير, ودعمت وجودها بجالية محدودة العدد من أبناء جنسها أو من عشائر قريبة لها كانت تحيط بها في مراكز الدولة وإداراتها . وحين بدأ الانحلال يصيب تلك الإمارات المملوكية لم تجد الى جانبها الشعب في بلاد الشام أو مصر, بل وقف يتفرج على مصيرها النهائي مستبشراً بالخلاص من فسادها على يد القادم الجديد كما حصل عند دخول سليم الأول العثماني حلب وحماة وغيرها من مدن الشام بعد معركة مرج دابق عام 1516م التي انهزم فيها السلطان قانصوه الغوري آخر حكام المماليك .

ومن المفهوم أن المؤرخين الغربيين يحاولون دائماً التقليل من أثر ذلك الشرخ بين الشعب في إيبريا والدولة القوطية, بل نجد أحياناً شيئاً من التعاطف مع الدولة القوطية, وذلك عائد للدور الذي لعبته طبقة النبلاء القوطية التي انسحبت إلى شمال إيبريا وتحصنت بجبال منطقة اوسترياس والذي يعتبر أن الفضل يعود إليها في بدء المقاومة ضد العرب- المسلمين في الأندلس, وقد مر معنا سابقاً كيف أن بعض المؤرخين الإسبان أو الغربيين المختصين بالتاريخ الإسباني يعتبرون أن منشأ الهوية الإسبانية يعود لفترة الدولة القوطية أولاً ولمرحلة حرب “الاسترداد” ثانياً والتي انطلقت من أستورياس .

كما سبق فقد تم انجاز السيطرة التامة على شبه الجزيرة الإيبرية بحلول العام 716م باستثناء جيوب صغيرة معزولة في الجبال الشمالية, لكن الأمر الأكثر إدهاشا هو تحول الغالبية الساحقة لسكان إيبريا للإسلام دون ممارسة ضغوط بهذا الصدد كما أقر بذلك السير أرنولد توماس, وكما يقول ليفي بروفانسال: “وكما رأينا فيما تقدم, فإن احتلال المسلمين لشبه جزيرة “إيبريا” كان قد اكتمل بالفعل قبل اغتيال عبد العزيز بن موسى بن نصير عام 716م. كما يبدو أيضا أن القسم الأعظم من سكان البلاد ترك المسيحية طواعية وانضوى تحت لواء الاسلام لكي يتمتع بكافة مميزات المسلم وحقوقه, ولهذا فلم يبق للمقاومة سوى جيوب صغيرة لبعض وجهاء مملكة القوط الزائلة”(10) .

والشهادة الثالثة التي تؤكد أن التحول الكبير للسكان نحو الاسلام جرى بإرادتهم الحرة هي ما قاله دوزي: “لم تكن حال النصارى في ظل الحكم الاسلامي شديدة الوطأة إذا هي قورنت بما كانوا عليه من قبل, زد على ذلك أن العرب كانوا شديدي التسامح فلم يضيقوا الخناق قط على أحد من الناحية الدينية, ولم تكن الحكومة تميل الى دفع المسيحيين إلى اعتناق الاسلام, حتى لا يخسر بيت المال الشيء الكثير, ثم إنها لا تعمد لذلك إلا إذا كانت شديدة التعصب, وهو أمر نادر قليل الحدوث, ولم يجحد النصارى جميلها هذا فكانوا راضين عنها لتسامحها واعتدالها, وآثروا حكمها على حكم القبائل الجرمانية والفرنجة, فانعدمت الثورات أو كادت طيلة طوال القرن الثامن للميلاد. وكان الفتح العربي من بعض الوجوه خيراً على إسبانيا فقد أحدث ثورة اجتماعية, وقضى على شطر كبير من المساوئ التي كانت البلاد ترزح تحتها منذ عدة قرون..”(11) أضيف هنا ما ورد في كتاب المؤرخ جوزيف كالاغن “تاريخ اسبانيا العصور الوسطى”: “تحول كثير من المسيحيين في الأندلس- ربما الأغلبية- نحو الاسلام لتأمين أنفسهم وأملاكهم.. وبتحولهم نحو الاسلام فقد أصبحوا هم وأولادهم معفيين من دفع الجزية, رغم أن الحكام المسلمين لم يشجعوا على ذلك التحول كونه يفقدهم المورد المالي العائد للجزية, أما العبيد الأرقاء فقد ربحوا حريتهم بتحولهم نحو الاسلام”. وفي حين أن تحول الإيبريين إلى الإسلام تم سريعاً وفي زمن قصير فقد أصبح من الصعب بعد عدة أجيال التمييز بين أحفادهم وأحفاد المسلمين القادمين من خارج إيبريا .

لا بد من التوقف والتأمل ملياً في مسألة تحول غالبية السكان الأصليين في إيبريا نحو الاسلام, وأول ما يخطر بذهن المرء هو أن قَصْر تفسير ذلك التحول الكبير والسريع نحو الاسلام بالتخلص من الجزية أو الاحتفاظ بالأملاك والمنافع لا يمكن أن يكون مقنعاً تماماً .

نعم يمكن للمرء الاعتقاد أن طبقة الأرقاء تحولت نحو الإسلام لتكسب حريتها, فاكتساب الحرية عامل بغاية الأهمية للإنسان, لكن ماذا عن الطبقات الوسطى التي تشكل قلب المجتمع؟ والتي لم تتعرض لضغوطات تذكر للتحول نحو الإسلام, فمبالغ الجزية المطلوبة منها كانت تافهة قياساً للضرائب التي كانت تدفعها في زمن القوط حيث لا تزيد عن 24 درهماً في السنة للرجل ولا تدفع عن النساء أو الأطفال أو الشيوخ أو العجزة .

إذن فنحن مضطرون لتحليل أعمق لتلك الظاهرة المدهشة في تحول الإيبريين نحو الإسلام والذي تفوق في سرعته وشموله تحول شعوب أخرى نحو الإسلام  كبلاد الشام ومصر وأفريقية وفارس وغيرها .

ومن أجل تقدير سرعة التحول نحو الإسلام في مصر مثلاً, نجد أنه في عهد عثمان بن عفان كان خراج مصر اثني عشر مليون دينار في الفترة بين 23 – 35 للهجرة واستمر ينقص بسبب دخول المصريين في الإسلام حتى عهد عمر بن عبد العزيز في الفترة حوالي العام 100 للهجرة حين أرسل له واليه على مصر يخبره أن الخراج نقص كثيراً ويقترح أن لا توضع الجزية عمن أسلم حديثاً, بالطبع فقد رفض الخليفة التقي ذلك ووبخ واليه قائلاً: “إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً“. والمهم في الموضوع أن تحول المصريين للإسلام استغرق حوالي 60 عاماً أو يزيد بينما لم يستغرق في الأندلس سوى أقل من ذلك بكثير .

فإذا حاولنا البحث عن أسباب أخرى للتحول الشامل والسريع نحو الإسلام وقد كان بالمناسبة تحولاً عميقاً بحيث رصد المؤرخون كيف أن المسلمين الإيبريين الجدد كانوا لا يقِلون في تعلقهم بالإسلام وغيرتهم عليه من المسلمين العرب أو البربر . فيمكن تصور حالة كامنة من الشعور بالاضطهاد والتعسف المرتبط بطبيعة السلطة القوطية التي تقاسمتها الكنيسة الكاثوليكية وطبقة النبلاء, وكما يبدو فإن سلطة الكنيسة الكاثوليكية التي تجسدت بمجلس الأساقفة الذي كان سلطة سياسية موازية لمجلس النبلاء قد وسع ثراء المؤسسة الدينية ومنحها أملاكاً وأراض واسعة بحيث أصبحت تجمع بين السلطة الدينية والسياسية- الاقتصادية وذلك ما خلق نفوراً منها لدى الطبقات المتوسطة والفقيرة حيث تحولت صورتها إلى شريك في الاستغلال والاضطهاد بدل أن تحمل معاني التحرر والإنسانية.

وفي المقابل فسرعان ما لمس الإيبريون طبيعة الإسلام التحررية وانعدام وجود سلطة فيه لرجال الدين, ونظرته الإنسانية للعبيد . أما السبب الآخر الممكن فهو الدافع العميق للإيبريين ذوي الأصول الحضارية المشرقية- السامية لاستعادة هويتهم الحضارية التي عمل الرومان والقوط على طمسها أو تغييرها .

وأياً ما كانت الأسباب فلا بد من النظر لذلك التحول المدهش نحو الإسلام بوصفه أحد أهم العوامل التي حددت الهوية الحضارية الأندلسية .

وأمام هذا التحول الشامل العميق والراسخ والذي امتد لمئات السنين تسقط كل دعاوى “استرداد” إسبانيا كما تسقط ورقة الشجر اليابسة في الخريف, فالإيبريون بقوا في وطنهم وأصبحوا مسلمين أباً عن جد, واختلطوا بالعرب والبربر بصورة تامة وعبر أجيال تلو أجيال فماذا يبقى من مبرر لاقتحام مدنهم وتحريرها من المسلمين ؟

وكأحد الأدلة على تحول الإيبريين الأصليين للإسلام ما جاء في كتاب يرجع تاريخه إلى عام 1311م من أنه لم يكن من بين سكان غرناطة المسلمين البالغ عددهم حوالي مئتي ألف نسمة أكثر من خمسمئة من أصل عربي على حين كان سائر هؤلاء المسلمين من سكان البلاد الإيبريين الأصليين الذين تحولوا للإسلام(12) .

تعريب الأندلس:                                                                                                                

انتشرت اللغة العربية بسرعة أيضاً, ليس فقط بين الإيبريين الذين أسلموا ولكن أيضاً بين الإيبريين الذين احتفظوا بديانتهم المسيحية وكانت تطلق عليهم تسمية “المستعربين” وشيئاً فشيئاً سادت اللغة العربية شبه الجزيرة الإيبرية وأزاحت اللغة اللاتينية نحو الإهمال, حتى أصبح جهل بعض القسيسين باللغة اللاتينية في صلاتهم وخطبهم الدينية مدعاة للسخرية ويُعبر أحد الأساقفة عن شعور المرارة والحزن لانتشار اللغة العربية والثقافة العربية ومباهاة الشباب بها فيقول: “وأسفاه.. لقد جهل المسيحيون نظم شريعتهم.. وأصبحوا لا يعيرون لغتهم اللاتينية أي اهتمام, حتى لا تكاد تجد بين كل ألف رجل رجلاً يستطيع أن يستفسر عن صحة صديقه بعبارات واضحة جلية, بينما تجد بينهم الكثيرين ممن يجيد إجادة تامة عبارات اللغة العربية الفصيحة, حتى لقد استطاعوا أن ينظموا القصائد المقفاة, تلك القصائد التي تتجلى فيها أسمى درجات الجمال, بل لقد أصبح بعضهم أمهر من العرب أنفسهم في نظم الشعر”(13) .

يقول دوزي: هجر أهل إسبانيا اللاتينية, واشتغلوا باللغة العربية وآدابها, وكانوا لا يكتبون بغيرها, حتى إن أحد العلماء المشهورين منهم اشتكى من ذلك (ويقصد الفارو القرطبي) .

ويقول نيكلسون: “في أوائل القرن التاسع الميلادي كانت اللغة العربية هي لغة الوثائق الرسمية, وفي هذا الوقت ترجم قسيس من أهل اشبيلية التوراة إلى اللغة العربية لتلاميذه فغضب منه زميل له واتهمه بنشر اللغة العربية, ودافع القسيس عن نفسه بأن هذه هي الطريقة الوحيدة لتعليم التلاميذ, وقد دامت هذه الحال زمناً طويلاً في قرطبة وطليطلة حتى بعد أن استولى الفونسو السادس عليها عام 1085 م .

واتقان اللغة العربية في الأندلس كان شرطاً لازماً لأي رجل يريد أن يُنظر إليه كمثقف أو عالم أو كاتب أو يعمل بإحدى الوظائف الهامة في الادارة والقضاء, يقول المقري في كتابه “نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب“: “وكل عالم في أي علم لا يكون متمكناً من علم النحو- بحيث لا تخفى عليه الدقائق- فليس عندهم بمستحقٍ للتمييز, ولا سالم من الازدراء, مع أن كلام أهل الأندلس الشائع في الخواص والعوام كثير الإنحراف عما تقتضيه أوضاع العربية” .

ولا بد من التنويه بتطور  لغة دارجة في الأندلس امتزجت فيها العربية مع اللاتينية المحدثة التي تسمى أيضاً الرومانثية ويبدو أنها نتيجة انصهار اللاتينية الأصلية باللغة الإيبرية في الفترة الرومانية لكنها اقتصرت على حديث العوام كما حصل في بلاد الشام ومصر من انتشار اللهجات العامية التي حملت تأثيرات اللغات الأقدم كالسريانية في بلاد الشام والقبطية في مصر، ويُذكر أن بعض الموشحات الأندلسية استُخدمت فيه اللغة الدارجة إلى جانب العربية .

في بادئ الأمر سمي الإيبريون الذين أسلموا بـ المسالمة ومن بقي على دينه من المسيحيين واليهود بـ أهل الذمة, وفي زمن لاحق أصبحت الأجيال من المسالمة بعد اختلاطهم بالعرب والبربر تسمى بـ المولدين .

وانتقلت للمولدين والمستعربين (المسيحيين الإيبريين) كليهما إضافة للّغة العربية العادات والتقاليد العربية واللباس العربي وقد تركزت مجتمعات المستعربين في طليطلة وقرطبة واشبيلية وفي مدن أخرى .

وقد كان معظم أمراء الأندلس من أصل مولد تجري في عروقهم دماء غير عربية وبخاصة الدماء البربرية والإيبرية من جهة الأمهات والجدات, فعبد الرحمن الداخل من أم بربرية تسمى رداح, وابنه هشام من أم ولد (يطلق على ابن الجارية التي أُعتقت أم ولد تميزاً عن الزوجة الحرة بالأصل) تسمى حوراء, والحكم بن هشام من أم ولد تسمى مزنة, وهشام المؤيد بن الحكم المستنصر من أم ولد “بشكنسية” (من الباسك كما يسمى اليوم) تدعى صبح, وغير هؤلاء كثيرون(14) .

لقد كان انتشار الإسلام انتشاراً واسعاً حتى شـمل غالبية السكان, وانتشار اللغة العربية معه وسيادتها, وما رافقهـا من انتشار الأدب والشعر العربي مع العـادات واللباس العربيين يعني في الواقـع تعريب شبه الجزيرة الإيبريـة فليست العروبـة عروبة الـدم والقبيلة لكنهـا عروبة الثقافـة واللغـة, وانخـراط شـعوب متعددة في بوتقــة الحضارة الأندلسـية لـم يُنقص منهـا بل زادها غنى وازدهاراً حتى نافست حضارة المشرق وتفوقت عليها في بعض الجوانب .

هوامش الحلقة الرابعة:

(6) تاريخ مسلمي إسبانيا – دوزي – ص 37

(7) بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية – سير أرنولد توماس – ص 157

 (8) تاريخ إسبانيا الإسلامية من الفتح الى سقوط الخلافة القرطبية – ليفي بروفانس – ص 44

(9) كالسابق – ص – 74

(10) تاريخ مسلمي إسبانيا – دوزي – ص 37

(11) كالسابق – ص 48

(12) بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية – سير أرنولد توماس – ص 169

(13) كالسابق – ص 161

(14) كتاب المجتمع الأندلسي في العصر الأموي – حسين دويدار – ص 43

———————————
يتبع.. الفصل الثالث ( الجزء الأول )

«معقل زهور عدي»: كاتب وباحث عربي سوري