الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

يهود إيران ودولة الخزر.. والخديعة الكبرى

محمود الجاف *

بسم الله الرحمن الرحيم

الخزر: دولة حكمت من القرن السابع إلى الحادي عشر الميلادي . امتدت حدودها من بحيرة وان والبحر الأسود إلى كييف . ومن بحر آرال إلى المجر الشرقية . يرى بعض مؤرخي الاتحاد السوفيتي أنهم من السكان الأصليين لشمال القوقاز لأنهم ذُكروا في السجلات باسم الإيجور البيض وفي المصادر المجرية باسم الإيجور السود . ويقول المؤرخ اليوناني تيوفان بأنهم من الأتراك القادمين من الشرق . ويرى ابن حوقل والإصطخري أن الاسم كان لدولة عاصمتها اتيل وليس لشعب .

بعد إسقاط الإمبراطورية الفارسية تحرك المُسلمون باتجاه القوقاز وبدأت المواجهات بينهم وبين الخزر وكان أول هجوم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب عام 651- 652م بقيادة عبد الرحمن بن ربيعة الذي استولى على مدينة دربنت لكنهم استعادوها بعد ذلك وقتلوا حوالي 40 ألف جندي مسلم . ونقلوا عاصمتهم إلى اتيل وتقدموا نحو الجنوب ودخلوا أرمينيا . ولم تستطع إمبراطورية بلغاريا الكبرى مواجهتهم وإعاقة تقدمهم فوصلوا إلى سهول نهر دنيبر وأغلقوا الطريق في وجه المُسلمين المُتقدمين إلى القوقاز واستولوا على القرم وسيطروا على منطقة بحر آزوف . وبعد استشهاد الخليفة عُثمان بن عفان وتولي سيدنا علي بن أبي طالب توقفت المُواجهات .

وفي عام 731 م هاجم حوالي 300 ألف مقاتل منطقة أذربيجان تحت قيادة بارجليم ابن خاقان الخزر الذي اقتحم مضيق داريل (حاليا نقطة بين حدود جمهوريات أنغوشيا وأوسيتيا الشمالية وجورجيا) وعبر الران حتى وصل إلى إقليم أذربيجان شمال إيران الحالية وكان الوالي هو الجراح بن عبد الله الحكمي ومعه 25 ألف مُقاتل فقط . لكنهُ قرر مُواجهتهُم في معركة غير مُتكافئة قرب أردبيل استمرت يومين أبيدت فيها القوات الإسلامية وفي اليوم الثالث استشهد الجراح وقطع القائد الخزري رأسهُ ورفعهُ على رُمح ودخلوا المدينة وقتلوا من فيها ثم انطلقت وحدات للقيام بغارات وصلت إلى مُحيط الموصل فتصدى لهم المُسلمون بقيادة سعيد بن عمرو الحرشي وأعادوهم إلى حدودهم مرة أخرى . وفي عام 732-733 م عُين مروان بن محمد على ولاية أرمينيا وأذربيجان فحقق المسلمون الانتصارات وحطموا جيش الخزر وطلب الخاقان السلام مُقابل الاحتفاظ بعرشه كما وعد باعتناق الإسلام ولكنهُ ارتد فيما بعد .

في كتابها دولة خزاريا المخفية قالت الكاتبة تاتيانا غراتشوفا المسؤولة في قسم الأبحاث السياسيّة في أكاديمية العلوم العسكرية لقيادة الأركان العامّة في الجيش الروسي . والحائزة على شهادة الدكتوراه في العلوم العسكرية ولها العديد من الكتب والبحوث حول الأمن القوميّ وكيفية تطويره . ذكرت: أن الأبحاث الجينية التي تم إجراؤها على كروموسومات واي الخاصة بيهود الأشكيناز عام 1999م أظهرت أن بنية الأحماض النووية للغالبية العظمى هي لليهود المتأصلين من بني إسرائيل وقلة قليلة لبنية الخزر . التي كان قد دخلها عدد من التجار اليهود الإيرانيين بزعامة الحاخام عبادي ونجحوا في إقناع حاكمها باعتناق اليهودية وإعلانها الدين الرسمي للبلاد بدل المسيحية والإسلام حتى لا تكون تبعيته للدولة العباسية في بغداد أو القيصر البيزنطي فاعتناق اليهودية سيبقيه مُستقلًّا دون تبعية لأحد . لكن الحاخام رفض اعتناق جميع السكان لها وجعلها حكراً على طبقة النبلاء من كبار التجار وقادة الجيش ووجهاء القوم وشكّلوا مجلساً استشارياً يتمتع بالسلطتين التشريعية والتنفيذية يرأسهُ أحدهُم ليتحوّل الخاقان إلى ألعوبة بأيديهم . لقد حكموا بطريقة وحشية لم يعرف التاريخ مثيلا لها وقمعوا بشدة ودموية أيّ ثورة مطالبة بالحدّ من هيمنتهم ومع الزمن أصبح المُجتمع يتألف من عدة طبقات:

الأولى: الطبقة الحاكمة من اليهود الإيرانيين الغرباء والخاقان الخزريّ وحاشيته . والثانية: من الذين ولدوا من أم يهودية إيرانية وأبٍ خزريٍّ وشكّلوا كبار ضباط الجيش وموظفي الدولة . أما الطبقة الثالثة: فهم من الذين ينتمون لأبٍ يهوديّ وأمٍ خزرية واعتبروا يهوداً من الدرجة الثانية وعملوا كضبّاطٍ ميدانيين صغار وشغلوا الوظائف الحكومية المتواضعة . أما الرابعة: فهم عامّة الشعب الخزري والمقيمون فيه من المُسلمين والمسيحيين الشرقيين والوثنيين . ويُؤكّد العالم السوفييتي غوميلوف أنهُم استطاعوا فرض سيطرتهم بتأجيج الخلافات الدينية والعرقية بين الطوائف .

لقد كان موقع خزاريا استراتيجياً فهو الطريق الذي يصل الصين بآسيا الوسطى وسيبيريا بالشرق العربيّ الإسلاميّ من جهة وببيزنطة وأوروبا الشرقية من جهة أخرى الأمر الذي سهّل السيطرة على تجارة الحرير والفرو إذ كان حُكامها اليهود يجبون ضريبة المرور على كلّ قافلة تمرّ مُقابل حمايتها من هجمات القبائل التي كانت تعيش في المنطقة . ولهذا استطاعوا جمع أموال طائلة والكثير من الذهب واستمرّ الوضع على هذا الحال حتى هاجمهُم الروس عام 965م بقيادة سفيتيسلاف ونهبو مدينة ايتيل وسبَوْا أهلها ليظهر اليهود بعد ذلك في أوروبا: بولونيا وهنغاريا ومنها إلى ألمانيا وسائر دول أوروبا الشرقية والوسطى . لكن اللافت للنظر أنّ يهود الطبقة الحاكمة اختفوا مع الكنوز التي جمعوها قبيل سقوطها . وحسب المراجع الروسية القديمة: عندما دخلوا عاصمة خزاريا لم يجدوا فيها أحداً من حكامها أو شيئاً في الخزينة .

والطبقة الثانية من السكان فقد سمحت لهم إمكاناتهم المادية وثقافتهم أن يعيشوا في المجتمعات الأوروبية بعد اعتناقهم المسيحية ظاهرياً لأنهم كانوا بحاجة لهم ولأموالهم فيما لم تتمكن الطبقة الثالثة من الاندماج إمّا لرفض يهود الطبقة الثانية أو لأنّ الأوروبيين رفضوهم بسبب فقرهم وجهلهم وعدم الحاجة لهم ما أدى إلى عيشهم في كانتونات خاصة بهم وكانوا لا يتزوجون إلا من بعضهم ولم يُسمح لهم بدخول المدن الأوروبية الكبرى وأقيمت بحقهم مذابح عدّة بعد أن ثارت الشعوب عليهم وتلك الطبقة بالتحديد هي التي عملت الحركة الصهيونية على تهجيرها إلى فلسطين ولذلك نجد معالم وجوههم تختلف عن اليهود الساميين وهم أشبه بالقوقازيين وبسكان حوض بحر قزوين كالداغستانيين والأذريين وغيرهم .

لقد أكدت الكاتبة على أن الطبقة الحاكمة غادرت خزاريا بأموالها مُعتمدة بذلك على مراجع تاريخيّة تؤكّد أنّهم أنشأوا شركات هيمنت على التجارة في البحر المتوسط ثمّ انتقلوا إلى إسبانيا ودعموا الأمراء مادّياً في حروبهم ضدّ المسلمين في الأندلس والبحّارة الإسبان والبرتغاليين في رحلاتهم البحرية . وتؤكد أنَّهم كان لهم نفوذ سريّ واسع رغم المُحاكمات الدينية المرعبة التي جرت بحقّ المسلمين . وبعد بزوغ فجر إنكلترا كدولة مُهيمنة على التجارة الدولية انتقلوا إليها وأسّسوا بنك إنكلترا المركزي الذي جمع فيه مُعظم احتياط العالم من الذهب وسيطروا عليه .

وفي أواسط القرن التاسع عشر ركّزوا نشاطهُم على الولايات المُتحدة ثمّ نقلوا أموالهم إليها أوائل القرن العشرين وأسّسوا الخزينة الفدرالية تحت إدارتهم وتؤكّد الكاتبة أنّ أيّ رئيس أميركي حاول إعادتها إلى يد الدولة اغتيل أو عُزِل عن الحكم ثم عملوا فيما بعد على تأسيس الحكومة العالمية السريّة التي تحكم العالم حالياً . وتشرح مُستندةً إلى وثائق تاريخية وملفّات رُفعت عنها السرية كيف عمل أحفاد حكّام خزاريا على تأسيس الحركة الصهيونية وكيف اشترَوا قادة الدول الكبرى حينها للموافقة على نقل اليهود من أوروبا إلى فلسطين وكيف تعاملت البنوك الدولية التابعة لها مع الفاشيين في ألمانيا وموّلت حملة هتلر الانتخابية وأوصلتهُ إلى الحكم عام 1933م وتذكر حقائق تؤكّد دفعهم الأموال ليقوموا بمجازر ضد اليهود (الذين ليسوا يهوداً حقيقيين بمفهومهم إنّما من أم خزرية وأب يهوديّ ) في أوروبا لإجبارهم على الهجرة ووثقت جميع تلك المعلومات بمصادر تاريخية مع أسماء الأشخاص الذين نسّقوا بين جميع الجهات . وأكدت أنّ الولايات المُتحدة هي دولة خزاريا الثانية المخفيّة ويحكُمها أحفادهم سرّاً وتتعدد الأساليب التي يستخدموها حالياً لإخضاع الحكومات التي ترفض أن تكون جزءاً من إمبراطوريتهم ودأبوا على إغرائها بمشاريع اقتصادية كبيرة تستوجب أموالاً طائلةً يمكن الحصول عليها من صندوق النقد الدولي التابع للخزينة الفدرالية الأميركية وهذا يعني تبعيتها الاقتصادية للولايات المُتحدة .

أمّا إذا رفضوا تلك العروض فتُشنّ عليهم حملات إعلامية تتهمهُم بالدكتاتورية والفاشية لتفرض عليهم عقوبات اقتصادية وتزعزع الوضع الداخلي عن طريق تنظيم الثورات التي تُؤدي إلى اندلاع حُروب أهلية تمزّقها وتطيح بحكامها كما يجري في العالم العربي . أو كما جرى في روسيا بداية القرن العشرين حيث عملت البنوك اليهودية الموجودة في بريطانيا وأمريكا على تمويل الأحزاب الروسيّة المعارضة للقيصر بهدف الإطاحة به وأدى في النهاية إلى نشوب حرب أهلية دمّرت البلاد وانهيار الإمبراطورية الروسية المنافس الأكبر لهم في حينها . وفي حال لم تنجح في إحكام سيطرتها بتلك الوسائل فإنها تلجأ إلى تدمير المُجتمعات بنشر الدعارة والمُخدرات وتدمير الحضارات والعمل على محو الثقافة الوطنية حتى تنهار فكريًا وبالتالي تسهل السيطرة عليها وضمها إليهم كما حدث مع الاتحاد السوفييتي الذي لم يستطيعوا القضاء عليه عسكرياً ولا السيطرة عليه اقتصادياً فدمروا
مُجتمعه ما أدى إلى انهياره .

كما ذكرنا فإن الطبقة الحاكمة من اليهود في دولة الخزر غادروا مع أموالهم وأنشأوا شركات هيمنت على التجارة في البحر المُتوسط ثُمّ انتقلوا إلى إسبانيا ودعموا أمرائها مادّياً في حُروبهم ضدّ المُسلمين في الأندلس والبُرتغاليين في رحلاتهم البحرية . وأسّسوا بنك إنكلترا بعد أن انتقلوا إليها اثر هيمنتها على التجارة الدولية وجمعوا فيه مُعظم احتياط العالم من الذهب . وبعدها نقلوه إلى الولايات المُتحدة أوائل القرن العشرين وأسّسوا الخزينة الفدرالية تحت إدارتهم . وإذا حاول أيّ رئيس إعادتها إلى يد الدولة يتم تصفيته أو عزله عن الحكم . لقد عمل أحفادهُم على تأسيس الحركة الصهيونية واشترَوا قادة الدول الكبرى من اجل نقل اليهود من أوروبا إلى فلسطين وتعاملت البنوك الدولية التابعة لهم مع الفاشيين في ألمانيا وموّلت حملة هتلر الانتخابية وأوصلتهُ إلى الحكم عام 1933م ودفعوا الأموال ليقوموا بمجازر ضد اليهود (الذين ليسوا يهودًا حقيقيين بمفهومهم إنّما من أم خزرية وأب يهوديّ ) في أوروبا لإجبارهم على الهجرة . ولأن الولايات المُتحدة الآن هي دولة خزاريا المخفيّة التي يحكُموها سرًّا تعددت الأساليب التي يستخدموها لإخضاع الحكومات التي ترفض أن تكون جزءًا من إمبراطوريتهم ودأبوا على إغرائها بمشاريع اقتصادية كبيرة تستوجب أموالًا طائلةً يمكن الحصول عليها من صندوق النقد الدولي وهذا يعني تبعيتها للولايات المُتحدة . وإذا رفضوا شنوا عليهم حملات إعلامية واتهموهم بالدكتاتورية وفرضوا عليهم عقوبات اقتصادية من أجل زعزعة الوضع الداخلي ودعم الثورات التي تُؤدي إلى حُروب أهلية تمزّقها وتطيح بحكامها كما جرى في العالم العربي .

وحين تخطَّت المسيحية النطاق لجأوا إلى تمزيقها بالتظاهر باعتناقها فقد كتب شامور حاخام اليهود في مدينة أرل . إلى المجمع اليهودي العالي في الأستانة يَستشيره في مشكلة الفرنسيين في مدن أكس وأرل ومرسيليا الذين يُهدِّدون معابدهم فكان الجواب « أيها الإخوة الأعزاء بموسى: تلقَّينا كتابَكم الذي تُطلِعونا فيه على ما تُقاسونه مِن الهموم والبلايا وكان وقع هذا الخبر شديد الوطأة علينا وإليكم رأي الحكام والربانيِّون بمُقتضى قولكم: إن ملك فرنسا يُجبركُم على اعتناق المسيحية فافعلوا ولا يَسعكم أن تُقاوِموا ولكن يجب أن تُبقوا شريعة موسى راسِخة في قلوبكم، وذكرتُم: أنهم يأمروكُم بالتجرُّد عن أملاككم فاجعلوا أولادكُم تجاراً ليتمكَّنوا رويداً رويداً مِن تجريدهم من أملاكهم . وتقولون أنهم يعتدَّون على حياتكم فاجعلوا أولادكم أطباء وصيادلة ليَحرِموهم من حياتهم، وقلتم: إنهم يَهدِمون معابدكم فاجعلوا أولادكم كهنة وأكليريكيين ليهدموا كنائسهم، وذكرتم: أنهم يَعتدون عليكم فاجعلوا أولادكم وكلاء دَعاوى وكُتَاب عدل حتى تستولوا على زمام السلطة وبذلك يتسنى لكم الانتقام . سيروا بموجب أَمرِنا هذا وتعلموا من ذُلِّكم وضعفكُم حتى تصلون إلى ذروة القوة العُظمى ». في 21 نوفمبر 1489م كاسلو . التوقيع : v.s.s.v.F.F. )

هكذا بذروا في المسيحية عوامل ضعفها وعلَّموهم القسوة والوحشية بأصولها الموجودة في التوراة والتلمود مع أنهم يؤمنون بأن (مَن ضرَبك على خدِّك الأيمَن فأدرْ له خدَّك الأيسر ومَن سخَّرك ميلاً فامشِ معه مِيلينِ) وعلَّموهم الحقد وحبَّ الانتقام مع أنهم يدعون إلى المحبة والخير وفيها (أَحبُّوا أعداءكم وأَحسِنوا إلى مُبغضيكم) وعلَّموهم الجشَعَ والطمعَ والربا وفنون جَمعِ المال بالطرُق الغير مَشروعة وفي أعلى هيئة دينية في الكنيسة وهي الصرح البابوي ولم تكن فكرة صُكوك الغفران إلا فتنة لعبوها ولَبسوا مسوح الرهبان وشرعوا في رسم خطط تخريبها بعد أن تولّوا أعلى المناصِب الكهنوتية فلم يكن من تعاليمها أن يَبيع البابا الصكوك كما تُباع أسهم الشركات التجارية فهي ليسَت سوى مُستندات مالية مُعجَّلة الثمن مؤجَّلة التسليم تُباع في بورصة الأطماع والشهوات ولعبة لإفساد الناس لأن مَن اشترى الجنَّة بغفران ما تقدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر لا يتورَّع عن ارتكاب أكبر المعاصي والذنوب . واليهود هُم الذين بثُّوا في الأديان أن على المرء أن يُخطئ حتى يتمكَّن من طلب غفران الله . وانتشرت هذه الفكرة عند التشيع الصفوي فهم يدَّعون أن مُواليهم تُغفر جميع خطاياهُم مهما ارتكبوا من معاصي .

وتبدو رُوح اليهودية التجارية واضِحة حين تقرأ صيغة الصك الذي كان مِن أهمِّ عوامل انقسام الكنيسة في القرن الخامس عشر . يقول (ربنا يَسوع المسيح يرحمك يا . فلان . ويُحلِّل باستحقاقات آلامه الكلية القداسة وأنا بالسلطان الرسولي المُعطى لي أُحلِّك من جميع القصاصات والأحكام والطائلات الكنسية التي استوجَبتها وجميع الإفراط والخطايا والذنوب التي ارتكبتَها مهما كانت عظيمة وفظيعة ومِن كلِّ عِلة وإن كانت محفوظة لأبينا الأقدس البابا والكرسي الرسولي وأمحو جميع أقذار الذنب وكل علامات الملامة التي جلبتَها على نفسك وأرفع القصاصات التي كنت تَلتزم بمُكابدتها وأردُّك حديثًا إلى الشركة في أسرار الكنيسة وأقرنك في شركة القدِّيسين وأردُّك ثانية إلى الطهارة والبرِّ اللذَين كانا لك عند معموديتك حتى إنهُ في ساعة الموت يُغلَق أمامك الباب الذي يَدخُل منهُ الخُطاة إلى محل العذاب والعقاب ويُفتح الباب الذي يُؤدي إلى فردوس الفرح وإن لم تمتْ سنين طويلة فهذه النعمة تَبقى غير مُتغيِّرة حتى تأتيك ساعتك الأخيرة باسم الآب والابن والروح القدس) وقد فعل الخميني نفس الفكرة حيثُ منح مُعتنقي أفكاره ما يسمى مفتاح الجنة .

شرَعوا في محاربة كنيسة روما وإبراز العهد القديم الذي كان حبيس الأديرة والصوامع ولا يَطَّلع عليه إلا قِلَّة مِن رجال الأكليروس الذين يَعرفون العبرية واللاتينية . كما تظاهرت جماعة شهود يهوه بالمسيحيَّة فلبسوا مسوح الرهبان أو كما فعل الدونمة بالإسلام وارتدوا العمامة والجبَّة والقفطان . والدونمة: (هي طائفة من اليهود من أتباع سباتاي زيفي المولود في يوليو 1626م في مدينة أزمير من أبوين يهوديين مُهاجرين من إسبانيا وادعى أنه المسيح لكنه أسلم بعد أن قُبض عليه في عهد السلطان محمد الرابع فتبعه قسم من الذين عرفوا لاحقاً بالسبتيين أو Dönmeh: تزامن ذلك مع أوقات حرجة كانت تمر بها الدولة العثمانية واليهود مُضطهدون وكبرت في أذهانهم دعوى المسيح المُنتظر حتى أنّ كهنتهُم يعتقدون بظُهور المُخلِص . وأخذ يضفي لنفسه ألقابا مثل: ابن الله البكر . أبوكم إسرائيل! وألغى الدعاء للخليفة وأمر بالدعاء له كملك لليهود) . إن جلَّ المذاهب والفِرَق نشأت في أحضانهم بفعل يهود متمسِّحين أو مسيحيِّين مُتهوِّدين وكلاهما يُؤمن بالتوراة قبل الإنجيل . واستشرى الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت يُغذِّيه مكر اليهود وعَطفُهم على البروتستانت الذين آمنوا بنبوءات التوراة المزيَّفة ونشَروها ووقعت الحروب وابتلعَت أكثر مِن نصفِ مليون مسيحي .

إن اليهودي لا يغيِّر دينَه مهما تظاهَر بعكس ذلك وخير مثال هو اللورد بيكونسفيلد الذي اعتنق المسيحيَّة ووصل إلى منصب رئيس الوزراء البريطاني زمن الملكة فكتوريا عام 1875م وخدم اليهود وقال عنهم في مقالٍ نشره بكتاب حياة لورد جورج بنتنك سنة 1852م (شعب الله يتعاون مع الكفَرة المُلحِدين وهم أمهر الناس في جمع المال ويتحالَفون مع الشيوعيِّين . الجنس المُختار يُصافِح يد الجنس الواطي مِن حثالات البشر وكل ذلك مِن أجل تحطيم المسيحية الناكرة للجميل والتي تَدين لليهود حتى باسمها ولم يعد بالإمكان تحمُّل طغيانها) وفي كتاب حقيقة بروتوكولات صهيون صور الكاتب السلافي غويغوري بوستونيش الأفعى الشيطانية الرمزية وقد أحاطَت بأوربا ونظرها إلى القسطنطينية جنوباً .

لهذا رفض مسيحيو المشرق وقياداتهم الدينية والسياسية إعلان ترامب القدس عاصمة للكيان الصهيوني والتأكيد على الهوية العربية الإسلامية المسيحية للقدس وأنها عاصمة دولة فلسطين وحافظوا على تعاليم دينهم بينما حاول اليهود مرارا شدهم للغرب بذريعة المُشترك الديني ودق إسفين الكراهية بينهُم وبين المُسلمين ولهذا تجسدت المُؤامرة في مُحاولات إفراغ المشرق منهُم وتذويب مسيحييه في بودقة الغرب للقضاء على النصرانية نهائياً . لقد ظل اليهود في نظرهم أمة ملعونة لمدة ألف وخمسمائة عام لأنهم اعتقدوا أنهم قتلوا السيد المسيح . لكن القرن الخامس عشر الميلادي أظهر تحولات عميقة في النفس المسيحية الغربية مع بزوغ ما عرف بحركة الإصلاح وما تبعه من انشقاق سياسي وعقائدي داخل الديانة بشكل عام والكاثوليكية الغربية بشكل خاص وكان من نتائجها أن صار للتوراة أهمية أكبر في نظرهم من الإنجيل وبدأت صورة اليهود تتغير في أذهانهم . وقد ظهر هذا التحول في كتاب القس مارتن لوثر عام 1523م المسيح ولد يهوديا . الذي قدم فيه رؤية تأصيلية للعلاقة معهم من منظور مغاير تماماً لما اعتاده المسيحيون من قبل وقال: إن الروح القدس شاءت أن تنزل كل أسفار الكتاب المُقدس عن طريق اليهود وحدهم . وأنهم أبناء الرب ونحن الضيوف الغرباء وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل من فتات مائدة أسيادها . ثم عاد وألف كتاباً آخر في ذمهم سماه (ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم) بعدما يئس من دفعهم لاعتناق المسيحية . وقال جيمي كارتر: إن علاقة أميركا بإسرائيل علاقة فريدة لا يُمكن تقويضها لأنها مُتأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومُعتقدات الشعب الأميركي .

لقد تحولوا من أمة ملعونة إلى أبناء الرب . ومن أمة مدنسة إلى أمة مُقدسة يظلم بها المسيحيون شعوباً أخرى لا صلة لها بتاريخ التدنيس والتقديس هذا . ويلاحظ أن المذاهب تفاوتت في استيعابها لهذا التحول تفاوتاً كبيراً فالبروتستانت الأميركيون والبريطانيون أصبحت اليهودية جزءاً من لحمهم ودمهم والكاثوليك في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا ظلوا أكثر تحفظاً ولذلك لم يبرئهم الفاتيكان من دم المسيح إلا عام 1966م أما الأورثوذكس الأوروبيون الشرقيون فلا يزالون يحتفظون بتلك النظرة المُتوجسة تجاههُم . وهذا ما يفسر التفاوت في المواقف السياسية مع إسرائيل في أميركا وبريطانيا وأخيراً في ألمانيا البروتستانتية والتحفظ في أوروبا الجنوبية خصوصاً في فرنسا وهي أكبر الأمم الكاثوليكية الغربية والريبة في أوروبا الشرقية وخصوصاً روسيا . لقد أصبح اليهود في هذه الأيام يمثلون جزءاً رئيسياً في تاريخ وسياسة العرب والمُسلمين بسبب احتلالهم لأرض فلسطين وصدامهُم الدائم معهُم بالأساليب العسكرية المُباشرة أو عبر مُحاولات الهيمنة الاقتصادية والسياسية .

تغلغلوا بيننا بعد أن درسوا الإسلام والقرآن وفهموا ما تعني كلمة السنة والشيعة وكما فعلوا مع النصارى سيطروا على المرجعيات الدينية والأحزاب التي تعود جذورها إليهم فهم ذيولاً لهذه القوة الكبرى أو تلك وكلاً يعمل وفق مصلحتها واستراتيجيتها ونحن نقاتل ونقتل ونكفر بكل شيء من أجل دعم إمبراطوريات السلاح التي قادتنا إلى أودية الظلمات وأقبية الشياطين . الأحزاب والمُنظمات الدولية والعربية بدأ تاريخها بعد سيطرتهم . منها حزب الدعوة ومنظمة بدر أو المجلس الأعلى ولهذا تراهم يهرعون إلى الاختباء تحت العباءة الروسية عندما يشعروا بالخطر لأنهم يعلمون أن استهدافهم يعني اعتداء الكنيسة الغربية التي يتحكم بها اليهود على الكنيسة الشرقية وهذه هي اللعبة الكبيرة التي تدور حولها كل البيادق الموجودة على رقعة الشطرنج .

* كاتب عراقي وأحد شيوخ العشائر في ديالى

المصدر: دنيا الوطن الفلسطينية