الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

مملكة الخزر.. هل هي أصل اليهود الأشكناز؟ وما علاقة اليهود بالأندلس؟

خالد بشير *

يشكّل الأشكناز، اليوم، نحو 90% من اليهود حول العالم، وكانوا هم الروّاد والمحرّك الأساسي للحركة الصهيونية، وهم الطبقة الحاكمة والمسيطرة في دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ نشأتها، لكنّ تساؤلات متزايدة أثارتها الدراسات التاريخية الحديثة حول أصولهم، وخصوصاً تلك المتعلقة بمملكة يهود الخزر وتهوّد القبائل الخزريّة التركيّة، تسبّبت في إحداث جدالات واسعة، خصوصاً أنّ الحركة الصهيونية استندت إلى الادّعاء بأحقيّة اليهود في أرض فلسطين، باعتبارهم عرقاً نقيّاً منحدراً من قبيلة عبرانية سكنتها، وأقامت فيها ملكاً ردحاً من الزمن، لتشكل هذه الدراسات تحدياً حقيقياً لهم.

يُعدّ يهود الأشكناز الحكام الفعليين للكيان الصهيوني .. ماذا تعرف عنهم؟.. شاهد:
https://www.youtube.com/watch?v=LRJZtAZBsTY&feature=emb_logo

من قبائل مرتحلة إلى إمبراطوريّة منافسة:

ترجع بدايات نشأة مملكة الخزر إلى النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي، عندما بدأت قبائل الخزر، وهي القبائل التركيّة التي انتشرت غرباً باتجاه المناطق المتاخمة لشرق أوروبا في المساحات المعروفة، الواقعة اليوم ضمن بمناطق جنوب غرب روسيا، بدأت بالتوسّع جنوباً، والاستيلاء على أراضي الفرس الساسانيين، ومن جاورهم وحدهم من القبائل الأخرى، وانتهى ذلك إلى تحالف الخزر مع البيزنطيين في حروبهم مع الفرس.

وفي القرن الخامس؛ خضعوا لسلطان إمبراطورية الهون الناشئة بقيادة “أتيلا الهوني”، قبل أن يستقلوا من جديد إثر وفاته وانهيار امبراطوريته، ليعودوا لخوض الحروب من جديد مع الفرس في القرن السادس، ويتمكّنوا هذه المرّة من تحقيق توسعات مهمّة على حسابهم، في مناطق جنوب القوقاز وشمال أذربيجان وأرمينيا، وفي القرن السابع الميلادي، اتّجه الخزر للتوسّع غرباً على حساب البلغار، وعلى امتداد السواحل الشمالية لبحر آزوف والبحر الأسود.

وتزامن ذلك مع صعود العرب المسلمين في القرن السابع، واتجاههم للتوسّع بكلّ الاتجاهات، وسيطرتهم على مساحات شاسعة من أراضي إمبراطورية فارس، ومن ثم الاتجاه إلى مناطق إرمينيا، ومن بعدها القوقاز، وهنا بدأ الصدام بين المسلمين والخزر.

جاء أول هجوم إسلامي كبير في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ومن ثمّ استمرت المواجهات الحدوديّة بين المسلمين والخزر قرابة نصف القرن، وقد تمكّن الخزر طوال تلك المدّة من صدّ التوسّع الإسلامي، مستفيدين من صعوبة جغرافيا القوقاز، إضافة إلى الاستفادة من حالة الصراعات الداخلية والحروب الأهلية التي دبّت داخل الدولة الأمويّة، ومع تعيين مروان بن محمد على ولاية إرمينيا وأذربيجان، تمكّن من إطلاق هجوم واسع على الخزر في حدود عام 732م، وحقّق المسلمون فيه أكبر توسّع، فاستولوا على عدد من المدن الخزريّة، حتى طلب الخاقان الخزري السلام مقابل الحفاظ على عرشه، معلناً دخوله في الإسلام، إلّا أنّ الأحداث كانت تتسارع، وسرعان ما قامت الثورة العباسية وانهارت الدولة الأمويّة، فتراجع المسلمون وتمكّن الخزر من استعادة أراضيهم من جديد.

ويرى المستشرق والمؤرخ البريطاني، دوغلاس دنلوب، في كتابه “تاريخ يهود الخزر” (الصادر عام 1967)، أنّ الخزر تمكّنوا من خلق حاجز بشريّ وعسكريّ، تمكّن من تحديد مصير القارّة الأوروبية لقرون تالية؛ تماماً كما كانت القسطنطينية في آسيا الصغرى والفرنجة في الغرب؛ سدّاً أمام تحوّل القارة إلى الإسلام.

وبعد الانتصار الخزريّ، وطّدوا تحالفهم مع بيزنطة، والذي توّج بزواج الإمبراطور “قسطنطين الخامس” من أميرة خزريّة، عام 775م، وأنجب منها ابناً اشتهر باسم “ليو الخزريّ”، وأصبح إمبراطوراً فيما بعد، وفي القرن الثامن والتاسع توسّع الخزر في ناحية الغرب والشمال، ومع نهاية القرن الثامن تمكّنوا من إنهاء حكم القوط في القرم، استمر توسع الخزر حتى بداية القرن العاشر، حتى أنّ بحر قزوين عُرف باسم “بحر الخزر“.

يهود السفارديم .. هل يعودون إلى موطنهم الأصلي في إسبانيا؟.. شاهد:
https://www.youtube.com/watch?v=ElC2BgeyjDk&feature=emb_logo

من الوثنيّة إلى اليهوديّة.. كيف حدث التحوّل؟

في القرن التاسع؛ ازدادت وتيرة اضطهاد البيزنطيين لليهود، فكان أن التجأ معظم اليهود البيزنطيين إلى مناطق حكم الخزر، وبحسب ما يرويه المؤرخ المعاصر للأحداث، المسعودي؛ فإنّ “صاحب القسطنطينية أيام هارون الرشيد (المتوفَّى عام 819 م) أجلى من كان في مملكته من اليهود، فقصدوا بلد الخزر، فوجدوا قوماً عقلاء ساذجين، فعرضوا عليهم دينهم، فوجدوه أصلح ممّا هم عليه فانقادوا إليه”.

وهكذا، وبعد هذا اللجوء اليهوديّ؛ فإنّ الطبقة الخزريّة الحاكمة اعتنقت اليهودية، وباتت مملكتهم تعرف بـ “مملكة يهود الخزر“، ويرى دنلوب أنّ الدافع وراء ذلك كان سياسيّاً؛ وذلك بسبب هيمنة الخلافة الإسلامية وبيزنطة المسيحية على العالم القديم، واتّباع كلّ منهما سياسة الجهاد والحروب المقدسّة لنشر الدين الخاص بهم، فجاء أتباع الحكام الخزر لليهوديّة كدين يضمن لهم الاستقلال عن القوتين.

وفي القرن العاشر؛ انتشرت اليهودية بين عامة الشعب والقبائل الخزريّة حتى غدت دين الغالبية، وقد اشتهرت المراسلات باللغة العبرية بين ملك الخزر، يوسف، مع الوزير اليهودي الأندلسيّ لدى الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر، حسداي بن شبروط، في القرن العاشر، وهي محفوظة إلى اليوم.

ويستنتج المؤرخ الإنجليزي، سيمون شاما، في كتابه الموسوعي “قصة اليهود عبر ثلاثة آلاف عام“، بالاستناد إلى وجود لفائف يهوديّة مدفونة بالمقابر، في مواقع أثريّة خزريّة؛ أنّ التديّن باليهودية كان شعبياً وشائعاً بين عموم السكان، وهو يفترض أنّ وصول اليهود إلى مملكة الخزر جاء عن طريق حركة انتقال وهجرة من التجمعات اليهودية في البلقان ومنطقة البوسفور؛ حيث وجدوا مناخاً من الأمن والحرية في أراضي مملكة الخزر.

وإضافة إلى ذلك؛ يرى شاما أنّ يهوداً من إرمينيا أيضاً التحقوا بهم، ويشير إلى أنّ اليهود آنذاك وجدوا في المناخ الديني الوثني في مملكة الخزر، تساهلاً وتقبلاً لهم، بالمقارنة مع ما كانوا يلقونه من المسيحيين في مناطق الإمبراطورية البيزنطية وفي مملكة إرمينيا.

يهود ضد الصهيونية.. شاهد: https://www.youtube.com/watch?v=xmsxoQWgLCE&feature=emb_logo

الانهيار.. على يد مَن؟

كان القرن التاسع قد شهد توسّع “الروس الكيفيين” على امتداد حوض نهر الفولغا، ونزولهم باتجاه الجنوب، لتبدأ الصدامات في النصف الثاني منه بينهم وبين الخزر، وذلك بعد أن كانوا يأخذون من القبائل الروسية الضرائب، فرفض الروس هذا الوضع وكوّنوا اتحاداً مع قبائل السلاف الأخرى في مواجهة الخزر.

وعام 892م، نزل الروس إلى بحر الخزر وقاموا بمهاجمة السواحل، وتدمير تلك المناطق، وعام 913م نظموا أول حملة عسكرية لمهاجمة إمبراطورية الخزر، وعام 944م، قام الروس بالتقدم حتى وصلوا إلى مدينة “بردع”، مركز المسلمين في أذربيجان، ونهبوا كلّ الأماكن التى مرّوا بها، واستمرّت الهجمات الروسيّة حتى سقطت العاصمة الخزريّة “أتيل” بيد الروس تحت قيادة “سفياتوسلاف الأول”، وقاموا بحرق المدينة ومحوها، ليستمر وجود الخزر بعدها كدولة صغيرة في شبه جزيرة القرم، حتى عام 1245، عندما سقطت نهائياً على يد المغول.

ما بعد السقوط.. تكوّن الكتلة الأشكنازيّة:

بعد سقوط مملكة الخزر، انتشر اليهود داخل مناطق الإمبراطورية الروسيّة الوليدة، وفي أوروبا الشرقيّة، قبل أن تبدأ أعداد كبيرة منهم بالانطلاق في هجرات متعاقبة غرباً باتجاه بقية أجزاء أوروبا، ليشكّلوا بالنهاية كتلة اليهود الأوروبيين، المعروفين بالأشكناز، التي تشكّل اليوم نحو 90% من اليهود في العالم، مقابل كتلة اليهود “السفارديم” و”المزراحيم”، التي تشكّل الـ 10% الباقية.

وفي القرن الثاني عشر؛ كان يهود الخزر كتلة معروفة ومستقلة، فنجد الفيلسوف اليهودي الأندلسـي، إبراهيم بن داود، يتحدث عنهـم، في مؤلفــه “العقيدة الرفيعـة“، وكذلك الحـاخـام “يهـوذا بن شـموئيل اللاويالأندلسي، يكتب قصـة أدبيـة بعنـوان “الخــزريّ” يتنـاول فيهـا قصة يهـود من مملكة الخــزر.
يهود اليمن .. خطفت الوكالة اليهودية أطفالهم واستعملتهم كفئران تجارب ! .. شاهد:
https://www.youtube.com/watch?v=RN3SDRT9jg0&feature=emb_logo

وفي ألمانيا؛ نجد لفظة مهرطق الألمانية (Katzer) مشتقة من اسم “خزر”، وكانت تطلق على اليهود، مع وصولهم إلى مناطق وسط أوروبا في حدود القرن الثاني عشر، وفي هنغاريا، في الفترة نفسها أيضاً، تشير المصادر إلى أنّ جنوداً بالجيش المجريّ، في مقاطعة “دالماسيا” (تقع في كرواتيا اليوم)، كانوا ملتزمين بالشريعة اليهودية، وبحسب الباحثة الروسيّة، تاتيانا غراتشوفا، في كتابها “دولة خزاريا المخفيّة”؛ فإنّ الطبقة اليهوديّة الحاكمة غادرت مملكة الخزر بعد انهيارها بأموالها، وبالاعتماد على المراجع التاريخيّة تؤكّد غراتشوفا أنّهم أنشؤوا شركات هيمنت على التجارة في البحر المتوسط، ثمّ انتقلوا إلى إسبانيا، ودعموا الأمراء مادّياً في حروبهم ضدّ المسلمين في الأندلس.

أما الباحث والعالم المصري، جمال حمدان، في كتابه “اليهود أنثروبوجياً“، فيؤكّد أنّه لا يمكن تفسير الزيادة المفاجئة خلال العصور الوسطى في عدد السكان اليهود في أوروبا الشرقية فقط؛ بسبب الهجرة من التجمعات اليهودية الأخرى، ولا بدّ أنّ ذلك كان بسبب التحوّل الشامل للخزر، ويستطرد حمدان؛ مؤكداً أنّ كتلة اليهود في شرق أوروبا لا يمكن أن تكون نتجت من هجرة يهود قادمين من أوروبا الغربية؛ حيث إنّ التيار الرئيس للهجرات اليهودية كان يتحرك في اتجاه ثابت دائماً نحو الغرب، وليس بالعكس.

دراسات جينيّة.. للتحقق:

أثارت الدراسات التاريخية الحديثة عن اليهود الخزر وعلاقتهم بأصول اليهود الأشكناز جدلاً واسعاً، وفي عام 1976؛ نشر المؤرخ اليهودي الهنغاري، آرثر كيستلر، كتاب “القبيلة الثالثة عشرة”، والذي خلص فيه إلى أنّ “غالبية اليهود العصريين ليسوا من أصل فلسطينيّ بل خزري“، مسنداً الخلاصة بالإشارة إلى أنّ “التركيب الوراثي ليهود اليوم أقرب إلى قبائل الخزر والهون”، وتزامن ذلك مع تأكديات عالم الاجتماع الأمريكي اليهودي، رفائيل باتاي، أنّ نتائج أبحاث علم الأجناس البشرية أظهرت أنّه ليس هناك “جنس يهودي”، مؤكّداً أنّهم “يختلفون اختلافا واضحاً في كل الخصائص الجسدية المهمة: القامة، الوزن، لون البشرة، الدليل الرأسي، الدليل الوجهي، فصائل الدم”، وبسبب التوظيفات المختلفة لهذه الاستنتاجات، سواء من قبل معادي الساميّة، أو من قبل العرب والفلسطينيين الذين وجدوا فيها تأكيداً على زيف الادعاءات الصهيونية. ولمواجهتها؛ بدأ عدد من علماء الأحياء الصهاينة بالسعي لتفنيدها، وعام 2000، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً صحافياً، استعرض نتائج عملية تحليل جيني لأشخاص من اليهود الأشكناز، قـام بهـا عـدد من علمـاء الأحيـاء، بقيـادة ميكائيل همر، وبدعــم من لورنس شيفمان، رئيس قسـم الدراسـات اليهوديـة في جامعـة نيويورك، وخلص التقـريــر إلى إثبـات الأصول الشرق أوسطيّة للجينات الأشكنازيّة.
ماذا تعرف عن يهود الشرق الأوسط؟ .. شاهد:  https://www.youtube.com/watch?v=iNa0aQCZMik&feature=emb_logo

في المقابل؛ أعدّ عالم الوراثة الأمريكي الإسرائيلي، عيران الحايك، دراسة جينيّة، عام 2012، أثبت فيها أنّ هناك مكوّناً خزرياً رئيساً في الخطّ الجيني لدى اليهود الأشكناز، مستنداً إلى الخريطة الجينية لدى الأعراق القوقازية والأرمنية والجورجية والأذربيجانية، في حين تمّ انتقاد هذا الدليل من قبل مؤرخين مثل؛ شاؤل ستامبر، في دراسة له بعنوان “هل تحوّل الخزر إلى اليهودية؟”، معتبراً أنّ هذا التشابه الجيني جاء بسبب وجود الخزر ضمن نطاقات منطقة الجين الأشكنازي، فجاء التداخل بسبب الاختلاط، وليس بسبب تحوّل الخـزر إلى اليهودية، وأما عالمـة الأنثروبولوجيـا الأمريكيـة الفلسطينية، ناديا أبو الحاج، فانتقدت في مقـال علمي لهـا بهـذا الخصوص، عمومـاً، استخدام الأبحـاث الجينيـة في الدراسـات التاريخيــة، ورأت أنّ هـذه الأبحـاث “غير واضحـة، وتعطي نتائـج ملتبسـة، وكثيراً ما تكون الاستنتاجات منها متأثرة بعواطف وأهواء الدارسين”.

* كاتب وباحث أردني مهتم بالبحث في العلاقات الدولية، والنظم السياسية، والتاريخ السياسي

المصدر: موقع حفريات