الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

كتاب « الأندلس إبادة شعب وحضارة » للكاتب: ’’ معقل زهور عدي ‘‘.. الحلقة الثالثة

( الحرية أولاً ) ينشر حصرياً كتاب « الأندلس إبادة شعب وحضارة » للكاتب: ’’ معقل زهور عدي ‘‘.. الحلقة الثالثة: الفصل الأول (الجزء الثاني)

ما بين فينيقية وقرطاجة وبين شبه الجزيرة الإيبرية :

في كتابها إسبانيا التاريخ تقول المؤلفة ميلفيينا مكندرك: ” قبل العام 800 ق.م أسس الفينيقيون مستوطنات تجارية على طول الساحل الشرقي والجنوبي لشبه القارة الايبرية, وفي أرخبيل الجزر المواجهة لذلك الساحل  ومنها ايبزا, ورغم أنهم (الفينيقيين) لم يكونوا مُغرمين بالاستعمار وإلحاق المناطق بسيطرتهم فإن معارفهم التجارية والتقنية المتفوقة واتصالاتهم الثقافية خلفت أثراً عميقاً في تحضر البلاد التي ألحقوها بهم, لقد فتح الفينيقيون إسبانيا على العالم المتمدن, ووضعوها على عتبة تاريخ البحر المتوسط “.

والتاريخ الأكثر اعتماداً لاستقرار الفينيقيين في إيبريا هو بداية الألف الأول قبل الميلاد حوالي 800 ق.م .

وهناك من يضع تاريخا أسبق بمئة عام أي حوالي 900 ق.م ويبدو أن الفينيقيين تقدموا في بناء محطاتهم التجارية شيئاً فشيئاً انطلاقاً من شرق المتوسط نحو قبرص ثم كريت فمالطة ثم صقلية ثم سردينيا وصولاً إلى ايبزا ثم إيبريا, كما يبدو أن ايبريا في ذلك الوقت لم تكن ذات كثافة سكانية وربما بقيت مساحات واسعة منها شبه خالية من السكان, كما أن السكان فيها بحالة بدائية من الحضارة والتوزع بحيث لم يكن من الصعب على الفينيقيين إنشاء مستوطنات قريبة منهم .

وبدون شك فإن وصول الفينيقيين إلى إيبريا كان في أزمان مقاربة لوصولهم للساحل الجنوبي للمتوسط (شمال افريقيا)، فحسب الروايات التاريخية فقد بدء بناء قرطاجة حوالي 814 ق.م وهو ذات التاريخ المقدر لاستقرار الفينيقيين في ايبريا .

ويفصل المؤرخون كما جرت عليه العادة بين مرحلتين تاريخيتين في تاريخ ايبريا القديم الأولى هي المرحلة الفينيقية والثانية هي المرحلة القرطاجية, والواقع أن قرطاجة والمرحلة القرطاجية في ايبريا هي امتداد حضاري لفينيقية والمرحلة الفينيقية فاللغة القرطاجية هي لهجة فينيقية, والكتابة القرطاجية هي كتابة فينيقية والقرطاجيون هم ابناء وأحفاد الفينيقيين . وكل ما في الأمر أن قرطاجة توسعت كمدينة أكثر من أمها صور, وفاقتها في الثروة والقوة العسكرية وبسط السيطرة على المستوطنات الفينيقية شمال أفريقية والبحر المتوسط ثم في ايبريا وقد ورثت عن صور النفوذ والخبرة التجارية والبحرية وأسرار الزراعة والصناعات والعمران والتنظيم الاداري والثقافة .

يبدو أن اليونانيين هم من أطلقوا على سكان الساحل الشرقي والجنوبي لشبه الجزيرة اسم الايبريين وباعتبار أن الفينيقيين كانوا قد استقروا منذ قرون في الجزء الشرقي والجنوبي من شبه الجزيرة قبل وصول اليونانيين فمن المنطقي أن يكون اسم الايبريين مخصصا لهم.

واللغة الايبرية ظلت لغة السكان في زمن الرومان, فقد جاء في الموسوعة البريطانية الفقرة الآتية حولها: “اللغة الايبرية المختلفة عن الهندو- أوربية والتي ظلت تستخدم حتى أوائل  العصر الروماني على طول الساحل الشرقي, والتي كتبت بها النصوص الايبرية تتكون من 28 رسماً أبجدياً ومقطعياً بعضها مشتق من الفينيقية واليونانية (الحقيقية أن الأبجدية اليونانية كلها من الفينيقية فلا معنى لذلك) لكن معظمها غير معروف الأصل”

ليس صعبا أن يخمن المرء أن اللغة الايبرية هي لغة سامية قريبة من الفينيقية تكلم بها وكتبها الايبريون الفينيقيون الذين استقروا في شرق وجنوب شبه الجزيرة وامتدت مستوطناتهم كما سبق على طول الساحل الشرقي الجنوبي وذلك قبل وصول اليونانيين بثلاثمئة عام تقريباً والذين أنشأوا مستعمرتين صغيرتين فقط في أقصى الشمال الشرقي بحلول العام 575 قبل الميلاد .

تظهر الآثار المكتشفة لسفينة غارقة اغريقية متجهة إلى الشاطئ الشرقي لشبه الجزيرة أكثر من كونها متجهة إلى الجزء الجنوبي أو الغربي تاجر بها وسطاء قرطاجيون تحمل بضائع مختلطة منها أوعية فخارية مزخرفة يونانية وسبائك معدنية وأحجار طواحين وبعض تلك البضائع حفرت عليها أسماء قرطاجية مثل “عبد ملقارت“.

تمتد المستوطنات الأولى للفينيقيين حسب الآثار المكتشفة من منطقة فيلاريكوس بين قرطاجنة والميرا على الساحل الشرقي الجنوبي لشبه الجزيرة وحتى قادس على الساحل الغربي الأطلسي بطول حوالي 535 كم, وتدل القبور المكتشفة فيها على وجود طبقة أرستقراطية فينيقية فقد كانت قبورهم مجهزة بالأشياء الثمينة من البلد الأم مثل الجرات الرخامية لحفظ الخمر والفخار اليوناني والحلى الذهبية المرهفة الصنع, أما القواعد البحرية فقد أنشئت من جزر البليار على بعد 265 كم شرق الشاطئ إلى جانب جزيرة بالما وحتى قادس على المحيط الأطلسي وذلك لتجارة السمك المملح والأصباغ والنسيج وقد استمر ازدهار ايبيريا الفينيقية من 800 ق .م حتى سقوط صور بيد البابليين عام 573 ق.م وإخضاعهم فينيقيا . وبعد ذلك تراجع ازدهار المستعمرات الفينيقية في ايبريا حتى القرن الرابع قبل الميلاد, بالرغم من ذلك فقد استمرت العديد من المستعمرات حية, وازدهرت كل من أدرا, باريا, كارامونا (قرمونة), قادس, مالاقا, المنكا (المنكب), تحت ظل النظام التجاري الذي أسسته قرطاجة لوسط وغربي البحر الأبيض المتوسط . كما أصبحت ايبزا مستوطنة قرطاجية رئيسية, وقد كانت تنتج صلصة السمك, والصبغ والملح والصوف, وفي ايبزا أنشئ في أحد الكهوف معبد لتقديم القرابين للآلهة عناة, وبعد العام 400 ق.م دخلت جزر البليار (قرب بالما) في فلك المنظومة التجارية لايبزا . ومما سبق نلاحظ أن المستوطنات الفينيقية في شبه الجزيرة كفت منذ أمد طويل عن أن تكون مجرد رأس جسر للتجارة الفينيقية أو مجرد مستعمرة لاستخراج المعادن, وتحولت إلى مراكز مدنية مزدهرة ومستقلة, ولاشك أنها استقطبت الفينيقيين الطامحين للثروة, وأولئك الذين هجرتهم الحرب التي شنها البابليون على صور بقيادة نبوخذ نصر حيث كتب في إحدى مسلاته يقول “أنه خلع ملك صور الشرير ووضع ملكاً آخر وشتت أعداء بابل إلى جهات الأرض الأربعة” .

كما يتضح مما سبق أن الوجود الحضاري للفينيقيين في شبه الجزيرة لم ينقطع سواء مع سقوط صور بيد البابليين أو بعد تدميرها تدميراً تاماً على يد الاسكندر المقدوني عام 332 ق.م بل استمر مزدهراً بعد أن تحولت قرطاجة إلى العاصمة البديلة للعالم الفينيقي .

وفي عام 237 ق.م وبعد هزيمة قرطاجة في الحرب البونية الأولى, شنت قرطاجة هجوماً على جنوب شبه الجزيرة الايبرية بقيادة حملقار برقة القائد القرطاجي والد هاني بعل القائد القرطاجي الشهير, وأسست عاصمة جديدة قرب قرطاجة نوفا (قرطاجنة) في عام 228 ق.م وبعد وفاة حملقار برقة وتسلم هاني بعل القيادة تابعت قوات قرطاجة التوسع في شبه القارة وصولاً الى نهر الايبرو (أبرة بالتسمية الأندلسية) وهو الحد الذي فرضته روما للمستوطنات في الحرب البونية الأولى, وبعد ذلك انفجرت الحرب البونية الثانية عام 218 ق.م . بين قرطاجة وروما وقد اندلعت شرارتها في التنازع على ساغونتو الايبرية القريبة من الساحل الشرقي شمال فالنسيا بـ 30 كم تقريباً وكانت متحالفة مع الرومان حين حاول القرطاجيون السيطرة عليها, ورغم مهاجمة هانيبعل لروما فقد خسر القرطاجيون المعركة في ايبريا على يد شيبينون الأفريقي القائد الروماني الكبير (بابليوس كورنيلوس سكيبو الافريقي) عام 206 ق . م مما أسفر عن خسارتهم للسيطرة على شبه الجزيرة الايبرية بكاملها لاحقا على يد الرومان .

والسيطرة هنا ترادف السيطرة العسكرية والادارية ولا يعني ذلك بالضرورة انتهاء الحضارة الكنعانية- الفينيقية وتغير ثقافة السكان ولغتهم وعاداتهم, ولنا أن نلاحظ أن التاريخ المعتمد الموثق بالكشوفات الأثرية لاستقرار الفينيقيين في ايبريا يعود إلى 600 عام قبل انتصار الرومان العسكري في 206 ق. م، وبدون شك فقد كانت الحضارة الفينيقية قد رسخت وجودها في ايبريا على كل الأصعدة, وقد تفاعل معها السكان الأصليون الآخرون كالسيلت المنحدرين من أصول مختلفة والذين سكنوا وسط وشمال ايبريا, وكانوا في حالة شديدة التخلف نسبة إلى حضارة الفينيقيين وبالتالي فقد اصطبغوا بالتدريج بالصبغة الحضارية الفينيقية كما يحدث دائما عندما يتعايش شعب يتفوق بالحضارة تفوقا كبيرا مع شعب آخر مجاور .

لقد دخل الفينيقيون ايبريا عندما كان وضعها يشابه وضع أمريكا قبل دخول الأوربيين, أراض شاسعة, وأنهار وثروات معدنية غير مكتشفة, وعدد قليل من السكان الموزعين على شبه القارة الواسعة, فمنذ بداية العصر الحجري الحديث وحسب المكتشفات الأثرية فقد وصلت أنماط التحضر المرتبطة بالزراعة المنزلية وتربية الحيوان والأدوات الحجرية المهذبة مما يميز ذلك العصر إلى ايبريا من وسط البحر المتوسط أو من شمال أفريقيا وذلك بعد العام 6000 ق.م, وتلك الأنماط الحضرية التي كانت معروفة بصورة مبكرة في جنوب وشرق شبه الجزيرة (وهي بالمناسبة منطقة الحضارة الفينيقية الأصلية في ايبريا) انتشرت بصعوبة وعبر فترة زمنية طويلة إلى الأماكن الأخرى من شبه الجزيرة.

بعد العام 3200 ق .م بزغ فجر جديد للحضارة بتطور أدوات الانتاج والنظم الاجتماعية حيث ترافقت صناعة النحاس مع الميل إلى اجتماع السكان بتجمعات بشرية أكبر من السابق (نشوء القرى) لكن الاختلاف في الموارد الطبيعية وكثافة السكان كان يعني أن الأقاليم لا تتطور بصورة متماثلة .

أما مراكز الابتكار والتطور فقد عرف تمركزها في المنطقة الجنوبية والجنوبية الغربية قرب الساحل لإسبانيا الحالية والبرتغال.

وفي العصر البرونزي تشير الاختلافات بين أنماط التجمعات البشرية والتقاليد إلى أن ذلك العصر قد تميز بعدم التجانس للأقوام التي عاشت فيه , ولكن بنوع من الموزاييك الاجتماعي والذي يضم مجتمعات قبلية مركزية وأيضا اتحادات مكونة من وحدات سكانية أصغر وأقل ترابطا . ومثل تلك المجتمعات العائدة للعصر البرونزي كانت سائدة حين قدم الفينيقيون عام 800 ق . م .

وقبل العودة إلى “كيف تفاعل سكان ايبريا الأصليون مع الحضارة الفينيقية الوافدة” نقف قليلاً مع الحضور اليوناني في ايبريا والذي يمكن بسهولة ملاحظة كيف يتم تضخيمه بطريقة غير معقولة مقارنة مع الحضور الحضاري الفينيقي . وللعلم مسبقا فالمعلومات هنا مستقاة مباشرة وبدون تعديل من الموسوعة البريطانية “بريتانيكا” .

قدم الإغريق من إيجه إلى السواحل الايبرية لكنهم وحتى العام 575 ق .م لم يؤسسوا سوى مستوطنتين صغيرتين كفرعين لمرسيليا في أقصى الشمال الشرقي لايبريا في امبرياس وروسس, وعلى أية حال فقد كانت هناك تجارة يونانية أقدم بزيت الزيتون والعطور والآنية الفخارية الممتازة والجرار البرونزية والتماثيل والتي حملت في السابق عبر مضيق جبل طارق بواسطة الفينيقيين, وقد تطورت تلك التجارة بين 800-500 ق . م وقفزت بصورة حادة بين العامين 600-550 ق .م وقد توجهت نحو المراكز السكانية على طول الساحل الجنوبي وبصورة دقيقة أكثر نحو المناطق والتجمعات السكنية ذات الصبغة الفينيقية .

وتلك القصص التي جمعها المؤرخ اليوناني هيرودوت حول مملكة ترشيش (ترتيس), وحاكمها الملك أرغانثونيوس ترتبط بتلك التجارة القديمة في أواخر القرن السابع قبل الميلاد, حيث يذكر هيرودوت أن أرغانثونيوس قدم مساعدة بروح الصداقة للقبطان كولايوس اليوناني بعد أن هبت على سفينته الرياح الشديدة, وقد صورت ترشيش كسوق للمعادن حيث استبدل كولايوس بضائعه بثروة من السبائك الفضية, وقد تذكر الاغريق تلك المملكة كعالم أسطوري بعيد عن الوصول إليه . وترشيش في الواقع هي المجتمع المتأخر من العصر البرونزي في الجنوب الغربي لايبريا الذي كان يحتوي على مناجم وادي نهر تنتو (بالعربي لبلة) في أراضيه . وقد ازدهر ذلك المجتمع بين 800-550 ق .م.

وبعد العام 450 ق .م تجدد الاهتمام اليوناني بايبريا, مع كونه اتجه نحو شرق شبه الجزيرة بدلا من جنوبها أو غربها, وقد كانت البضائع اليونانية تسوق بصورة واسعة من قبل وسطاء فينيقيين كما تفيدنا آثار السفينة الغارقة قرب جزيرة بالما, فالسفينة الغارقة كانت مشحونة بكميات مختلطة من البضائع تضمنت أحجار طواحين وسبائك والفخار اليوناني المزخرف وبعض تلك البضائع تم تعليمها بأسماء قرطاجية مثل عبد ملقارت, أو بعل رحيم .

والآن لنلخص ماذا تعني الفقرة السابقة بالنسبة للحضور اليوناني في شبه الجزيرة الايبرية: ببساطة ووضوح فهي تعني أن ذلك الحضور كان محدوداً جداً, فالمستوطنتان الصغيرتان في أقصى شمال وشرق ايبريا كانتا فرعين صغيرين للوجود اليوناني في مرسيليا الفرنسية وكما يبدو فإن ذلك الفرعين كانا وظيفيين بدون أي امتداد نحو بقية أنحاء ايبريا, وأن الحضور اليوناني الآخر كان مجرد أعمال تجارية لبضائع يونانية تم احضارها وتسويقها بسفن فينيقية وتجار فينيقيين وبيعت لمجتمعات فينيقية.. ذلك كل ما في الأمر .

ونعود الآن الى السؤال: كيف تفاعل السكان الايبريون الأصليون مع الحضارة الفينيقية الوافدة ؟

تأثرت الجماعات السكانية الأصلية في شبه الجزيرة الايبرية بعمق وقوة بالثقافة الفينيقية بالدرجة الأولى وبصورة ثانوية بالثقافة اليونانية, وقد تبنت قيم وتقنيات حضارات شرق المتوسط, وفي البداية كان التأثر يقتصر على أعداد محدودة ثم اتسع بالحجم وبالخطوات دافعا كل المجتمعات نحو التحول, وفي كل مكان كانت عملية التغيير سريعة وكثيفة,  شاملة عدة أجيال بين العام 700 ق.م والعام 550 ق . م وبحلول العام 550 ق.م أصبح من الممكن ملاحظة ثقافة ايبرية مميزة في كافة المنطقة الجنوبية والشرقية من شبه الجزيرة الايبرية, تأسست الحضارة الايبرية على أسس مدنية وظهرت مدن حقيقية ذات أصالة بعد العام 600 ق .م ذات مظاهر شبيهة بالمستوطنات الفينيقية واليونانية , كبيرة ومتعددة خاصة في اقليم اندلوسيا واسونا ولاحقا في الجانب الآخر من شبه الجزيرة الايبرية في الشمال الشرقي عند غالسيا وتراغونا وجيرونا, وكانت المدن مراكز سياسية (المدينة – الدولة) ملحقة بها عادة بعض الأراضي حولها وترتبط مع مدن أخرى بروابط كونفدرالية أو هي مستقلة تماما . وقد ازدهرت المدن في وسط وغرب اندلوسيا اعتباراً من العام 550 ق.م بدون انقطاع, لكن مدنا عديدة في شرق وجنوب اندلوسيا تعرضت للتدمير في منتصف القرن الرابع ق.م بفعل الاضطراب الذي رافق التحول السياسي الذي قاده القرطاجيون في تلك المنطقة .

اعتمد الاقتصاد على الزراعة ومحاصيل العنب والزيتون ذات الأصول المشرقية, وقد أدخلت الصناعات الحديدية من قبل الفينيقيين وكانت الأدوات الحديدية اللازمة للزراعة متاحة في كل مكان من شبه الجزيرة بحلول العام 400 ق.م, وكذلك أدوات الحرب وقد تطورت الصناعات الحديدية ودفعت أعمال مثل صقل الأسلحة وترصيعها تلك الصناعات إلى أعلى المستويات .

وبإدخال الدولاب السريع الى صناعة الفخار أمكن إنشاء مصانع تنتج الفخاريات المنزلية والأوعية الفخارية التخزينية بكميات كبيرة .

أما الرصيد الفني للرسومات والأشكال فقد تطور من التصميمات الهندسية إلى التركيبات الفراغية والتماثيل المتنوعة بعد العام 300 ق.م واستمرت مناجم الفضة في العمل عند نهر التنتو وامتدت عبر الوادي الكبير “حتى المنطقة حول كاستولو والشاطئ عند قرطاجنة  Guadalquivir valley”.. “في الغرب والشمال عاشت مجتمعات مختلفة وصفت بالمجتمعات السيلتية  Celtsالسيلت“. وقد عرفت استخراج الحديد منذ العام 700 ق.م, وكان اقتصادها مبنياً على الزراعة وتربية الحيوانات, وتميزت بالتجمعات الصغيرة ذات التحصينات الدفاعية التي تشبه القرى, وتسمى كاستروس أي أنها لم تعرف المدن, وقد استخدمت لغات من أصول هندو-أوربية (السيلتية واللوستانيانية) لكنها كانت منقسمة سياسيا وثقافيا الى قبائل وأماكن مختلفة بالعشرات, أماالقبائل السلتية التي عاشت وسط شبه الجزيرة وكانت على اتصال بالايبريين فقد تبنت كثيرا من ثقافة وعادات الايبريين بما في ذلك الفخار المصنع بواسطة الدولاب, والتماثيل الحجرية, والكتابة الأبجدية الايبرية, لكنهم لم ينشئوا مدنا لهم حتى القرن الثاني قبل الميلاد . أما في أعماق الداخل والشمال لشبه الجزيرة فلم يصل نمط حياة الايبريين المتوسطيين إلى نومانتيا إلا بعد سيطرة الرومان عام 133 ق.م وفي استورياس عام 19 ق.م .

العصر الروماني :

بدأ اهتمام الرومان بايبريا بعد أن قام القرطاجيون بحملات عسكرية أدت الى سيطرتهم شبه التامة على شبه الجزيرة, وقد جاء ذلك عقب الحرب البونية الأولى والتي خسرت فيها قرطاجة السيطرة على صقلية وسردينيا وقد اندلعت الحرب في النزاع على اقليم ساغونتوم شرق ايبريا والتي حاصرها هاني بعل . وفي البداية أحرز القادة الرومان تقدماً كبيراً في السيطرة على ايبريا, لكنهم سرعان ما تراجعوا بعد هزيمتهم الكارثية أمام القرطاجيين عام 211 ق.م, والتي دفعتهم للتراجع حتى نهر الايبرو, لكن القائد الروماني الشهير شيبيون الافريقي (سكيبو أفريكانوس) استأنف القتال عام 210 ق.م وفي النهاية تمكن من الانتصار التام على القرطاجيين وانهاء وجودهم العسكري في ايبريا . وشيئا فشيئا أحكم الرومان قبضتهم على شبه الجزيرة, وقسموا البلاد الى اقليمين كبيرين, هسبانيا الأدنى وهسبانيا الأبعد, وذلك في عام 197 ق .م . Nearer and Further Spain (Hispania Citerior and Hispania Ulterior) وتلك هي المرة الأولى التي ظهر فيها اسم هسبانيا والذي حرف بعد ذلك الى إسبانيا .

ومن سوء حظ الإسبان المتعصبين لقوميتهم الأوربية أن الاسم هسبانيا ذو أصل فينيقي وفق المؤرخين, وهو مركب من ثلاثة مقاطع اي وسبان أو شبان ويا ومعناه جزيرة الأرانب وفق بعض التفسيرات . ومن المحتمل أن الفينيقيين كانوا يطلقون ذلك الاسم على الجزء الشرقي الجنوبي من البلاد, وباعتبار أن السيطرة الرومانية بدأت منه فاعتبر هو الاقليم الأقرب (هسبانيا القريبة) وأما هسبانيا البعيدة فهي الاقليم الأوسط والغربي .

ولا بد من الإشارة هنا أن السيطرة العسكرية الرومانية واجهتها مقاومة عنيفة خاصة في أواسط وشمال ايبريا ولم تستطع روما إتمام السيطرة واخماد المقاومة سوى في عام 133 للميلاد عند اخضاع قسم من شعب ايبريا (السيلت- ايبري) والسيطرة على مدينته الرئيسية نومانتيا في وسط وشمال ايبريا بعد حصار طويل قاده سكيبو افريكانوس الثاني .

لم يكن هم روما في احتلالها ايبريا (هسبانيا) سوى تكريسها كقاعدة عسكرية ثم جباية الضرائب للخزينة, لكن الأمر بدأ يختلف تدريجيا, فقد اكتشفت روما أن شبه الجزيرة الايبرية مصدر هام للمعادن والمنتجات الزراعية بما في ذلك القمح وزيت الزيتون والخمر, وأن سكانها خاصة في القسم الشرقي والجنوبي تجار أثرياء متحضرون  وحرفيون مهرة وزراع أصحاب أراض واسعة ويمكن التفاهم معهم باعتبارهم  بحاجة لحكم قوي مستقر ولا قرار النظام والقانون ومثل تلك الشراكة يمكن أن تؤسس لوجود روماني دائم .

ومن وجهة نظر الايبريين فربما توصلوا إلى أن مواجهة الامبراطورية الرومانية التي أخضعت القرطاجيين ودمرت عاصمتهم في شمال افريقية, وأنهت وجودهم العسكري في ايبريا أمر يفوق طاقتهم, والأفضل الخضوع للسيطرة السياسية والعسكرية لروما مقابل شيء من الادارة الذاتية تمثلت في مجالس بلدية محلية تتسلم ادارة المدن وتكون مرتبطة بمندوب لروما كصلة وصل مع الحكومة المركزية .

وقد برهن الرومان في هسبانيا كما في المناطق الأخرى التي خضعت لروما عن حنكة سياسية وقدرة على تفهم خصائص الشعوب المختلفة, وتركوا لهم مجالا واسعا للنشاط الاقتصادي والثقافي والديني مقابل اعترافهم بهيمنة الامبراطورية الرومانية ودفعهم الضرائب, لكنهم كانوا غير متسامحين أبدا مع نزعات الاستقلال والتمرد كما حصل مع مملكة تدمر في سورية التي خرجت عن سيطرة روما بعد أن توسعت وضمت بلاد الشام حتى الأناضول والجزيرة وغربا حتى البحر المتوسط وجنوبا حتى مصر, وقوي جيشها وخرجت عن إرادة روما فكانت نهايتها تدميرا شاملا لعاصمتها واحراقها عام 273 م .

أنشأ الرومان معسكرات للجيش لتأمين سيطرتهم على هسبانيا, وقد توسعت بعض تلك المعسكرات لتتحول الى مدن صغيرة أقام فيها المحاربون الرومان المتقاعدون وعائلاتهم, ومنح بعضهم أراض زراعية, كما شهدت الفترة الرومانية زواج الرومان بالنساء الايبريات ونشوء جيل تختلط فيه المورثات الجينية الرومانية بالايبرية . وبدون شك فقد تأثرت هسبانيا بما جلبه الرومان معهم من القوانين ونظم الادارة المتطورة , وكذلك بالأعمال الهندسية كشق الطرق وبناء الجسور وأنظمة الري وتنظيم المدن .

وفيما يتعلق بالحياة الدينية فقد استمرت العبادات السابقة الكنعانية ضمن العصر الروماني إلى جانب الآلهة الرومانية, وارّتَدَت الآلهة الفينيقية أحياناً شكلاً رومانياً والمثال الصارخ لذلك هو التمثال المكتشف في (قادش) لهرقل الذي هو ملقارت الأله الفينيقي أيضاً .

ويبدو أن المسيحية الأولى وجدت لها أرضا خصبة في أسبانيا لعدة أسباب منها جذورها الثقافية السامية التي تنتمي لذات الجذور الثقافية للفينيقيين, ومن اللافت أن الكنيسة في اسبانيا كان لها دور في ارشاد الامبراطور قسطنطين بعد أن تحول للمسيحية .

لكن المؤرخين الغربيين يبالغون في تأثير المرحلة الرومانية على هوية الايبريين فيتحدثون عن تبدل جذري في تلك الهوية نحو الرومانية, بدافع التخلص من الطابع الفينيقي الكنعاني واعتباره أثراً منتهياً في غياهب التاريخ من جهة, ولتأكيد الهوية الأوربية لإسبانيا بصورة حاسمة .

ومعظم المؤرخين الغربيين السابقين في القرن التاسع عشر حتى بعد منتصف القرن العشرين بقليل, يميلون الى بدء التاريخ القديم لإسبانيا من العصر الروماني, وكانوا لا يجدون ضرورة لبحث ما قبل ذلك سوى بأضيق نطاق .

لكن المكتشفات الأثرية الضخمة التي تمت بستينات القرن الماضي أحدثت صدمة كبيرة لعلماء الأركولوجيا وكان لا بد من اعادة النظر بالتاريخ الإسباني وخصوصاً ذلك الجانب منه في مرحلة ما قبل الميلاد, وفي كتاب “الفينيقيون في أسبانيا- مجموعة دراسات اركولوجية للفترة بين القرن الثامن حتى السادس قبل الميلاد”- ترجمتها من الاسبانية للانكليزية . مارلين بيرلنغ: ” إن الحفريات التي بدأت في 1960 م مثلت نقطة تحول قادت انتباه المتخصصين لظاهرة المستوطنات الفينيقية في شبه الجزيرة الايبرية, ومنذ ذلك الوقت أظهرت الأبحاث المعمقة أن المستوطنات الفينيقية في شبه الجزيرة أوسع بكثير مما كان يعتقد في السابق, مع معرفة أن التجمعات السكنية الفينيقية امتدت على الساحل من مصب نهر سادو جنوب لشبونة في البرتغال الحالية مرورا بمضيق جبل طارق وحتى مصب نهر سيغورا في مقاطعة اليكانتي”.

وفي حين انتهى الأركولوجيون الجدد للتسليم بعمق وشمول الحضارة الفينيقية في ايبريا إلى درجة اعتبار كونها طبعت شبه الجزيرة بطابعها حتى بالنسبة للشعوب ذات الأصول الأخرى غير السامية كالسيلت, فقد أصبح من الضروري تضخيم دور المرحلة الرومانية وجعلها قد قضت بصورة تامة على الهوية الايبرية الأصلية ذات الطابع الفينيقي واستبدلتها بالهوية الرومانية . والحقيقة أن الاصرار على اقرار ذلك كأمر مسلم بها ليس له سند علمي واضح .

فالإمبراطورية الرومانية حكمت مناطق شاسعة حول حوض البحر الأبيض المتوسط وأوربة, ووجدت في تلك المناطق حضارات متعددة وشعوبا مختلفة, ورغم تأثرها بالمرحلة الرومانية, لكن هويتها الحضارية لم تتبدل على طول قرون مديدة .

وأوضح مثال على ذلك وأقربه لإسبانيا هو بلاد الشام أو سورية القديمة, والتي تتشابه في طبيعتها من حيث المناخ والموقع على البحر المتوسط واقتصادها وسكانها (الآراميون والكنعانيون الفينيقيون) تشابهاً كبيراً مع إسبانيا, فقد احتلها الرومان أيضاً اعتباراً من العام 64 ق.م على يد القائد العسكري بومبيوس الكبير, وبقوا فيها حتى العام 637 م أي حوالي 700 عام, فهل تغيرت هوية سورية الآرامية- الكنعانية واستبدلت بهوية رومانية ؟

ففي مملكة تدمر العربية التي كانت جزءاً من الامبراطورية الرومانية تظهر الآثار تمثل النمط الروماني في بناء القصور والمعابد وتنظيم المدن, أما معبدهم الكبير فكان مكرساً للإله بعل إله الآراميين والفينيقيين وليس لآلهة روما. وتجارتهم كانت تتم باللغة الآرامية مع الشرق وباللغة اللاتينية مع أوربة الرومانية. وأسماؤهم كانت أسماء عربية بإضافات رومانية مثل زنوبيا وهي ذاتها زينب العربية. فالتأثيرات الرومانية وجدت الى جانب الميراث الحضاري الأصلي وليس بدلا عنه .

وعند فتح العرب المسلمين لبلاد الشام وهزيمة الجيوش البيزنطية لم تكن بلاد الشام رومانية بعد 700 عام من الاحتلال الروماني, بالتأكيد كانت هناك مؤثرات رومانية باقية, لكن اللغة اللاتينية لم تحرز أي تقدم على صعيد السكان الأصليين فبقيت اللغة الآرامية سائدة حتى جاءت أختها العربية فحلت مكانها بالتدريج, ولاشك أن اللغة اللاتينية كانت هي اللغة الرسمية للحكم الروماني, لكنها بقيت محصورة بالحياة الرسمية ولم تتمكن من إزاحة الآرامية على الإطلاق .

لا شك أن الرومان أنشأوا في سورية معسكرات للجيش لتأمين السيطرة على البلاد كما فعلوا في اسبانيا, ولا شك أن قسماً من الجنود وأمراء الجيش تزوجوا من سوريات ولا بد أن بعضهم استقر في سورية, لكنهم جميعاً ذابوا بالهوية الحضارية الآرامية- العربية لبلاد الشام فلماذا يصر المؤرخون الغربيون أن الايبريين الذين طبعتهم الهوية الحضارية الفينيقية بطابعها وكانوا هم أصحاب البلاد الأصليين, وكانت أعدادهم تزيد عن ثلاثة ملايين, ومدنهم مزدهرة وتجارتهم تصل إلى كل مكان ومستواهم الحضاري لا يقل عن الرومان رغم تفوق الرومان بالإدارة والأعمال الهندسية وبقوانينهم المشهورة, لكن الهوية الحضارية يمكن لها أن تستمر ضمن ذلك التفوق كما حصل في تدمر وفي بلاد الشام رغم أن بقاء الرومان في بلاد الشام أطول من بقائهم في اسبانيا .

لا بد لنا من أن نميل للتفكير أن المؤرخين الغربيين تسرعوا في اعتبار الفترة الرومانية كافية للقضاء على الهوية الحضارية الفينيقية وفرض هوية رومانية, وأن ذلك جاء بدافع الرغبة في أوربة اسبانيا وقطع كل صلة تربط ايبريا بماضيها الفينيقي الذي استمر 600 عام بدون انقطاع . لكن ذلك التوجه نحو “رومنة ” التاريخ الايبري لم يخل من الانتقاد ورغم أن الانتقاد لنظرية الرومنة الحضارية لم يأت في المثال الذي سأورده مخصصا لايبريا الفينيقية لكنه ينطبق عليها أكثر من انطباقه على المنطقة التي كان الباحث بصدد تقييم الرومنة فيها وهي فقط وسط ايبريا .

ففي كتاب لـ يونارد اي كورسبن “رومنة وسط اسبانيا- التعقيدات, التنوع, المناطق النائية الداخلية”، كتب ليونارد حول نظرية الرومنة الآتي: ” إن نظرية الرومنة هي مصطلح وصفي أكثر من كونه تعريفيا أو تفسيريا, إنها اسم مفيد لبناء أو نمط أنتجه الأخصائيون في العلوم الانسانية عملية نقل للثقافة تم بواسطتها تكامل السكان الأصليين ضمن الامبراطورية الرومانية . لكن في السنوات الأخيرة على أية حال فإن مفهوم الرومنة والكلمة ذاتها أصبحت تحت نيران النقد .

فمفهوم الرومنة ينكشف في بنيته عن فرضيات مؤسسة على تفكير خاطئ, لم يتم اثباتها حتى الآن, وبالتالي فنحن بحاجة لإعادة بناء ذلك المفهوم ( الرومنة ) بعرض الاشكالات التي يتضمنها وإنتاج تعديلات عليه لحذف الدلالات غير الصحيحة فيه” .

وتوضح الفقرة المقتبسة أعلاه أن مفهوم ” الرومنة ” لم يعد مفهوماً مقبولاً عند الأجيال الجديدة من المؤرخين وعلماء الأركولوجيا, وفيما يتعلق بايبريا الفينيقية فإن الحديث عن “رومنتها ” بمعنى شطب هويتها الحضارية الايبرية تماماً ومنحها هوية حضارية رومانية أصبح تفكيراً قديماً بالياً .

————————
يتبع.. الفصل الثاني

«معقل زهور عدي»: كاتب وباحث عربي سوري