الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

سورية في السياسة الأمريكية

    ينشغل العالم كل أربع سنوات بماكينته الإعلامية ومحلليه وسياسييه وحكام دوله جميعها بانتخابات الرئاسة الأمريكية، ولا غرابة في ذلك فاليد الطولى الأمريكية تطال الجميع سلباً أو إيجاباً، في المناحي السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، فهي المانح الأكبر للمساعدات الدولية وهي الحاجب الأكبر لهذه المساعدات، وبرضاها تستمر الأنظمة القامعة لشعوبها في الحكم وبإرادتها تسقط حكومات شعبية وديمقراطية منتخبة ليحل محلها الفوضى والقمع والقتل والتشريد، ومنذ الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها منتصرة وقوية بينما الجميع مهزومون أو متعبون ومدمّرون حد الهزيمة، وبذلك فرضت نفسها القوة الأكبر المسيطرة على العالم الغربي الذي يتسع لأكثر من نصف الكرة الأرضية، يقابلها معسكر شرقي يقوده الاتحاد السوفياتي مع فارق القوة بين الإثنين، وبذلك أصبح العالم ثنائي القطبية….. وبانهيار الاتحاد السوفياتي في تسعينات القرن الماضي، ازداد توحش هذه القوة الغاشمة وفرضت نفسها كقوة كبرى وحيدة في العالم، بأنظمتها المالية ونيوليبراليتها ونمطها الاستهلاكي المادي، وبينما هي تسيطر وتتحكم بالثورة الرقمية والتكنولوجية، أصبحت تبتز الصديق قبل العدو بتحكمها بأنظمة الاتصالات والمعرفة الرقمية التي دخلت في كل مناخي الحياة .

    لهذا ينشغل العالم ولا يهدأ حتى يستقر ساكن البيت الأبيض الجديد أو المجدد له، ويبدأ الحج للبيت الأبيض لنيل الرضى ولعقد الصفقات ولمعرفة اتجاهات الإدارة الجديدة وتوجهاتها.

    غالباً لا تكون شعارات الحملة الانتخابية هي نفسها سياسة الإدارة الجديد فاتخاذ القرار في عاصمة القرار يمر بمراحل عديدة، فهناك سياسات مختلفة لكل من البنتاغون “وزارة الدفاع ” ووزارة الخارجية ودوائر الاستخبارات الخارجية والداخلية، ثم تأتي سياسة البيت البيض بما تشمله من الرئيس ومجموعة مستشاريه في الدفاع والأمن والشؤون الخارجية وغيرها، ليكون القرار محصلة لآراء الجميع وطبعاً القرار الأخير للرئيس.

    ما يهمنا كسوريين هو  توجهات السياسة الخارجية نحو سورية بأرضها وشعبها، التي طالما كانت معادية لسورية وأرضها، فمنذ توجه الإدارة الأمريكية خارج بلادها بعد الحرب العالمية الثانية، وتشكل المعسكر الشرقي واشتعال ما سمي بــــــــ {الحرب الباردة} بين المعسكرين، وضعت سورية في عين العاصفة، ولموقعها الجغرافي الهام أريد لها الانضمام إلى الحلف الغربي، الذي بدأ بتشكيل طوق حول الاتحاد السوفياتي شمل كل من إيران الشاه وعراق نوري السعيد وتركيا عدنان مندريس مع الباكستان وبريطانيا وأمريكا وكان ينقص هذا الحلف سورية ليكتمل الطوق، وكانت أمريكا تسمي هذا الحلف بحلف بغداد والواقع ضمن استراتيجيتها بملء الفراغ الذي نجم عن خروج بريطانيا وفرنسا من المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية؛ والمقصود به هو وحلف الناتو في أوربا الغربية وأحلاف جنوب شرقي آسيا محاصرة المعسكر الشرقي.

    رفضت سورية شعبا وحكومة الانضمام لهذا الحلف وهي التي تقيم علاقات مع الاتحاد السوفياتي. فكان التهديد التركي العراقي عام 1957 باجتياحها، فحشدت تركيا قواتها واستعدت سورية بمؤازرة مصر الثورة التي أرسلت قوات عسكرية للاذقية دعماً لسورية وموقفها، ونظمت مقاومة شعبية من المتطوعين للدفاع عن الحدود. وانتهت التهديدات بقيام الوحدة بين مصر وسورية عام 1958، وبسقوط حلف بغداد بسقوط الحكم الملكي في بغداد.

    استمر العداء الأمريكي لسورية ومحاصرتها حتى أسقط حكم الوحدة بتآمر رجعي عربي وغربي، وعادت سورية وحيدة في خضم الصراعات الدولية، وبعد الثامن من آذار وانفراد البعث بالسلطة، رُفعت شعارات العداء للإمبريالية وأمريكا زعيمة الغرب، إلا أن الواقع كان مختلفاً تماماً، فجُرَ عبد الناصر لحرب 1967 وما نتج عنها من هزيمة وقيام الحكم بتسليم مرتفعات الجولان المحصنة دون حرب، وحرب 1973 التي أريد لها أن تكون حرب تحريك وانتهت بمصر إلى كمب دافيد وفي سورية إلى فصل قوات أبدي برعاية أمريكية، ودخول لبنان بضوء أخضر أمريكي إسرائيلي، وإنهاء الوجود الفلسطيني المقاوم، ثم المساهمة بحصار العراق الشقيق والدخول تحت قيادة أمريكا في حرب ضده وصولاً إلى مؤتمر مدريد للصلح مع إسرائيل…. كل ذلك يوضح أن سياسة الحكم بعد الثامن من آذار عام 63 تطابق السياسة السورية والأمريكية مع الاضطرار بين الحين والآخر لقليل من الضغط لتعديل سلوك النظام.

    مع بداية الثورة الشعبية في سورية في 15 آذار 2011، توهم البعض ممن كان يراهن على تدخل خارجي ضد النظام أن أميركا ستكون في صف الثورة، حيث تحرك السفير الأمريكي فورد بدمشق وحماة وغيرها، وعقد الاجتماعات هنا وهناك ليوهم الناس بأن أمريكا معهم، وليتضح بعد ذلك وعندما غادر دمشق أن الحقائق عند البعض لم تكن إلا أوهام، ومع تطور الأحداث وتراجع الثورة السلمية أمام ظهور وتمدد الفصائل المسلحة ودخول جبهة النصرة و”الدولة الإسلامية ــــ داعش” إلى الساحة، أعلنت أمريكا أنها مهتمة فقط بمحاربة داعش ومنعت على الفصائل الموالية لها محاربة النظام وحصر اهتمامها بمحاربة داعش التي كانت فزاعة للجميع ومن صنع الجميع. ونسي من كانوا يهللون للتدخل الخارجي الآتي لا محالة، أن الإدارة الأميركية أعلنت صراحة رفضها التدخل لتأمين ممر للمساعدات الإنسانية أو لإقامة منطق عازلة أو لفرض حطر جوي لحماية المدنيين من قصف النظام المدمر، فكيف ينتظر منها التدخل العسكري ضد نظام كانت العراب الرئيسي في توريثه بالإضافة إلى مصلحة حليفتها الرئيسية في المنطقة إسرائيل الحريصة على استمرار القتال وبقاء النظام الذي حمى حدودها على مدى ما يقرب من 50 عاماً، وبعد أن اكتشف الجمهور الأمريكي زيف مبررات حرب بوش الصغير في العراق.

    لا ننسى في هذا المجال خطوط أوباما الحمراء التي تحولت إلى خضراء أمام التدخل الروسي الذي قتل الشعب السوري ودمر اقتصاده وعمرانه، وعندما كشف أوباما في مذكراته التي وزعت أخيراً أنه لم ينجح في التعامل مع المشكلة السورية، خرج له أحد مساعديه وكذبه قائلاً: « بقينا نعمل نحن والروس بتوجيهات الرئيس أشهر عديدة عام 2015 لابتكار أنجع الحلول لدعم النظام السوري وبقاؤه ».

    أخيراً، وكما تتصرف الإدارة الأمريكية في كل العالم ضد مصالح الشعوب، ومع بقاء الأنظمة القمعية والفاسدة والحليفة لها، لن تخرج عن هذا النسق في تعاملها معنا، فأمريكا دائماً كانت عدوة الشعوب.