الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

سلسلة حرب تشرين والمستقبل العربي 2/6 

الدكتور جمال الأتاسي

ثانياً الهدف المرحلي والأهداف الكبرى لنضال الجماهير

 

     قدحت الشرارة وأضرمت النـار، نار الحـرب الرابعة بين العـرب وإسرائيل وتحركت القضية من جديـد، قضية تحريـر الأرض واسترجـاع الحق كما نسميها نحن العـرب، أو مشكلة الشرق الأوسط كما يسميها الآخـرون.. فماذا قدمت وتقدم هذه الحرب من معطيات وعلى أي طريق تتحرك القضية ونحو أي هدف مبـاشر أو أبعـد تمضي؟

     لقـد أخذت حرارة القتال في أيام امتداد القتال بجماهيرنا كلها فاندفعت تعطي كل حماستها وتطلعاتها للمعركة لتكون معركة التحريـر، ولم تطرح سؤالاً على القيادة التي قررت القتال، عن كيف قررت ولا كيف أعدت ولا كيف تمضي وإلى أين تمضي بهذا القتـال، فمطلب الجمـاهير كان دائمـاً أن نقـاتل إذ لا سبيل لدحر العدوان إلا القتال، ومطلبها بعد ذلك كان أن يستمر القتال حتى بلوغ الهدف؛ أما وقد أوقف القتال أو توقف قبل بلوغ الهدف، ولـو من خلال الوعد ببلوغه- ولـو من خلال الوعد بالعـودة للقتال إذا لم تُحقـق محـاورات السلام هـذا الهدف- فإن جمــاهير شعبنـا في قلق، والتساؤلات كثيـرة وحـركة السياسة محفوفة بمخـاطر كثيرة ومنزلقـات، ولا بد من مواجهتها بالوضوح، وفق المطلب والهدف ووضوح الطـريق إليــه.

     والوضـوح اليـوم مطـلب جمــاهيـري مُلّــح، ونحـن في الاتحـــاد الاشتــراكي كجــزء من حـركــة الجمــاهير لا بـد أن نُسهـم في توضيـح معـالـم الطـريق، أمامنــا وأمـام جمـاهير شعبنا، لنعرف إلى أين نمضي وكيـف نسيـر.

     لقـد قدحت الشرارة قبل شهرين واندلعت الحرب، و((الشرارة)) كما قيل هي كلمة السر التي رمـز بهــا الرئيس السادات لخطّـة القتـال عنـدما أصدر أمـره بالقتال فتحركت جيوش مصر وسورية تختـرق السويس وخـط بارليـف وتقتحم تحصينات العـدو على هضاب الجـولان.. الشرارة أوقدت حــرباً، فماذا كان البعــد الاستراتيجي لهـذه الحـرب في نظــر القيـادة السياسية لمصر وسورية التي حملت مسؤوليــة التخطيط لهـا وتصميمهـا وتقـريــرهــا؟؟

     إن المملكة العربية السعودية كانت على علـم، كما هـو واضح من مجريـات الأمـور، ولم تكن بعيدة عن المشاركة في التخطيط و التنسيق والاتصال من قبل اتخـاذ قـرار البـدء في القتال.. وهنـاك آخرون أيضاً علمـوا أو وضعـوا لمسات على هـذه الحـرب وحــدوداً…، ولكـن ما أن بدأت المعـارك واندفـع المقاتلون حتى أصبحت القيـادة السياسية التي اتخذت القرار وأصدرت الأمر، أي بالتحديد قيادة مصر وسورية هي التي تقود معركة الأمة العربية كلها، قيادة يفرضها الواقع في الحرب، واقع الإمساك بالسلاح واستعمال السلاح في مواجهة العـدو والتصميم على القتـال، واليـوم وبعد كل ما تـلاحق من أحداث ودخلت في الساحة من قوى ومعـونات عربية، تظل هذه القيادة هي الممسكة بالخط الاستراتيجي ما بقيت تملك التصميـم على مواصلة القتــال أو استئنــاف القتـــال .

     المفروض أن العـرب جميعـاً يعرفـون كما يعـرف العـالم كله، أن قيـادتي مصر وسوريـة تلتـزمـان وتؤكـدان دائمـاً الالتــزام بهدف إزالة آثـار عـدوان حزيران 1967 هدفاً مرحليـاً محدداً، كما تلتزمان وتؤكـدان دائماً الالتـزام بالأهداف الاستراتيجية الكبرى والمتلازمة لنضال الجمـاهير العربية في التحرير الكامل والحـرية والاشتراكية والـوحدة.. فخطة التحرك نحو الهدف المـرحلي والمحدد، ونجـاح هـذا الهـدف الـذي يمس أخطـر قضيـة من قضايـا المصير العـربي و((قضيـة فلسطيـن والصـراع العـــربي الإسرائيلي)) ، لا بد أن تدخل في إطـار المسار العريض نحو الأهـداف الاستراتيجية الكبرى سواءٌ أُعلن ذلك أم لـم يُعـلن.. هـذا هو المفـروض، بل هذا هـو المطلوب ممن يحمل مسؤولية قيادة الأمة، تحت لواء التقـدم والتحـرر والوحدة في معـركة من أخطر معارك نضالها الطويل، إن وضوح الهدف هو وضوح الطـريق نحو هـذا الهدف، والربط بين الـوسيلة والغايـة هـو الضامن لتقدمنا وهو الذي حرك ويُحرك إرادة النضال والقدرة على الاستمرار في النضال لدى جمـاهير أمتنـا والقـوى العربيـة وغيـر العربيـة التي ساندت ودعمت وشاركت مصر وسورية لا بد أن تعرف وتظل تعرف التصميم القريب والبعيد الذي تسير فيه مصر وسورية، بل وتسير فيه قـوى التقـدم والنضال العـربي كلها.. فمسؤولية مصر وسوريا وهمـا في خــط النـــار مدججتــان بالأعتـــدة الوفيــرة وبكل مسانـدة الأمـة في مواجهـة العــدو، مسؤوليتهما وهما اللتان تملكان وحدهمـا قـرار القتـال أو اللاقتـال، أن تتقدما كطليعة محاربة في السلاح وفي السياسة وأن تـؤكدا تصميمهمـا الذي بدأتـاه وأعلنتـا عن أهدافـه، بهـذا التصميـم المعلن ألـزمتـا وتُلزمان الأمة العربية كلها بهما وبهـذا ألزمتـا وتُلزمان قوى كثيرة في العالم، وليس من شروط تُفرض على الذين يقاتلـون لتحريــر أرضهــم ووطنهــم.

     لقـد قلنــا دائمـاً أن خطـوط مصر وسورية في مواجهـة العـدو هي خطـوط الأمـة العربيـة كلهـا.. وأنهما بمجرد خوضهما القتال جدياً والمضي على طريقه، سيجرّان الأمة العربية معهما ويُفجران الكثير من الطـاقات المحسوبة منهـا وغيـر المحسوبة، وهـذا ما أكدته عمليـاً هـذه الحـرب حين وحـدت الأمـة العربيـة في موقف الدعم الكامل للقتـال الذي خاضته مصر وسورية وفي كل المجـالات، فاندفاع مصر وسورية في معركة السلاح هو الذي حـرك وحـدة الأمة كما لم تتحرك من قبل  فأعطت ما أعطت ولم يكن قليـلاً ما أعطت وكانت ستعطي أكثر وأكثر لو استمر القتال وكانت التغييرات على طريق الوحدة القوميـة ستتعـزز أكثـر وأكثـر.. إن كان هناك من ثغـرات في هذه الحرب التي خضنـاهـا- ولقد كانت هناك ولا شك الكثير من الثغـرات والأخطاء- فهي لا تُسحب على ما قُدم لمصر وسورية وما دعمنا به وما كانت قيادتهما تضعه في احتمالات الدعـم، إن ما قُـدم لهما من دعم عربي ودولي وبخاصة من الاتحاد السوفيتي- وما أحاطت بهما من ظروف وما دفعت من مفاجآت كانت كلها لصالحهما، وكلهـا جاءت مواتيـة وأكثـر مما كان في التقديـر والتخطيط المسبقيــن؛ فالثغرات والأخطاء كانت في طريقة الإعـداد العسكري والشعبي المـرتبطـة بطبيعـة نُظـم الحكم، وكانت في تقديـر قـواهـا الذاتيـة وفعاليتها الحقيقيـة، وفي طريقـة توجيههـا واستخدامهـا، كما كانت في نقص القـدرة على التصميـم البعيد، وعلى الحـركة السريعـة وعلى الاستمـرار في الحـركة ومواجهـة المفـاجــآت والمبــادرة في الـرد عليهــا، ومسؤولية القيادة السياسية وهي التي مازالت تملك وحدها التقريـر والتصميم في هـذه المرحلة التاريخية الخطـرة، أن تفتح عقلها وقلبها فـلا تغلقهما خدعة أغاني التمجيد والنصر لتستوعب بسرعة طبيعية تلك الثغـرات فتتحرك بسرعة لسدها، فما زالت أمامنا تجارب صعبة ومزالق المعركة السياسية التي تمضي بها ليست أقل وعــورة من المخاطـر التي واجهتهـا وتواجههـا في مجـازفــة الحــرب.

     إن تحـول النظـم بسرعة نحو الدعايـات الطنـانـة في الداخل والمظـاهـرات الاحتفاليـة ونَظم أغاني الانتصارات والبطولات الخـارقـة، يتنافى مع الصيغ الدعائية العاقلة التي بدأنا بها حربنا وكانت تعبيراً على انتصارنا على الغوغائيـة والانفعالية والتخلف، هذه ردّة إلى الوراء وإغفال للانتصارات الحقيقية التي سجلها شعبنـا وسجلتها أمتنـا إبان المعركة حين تفتـح عقلهـا على العالم والعصر وعلى التطور والتقـدم، حين استوعبت بعقلانية ظرفها وطريقها.. يجب أن نعرف أن انتصارنا الوحيد الذي فرض نفسه حتى الآن هو اختراقنا لجدار التردد والعجز وتبديدنا للأساطير التي حُكنـاها عن عدونا لتبرير عجزنا وعن أنفسنا تعويضاً لعجزنا.. وانتصارنا كان في تصميمنـا على القتال في سبيل استرجـاع أرض الوطن أيّاً بلغت التضحيـات وتصميم الأمة العربية كلها معنا على عـدم الاستسلام لواقع الامتداد الإسرائيلي في أرضنـا العربيـة، هـذا الامتداد غير المعقـول والمنافي لمنطق التاريـخ، والذي جـاء من ثمـار تمزقنـا وتخلفنـا وعجـزنا عن استيعـاب قدراتنا وطاقاتنا وعن التحكم بمصائرنا.. أما الانتصارات الأخرى التي نتغنى بها فهي مازالت مُعلقـة.. إن العدو لم يتراجع عن أرضنا التي احتلها بالقوة والعـدوان ولم نقتلعـه منها ولم يُهزم بعد وهو الذي يتهيأ اليوم للانقضاض، ولا يلجمه عن الانقضاض الا أنه بدأ يعي أو كاد- ضمن الظـروف الموضوعيـة الكثيرة التي تحـاصره- أن حـربه أصبحت بـلا هـدف بعـد أن تـركـزت أهداف حروبـه الماضيـة- غيـر الامتداد في الأرض- على تحطيـم الطـاقات العربيـة وتأكيد عجـزهــا ليفـرض علينـا الاستسلام لعدوانه وللتسليـم بسيـادته على أرضنـا، فبعد أن اكتشفت الأمة العربية قدرتها على الحرب وعلى الاستمرار فيها وبعد أن اكتشفت قدرتها على توظيف طاقاتها وإمكانياتها في طرق فعالة ومجدية فان أية مخاطرة للعدو- ولو ظفرت في تدمير جيش أو احتلال رقعة جديدة من الأرض- فهي لن تفرض استسلام أمة ولن تقـوى على تحويل مجرى التاريـخ وإرادات الشعـوب.. وعـدا ذلك فانقضاض العدو محتمل فهو قد قام على سياسة القوة الغاشمة ومازالت اغراءات استعمالها بالنسبة له ودوافع استعمالها كثيرة ولو لإرباك المواقف ومماطلة الزمن لعله يسعفه بفـرص مواتية جديدة سواء في الأوضاع العـربيـة أو الدوليـة ثم هنـاك الظـروف الداخليـة لعـدونا الإسرائيلي وظـروف وجوده ذاتهـا وارتباطـاتـه العـالمية.. إن وجـوده قد قام على قدر كبير من اللامعقول، وهـذا اللامعقول المُسلح بكل وسائل التدميـر الحـديث الـذي زودتـه بهـا الإدارة الأمريكيـة ومازالت تـزوده يمكن أن يتفجـر عـدواناً جـديداً شرسـاً ولـن يلجمه إلا تصميمنا القاطع على مقاتلته وأن نملك القـدرة والتصميـم الكافييـن للاستمـرار في مقاتلتـه، وبوضـوح أهدافنـا وتصميمنا على بلوغها وبحركتنا السريعة لسد نقائصنا وثغراتنـا إنمـا نتحـرك على طـريق التحريـر ونُجنب أمتنـا الكثيـر من الخسائـر والكــوارث.

     لقد سادت بعد هزيمة حزيران موجة من النقد الواسع لنظم المواجهة ونظم التقدم ومقومات النضال العربي، وذهبنـا مذاهب عديـدة في تحليـل عوامل الهزيمـة وتراجـع حركة النضال العربي أمام الهجمة الامبريالية الصهيونية وظللنـا بعدهـا ست سنوات ونحن نراجـع وننقـد ونحن نستعـد ونتهيــأ لمعركة التحرير ومع ذلك فقد جاءت هذه الحرب التي أردناها ووقـتـتهـا القيـادات السياسية لتكشف من جديـد- مع كل ما برز من معطيات ايجابيـة- لتكشف أن الثغرات مازالت كبيرة في نظم التقدم سواء في صلابة تقدمهـا أو متـانة إعدادهــا أو من حيث تمــاسك استراتيجيتهــا والـربـط المحكـم بيـن الهـدف القـريـب وأهـــداف نضــال الجمـــاهير الكبـــرى.

     هذه الثغرات لا يجوز التغطية عليها بأغاني الانتصارات الخادعة، وظروف الحرب إذا ما التزمنا جميعـاً بالالتزام بالقيـادة التي قـررت القتـال وتقـود القتــال، فإنهـا تُـلزمنـا أيضاً بالمكاشفـة والمطــالبـة بوضوح الخطـة والتحـرك والمطالبة بسد الثغرات والتصحيح، وخطورة الظرف والتعقيدات الكثيرة المحيطة بقضيتنـا وحركة الأحداث المتلاحقة توجب وضوحاً أكثر وحركة أوسع وأسرع في التصحيح وسد الثغـرات فخطـر التحـول والارتـداد قـائـم والوصول إلى هـدف جزئي يمكن أن يأتي على حساب تـراجعــات عن الخـط الاستـراتيجي الأسـاسي.

     لقـد ظـل الرئيس السادات يعلن قبل شهـور من المعـركة عن الاستعـداد للحـرب الشاملـة للعـدو كمـا أعلنها الرئيس الأسد حرب تحريـر، وكحرب تحرير اندفعت معها جمـاهير أمتنا من المحيط الى الخليج وأرادتها أن تستمـر وتشمل الى أن تبلغ غايتها، إلا أن البعض أرادها حرب تسخين أو حكم عليها بأنها لن تكون من خـلال الظـرف الدولي الذي يطوقهـا ومن خـلال خطة مقرريهـا إلا حرب تسخين للقضية، أي حـرباً محـدودة تنـذر بالشمول ولا تشمـل وتتقـدم للتحريـر ولا تنجـز تحريـراً كبيراً، وتقلق، قوى العالم الكبرى والمصالـح الحيوية في العالم فيهـرع إلى إيقافها، فنُحاصَر بها كما يُحاصر عدونا للتوصل إلى حل وتسوية، وحـربنـا التي خُضناهـا لـم تكن حتى الآن وأياً كانت التخطيطـات أو النـوايا المسبقـة لمقرريهـا إلا حـرب تسخين بنتائجهـا الآنيـة.. وهـا أن القضيـة ساخنة وأكثر من ساخنة، ساخنة بنيران المدافـع المتقطعة على خطوط الاحتكاك مع العـدو وساخنة بسلاح النفط وبالمؤتمرات العليا وتحركات السياسة الكبرى التي لا تتوقف ومؤتمر السلام الوشيك الانعقاد في جنيف- والذي تمضي إليه مؤكّداً لندخل في صراعاته ومجالاته التي يمكن أن تطول و تتعقد- قـد لا يُعقد الاّ بعـد قتـال أو يقطعـه قتـال ويتحرك لإيقـاف القتـال، فما جرى من تسخين قـد لا يكون كافيـاً حتى الآن لانضاج الحـل سواء بالنسبة للمواقف العربيـة أو المـوقف الاسرائيلي بل وحتى بالنسبـة للقـوى الدوليـــة.

     فحرب تشرين تضعنـا ولا شك على أبـواب مـرحلـة تاريخية جديدة، إلا أنها تضعنا في البداية من خلال الطريقة التي مشينا بها في هذه الحرب والنتيجة التي وقفنا عندها، والعوامل الكثيرة التي تداخلت فيها والمصالح الكبرى التي تشابكت، والمفاوضات التي تبـدأ أو بدأت، أمام وضع من أعقد الأوضاع، ويكاد يكون فـريداً من نوعـه في تاريـخ الحروب والصراعات والمشاكـل الدولية ولن يحمينا من المنزلقات الخطيرة فيهـا إلاّ إطلالة صحيحة على المستقبل، والإطلال على المستقبل لا يمكن أن يكون إلا من خلال الإمساك بخط تاريخي هـو مرتكز في فهم ما يجرى وفي الفعـل فيما يجرى وفي التوجه نحو المستقبـل.

     هذا الطريق التاريخي الـذي صنعته جمـاهير أمتنـا بتجـارب نضالها وعبر كثير من المآسي والتضحيات والذي فـرض نفسه كقواعد تفكيـر وعمل وكأهداف نضال، وبخاصة في العشرين سنة الأخيـرة، وبخاصة بعد صعـود عبد الناصر واتجاه عبد الناصر في حياة أمتنا، هذا الخط والامساك به دائماً والاهتداء بهديه هو الذي يجنبنـا مـزالـق التعثـر والانحراف، وهو الذي يمكننا من مواجهـة التغييـرات المتجددة على طريق نضالنا ومن إعطاء الحكـم على ما يجـري وما يـدور من صراعـات ومن تسويــات.

     هـذا الخط يلتـزم بنهج في التفكيـر والعمل، ويلتـزم بمفهوم للإنسان وحـرية الإنسان وفهم لطبيعة الصراعات التي تُحـرك مجـرى التـاريــخ.

     فنضالنــا قـد التـزم بخـط عـالمي وإنساني، هـو خـط التحـرر والتقـدم والاشتراكيـة ضـد الظلــم والاستغــلال وهـذا هـو اختيـارنا الإنساني الذي يحـدد بمفهـومنـا الاشتراكي العـالمي لحـركة التـاريــخ وللعـلاقـات بيـن البشر.

     وفي هـذا البعد الإنساني هناك خطـــــان في العالــم مفتـرقــان:

     – هنـاك خـط الرأسماليـة والاحتكـارات وصنـع التطـور على حساب حــــرية الشعـوب وحـرية الطبقــات الكـادحـــة وهــذا الخــط هـو الـذي صنـع الاستعمـار وهـو الذي صنع الامبريالية والحروب العـدوانية وهو الذي صنع إسرائيل ووجودها الصهيوني، وهو الـذي يعـادي تحــرر وتقدم الشعوب.

     – وهنـاك الخـط الاشتراكي، خـط تطـور وتقـدم نضال الأفكـار والشعوب خلال أكثر من قرن من الزمن إنه ليس خـط معسكر محدود ولا خط أيديولوجيـة واحدة، بل هـو أفـق إنساني عـريض يحمل كل آمـال تحريــر الإنسان وتحريـر الشعـوب المضطهـدة.

     هـذه مقـولات قـد تكون بديهيـة بالنسبـة للكثيـرين، إلا أننا بحاجة للتذكير بها والإلحــاح عليها وفي هـذا الظـرف بالذات لتكون معيـاراً في توجهنا ومقياسا لمواقفنا وما يطرأ من تغييــرات.

     فحركة النضال العربي كتقدم وكتطلع ثوري، رفضت الطريق الرأسمالي وطنياً وقومياً وعالمياً، واحتكامنا لهـذا الخط هو الذي يوقينـا اليوم متاهـات الدروب، ولا يقف بنا عند المعضــلات الجـزئيـة في المواقـف الدوليـة والعـربيــة.

     ونحن لنا منطلقنـا القـومي والعـربي، الذي أكـد وجـوده عبر التاريخ، وما جاءت هذه الحروب الاّ لتزيده تأكيداً، فالقومية العربية وليدة تاريخنـا وحياتنـا وحـاجـاتنـا، وهي تحدد وجهـة نضال أمتنـا على طـريق وحدتهـا وبنـاء دولتهـا الواحدة، إلاّ أنها تُحددها في بعد عالمي في مسار إنساني وفي تفتح تحـرري وتقــدمي.

     وعنـدما حـدد عبد الناصر استراتيجيـة نضال أمتنـا نحـو أهـدافهــا الكبـرى المتـلازمة قال: الحـرية والاشتـراكيـة والـوحـدة أي وضع فكرتنا القوميـة وحـركـة وحدتنـا في مسار تاريخي معيـن، وكـذلك قـالت أو أصبحت تقـول قـوى النضـال العـربي كلهـــا.

     وهـذا مقيـاس أساسي وكبيـر والمستقبل القـريب والمستقبل الأبعـد مرهـونـان بـه، مقيـاس التقـدم على طـريق الوحـدة وهـو المعيـار لأي هـدف قـريب أو حـل للصراع الدائـر، وبمقـدار ما يقـربنـا منه أو يبـاعـدنا عنــه.

     والبعـد الانساني والاستراتيجيـة الوحدوية، لهما انعكاساتهما على طبيعة حركتنا، سواء في صنع وحدتنـا الوطنيـة وفي حـربنـا وفي سـلامنــــا.

     وهـذه الحرب، حركت التـلاحم الوطني، وحركت التـلاحم القومي، وحركت روابطنـا وعـلاقاتنـا الإنسانيـة، حركتهـا على طـريـق، وكان رهــان قــوى الثـورة والتقـدم على القتـال واستمـرار القتـال، لانضاج هـذا الطـريـق أي لانضاج حـركة التغييـر الـوطني والقـومي والـدولي بمـا ينسجـم بشكل قاطع مع أهــداف أمتنـــا.

     إلاّ أن القتـال توقـف، وكان ما أوقفـه، وعنـد النقطة التي توقف فيها، ليس التراجع الإسرائيلي ولا التدخـلات الدوليـة، بل قصور تصميمنـا، قصـور تصميـم قيـاداتنـا وتـرددها أمـام المضي في مخـاطـرة الحرب وهـذا القصور لا الانتصار هـو الذي نادى التدخل الدولي، وهو الذي وضع حربنا (التحريرية) عند حدود التسخيـن للقضيـة أي بالوقـوف بهـا عند صيغـة لا غـالب ولا مغلـوب.

     واضح أنه ليس هنـاك بعد من حل أو مشروع حل ينتظر الذاهبين إلى جنيف على مائدة المفاوضات كمـا وليس هنـاك من حل مسبق يمكن أن تكون توافقـت عليه القـوتان العالميتـان الكبيـرتان، أو مطالب توافقـت عليه النظـم العربيـة في مؤتمر القمـة، هناك دفع إلى حل، دفع مسلح ساخن، إلاّ أننا لا نملك بعد من هذا الحل إلاّ إقرار المنظمة الدولية والقوى العالمية لمطلب انسحاب العـدو الإسرائيلي من الأراضي المحتلة أو أراض محتلة، وتصميم نظم المواجهـة ومؤتمر القمة العربي على عدم القبول بحل لا يحمل الانسحاب الكـامل من الأراضي التي احتلها العدو في حـرب حزيران 1967 بينما يظـل العـدو يتمـكن ويستحكـم ويُحـول مجاري الميـاه ويحصن التــلال لا في الأراضي التي احتلها سابقاً بل وفي الأراضي التي امتـد بهـا اختـراقاً في حــرب تشرين.

     إننـا قاتلنـا… تلك كانت خطـوة كبـرى إلى الأمـام، وتحـت نـار القتـال تحـرك التـلاحـم الـوطني والتضامن القـومي، ثم تحـرك سـلاح النفـط وبعـده سلاح الأرصدة المـاليـة، وكل ذلك كان جيداً، إلاّ أن السؤال اليوم من الذي يقـود حركتنا وإلى أي هدف نتوجه؟ وعلى أي طريق وبأية عوامل ومؤثرات يتـم انضاج المـوقف أو المـواقـف العــربيــة؟

على أي طـريـق ولأي هـدف يجـري إنضاج أو تحـريك وحدتنــا الوطنيـــة؟

وعلى أي طـريق وتحت أي رايـة وهـدف يتـم إنضاج العمـل العـربي المــوحـد؟

وعلى أي طـريـق نمضي في عـلاقـاتنــا وروابطنــا الدوليـــة؟

     نمضي إلى المفاوضـات ونقول أننا سنقاتل إذا ما تعرقلت أو تلكأت، هكذا تقول نظم المواجهة كما قالت النظم التي ضمها مؤتمر القمة في الجزائر كلها، أنها ستدعم بكل طاقاتها وقواها نظم المواجهة إذا ما قاتلت فمـاذا ستكون أبعـاد هـذا القتال إذا ما وقــع وما الـذي سيحدد هـذه الأبعــاد ولأي هـدف؟

     نقـول بالسلام العادل، ونحن نعـرف أن لا سـلام عـادل في هـذه المرحلة بالنسبة للعـرب بل سـلام انسحاب العـدو من الأراضي التي احتلهـا في حـرب حـزيـران، ومقـابـل ذلك مـاذا نقـدم؟

     نقول بعدم التنازل عن الحقـوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وهذه الحقوق لها ترجمة محددة وضيقـة في المؤسسة الدوليـة تعني حق العودة أو التعويض، كما يضاف إليها اليوم إمكانية إقامة كيان ما، على حدود غير واضحة بعـد وضمـن شروط غيـر محـددة بعـد للفلسطينيين، وإذا كنا قد طـورنا الشعـار من الحقوق المشروعة، إلى المنـاداة بالحقوق القوميـة المشروعة للشعب الفلسطيني وهذا يعني الحق في الأرض والحـق في تقـريـر المصيـر، فما أنضجنـا بعد موقفـاً عربيـاً محـدداً حـول هـذا الحق أو تصور لأبعــاده، إن ثمـة موقفـاً نادت وتنـادي به المقاومـة بإقامـة الدولة الفلسطينيـة الديمقراطيـة المشتركة بين العــرب واليهـود ومـا نظـن أن المقاوميـن العـرب، ولا المقــاومة الفلسطينيـة إذا ما أُدخـلت في حلقــة المفـاوضـات، يمكن أن يدفعــوا بمـواقفهــم نحـو هــذه الغـايـــة.

     وإذا كان هـذا كله يعني أن الأمـور لم تنضج بعـد لحـل فإن القـوى والعـوامل المتباينة تتداخل على كل مستوى وصعيـد لتـفعـل وتـؤثــر في حـركتنــا نحــو المستقبـــل.

     وإذا أردنا أن لا نترك للآخرين محاصرتنا وتطويق حركتنا، أي انضاج التقبل العربي للحلول التي يجـدون أنها الممكنة أو يمكن للعدو أن يقبل بهـا، وإذا أردنا أن نفيـد من تأجج القضية لنُنضجها لصالحنا بالنضال السياسي أو بالنضال المسلح، وإذا وجدنا أن لا سبيل أمامنـا إلا أن نقـاتل ونحتكـم للسـلاح من جديـد فما هــو المطلوب منا، وما هو مطـلوب من النظـم والقوى التقدميـة أن تفعـل؟ مـا هـو مطلوب منهـا أن تراجع وتغيـر، ما هو مطـلوب منهـا أن توضـح..؟

     الوحدة الوطنية مطلوبة، وكان ثمـة تلاحم وطني عفـوي أيام القتال لم تصنعه النظم بل الحـس الوطني للجمـاهير، فعلى أي الأسس يمكن أن تبنى الوحدة الوطنية، ولتكون وحدة فعالة في القتال وفي السلم تؤكد ارادة الجماهير، وتحدد الهدف وتتحرك نحوه، ولا تكون وحدة مصطنعة غامضة المعالم والحـدود وبـلا إرادة إلاّ الالتفـاف حـول الحكام والسير مع النظـم حيث ما تحـولت أو سارت، والموافقة على قـرارات مُتخذة مسبقـاً ومُعـدة في غيبـة الجمــاهير وفي غيبـة مؤسسات ديموقراطيــة لهــا.

     الوحدة الوطنية مطلوبة ولكن لا لمجرد توسيع إطار المشاركة الشكلية في حمل المسؤولية من غير مشاركة صحيحة في صنع القرارات المصيرية، وإنما لصنع صلابة الصمـود ولصنع صلابة التقـدم والبنــاء الديموقراطي للنظـم، وللتأثيـر الجـدي في مسيـرة نظــم الحكـــم.

     و التضامن العربي مطـلوب وكذلك ترك الكثيـر من التناقضات بين النظم العربية المختلفة جانباً في سبيل مواجهة التناقض الكبير مع العـدو وفي سبيل مواجهة الخطر.. إلاّ أن الوحدة القومية مطلوبة فوق ذلك والعمل الوحدوي.. وثمـة تطـور بين العمل الموحد في سبيل موقف عربي موحد وتضامن عربي لهـدف محـدد، وبين العمل الوحـدوي الذي هو استراتيجيـة الدفـاع واستراتيجيـة البنــاء لأمتنـــا.

     ولقد أعطى التضامن العربي والعمل العربي المشترك في هذه الجولة مع العدو أكثر مما أعطى في أية مرحلة سابقة، أعطى للقتال سلاحاً بل وجنوداً، وأعطى بالدعم السياسي، و الدعم الاقتصادي وأعطى بسلاح النفـط… وفي هـذا المنحى فقـد كانت ثمـار مؤتمـر القمـة في الجزائـر طيبــة.

     إلاّ أن العمـل العـربي المشتـرك لا يجـوز أن يأتي بأية حـال على حساب العمل الوحدوي أو لتحويل من تجمعهم وحـدة الهـدف، الهدف القريب والهدف البعيـد، عن أهدافهم وعن مسيرتهم وعن إنجازاتهم على طـريق التحـريـر والتقـدم والـوحــدة.

     فثمة فارق كبيـر بين التجـاوز في هـذه المرحلة عن تنـاقضـات بين القـوى والنظـم العربيـة لصالـح القضية القوميـة الكبـرى، وبين إغفـالهـا أو تناسيهـا وبينهـا تنـاقضـات أساسية تتنـاول فهم الحياة وفهم التطـور وفهـم القضيـة القوميـة ذاتهــا.

     ثمـة فـارق وفـارق كبيـر بين الخط المحـافـظ والرجـعي وبين خـط التقـدم والتحــرر.

     ثمـة فـارق وفارق كبير بين الخط الرأسمالي في صنع التطور وبين الخط الاشتـراكي.

     إن عشرين عـامـاً من النضال المريـر رسمت طــريقــاً محـددة وأهـدافــاً لنضـال الجمــاهير، هــذه المسيرة يمكن أن نلمس بداياتهـا منذ أن ضربت قيـادة عبد الناصر احتـكـار السلاح والتابعيـة للغرب، ومن يـوم أن صنع النضال العـربي طريـق الـوحـدة، واختـار الطـريق الاشتـراكي في بنـاء التقــدم.

     وفي هـذه المعركة تـم وفـاق وتعاون عربي، بيـن قـوى النضال والتقـدم، وقـوى النفـط والمــال إلا أن هـذا الوفـاق والتعـاون الذي يُنصّب النفـط باتجـاه حـل، أو ما يسمى (بالحـل العـادل) في الصراع التــاريخي بين العـرب وإسرائيل، لا يجـوز أن يحـولنــا عن طـريقنــا وعـن أهـدافنـــا.

     إن عمليـة إنضاج الحل، تتحـرك من ورائهـا قـوى، تعمل لتحويل النظم والقوى العربية عن ذلك المسار الـذي خطتـه خـلال عشرين عاماً.. وهنـا نقـف، ولا بـد من التـصـدي.

     فإلى أيـن يتحـرك بنا هـذا الجدال بين قـوى السـلاح والنضـال وقـوى النفــط والمــال؟

كانون أول 1973

———————————————————————–
– للاطلاع على الجزء السابق: أولاً – المقدمة: وقفة عند وقف إطلاق النار.. على الرابط: https://thefreedomfirst.com/2020/11/11/سلسلة-حرب-تشرين-والمستقبل-العربي-1-6/
—————————
يتبع.. 3/6؛ من هذه السلسلة