الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أنا والكمامة والقانون

د . راتب شعبو *

قبل أن أخرج من البيت كتبت اسمي وعنواني المفصل على الورقة التي سبق أن طبعتها عن الانترنت، وأضفت التاريخ وساعة الخروج، ووضعت إشارة إكس في المربع الذي يسبق عبارة “أخرج للتنزه وأخذ الهواء”، ثم أضفت توقيعي في أسفل الورقة، وطويتها قبل أن أضعها في جيبي. ثبتُّ الكمامة على وجهي جيداً، اخترت محطة راديو فرنسا الدولية على الموبايل، وضعت السماعات في أذني، وخرجت. الحديث يدور عن قرب تصنيع اللقاح لفيروس كوفيد 19، وعن ضرورة جعله إلزامياً أم لا، مجانياً أم لا، وعن البدء في تلقيح الناس الأكثر ضعفاً أمام الفيروس وهم كبار السن المقيمين في بيوت التقاعد. الشوارع خالية تقريباً من الناس. لوحة الإعلانات بيضاء، في وسطها ورقة صغيرة مكتوب عليها “يمنع وضع لإعلانات”. واصلت سيري دون أن أفهم الحكمة من منع الإعلانات في فترة الحجر المفروض للتخفيف من انتشار الفيروس.

وصلت إلى الحديقة العامة التي تبعد حوالي 500 متر عن البيت. كانت الحديقة شبه خالية، بضعة كبار في السن مكممون يتوزعون على المقاعد التي يفصل بين أحدها والآخر ما لا يقل عن سبعة أمتار، يشبهون طيوراً متعبة تحط على أغصان شجرة كبيرة عارية. هناك رجال آخرون، مكممون أيضاً، يلعبون البيتانك (لعبة تقليدية فرنسية من كرات معدنية بحجم طابة التنس، كل لاعب يرمي كرته عن مسافة حوالي ثلاثة أمتار لكي تتوقف أقرب ما يمكن من طابة صغيرة موضوعة سلفاً). لا أعتقد أن هناك لعبة أكثر بلادة من هذه اللعبة، ولكنهم يلعبونها بحماس ويقضون فيها ساعات.

اخترت طريقاً منعزلاً في الحديقة وأخذت أمشي عليه جيئة وذهاباً، الحركة التي اعتدت عليها في السجن، غير أن الطريق هنا طويل بما يحمي من الدوخة التي كنت أشعر بها إذا أطلت في هذه الحركة المكوكية. لم يكن أحد حولي. خلعت الكمامة ووضعتها في معصمي. لقد خرجت أساساً للتنزه وأخذ الهواء، كما هو مكتوب في الوثيقة التي وقعتها.

كنت مستغرقاً في سماع الراديو، حين ظهر أمامي فجأة عنصران من شرطة البلدية. بعد سنوات من خروجي من سورية لا يزال يرتجف قلبي من رؤية رجال الشرطة. أعلم أن المخالفة الأولى لعدم وضع الكمامة غرامتها 135 يورو، والثانية 1500 يورو. ليس هذا هو الوقت المناسب لمخالفة بهذا الحجم. حاولت أن أتجاوز هذه اللحظة بالتجاهل، فتابعت سيري، لكن دون جدوى.

– مسيو، لماذا لا تضع الكمامة؟

– العفو، ولكن المكان معزول ولا يوجد أحد بجواري

– من فضلك مسيو، ألم تقرأ على باب الحديقة أن وضع الكمامة إلزامي؟

– نعم قرأت، أنا آسف. ووضعت الكمامة على الفور.

– مسيو، القانون هو القانون، شكراً لك.

قلت في نفسي إن هذا ضرب من ضيق الأفق، وإن هؤلاء العناصر أشبه “بالمطوِّعين” لإله دنيوي اسمه القانون. ثم وجدت نفسي أمام معضلة، كيف يمكن للقانون أن يشمل قطاعاً ويعف عن قطاع؟ القانون خطوط مستقيمة لا تعرف المنحنيات، كيف له أن ينحني؟ يمكن أن يبدو القانون غبياً حين لا يستطيع الالتواء حيث ينبغي أن يلتوي، ولكن لا بد من قبول هذه الاستقامة وإن كان يستدعي الأمر الالتواء. لا بد من قبول القساواة القانونية حين يبدو لنا أن الحال يتطلب الليونة، هذ إذا أردنا أن يحافظ القانون على قسوته اللازمة حيث ينبغي أن يكون قاسياً. كررت في نفسي “القانون هو القانون”.

ربما أبدى عناصر الشرطة ليونة تعوض عن قساوة القانون بأن اكتفوا بالملاحظة دون تسجيل مخالفة بحقي، كما أنهم شكروني على الاستجابة. ولكني بعد دقائق من ابتعادهم عني، وبعد أن غدوت، من جديد، وحيداً وبعيداً عن الناس، لم أجد معنى لوضع الكمامة، وبدأ الصراع داخلي بين شعوري بتفاهة أن التزم بقانون لا معنى له في هذا الظرف، وبين احترامي لفكرة أن يسود القانون بصرف النظر عن الظروف. ثم وجدت نفسي أخلع الكمامة مرة أخرى، ولكن هذه المرة دون أن أضعها في معصمي، فقط اكتفيت بأن وضعتها تحت ذقني.

* طبيب وكاتب ومترجم سوري

المصدر: نواة