الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في العالم العربي: لا ثقافة إلا بحريّة.. ولا أمل في مثقف يستجدي السلطة

محمد القذافي مسعود *

قد نتفق على أن وجهة المثقفين واحدة وهدف الثقافة واحد وهو التغيير. وقد نختلف في الأساليب والآليات، لكننا نجتمع في البحث عن (ثقافتنا) لا ثقافة مستوردة وخطاب متناقض لا يعبر عن احتياجتنا، وهو ما يسود عالمنا العربي المليء بالأوهام وبنخب تعيش أوهامها المتأكلة منذ سنوات طويلة. ربما صار وجوب البحث عن البدائل وتفعيل ثقافة مازالت لم تحقق فعل التغيير عبر عقود، فهل يجب تغييرها وهل حان الوقت لذلك أم لا؟ هنا نطرح آراء بعض المثقفين..

النخبة المنفصلة:

تقول الروائية التونسية كلثوم عياشية.. آن الأوان، أن نعيد النظر في كلّ ما اعتبرناه ثوابت ونعيد النظر في الأسس المكونة لثقافتنا. لأننا شعوب تعاني من ازدواجية الخطاب والفعل. والنخبة المثقفة عندنا منفصلة تماما عن مجتمعاتها، تعيش أسيرة نظريات مستوردة، تلوكها بدون أن تكون في الحقيقة مناسبة لحاجات مجتمعات لم تتغير في جوهرها، ولا تريد أن تفعل لأنها تستهلك ذواتها، بدون أن تتقدم. الملاحظ أن الثوابت الإيجابية تكاد تتلاشى، في المقابل لم نوجد بدائل أخلاقية تؤسس لانضباط مجتمعي، يمكن أن يكون فاعلا في دفع الفعل الثقافي نحو الفاعلية التي تجعله مثمرا.

محاولة قراءة الواقع:

أما الكاتب والناقد المصري محمد عطية محمود، فيرى أن التأثير الثقافي دائمًا هو ناتج فعل تراكمي، فما تتراكم عليه الثقافة يحدد مدى صلاحيتها لقيادة أمة من الأمم، أو فصيل من البشر، لذا فالشعور بمدى التغير هو شعور نسبي إلى حد كبير، لكن لا شك في أن هناك قصورا في الإنتاج الثقافي عمومًا، ومدى جدواه في حالة التنوير المنتظرة، كي تحدث حراكا، سواء على المدى الطويل أو القصير، بحيث تظهر مدى انهيار المقاومة، وعدم وجود رد فعل استباقي للقوة الناعمة، التي تتجه إلى نرجسية التعامل والانفصال عن الشأن العام، بداعي أن المثقف هو كائن منفصل بمرجعياته ومفهومه لما يقدم من مادة ثقافية، أو إبداعية ويطلقها في الهواء، وليستجب من يريد، فيكون الناتج هو الجزر المنعزلة، التي لا تخدم الواقع العام ولا تقدم نهضة ثقافية ترتهن بها سبل التقدم في كافة مناحي الحياة. فليس هناك وقت محدد لكي تختلف المعايير إلى الأفضل، ولا وقت ينبغي أن توجه فيه الثقافة إلى شيء ما تحديدا، ذلك أن الثقافة هي في حد ذاتها، قراءة واعية واستشراف لكل ما هو آت.

آفة التنظير:

وتضيف الشاعرة السورية رنوة سامي قائلة.. الثقافة عامة هي غنى فكري ومعرفة واسعة وهذا الغنى الفكري، قد يغير في سلوكيات الإنسان متى ما كان الإنسان مستعدا لتقبل هذه المعرفة، وجعل الناتج منها بيئة صالحة للتعايش معها، وعلى حد علمي لم يحدث هذا، وإن حدث فهو من النوادر، فالرجل المثقف أو المرأة المثقفة، مثل خزانة معرفة، خزانة تلمع من بعيد، خزانة تنظير ليس إلا. التغيير ضروري ومهم ولكن كيف؟ لأننا في الحقيقة بعيدين كل البعد عن ذواتنا الإنسانية ومقيدين بأنظمة لا يمكن الانفلات منها وأولنا هو المثقف .

تفعيل الدور الثقافي:

ويرى القاص والناقد الأردني موسى إبراهيم أبو رياش، أن الثقافة تحتاج إلى تفعيل وليس تغيير، فالثقافة قوة كامنة، وطاقة خامدة، لا يُراد لها أن تكون فعل تغيير، مع أنها الأساس لأي تغيير في جمـــــيع المـــجالات، فلا يمكن تحقيق أي تطور، أو إصلاح في أي جانب، بدون أن يكون للثقافة دور ممهد أو مؤسس لذلك.

الثقافة في العالم العربي، لم تأخذ دورها الحقيقي بعد، ولن تقوم بمهمتها إلا من خلال المثقفين، والمثقف لن يكون مؤثراً إلا أن يتمرد على كل القيود التي تحد من حريته، ويتفاعل مع محيطه، وأن يكون معبراً عن الناس حوله، بما يعانونه ويأملونه، ليس بشكل صحافي مباشر، ولكن من خلال إبداعاته وكتاباته، وهذا يتطلب منه أن يكون ناقدًا ومشرحًا لكل المظاهر والممارسات والسلوكيات غير الصحية في المجتمع، وداعيًا إلى الخير والفضيلة والوعي والجمال والحب والحرية. ولكن المثقف العربي ما زال يركض وراء رغيف الخبز، ويلهث ليوفر أساسيات الحياة له ولأسرته، ومَن كان هذا حاله، فلا ينتظر منه أن يكون فاعلاً مؤثراً، أو مضحياً من أجل الثقافة.

ثقافة الاستبداد:

يتفق وهذا الرأي الأكاديمي الليبي ميلود مصطفى عاشور قائلاً.. من الطبيعي أن يتأثر الفرد بثقافة المجتمع، فيظهر أثرها في تعامله مع كلٍ من الأشياء والأشخاص والأفكار. وبذلك تؤسس الثقافة أسلوب حياته وأنماط تفكيره وتصرفه مع تلك القيم التي تمثل محصلة المجتمع الثقافية. وأيّا كانت طبيعة المرتكزات الثقافية، وأصالة مرجعياتها، فإنها إذا بثت خواءها من القيمة، وأصبحت مجرد زيفٍ يعزز من الانحطاط لا التقدم، فإن الفرد ـ آنذاك ـ باعتباره عنصراً في هذا المجتمع، إما أن ينصهر في منظومة تلك القيم الثقافية، سواء أكان إذعاناً لما هو سائدٌ، بدون أدنى تبريرٍ، أم تقليداً بلا تفكير، وفي كلتا الحالتين يكون موقفه تأكيداً للسائد خيراً كان أو شراً، وكلُ همه أن يكون مع طائفة المنتفعين في الموقف الراهن.

وهو بذلك يجعل من نفسه صفراً على يسار الآحاد، وكلما زاد زادت معه مظاهر التراجع والتخاذل والانتكاس، بكل ما فيها من طاقة سلبية. وإما أن يسعى الفرد إلى تحقيق الذات بالإبداع وبالإحساس بالقيـــمة والمسؤولية، فيوظف كل قدراته لترســــيخ الحقيقة، ومناهضة الوهــــم، فيدخل بذلك في دائرة الجدل والاتهام، ما يقــوده إلى الاصطدام بتلك المنظومة الثقافية الســـائدة، التي تسعى إلى إذابة كل ما هو مخالف لها بالاحتواء الذي يستمد قوته من هيمنة الكثرة على القلة، إما بالقمع أو الإقصاء أو الاجتثات. ومن هنا تتعزز ثقافة الاستبداد وتترسخ معه مظاهر الاضمحلال، التي تؤدي إلى الهوان الثقافي، وتسود المجتمع حالة من الوعي الزائف، عماده الوهم بالاكتمال والنضوج بل وبالتفرد والسمو.

تغيير الوعي:

أما الشاعر المغربي صلاح بوسريف فيسأل: ما الذي يجعلنا نتيقن من أن الثقافة لم تغير شيئا، وما المقاييس التي بها قسنا هذا التغيير، وماذا نقصد بالتغيير، وفي أي مجال بالذات؟ لا يمكن الجزم بأن الثقافة جامدة، ولا دور لها في التغيير، هذا إذا لم نؤزم السؤال أكثر، ونتساءل، عن ماذا نعني بالثقافة نفسها. الثقافة بمعناها الأنثروبولوجي، تمس مظاهر وتعبيرات كثيرة في المجتمع، في اللباس والمطعم والغناء، وفي السلوكات والعادات والتقاليد، وحتى في العمارة أو المعمار، وغيرها من الأمور التي لها معنى رمزي، بالدرجة الأولى. وإذا كانت الثقافة، بهذا المعنى، فهي مجالات وحقولا، مستها تغييرات وتحولات، سواء جاءتها من خارجها، أو من داخلها. هل الغناء اليوم هو نفسه قبل عشر سنوات، وهل اللباس وطريقة الحلاقة وعادات الأكل والطبخ، هي نفسها خلال هذا الحيز من الزمان، لا أعتقد.

لكن، ما تعمل الثقافة على تغييره، لتغير معه كل شيء، هو الإنسان، فكـــــر الإنسان، طرائـــق رؤيته للعالم والأشياء، وأيضا تربيته وســـلوكاته، وحسه أو وعيه الفني الجمالي، وهذا التغيير لا يحدث فجأة، بل هو تغيير يحدث بوتيرة بطيئة، لأنه تغيير في الذهــــن، في العقل، في جهاز تفكيرنا ونظرنا، وحالما يحدث هذا، فهو يغير الكثير من الأمور الأخرى في المجتمع، ويغير علاقتنا ببعضنا، وعلاقتنا بالطبيعة، وبالفن، وبالمدينة، بالأمكنة والفضاءات، ويغير بيوتنا، وعاداتنا، وهذا، في تصوري، هو أخطر تغيير قد يحدث، ولن يحدث إلا بالثقافة والمعرفة والفن والجمال.

محنة الثقافات المعلبة:

وترى التشكيلية السورية أنجيلا عبده، أن هناك تغييرا في شكل ولون الثقافة في مجتمعاتنا العربية، إنما فعل التغيير يبدو ضئيلاً وبطيئاً جداً، مقارنة مع ما يقابله في الثقافة الغربية وفعلها في قلب ذهنية المجتمع رأساً على عقب، لأن الثقافة العربية اليوم رغم تطورها الكبير هذا، إلا أنها ما زالت تعد ناقصة، لأنها لم تستطع منح الإنسان العربي قدرة على التفكير بذاته، والتعبير عن قدراته الإبداعية، كما أنها لم تجعل منه إنساناً قادراً على الاختيار والرفض لحالة الجمود والثبات، الذي هو عليه والخروج من هذه الحالة إلى حالة التطور والانفتاح، أسوة بأخـــيه الإنسان في الغرب. بالطبع الثقافة العربية منوطة بمعايير الأنظمة السياسية والطائفية والاقتصادية والاجتماعية، لذلك فالتغيير واهن ومتحرك حسب إملاءات الدين والسياسة، والحالة الاقتصادية التي تسمح باقتناء مصادر الثقافة أم لا، بالتالي يكمن التغيير الحقيقي في تلك المسافة بين المبدع والمتلقي، ولا يمكن لأي ثقافة أن تقوم بفعل التغيير والتخلص من الثقافة السلبية الموروثة، في كل القطاعات، وكل فئات المجتمع وهي مقموعة ومُكَفّرة ومهددة، فلا تنمية ولا توازن اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي بلا ثقافة، وطبعاً لا جدوى من الثقافة بلا حرية.

إعمال العقل:

وتقول القاصة والروائية المصرية نادية شكري.. إذا تحدثنا عن الواقع العربي ففي مجمله سنلحظ أن سياج من العقائدية الموروثة يحيط به، فالناس تعتبر العقائد مرجعا وحيدا لتفسير أغلب شؤون حياتهم اليومية، بل حالة الطقس وظهور التغيرات المناخية، مجتمعات لا تحفل بالعلم ولا العلماء، فـ «المقدس» موجود دائما يطوعونه لفهم ما يستعصي على الإدراك. لكن علينا بالأساس إعمال العقل والأخذ بالأسباب والاستفادة من العلوم التي تتجدد دائما. وهنا تقع مسؤولية الدولة بمختلف مؤسساتها، فتوفر للعامة مصادر المعرفة، عبر أجهزة إعلام واعية ومواكبة للحظة، عبر تنشيط حركة الترجمة في مختلف المجالات، والأخذ بأسباب البحث العلمي والتعليم وخلافه. وعلى الجانب الآخر يكون للمثقف دور مساند لمؤسسات الدولة لتحقيق الغرض نفسه. لكن من هو المثقف؟ ليس هو مجرد أكاديمي، أو باحث أو أديب، فلدينا الآلاف منهم في مجتمعاتنا، لكنهم عاطلون عن أن يكون لهم دور محمود مؤثر وفاعل في واقعهم، المثقف هو صاحب «مشروع» يتفهم جيدا واقعه، متطلبات اللحظة الراهنة، واحتياجاتها وتقديم كل ما يمكن أن يقدمه عبر هذا الاشتباك الواعي لنهضة مجتمعه.

في فلك السياسة:

وفي الأخير يقول الكاتب الجزائري عبد الباقي قربوعة، إن الثقافة لم تعد كالسابق تؤدي وظيفتها في مسارها الصحيح، كونها أداة تنويرية همّها البحث عن الحقيقة، وصناعة المواقف الإنسانية النبيلة، فهي بمُجمل مكوناتها وخصائصها تحث على التآخي والمصالحة والمحبة، فهي ترمّم ما تتسبّب فيه السياسة من صداع، التي بدورها تظل بما تحتاج إليه من مصالح هامشية تخرب روح الثقافة وجوهرها، لا يمكن أن تنقلب الثقافة على نفسها كمفهوم إنساني فلسفي، إنما ذهنيات المثقفين النفعيين، الذين يميلون حيث القوة والإغراء، ومستثقفون- إن صحّ المعنى- دخلاء يبيعون ويشترون، ويستثمرون تحت مظلتها، على حساب المستضعفين والمقهورين،، إذن المثقف الخالص هو نفسه يعاني من هذه الغوغائية الكاسحة، التي غيّبت الرؤى عن الحلول المثالية التي تطرحها الثقافة، أشخاص يقدمون مصالحهم على فعل التنوير، كما هي الحال في السياسة. المشكل يكمن في أن السياسة يمارسها غير المثقفين، لذلك يجعلها السياسي خارج دائرة التفاعل والاهتمام، بل يعتبرها أحيانا من معوقات مشاريعه وطموحاته، بسبب وظيفتها النقدية، لذلك نلاحظ راهن أوضاع البشرية، وما تتخبط فيه من أزمات هو في الحقيقة نتيجة اصطدام الثقافة بالسياسة، وتظل السياسة هي الغالبة مع الأسف.

* شاعر وكاتب صحفي ليبي

المصدر: القدس العربي