الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الأسرلة والتأسرل والعالم المقلوب!

جواد بولس *

«الأسرلة» وصف شاع في السنوات الأخيرة كمذمّة يطلقها البعض في وصف فعل، أو دعوة، أو مبادرة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، بهدف تشويه سمعة الفاعل/الداعي/ المبادر ومهاجمته، ووأد فعله لكونه «غير وطني» ولا يخدم مصالح المواطنين العرب في إسرائيل، كما يراها ويعرّفها ويؤمن بها أولئك المهاجمون والمنتقدون. فما الأسرلة إذن؟

يغيب عن بال معظم المنشغلين في هذه القضية، موقف قادة الحركة الصهيونية والمؤسسة الحاكمة بكل أجنحتها، الذين حسموا هذه المسألة منذ البدايات وأجهضوا إمكانية نشوء حالة «الأسرلة» الرسمية، حين قمعوا كل محاولة فردية أو جمعية للمطالبة بها. قد يكون قضاة المحكمة العليا في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم هم السباقون، و»أبطال» هذه المهمة، فقراراتهم المبكرة والمثابرة حالت عمليًا دون امكانية نشوء «هوية مدنية إسرائيلية» لجميع مواطني الدولة، تشمل بداخلها مركبات ثانوية أخرى مثل الديانة وغيرها.

جاءت قرارات المحاكم الإسرائيلية قبل تشريع قانون القومية بخمسين عامًا، في عدة قضايا، حاول من خلالها بعض المواطنين اليهود وغير اليهود تسجيل أنفسهم في هوياتهم كـ»إسرائيليين» وليس يهودا، إلا أن صهيونية القضاء وعنصريته وتحيّزه، منع قوننة «الأسرلة» لإبقاء اليهود، حسب هذه القرارات، أسياد البلاد، والآخرين ضيوفًا يجلسون على الريح. لقد ثبّت القضاة عبر تلك السنين «إسرائيل» اسماً لدولة كانت وستبقى دولة يهودية لا يسكنها «إسرائيليون» بل يهود، لأنها كما كتبوا في قراراتهم، كيان قام «كدولة يهودية في أرض اسرائيل، وكحق طبيعي للشعب اليهودي، كي يعيش مثل باقي الشعوب في دولته اليهودية السيادية». فلا يوجد انفصام بين اليهود والإسرائيليين، ولن يكون. إذن، ما بين أسرلة مستحيلة وغيرها من الحالات، بعضها مستكره وبعضها طبيعي، تضيع الطاسة وتذوب الفوارق وتنتعش الفطريات.

يساورني شعور بأنّ الغالبية العظمى من المواطنين العرب لا تولي هذه الحالة اهتمامًا جدّيًا، ولا تتوقف عند ما يعنيه حقيقةً مُطلق التقريع؛ فأكثرية الناس تسمع هذه «المسبة» بحق فلان، أو تلك المجموعة المتهمة بذلك الفعل المدان، ويمضون إلى مواقع عملهم، وإلى مصادر أرزاقهم المرتبطة بطبيعة الحال بأسواق الإنتاج والعمل والاستهلاك الإسرائيلية. لا يمكن أن تغطي مقالة أسبوعية واحدة كل جوانب هذه القضية الملتبسة؛ ولذلك سأكتفي اليوم بالتطرق إلى مهاجمة بعض الأفكار السياسية الخارجة عن نطاق المألوف، والانتقاص من محاولات بعض الأشخاص أو المجموعات اقتحام المستقبل بأدوات وبطروحات سياسية جديدة؛ وقد شهدنا الموجة الاخيرة من هذه الهجمات ضد مجموعات من الأشخاص البارزين، والمشهود لهم بانتمائهم الحقيقي لقضايا شعبهم ولمصالح مجتمعاتهم، كان بضمنهم النائب أيمن عودة. بعض من الذاكرة لن يضر.. فعندما كنا طلابًا جامعيين في أواسط سبعينيات القرن الماضي، عشنا مخاضات سياسية ثلاثية الأضلاع؛ كطلاب عرب وقفنا معًا في وجه القوى اليمينية التي كان يقودها في حينه من أصبحوا اليوم وزراء في الدولة كيسرائيل كاتس وتساحي هنجبي وأيفيت ليبرمان وغيرهم، ممن يتحكمون في أجهزة الدولة وسياساتها؛ أما داخليًا فكانت المواجهة محتدمة بين «جبهة الطلاب العرب» وفي طليعتهم وقف رفاق الحزب الشيوعي الإسرائيلي، و»حركة أبناء البلد» التي دأبت على رفع شعارات قومية، وعلى نعت الحزب الشيوعي بالأداة الإسرائيلية وعلى مهاجمة تاريخ نشاطاته قبل إقامة اسرائيل وبعدها.

لا أعرف من يذكر اليوم تفاصيل تلك الصدامات، فالمواجهات تعدت رفض «حركة ابناء البلد» لشعارات «الحزب الشيوعي» السياسية ورؤيته للحل، من خلال إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة دولتين لشعبين، بل وصلت إلى حالات من التخوين السافر، والاشتباكات الجسدية العنيفة، إذ أن شعار القوميين في تلك السنوات أكد على أن تحرير القدس سيمر أولا بتحرير جزيرتي «سبتة ومليلة» المغربيتين من براثن الاحتلال الإسباني، وعلى أن حل القضية الفلسطينية لا يكون إلا بالمقاومة، وإقامة دولة ديمقراطية واحدة على جميع أرض فلسطين؛ ومن لا يؤمن بذلك فهو خائن ومفرّط. كانت الأسرلة، إذن، وقتئذ «الوصمة» الكبرى التي ألصقها ناشطون قوميون، أو بعضهم ادّعى القومية، بأهم تنظيم سياسي عمل على بعث روح البقاء والصمود بين الأقلية الفلسطينية، الناجية من مزايدات القوميين، وبعد أن هندس قياديّوه، برؤى حكيمة وكفاحية واقعية، ضفتي نجاتها في الوطن: هوية فلسطينية جامعة، ومواطنة إسرائيلية متساوية بالحقوق. في تلك السنوات لم يكن مصطلح «الأسرلة» شائعًا كمسبة، كما في أيامنا هذه، وقد يكون جديرًا دراسة أسباب ذلك؛ لكنني أجزم أن من بين تفسيرات تلك الحالة، سنجد وضوح تعريف «العمالة» ومضامينها والإجماع شبه البديهي على من يكون العميل أو «الذنب» كما درجت العامة على تسميتهم.

وإلى جانب ذلك سنجد، كذلك، أن عدم نضوج فكرة المواطنة داخل مجتمعاتنا التي واجهت حتى عام 1966 قمع الحكم العسكري الإسرائيلي، لم يدفع المواطنين إلى الاهتمام بماهية «الأسرلة» لاسيما وقد عاش معظمهم تحت رهبة ونفسية النكبة، التي لم يخرجوا منها، إلا إبان أحداث يوم الأرض، الذي من دون شك كان عتبة مهمة لتجذير مفهوم المواطنة الكاملة ووضوحها كرافد للبقاء السليم، علاوة عن كونها استحقاقًا طبيعيًا لنا.

لقد رافق تلك التطورات وعي قيادات ذلك الزمن بضرورة إنشاء شبكة من الأطر المساندة والكفيلة برسم السياسات المرغوبة والضرورية من جهة، وبمواجهة ممارسات الدولة العنصرية من جهة أخرى، فكانت ولادة «اللجنة القطرية لرؤساء المجالس المحلية والبلديه العربية» ومعها مجموعة من الجمعيات الأهلية والشعبية والنقابية، عناوين مكلفة بمتابعة البعد المدني واستحقاقاته المواطنية، أما «اللجنة العليا لمتابعة شؤون الجماهير العربية» فجاءت لتداري الرافد القومي، وما يتفرع عنه من ضرورات وموجبات ومهام؛ وبقيت الأحزاب والحركات السياسية المشاركة في الكنيست عناوين لإدارة المعركتين، وفق ما يراه كل حزب وحسب عقائده وأولوياته.

من دون أن نستعرض جميع المحطات السياسية والتحولات الاجتماعية التي مرت بها مجتمعاتنا المحلية بعد تلك المرحلة، من المهم أن نلحظ أن أهم المتغيرات التي طرأت عليها، لم تكن بالزيادة العددية وحسب، بل بنشوء شرائح جديدة وطبقات اجتماعية حديثة، أفضت ولادتها إلى نمو شبكة من المصالح، الفردية والجمعية، مع الدولة، وفرضت، بالتالي، أنماط اشتباك واندماج مع مؤسساتها لم نعهدها من قبل.

استمرت المحاولات لخلق التوازن داخل المعادلة الثنائية، حيث بقيت الجبهة الديمقراطية وأدواتها المجرّبة والعريقة رأس الحربة في هذه المهمة، إلا أنها، لأسباب كثيرة، لم تعد قادرة على أداء هذا الدور، ودخلت مؤسساتها في حالة من التكلس والجمود، وراح بعض قادتها ينافسون زملاءهم من الأحزاب الاخرى في الجري والتودّد لزعماء العرب ولطغاتهم، والتراخي أمام تنامي مدّ حركات الإسلام السياسي، حتى ضاعت بوصلة الجماهير المجرَّبة، واختلّ قاموس المعاني، فلم يعد للعميل تعريف يجمع عليه، ولا كل وطني مأمول، واستحضر كل حاو «إسرائيله» حتى غدت «الأسرلة» هوى وموالا يغنيه كل «ثائر» على هواه.

في ظل «فوضى القيادة» ومع جنوح المجتمع الإسرائيلي إلى يمينيّة عنصرية وفاشية سافرة، وبسبب عوامل خارجية ومحلية أخرى، ازدادت قوة الأصوات المطالبة بعملية الإقصاء الذاتي، ومقاطعة مؤسسات الدولة، فسادت حالة من العدمية الخطيرة، التي أوصلت مجتمعاتنا إلى حالة من «السيلان الهوياتي» والتدحرج نحو قاع الهاوية، وإلى عبثية لم تعد محتملة؛ فصار أهون على بعض المتعاطين بالسياسة، والخائفين على مواقعهم الحزبية، مهاجمة الأنقياء والمجتهدين ورميهم بتهمة الأسرلة حينًا والصهينة أحيانًا، بينما نراهم يصمتون ويخنعون امام العابثين في خيرات بلداتهم والمفتنين والمتطاولين والفاسدين والبلطجيين.

ما الأسرلة إذن، ومن يقرر ما هي وما بينها وبين أحكام المنفعة أو «العثمنة» أو «البلشفة» أو «القطرنة» أو «البوتنة» أو «السعدنة» أو «البشرنة»؟ ومتى تكون مذمومة ومرفوضة، حتى يستحق من يمارسها تهمة الخروج عن الصف الوطني أو المتصهين أو الجاسوس؟

هكذا تعمّدت جميع أجنحة الحركة الصهيونية، وبضمنها نظام إسرائيل القضائي، بمختلف درجات محاكمه، إجهاض إمكانية تشكّل «هوية إسرائيلية» واحدة، لو قيّض لها النمو لصهرت بداخلها، مع مرور السنين، كل المواطنين، اليهود والعرب وغيرهم، الذين عاشوا ويعيشون في الدولة، ولاحتوتهم كأفراد وكمجموعات، وجعلتهم يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، وفق ما تمليه عليهم منظومة القوانين، وتخطه حدودها من حقوق وواجبات، على اختلاف منابعها وأصولها ومرجعياتها، كما هو الحال في معظم الدول الحديثة.

لم تولد تلك الهوية المدنية الجامعة لسبب أساسي وهو، موقف وعنصرية الحركة الصهيونية، التي خططت منذ البدايات لإقامة دولة يهودية خالية من العرب، رغم كونهم سكان البلاد الأصليين.

فشلت الصهيونية بتحقيق مرادها، فقامت إسرائيل وبداخلها بضع عشرات الآلاف من الفلسطينيين، الذين رفضوا ابتلاع «الطُعم» فنجوا وبقوا، في بيوتهم/حصونهم، تذكاراتٍ نازفة لعمق الفاجعة من جهة، وتحدياتٍ صارخة لقمع وممارسات حكومات صهيونية عنصرية، شرع قادتها، منذ اليوم الاول لإعلان نصرهم، بالتفتيش عن بدائل أشرس، بعد فشل مخطط حركتهم الأم. حُسم مصير الأسرلة؛ مع أنها كحالة متخيّلة، هي عدوة الدولة اليهودية ونقيضها؛ ورغم ذلك، تحوّلت «الأسرلة» على ألسن بعض المواطنين العرب إلى مسبة شعبوية تطلق في جميع الاتجاهات، من دون رقابة حقيقية، أو تكال كمزايدات أو كتعبير عن جهل متسيّد في مجتمعاتنا؛ وكانت تختلط أحيانًا مع تهمة «التأسرل» رغم وجود اختلافات جوهرية بين الحالتين، أو هكذا يجب أن يكون. قد يكون أول من رفع شعار «الأسرلة» بمعنى المساواة المواطنية التامة، هو الحزب الشيوعي الإسرائيلي، فرفاقه الأوائل وضعوا اللبنة الاولى لما أصبح فيما بعد مطلب الجماهير العريضة: «دولة لجميع مواطنيها».

«التأسرل» في المقابل، ورغم استحالة تشكل الأسرلة، هو ممارسة جائزة ، لكنها لا تأخذ في حياتنا شكلًا واحدًا، بل قد تنعكس في عدّة سلوكيات ويعبّر عنها بعدة مضامين ليست جميعها، بالضرورة، سلبية ومرفوضة، كما يحاول البعض إيهامنا.

هنالك خلط بين الحالات التي يسمّونها، هكذا على وجه التعويم والتعميم، بالتأسرل المشبوه؛ وأجزم أن هذا الخلط مقصود، ففي ثناياه يضيع العميل الحقيقي والمُخبر والمفسد والمثبط للعزائم؛ وتختلط حدود الاندماج وممارسات المواطنة وما إلى ذلك من حلقات يصرّ البعض على ضبطها في الحزمة نفسها تحت اسم «التأسرل» ومساواتها بشكل مغرض. صار العميل في لغة العامة مثله مثل من يربح مناقصة لرئاسة مستشفى، أو من أصبح عميدًا في جامعة إسرائيلية، أو رئيسًا لمجلس إدارة شركة كبيرة، أو مديرًا لعيادات صندوق مرضى «مكابي» أو «مئوحيدت» أو مفتش معارف، أو قاضيًا أو قائدًا لكتيبة في جيش الاحتلال، أو مشاركا في مظاهرة عربية يهودية ضد الفاشية، وضد الاحتلال، أو رئيس بلدية متعاونا، أو كابتن منتخب إسرائيل، أو مضيء شعلة «المجد» الإسرائيلي، أو عاملًا يبني جدار الفصل العنصري، أو مهندسًا في شركة إسرائيلية، تستغل المناجم في نيجيريا؛ ومثلها من حالات لا عد لها ولا حصر، قد يعتبرها البعض وفق قاموس «الفوضى الوطنية» كلها تأسرلًا ؛ والبقية عند من غابوا ونسوا أن يضعوا الحدود ويصححوا الخرائط ويصلحوا البوصلات ويلقوا اليواطر. فهل كل ما ينعت بالتأسرل هو حقًا خروج عن «الصف الوطني» أو وفق بعض «القضاة « يعدّ عمالة أو كفراً؟

لن نعالج لماذا ومتى شاعت هذه السهولة في إطلاق الاتهامات للغير المختلف، ومتى ضاع قاموس الكفاح الشعبي ومفرداته؛ لكنني أعرف أن حكومات إسرائيل وأعوانها كانوا من أوائل المستفيدين من هذه البلبلة، وهم من ساهموا في زرع مناخات الالتباس ودق الأسافين، ووسعوا الشروخات وأقاموا، في سبيل تعزيزها «هوائيات» التشويش البشرية، الحركية والحزبية. ليس كل ما يُذمّ كتأسرل يجب أن يكون محظورًا! فبعض حالاته قد تعني الإصرار على ممارسة حقوق المواطنة الإسرائيلية، التي ننادي بها ونناضل من أجل فرضها على الدولة وعلى مؤسساتها، وهو في هذه الحالات فعل محمود؛ وبعضه قد يعني السعي وراء الاندماج في عروق الدولة، ورفض إصرار ساستها العنصريين على إقصائنا واعتبارنا مشاريع تهجير مخزّنة في ادراجهم. والتأسرل، وليس العمالة مثلًا، قد يطلق بالقصد على من يخدم في جيش الاحتلال، أو على من يتبنى الرواية الصهيونية ويقبل بنشرها في وجه رواية شعبه، و«المتأسرل» قد يكون صحافيًا يعمل في تلفزيون «مكان» أو في منصة إعلامية صهيونية أخرى مع أنه ينشر، بإصرار وبجرأة، مواقفه الإنسانية والتقدمية؛ بينما، لا يكون متأسرلًا، بالمقابل، من يعمل في فضائيات العرب، التي تتغنى بإسرائيل، وتخدم حكام تلك الدول المستبدين، ولا تنشر إلا الفتنة والفرقة والعصبية. والتأسرل يمكن أن يكون قبول صانع أفلام فلسطيني، أو فنان محلي لدعم مادي من صندوق إسرائيلي معدّ لدعم مواطني الدولة، ولا يكون منكراً إذا كان المال قطريًا أو تركيًا أو فرنسيًا أو أمريكياً.

إننا نعيش اليوم في عالم مقلوب، حيث يُهاجم فيه، مثلًا، النائب منصور عباس، رئيس الحركة الإسلامية الجنوبية، من قبل إخوانه في الحركة الإسلامية الشمالية ومن الشيوعيين والقوميين في الوقت نفسه، وينعت من قبل جميعهم بالمتأسرل والمتصهين، وأنا لا أفهم كيف ومتى توحّدت مصالح تياراتهم على هذه الجبهة؟ وفي الوقت نفسه تطرد اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإسرائيلي من صفوفها عضوين يهوديين فاعلين بتهمة مشاركتهما في نشاط لمجموعة اسمها «نقف معًا» علمًا بأن آلاف منتسبيها يناضلون ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومن أجل العدالة الاجتماعية والمساواة التامة للمواطنين العرب. إنه عالم مقلوب، لأننا نرى فيه قيادات الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذين دعوا في أنظمة حزبهم «إلى إنشاء جبهة يسار يهودية عربية تكون قادرة على أن تقترح لشعبينا برنامجًا مقنعًا من أجل الخروج من الأزمة الراهنة والسير على طريق السلام والمساواة. الحزب الشيوعي الإسرائيلي يسعى إلى عمل مشترك واسع يقوم على قاعدة متفق عليها، مع أحزاب وأوساط وشخصيات ذوي رؤى مختلفة» – يجهضون محاولات توسيع الصفوف من أجل مصلحة «شعبيهم» ويتسابقون، مثل الاخرين، بإطلاق شتائم التأسرل والتصهين والعمالة بحق رفاقهم وقادة من حزبهم وجبهتهم. إنه عالم مقلوب حيث نرى فيه قادة اسلاميين فاخروا مرة بقربهم من خيمة ملك العربية السعودية، لكنهم هجروها ولجأوا إلى عباءة تركيا، وفي كلتا الحالتين لم يترددوا بإلصاق تهم «التأسرل» والتهكم على قادة القائمة المشتركة المنتخبين من أبناء شعبهم. إنه عالم مقلوب حين نرى رفاقًا شيوعيين بعد أن تخرّجوا من الجامعات الأممية، وعادوا منائر علم إلى اسرائيل، واستوعبوا في شرايينها الصهيونية ودخلوها آمنين وغانمين بنعمة المواطنة، وهم غير متأسرلين، لكنهم يحاربون رفاقهم بتهم المتأسرلين والمتصهينيين والإمبرياليين.

ما الأسرلة إذن وما التأسرل ؟

لن نتوصل إلى تعريف واحد تجمع عليه الاحزاب والحركات السياسية بيننا؛ لكنني لم أفهم، كما قلت، كيف يتوحد الشيوعيون الاسرائيليون، عربًا ويهودًا، مع الإسلاميين ومع القوميين على تعريف بعض حالات التأسرل؛ وقد كنت أتخيّل أن هذه الامكانيات مستحيلة؛ وذلك ببساطة لأن الحزب الشيوعي الاسرائيلي آمن ويؤمن، لا عن طريق التكتيك السياسي، بحل الدولتين للشعبين، وبخلاف ما يؤمن به الإسلاميون، مثلًا، الذين لا يقرّون بحق اليهود في إقامة دولة على أي جزء من أرض فلسطين، التي يعتبرونها وقفًا إسلاميًا معدّاً لاستقبال دولة الخلافة الإسلامية عن قريب؛ وكذلك لأن خلاف الشيوعيين مع القوميين، ما زال كما كان قائمًا حول شرعية إسرائيل وكونها تجسيدًا لحق اليهود بتقرير مصيرهم، وما يترتب على هذا الخلاف من شعارات سياسية ووسائل كفاحية. لا أنكر وجود قواسم مشتركة بين هذه التيارات الثلاثة، لكنني أخصّ هنا قضية «التأسرل» ومضامينها كما نواجهها في حياتنا اليومية؛ فهنالك فروق جوهرية ازاءها، إن لم تحدّدها قيادات الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية، فستبقى «الفوضى الهوياتية» طاغية، والتيه السياسي مستمراً، وسيبقى كل هاو أو حاو أو مغرض قادرًا على سحب «جوكره» وإطلاق تعريفه لفعل «التأسرل» وكأننا في لعبة ورق عبثية !

لا فراغ في السياسة؛ فإن غبتَ عن موقع سيزرع غيرك فيه؛ وإسرائيل لا تغفو ومثلها من يؤمن أن مشروعه صار قاب قوس وأدنى، وأنّ الفرج يقهقه على أدراج القدر؛ والهوية، إن نسيتم يا رفاق، هي كما قال الدرويش في طباقه: «دفاع عن الذات، ن الهوية بنت الولادة، لكنها في النهاية إبداع صاحبها، لا وراثة ماض ..»

* كاتب فلسطيني

المصدر: القدس العربي