الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

وهل يثمرُ العوسـجُ تين ؟

عبد الباسط حمودة *

     في مذكّرات “أوباما” الأخيرة (الأرض الموعودة أو أرض الميعاد)، يعترف حد الوقاحة بلا أخلاقيته حيال ثورتنا السورية، ويشرح حدود تدخله فيها، وينتقد بكل جرأة المصالح الأميركية التي غالباً ما تطغى على الأخلاق والإنسانية في التدخلات الخارجية المتوحشة؛ إذْ إنّ النظام السوري لم يكن البتة بعيداً عن المدارات الأميركية، وتصريحات “أوباما” خلال الأيام الأولى التي أعقبت الانتفاضة/الثورة شددت على مطالبة بشار أسد بقيادة الإصلاح، حين كانت وحشية أجهزة النظام وجيشه هي القاعدة الوحيدة، كان ذلك مجرّد تراشق لفظي أجوف، حول إصلاح لم يكن أيّ عاقل ينتظره من رأس نظام توجّه سريعاً نحو ارتكاب الانتهاكات الأفظع وجرائم الحرب الأشدّ بشاعة متكئً على خطة بل على توجيه ونهج أميركي لا تخطئه الأعين؛ ووقائع التاريخ سوف تقول أكثر حول تكذيب مناقشة “أوباما” للملف السوري؛ ولعلّ في طليعتها ما رشح عن ’’هيلاري كلنتون‘‘ نفسها، ثمّ أمثال زميلها وزير الدفاع ’’روبرت غيتس‘‘، ومدير المخابرات المركزية ’’دافيد بترايوس‘‘؛ كذلك سوف تكون ذات قيمة خاصة إفادة ’’أندرو إكسوم‘‘، نائب المساعد الأسبق في وزارة الدفاع الأميركية لشؤون الشرق الأوسط خلال رئاسة “أوباما” الثانية، أمام لجنة فرعية في الكونغرس تبحث السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط؛ والتي تناولت مفاوضات “أوباما” مع “بوتين” حول طرائق إنقاذ نظام بشار أسد من سقوط وشيك، صيف 2015؛ وإذْ يوضح ’إكسوم‘ أنه كان طرفاً في سلسلة مباحثات مستفيضة مع ضباط جيش واستخبارات روس، بدأت في صيف 2015 واستغرقت العام 2016، حول مصير الأسد؛ يستخلص أنّ إنقاذ نظام الأخير، وشخصه استطراداً، كان هاجساً مشتركاً لدى واشنطن وموسكو وطهران، بالتكافل والتضامن.

     هكذا يمكننا فهم ما يجري من خلال التدويل للمسألة السورية وقضية التصدي للثورة في سورية، إذ أن الائتلاف السوري قد تشكَّل بناءً على رؤية “أوباما” وتم فرضه فرضاً على أطياف المعارضة السورية وبقية الدول ممن كانت تسمى أصدقاء الشعب السوري، هذا الائتلاف هو نتاج تدويل واضح للثورة السورية، كما هو تدويل سورية منذ استقلالها عن فرنسا، فأيّة قضية يتم تدويلها في هذا العالم- خاصة بعد انهيار المنظومة الشرقية- يكون لأميركا الحصة الأكبر والأولى في التحكّم بمسار هذا التدويل، تتقاسم فيها حصصاّ مع دول أخرى؛ ففي الوضع السوري، تقاسم “أوباما” مع روسيا وإيران بشكل أساسي، بناءً عليه يمكننا معرفة الأسباب في تشكيل الائتلاف، فلم يعد سرّاً القول إنّ الأمور وصلت لدرجة أنّ كل دولة من هذه الدول تطرح أسماءً بعينها في هذا الائتلاف.

     لم يعد سرّاً أنّ هذا الائتلاف حتى اللحظة ما زال مشرعناً أميركياً، بغضّ النظر عن درجة حضور الدول الأخرى فيه، هذا الحضور الذي لجمته أميركا “أوباما” بأن يهتم فقط بما تسمح به أميركا، ومن ثم أميركا “ترامب”.. أليست أميركا “ترامب” هي من سلّمت الغوطة وغيرها من المناطق ثم درعا للنظام والروس والإيرانيين؟

     فما الذي فعله الائتلاف منذ تأسيسه غير تكريس هذه التدويل، حتى تم إبادة شعبنا وترحيل من تبقى تكريساً لهزيمة الثورة، وحصرها بمداولات هذا التدويل التي جرى بقيادة “أوباما”!؛ لهذا فإنّ تأسيس ما أطلق عليه ’’هيئة انتخابات‘‘، بغض النظر عن نوايا أصحابها، هي الإعلان النهائي عن الغاية من تأسيس هذا الائتلاف، كذروة من ذرى تدويل الثورة السورية، ولن نخدع بأوهام إيقاف العمل بتلكم الهيئة البائسة لائتلاف ميت سياسياً؛ وقد استطاعت هذه الثورة بجماهيرها رغم وقوف كل هذه الأطراف ضد التغيير عملياً في سورية، وضد تحول هذا البلد إلى بلد ديمقراطي، أن تنسف النظام الإقليمي برمته، ولم يعد صالحاً للاستمرار كما هو، ولا كما يتم التحكم بمعطياته الجديدة خاصة بعد الربيع العربي، وهذا ما عقد حركة المعارضة السورية على مستوى الخارج، كونها تتصرف بأدوات قديمة- وما تزال- أمام أوضاع مستجدة تحتاج إلى طرائق تفكير وأدوات سياسية جديدة ضمن ساحة- بل ساحات- سورية تفتقر إلى أحزاب سياسية ديمقراطية قوية بحكم منع وتعقيم الممارسة السياسة في سورية طيلة عقود من حكم البعث ومشايعيه، وهناك أسباب أخرى تتعلق بطبيعة التوجهات السائدة سياسياً التي تسيطر على الوعي السوري العام، وهي تمنع تكون أحزاب وطنية ديمقراطية سورية جديدة، خصوصاً من حيث سيطرة أيديولوجيات ما قبل وما فوق وطنية، وهذا كله يعني أن سورية بوصفها وطناً لكل السوريين غير واردة في حسابات القوى السياسية السائدة، على الرغم من اهتراء وتفسخ جميع هذه القوى.

     وأنه لا بد لجميع السوريين العاملين في الحقل السياسي الاعتراف بالواقع وتوازناته، المحلية والإقليمية والدولية، ومن ثمَّ يفترض عدم وضع أهداف تتجاوز قدرتنا على الفعل والتحرك، لأننا سنكون حينذاك في عداد من ينشرون الوهم ويعملون من أجل الوهم؛ كما لا بد من قراءة الأبعاد والمسارات الاستراتيجية في المنطقة جيداً، لأن فهمنا لها يعفينا من طرح شعارات خارج سياق الزمان والمكان وموازين القوى، ويُعفينا أيضاً من الانفعال بشأن الواقع الحالي بما فيه من تمزق وكراهية، فالسوريون جميعاً سيعيشون في وطن واحد اسمه سورية، وكلهم سوريون متساوون في الحقوق والواجبات.

     وفي سياق العمل السياسي لا بديل من الحوار وتفعيل القواسم المشتركة بين الجميع، فليس من المعقول أن نبقى نسير في طريق التشظي والانقسام واستنبات أحزاب مبعثرة، فهذا لا يصب في إطار التعددية بل في إطار المرض والفوضى والتعايش مع الأشواك والأمراض التي لا براء منها كلها إلا بالوحدة الوطنية الحقيقية والجادة والإنصات لصوت الأحرار والثائرين السوريين دون الالتفات لرغبات وأوامر الخارج غير الوطني. وبالتالي لن يثمر العوسج تين!


عبد الباسط حمودة

مهندس وباحث سوري

 

المصدر: إشراق