الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

هل أصبح مصير القضية الفلسطينية في رسائل بين موظفين؟

انيس فوزي قاسم *

فجأة، وبدون مقدمات، أفاق المجتمع الفلسطيني داخل الوطن وفي شتاته على إعلان عودة التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والإسرائيليين، ورافق ذلك الإعلان، تصريحات بعض مسؤولي السلطة الفلسطينية بأن إسرائيل أعلنت التزامها بالاتفاقيات الموقعة، وهذه أول رسالة من رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى محمود عباس، وأن هذا الإعلان الإسرائيلي قضى على مشروع الضم، وفتح باب العودة للمفاوضات، وأن إسرائيل تعترف بالمرجعية الدولية للمفاوضات. وفي تقدير المسؤول الفلسطيني، فإن هذه الخطوة تدلل على ثبات وصلابة موقف الرئيس محمود عباس، وأنها إنجاز حاسم لصالح القضية الوطنية، بل إنه «انتصار».

لقد أحدثت هذه الخطوة ترددات عميقة في الأوساط الفلسطينية، وامتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات، وغالبيتها العظمى تدين هذه الخطوة، وتقدح في القيادة الفلسطينية، بل إن الدكتور ممدوح العكر، أطلق عليها بحق وصف «حالة انهيار تام» وبعض ردات الفعل كانت عاطفية جداً. ومع ذلك، لابدّ من قراءة هادئة، لكي نستطيع أن نستكشف ما الذي جرى لإحداث هذه المفاجأة.

من الاطلاع على الرسالة الصادرة عن الوزير حسين الشيخ، مسؤول الملف المدني في السلطة الفلسطينية، يبدو أنها صدرت بتاريخ 7/10/2020 وموجهة إلى الجنرال الإسرائيلي كميل أبو راكان (وعلى الأرجح أنه ضابط درزي) وهو المسؤول في لجنة الارتباط، ويلح الوزير في رسالته على استدراج جواب على سؤال عجيب مؤداه، إن كانت إسرائيل ملتزمة بالاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية أم لا؟ (الرسالة التي صدرت بالإنكليزية كانت بصياغة ركيكة وتخلو من اللغة الدبلوماسية). وبتاريخ 17/11/2020، أي بعد مرور أربعين يوماً، جاء الجواب، أن اسرائيل مازالت تعتبر الاتفاقيات، الإطار القانوني الذي يحكم علاقات الطرفين، وأضافت في جملة مستقلة «وفي المالية والشؤون الأخرى» (هكذا وردت) ما يؤكد أنها صيغت ايضاً بلغة إنكليزية ركيكة، وتخلو من اللغة الدبلوماسية. ويختتم الجنرال أبو راكان رسالته بالقول: «إن إسرائيل ستستمر في تحصيل الضرائب للسلطة الفلسطينية، ولسوء الحظ فإن السلطة الفلسطينية هي التي قررت عدم استلام الضرائب التي تحصلها إسرائيل». وعلى ضوء هذه الرسالة، سارع حسين الشيخ إلى الإعلان عن أن العلاقة مع إسرائيل ستعود إلى سابق عهدها، وأنه «على ضوء الاتصالات التي قام بها سيادة الرئيس بشأن التزام إسرائيل بالاتفاقيات الموقعة معنا، واستناداً لما ورد من رسائل رسمية مكتوبة وشفوية، ما يؤكد التزام إسرائيل بذلك، وعليه سيعود مسار العلاقة مع إسرائيل كما كان». بداية، يلحظ أن الرئيس أبو مازن يلوذ بصمت قاتل حتى الآن، ولم يصدر عن أي مسؤول في السلطة، أو في حركة فتح بكل أجهزتها أي تعليق، ما عدا ما صدر عن رئيس الوزراء الدكتور محمد اشتية يبارك الخطوة.

من الثابت أن إسرائيل لم يسبق لها أن أعلنت أنها تحللت من اتفاقيات أوسلو، ولا يوجد مبرر لها في الانسحاب من هذه الاتفاقيات، فهي أولاً وأخيراً اتفاقيات صاغتها سلطة الاحتلال على مقاسها ولمصلحتها، وقبلت بها قيادة منظمة التحرير في غالبيتها العظمى، كما وردت، ولا مبرر لإسرائيل لإعلان انسحابها منها، وسوف لن تجد إسرائيل أفضل من هذه الاتفاقيات لمصلحتها. وهنا وجه الاستغراب في سؤال الوزير حسين الشيخ. إن القيادة الفلسطينية هي التي اتخذت قراراً في مايو الماضي بـ«التحلل» من كل هذه الاتفاقيات، ووقف التنسيق الأمني، وقد باركت الجماهير الفلسطينية تلك الخطوة بحماس شديد، لاسيما وقد جاءت متفقة مع قرارات المرجعيات العليا في منظمة التحرير. ورغم أن البعض أصابه الشك وقتئذ في صدق إعلان القيادة بالتحلل من الاتفاقيات، ووقف التنسيق الأمني، وهي شكوك كان لها ما يبررها من حيث استمرار رموز أوسلو والمنسقين الأمنيين في أماكنهم، وأهم من ذلك، استمرار الأجهزة الأمنية وميزانياتها في العمل، ومن مكاتبهم واستلام المعونات الأمريكية، إلاّ أن الأمل كان أقوى من الشك. وكان الأمل أن يتخلص الفلسطينيون من كوابيس أوسلو.

ولكن السؤال المثير للدهشة هو كيف يستساغ لطرف تحلل من التزاماته التعاقدية الدولية، أن يعود لتلك الالتزامات بمجرد رسالة من موظف لموظف في الطرف الآخر؟ إن العودة للارتباط بتلك الاتفاقيات لا تتم على هذا المستوى، وبهذه السهولة والسذاجة، العودة تحتاج إلى مناقشات وقرارات من الجهات الشرعية لمنظمة التحرير، بما في ذلك اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي، ولم نسمع، أو نقرأ عن أن شيئاً من هذا القبيل حصل. إن قرار «التحلل» هو ـ قانوناً- فسخ للعقد وتصفية آثاره، أما العودة للعقد مرة أخرى، فإنه يحتاج إلى إجراءات مشابهة للإجراءات التي اتخذت حين دخلت القيادة في ذلك العقد ابتداءً، أي اتخاذ قرارات من اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي، وأجهزة فتح، بالإضافة إلى الفصائل التي انضمت لتلك المسيرة. وهذه الإجراءات ضرورية لأنها سوف تحمل الشعب الفلسطيني أعباء والتزامات من جديد، وبالتالي يجب أن توافق عليها المرجعيات الشرعية.

هذه العودة السريعة والمريبة، وبدون الرجوع إلى الهيئات العليا في منظمة التحرير، يطرح أسئلة وتساؤلات، كما يفرز كمية من الشكوك لابدّ من استجلاء ما غمض منها. من الواضح أن الأثر المباشر (ربما والرغبة الحقيقية والوحيدة) لهذه العودة السريعة، هو رغبة السلطة في استلام أموال المقاصة، التي وبعد كثير من الحيل والتكتيكات، استمرت إسرائيل في خصم ما يستحق لعائلات الاسرى والشهداء. فهل قبلت السلطة بالشروط الاسرائيلية، حتى تستأنف استلام المبالغ المستحقة وتخرج من ضائقتها المالية؟ وعلى نحو أدق، الضائقة المالية المشار اليها هي ضائقة مَنّ؟ فإن كانت ضائقة موظفي السلطة، فهل هذا يعني أنه سوف تستمر حالة الارتهان الفلسطينية لرغبة اسرائيل وقبول شروطها إلى وقت لا نهاية له؟ فما الفائدة إذن من التحلل من الاتفاقيات، إذا استمرت حالة الارتهان لرغبة الاحتلال؟ وإن كانت الضائقة هي ضائقة السلطة، فإن أي أموال تصل تكون غير كافية، ذلك أن الفساد المستشري هو من أهم مخرجات أوسلو، وقد ثبت على نحو قاطع، وبالتجربة العملية، أن تطبيق أوسلو لا ولم ولن يتم بدون تأسيس سلطة فساد، فالفساد متطلب أساسي لتنفيذ اتفاقيات أوسلو.

وهذا يقودنا إلى القول إن مأزق السلطة لا يمكن الخروج منه إلاّ بعودة القيادة إلى شعبها أولاً وأخيراً، وعلى القيادة أن لا تنتظر الغيث من بايدن وترامب وكلينتون وبوش، فهم، ومنذ الرئيس ترومان، التزموا بالمشروع الصهيوني الاستعماري، ولم يحيدوا عن توطيد هذا المشروع. الشعب الفلسطيني هو صاحب المصلحة الحقيقية في تصويب مسار النضال الفلسطيني، وعلى القيادة الدعوة لانتخابات ديمقراطية لتأسيس مجلس وطني جديد قادر على إفراز قيادة جديدة لم تلوثها أوسلو بفسادها وقيودها.

* كاتب فلسطيني

المصدر: القدس العربي