الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ماذا بعد نجاح بايدن؟

حيان جابر *

وضَع انتصار بايدن، في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، حدًا لفترة ترامب الرئاسية الحافلة بالإثارة والجدل، نظرًا لمضمون خطاب ترامب وممارساته العنصرية والفوقية. لكن هل ستعكس فترة بايدن مضامين أو مظاهر مختلفة عمّا أشاعته مرحلة ترامب؟ وما هي أبرز سمات مرحلة بايدن المتوقعة في الأشهر المقبلة؟

كانت مرحلة رئاسة ترامب مليئة بالقرارات المثيرة للجدل، على الصعيدَين الإقليمي والدولي، مثل إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، ووقف تمويل (أونروا)، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية ومن مجلس حقوق الإنسان، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وتقويض عمل المحكمة الجنائية الدولية، والعديد من القرارات الأخرى التي تعبّر عن تغيّر في طبيعة الدور الأميركي عالميًا؛ اذ اعتبر ترامب أن الوقت قد حان كي يدفع حلفاء أميركا ثمن تدخّل الولايات المتحدة الأميركية لتنظيم شؤون العالم، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. أي إن ترامب سعى إلى ربط الدور الأميركي الخارجي بمكتسبات أميركية واضحة ومباشرة وسريعة، اقتصاديًا وسياسيًا وإعلاميًا، وكأن تدخلاتها السابقة كانت مجانية وذات دوافع أخلاقية وإنسانية!

طبعًا، يعلم العالم أجمع حجم المكاسب الأميركية من تدخلاتها الخارجية المباشرة، كما نعلم حجم مكاسبها السياسية والاقتصادية، من كونها الداعم الأكبر والأهمّ لمعظم برامج الأمم المتحدة والمؤسسات المرتبطة بها وبغيرها من التحالفات الدولية والإقليمية كالناتو، مثلًا. لذا لم تكن قرارات ترامب بدافع البحث عن ثمن التدخل الأميركي، كما لم تكن تعبيرًا عن طمع بمزيد من المكاسب فحسب، فهي سهلة التحقيق بوسائل أخرى، إنما تعكس هذه القرارات جانبين: الأول تغيّرات في الرغبة والقدرة الأميركية، فرضتها الوقائع الأميركية الداخلية ولا سيّما تصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الأميركية في السنوات الأخيرة؛ والثاني تغيّرات في طبيعة وشكل وتوجهات القوى الدولية المسيطرة العميقة، ولا سيما الشركات الاحتكارية العابرة للقارات، كالشركات الناشطة في المجالات المالية والأمنية والسيبرانية، التي تسعى إلى لعب دور بارز ومباشر في صياغة السياسات الدولية، من أجل تلبية مصالحها المتنامية عالميًا.

وبناء على ذلك؛ لا بدّ من التمييز بين معطيَين مختلفين، لفهم قرارات الرئيس الأميركي ترامب: أحدهما يعبّر عن ثوابت جديدة تسعى أميركا إلى فرضها عالميًا؛ والثاني مستمدّ من شخصية ترامب الهجومية والصدامية المتطرفة. ويتجلى المعطى الثاني في مدى تطرف القرارات الترامبية، وتجاهله المطلق لأبسط قواعد العمل الدبلوماسي، ورفضه المطلق لنهج التغيير المتدرج، لذا شهدنا قرارات حاسمة وصادمة في جذريتها، كوقف تمويل منظمات أممية، والتماهي المطلق مع سياسات اليمين الصهيوني العنصرية والاستعمارية.

ويوحي المعطى الأول بجوهر إستراتيجي غير شخصي، يعبّر عن توجّه أميركي عام؛ إذ لم يُقابل برفض صريح ومطلق من دوائر صنع القرار الأميركية، حتى على المستوى الحزبي، فقد دعم الجمهوريون جميع قرارات ترامب، في حين عبّر الرفض الديمقراطي عن خلاف حول أساليب ترامب الفجّة من ناحية، وعن مناكفة حزبية من ناحية ثانية، لا أكثر. وبناءً على ذلك؛ قد لا نشهد تبدّلًا أميركيًا جذريًا وكاملًا في عهد بايدن المقبل، بقدر ما سنشهد تراجعًا تكتيكيًا منمقًا ومحدودًا في معظم الملفات، مثل العودة عن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع الإيرانيين، بشرط تضمينه أبعادًا جديدة تتعلق بضمان السيطرة الأميركية على قدرات ودور إيران في المنطقة، وهو ما يفهم من تصريحات بايدن الخاصة بهذا الملف. وكذلك الحال بخصوص التماهي مع سياسات اليمين الصهيوني، حيث لن تتراجع الإدارة الأميركية الجديدة عن أي منجز صهيوني ميداني، في مقابل عودة خطاب سياسي تمويهي منمّق، يتمسّك بحلّ الدولتين، ويتجاهل التصدي للمتغيرات الميدانية الصهيونية التوسعية والإجرامية بحق الشعب والأرض الفلسطينية والعربية. وعلى صعيد الدعم والدور الأميركي العالمي، أعتقد أن من الصعب (وربما من المستحيل) العودة إلى ما قبل المرحلة الترامبية، واستعادة الدعم الأميركي دوليًا وأمميًا، ماليًا وسياسيًا وعسكريًا، من خلال عودة مشروطة ومحدودة الحجم، ماليًا وسياسيًا، انسجامًا مع إستراتيجية التغير المتأنية التي تضمن لأميركا قدرتها على ضبط ردّات الأفعال المحتملة والحد من تأثيراتها المباشرة.

وبذلك؛ غالبًا ما سوف تجسّد سياسات وقرارات بايدن معادلة أميركية جديدة، تتمثل في أن الولايات المتحدة الأميركية هي الطرف الأقوى عالميًا، اقتصاديًا وعسكريًا وماليًا فقط، أي بمعزل عن ممارسة دورها التاريخي كقطب وحيد مهيمن ومسيطر على العالم، الذي تجسد في المرحلة التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفياتي؛ إذ تفسح الولايات المتحدة المجال اليوم أمام تولي قيادة عالمية جديدة للعب هذا الدور، وفق قواعد جديدة لمّا تظهر ملامحها بعد، قيادة غير تقليدية تعكس مصالح الشركات العابرة للقارات المسيطرة اليوم على أهمّ المفاصل الحيوية الاقتصادية والاجتماعية. الأمر الذي يستدعي إفشال الآليات والمؤسسات والنظم الدولية المعمول بها منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما عكسته سياسات ترامب الصادمة في السنوات القليلة الماضية.

ويساهم نموّ الاقتصاد الصيني المتواصل وتشعّب علاقاتها واستثماراتها الخارجية، في تزايد التكهنات حول قدرتها على استغلال التراجع الأميركي عن قيادة العالم، عبر ملء الفراغ الأميركي دوليًا. ولكن الصين تفتقر إلى جملة من العوامل الضرورية لملء هذا الفراغ في الأمد المنظور، مثل عدم سيطرتها اقتصاديًا أو عسكريًا على أهمّ المفاصل والثروات والقطاعات الحاسمة في العصر الراهن، كالقطاعات المالية؛ السيبرانية؛ مصادر الطاقة التقليدية وتلك المتعلقة بتكنولوجية قطاع الطاقة البديلة، فضلًا عن غياب السيطرة العلمية، ومحدودية المساهمة البحثية، وثانوية المساهمة في الابتكارات الحيوية الطبية والتكنولوجية؛ إضافة إلى افتقار الصين إلى نموذج حضاري أو إنساني جاذب عالميًا، يجعلها مثالًا يُحتذى على المستوى الدولي والشعبي.

ويبدو لي أن الصين ذاتها تدرك عدم قدرتها الحالية على ملء الفراغ الأميركي، وقد تبدى ذلك في تجنبها ملء الفراغ الأميركي الذي أحدثته سياسات ترامب الصادمة، في السنوات القليلة الماضية. وهو ما يجعل الساحة الدولية مهيئة لتلاعب أميركي في عهد بايدن أيضًا، في ظل غياب العوائق الجدية أمام محاولات صياغة نظام ومنظومة ومؤسسات وقيم دولية جديدة، تعبّر عن جشع واستغلال وغرائزية رأس المال الأكثر توحشًا، كالتي تجسدها الشركات الاحتكارية العابرة للقارات ذات الأدوار العسكرية والسياسية المتنامية عالميًا.

* كاتب وباحث فلسطيني

المصدر: حرمون