الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ضحايا وجلادون

د. راتب شعبو

لكي يرتاح المعتقل قليلاً من آلام تعذيب لا تطاق، وافق على أن يقود الجلاد إلى موعد مختلق له مع رفيق. اختار موقف باص في منطقة ركن الدين، وفي الحال تشكلت الدورية وانطلقت إلى الهدف. هناك ربضت السيارة في مكان قريب من الموقف مثل وحش يستعد للافتراس. بغريزة الهروب من الألم أو تأجيله على الأقل، قرر المعتقل أن يشير إلى أحد منتظري الباص على أنه الرفيق المقصود. قال في نفسه المعذَّبة، ليكن في هذا نوع من توزيع العبء على الشعب، سوف يتعرض من سأختاره لبعض التعذيب، ولكنهم سيكتشفون سريعاً أنه شخص لا علاقة له بالأمر، فيتركونه وشأنه، فيما أبقى أنا بلا تعذيب طوال هذا الوقت الثمين على قصره. اعتذر بقلبه سلفاً من ضحيته الوشيكة، وأشار إلى شاب ببنطلون جينز وحذاء رياضي وهيئة تشبه هيئة الرفاق التي صار لها في ذهن رجال الأمن أثر خاص.

فوجئ الشاب الذي كان يتكئ باسترخاء على عارضة الموقف، بشخصين يشبكانه من الجانبين ويسيران به باتجاه سيارة قريبة من الموقف. شعر كل من على الموقف بسعادة الناجين من كارثة، كشعور من توقف انهدام الأرض قبل أن يصل إلى تحت قدميه فلم تبتلعه الهاوية، أو كغبطة من تجاوزته الرصاصة فلم يعد يكترث بمن اختارت من بعده. وقبل أن يستيقظ الشاب المختار من الدهشة وجد نفسه أمام الجلاد.

بدل أن يكتشف الجلاد أنه ليس لهذا الشخص المنحوس أي علاقة بالموضوع، اكتشف أنه رفيق عنيد ومبدئي إلى درجة أن كل وسائل التعذيب لا تكسره، وأن كل الألم الذي أنزله به لم يجعله يتلفظ ولو باسم واحد من التنظيم، مصراً على الإنكار وعلى تكرار إنه لا يعرف شيئاً مما يسألونه عنه (تنظيم، رفاق، مواعيد، مطبعة ..الخ). ظل الشاب يسأل بطريقة مؤثرة (كان يمكن لنبرته وبراءة عينيه أن تؤثر بالجلاد نفسه لولا خبرته الواسعة في القسوة وهدر الأعمار) عن سبب اعتقاله، في حين أنه لم يفعل شيئاً سوى أنه كان بانتظار الباص لزيارة خالته المريضة. “يا لك من كلب عاهر، تريد أن تخدعني لكي تتفاخر أمام رفاقك بصمودك وقدرتك على الإفلات، ثم تسخرون معاً وتضحكون من غباء أجهزة الأمن. اطمئن، لن أبخل عليك في إرسالك إلى بيت خالتك أيها البطل”، قال الجلاد بسخرية المحبَط الغاضب.

 “سيدي أنا في الحقيقة لا أعرف هذا الشخص أبداً، وقد اخترته بشكل عشوائي من بين منتظري الباص لكي تتوقفوا قليلاً عن تعذيبي”. قال المعتقل الأول حين طلبوه مجدداً، وقد أدرك أن الأمور مع الشاب بدأت تتخذ طريقاً كارثياً لم يتوقعه. “سيدي أقسم لك أنه لا علاقة لهذا الشاب بالموضوع البتة، إنه مجرد شخص من الشارع، من موقف باص، شخص لا على التعيين، لا أعرفه ولا علاقة لي به من أي نوع، أقسم لك يا سيدي بكل الأنبياء والرسل، أقسم لك”، ألح المعتقل الأول.

قال الجلاد في نفسه، يضعفون تحت التعذيب ويعترفون، ثم ينكرون اعترافاتهم حين يستردون أنفاسهم، يجب أن لا يرفع الكرباج عن هذا النوع من البشر لكي تبقى الحقيقة جارية على ألسنتهم فلا يخفون شيئاً. على من تضحكون يا عرصات؟ قال الجلاد في نفسه وأطلق ضحكة مبتورة، ثم أردف بثقة: “سأجعلك تعرف هذا الرفيق خلال دقائق، دقائق قليلة فقط”. وفى الجلاد بوعده، وفي غضون دقائق كان صوت المعتقل الأول يعلو فوق صوت الكرابيج التي تتسابق على التهام باطن قدميه، ليقول مخنوقاً بما يشبه البكاء: أعرفه، أعرفه يا سيدي، أعرفه.

 “وأنا أعرف أنكم لا تقولون الحقيقة إلا إذا استخرجتها منكم الكرابيج”، وحين راحت الكرابيج تضخ الألم مجدداً في دماء المعتقل الأول قصاصاً منه على محاولة تضليل الجلاد، كان الكاتب يسجل اسم الشاب المنحوس على قائمة التنظيم الذي اختاره له القدر.

لسنوات طويلة ظل الجلاد يتحدث عن شاب لم يعترف بكلمة واحدة رغم كل صنوف التعذيب، ولكنه مع ذلك لم يستطع خـداعه فألحقه برفـاقه إلى السجن. وفي السجن صار الشاب المنحوس يشعر بالانتماء لهؤلاء الشباب الذين تعرف عليهـــم هنا، وقد أحبهـــم، وأحب من بينهـــم بوجه خاص ذلك المعتقــل الذي كان الســـبب في نكبته.

* كاتب وطبيب سوري؛ معتقل سابق

المصدر: موقع نواة