الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حرب (استنزاف) أم (حرب الظل) ضد إيران في سورية

          

تستمر آلة الحرب الاسرائيلية بضرباتها المتواترة لتجمعات الحرس الثوري الايراني والميليشيات الطائفية التابعة لها على الأراضي السورية. وكذلك استهداف الكثير من المواقع العسكرية للنظام السوري. في إطار عمل عسكري أمني (جراحي) يهدف إلى تقويض الوجود الإيراني على الجغرافيا السورية، بتفويض مباشر وواضح من الاتحاد الروسي، ودعم لوجستي من القوات الأميركية الجوية الموجودة في المنطقة. وهي حرب استنزاف سبق وتم التصديق والموافقة عليها في سياق التوافق الأمني (الأميركي الروسي الإسرائيلي) الذي جرى منذ أكثر من عام مضى في اجتماع أمني في القدس المحتلة، حصل بين رؤساء أجهزة الأمن القومي للروس والأمريكان والإسرائيليين. ويبدو أن حرب الاستنزاف هذه، والتي تجد فيها دولة الكيان الصهيوني مجالًا رحبًا لإثبات هيمنتها على المنطقة برمتها، بعد أن أصبح جيش النظام السوري عاجزًا كليًا عن القيام بأي رد جدي عليها، وكذلك إحجام الاحتلال الإيراني عن أي رد مباشر نتيجة خوفه من الانجرار إلى حرب لا يريدها وإلى استعداء للإسرائيليين ليس من مهامه، ولا من استراتيجياته. وإلى استمرار دوره الوظيفي في المنطقة، المفوض به مع نظام العصابة الأسدي منذ عشرات السنين المنصرمة.

وبالرغم مما يقال عن إمكانية تنفيذ ضربة أميركية مباشرة لإيران أو بعض مفاعلاتها النووية خاصة، قبل انتهاء ما تبقى للرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، وبعد مقتل أهم عالم نووي إيراني من قبل استخبارات تتهمها إيران بالعملية تؤشر فيها إلى الموساد الاسرائيلي. إلا أن المؤشرات تبين أن الحرب بالوكالة وحرب الاستنزاف طويلة الأمد هي ما تنتهجه السياسات الأميركية المتعاقبة، ضد تحركات إيرانية غير محسوبة، أو متوافق عليها. وأن الأميركان لن يدخلوا أيضًا في حرب مباشرة على الأراضي الإيرانية، ليستمر دور إيران / الفزاعة في منطقة الخليج العربي.

ومازالت آلة الحرب الاسرائيلية تستفرد بالواقع السوري وما حوله، دون وجود من يعوق هذا الدور أو يبدل اتجاهاته، أو يحرفه عن مساره. بوجود نظام العصابة الأسدي، الذي ارتضى لنفسه خطف الوطن والسلطة، ومتابعة الفساد والإفساد ونهب وبيع وتأجير موارد ومؤسسات الوطن. وتمريغ السيادة الوطنية بالوحل، في سياقات الهم الأساسي لبشار الأسد ونظامه القاتل، وهو الاستمرار في السلطة، وقمع الشعب السوري والحفاظ على أمن إسرائيل، كي يبقى ممسكًا بمنصب (مختار حي المهاجرين)!! بلا سيادة وطنية ولا نية، ولا قدرة على الرد. وهو الذي دمر بنية الجيش السوري، وهدم 65 بالمئة من البنية التحتية لسورية وهجَّر أكثر من نصف الشعب السوري، بين نازح داخلي ولاجئ خارجي، واعتقل وقتل في السجون ما ينوف عن 500 ألف سوري. وأنتج أكثر من 600 ألف معوق حرب. حتى باتت سورية على يديه وحسب تقديرات أممية تحتاج إلى ما هو أكثر من 450 مليار دولار لإعادة إعمار ما هدمته آلة العدوان الممنهج (الأسدي الروسي الإيراني) وتوابعهم.

وحسب المراقبين فإن هذه الحرب تدخل في إطار «حرب الاستنزاف» بين إسرائيل وإيران على الأرض السورية، وأن الغارات مرشحة للتصعيد خلال الأسابيع الأخيرة من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

حيث استهدفت الغارات الأخيرة منذ أيام مركزاً ومخزن أسلحة تابعاً للقوات الإيرانية و«حزب الله» اللبناني في منطقة جبل المانع المطل على مدينة الكسوة في ريف دمشق الجنوبي. كما طالت مركزاً لمجموعة ما يسمى «المقاومة السورية لتحرير الجولان» في القنيطرة جنوبًا، عند الحدود السورية مع الجولان المحتل.

وتشير بعض المصادر إلى أن القصف قرب دمشق أوقع ثمانية قتلى غير سوريين، لم يتمكّن من تحديد جنسياتهم، بالإضافة إلى عدد من الجرحى. كذلك تسبب في دمار مستودع صواريخ.

يتكرر في الأيام الأخيرة القصف الإسرائيلي على سورية، بحسب «عدة مصادر»، مما أدى القصف خلال شهر تشرين ثاني / نوفمبر 2020 إلى مقتل 14 مسلحاً موالياً لإيران، غالبيتهم عراقيون في شرق سورية. وكان قد أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي قبل ذلك أن مقاتلاته قصفت «أهدافاً عسكرية لـ(فيلق القدس) وللجيش السوري»، في حين اعتبره «رداً» بعد العثور على عبوات ناسفة على طول الحدود الشمالية. وأوقع القصف عشرة قتلى، بينهم جنود سوريون ومقاتلون موالون لإيران.

وتقول مصادر استخبارات غربية، إن الغارات الإسرائيلية المتصاعدة على سورية في الأشهر القليلة الماضية هي جزء من «حرب الظل» التي وافقت عليها واشنطن، وجزء من سياسة مناهضة لإيران قوضت في العامين الماضيين القوة العسكرية الواسعة لطهران دون أن تؤدي لتفجر الأعمال القتالية. ومازال الإسرائيليون يؤكدون على أن إسرائيل ستكثّف حملتها ضد إيران في سورية، بعد أن وسّعت طهران وجودها بمساعدة الميليشيات الطائفية التي تعمل بالوكالة عنها، ويوم أمس 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2020 اغتالت طائرة مسيرة- يُعتقد أنها إسرائيلية- القائد بما يسمى الحرس الثوري الإيراني مسَلَم شهدان وثلاثة من ضباطه على الحدود السورية العراقية وبنفس يوم تشييع قتيلهم النووي محسن فخري زادة.

المعلومات الموثقة تشير إلى أنه ومع الغارات الجديدة، تكون إسرائيل قد استهدفت الأراضي السورية 36 مرة منذ بداية عام 2020، وتسببت ضرباتها الجوية في مقتل 210 من قوات النظام والمسلحين الموالين لها والقوات الإيرانية و«حزب الله» والميليشيات التابعة لها، بينهم 41 من الجنسية السورية، والبقية أي 165 من جنسيات غير سورية.

وتأسيسًا على ذلك فإن استمرار حرب (إسرائيل) الاستنزافية أو (حرب الظل) على الأراضي السورية، لا يبدو أنها ستتوقف في المستقبل المنظور، وسوف يبقى هذا الاستهداف متواصلاً وسط صمت مطبق من نظام التابعية الأسدي، وعجزه الكامل على القيام بأي رد حقيقي، في سياق دوره الوظيفي، وانشغاله بالحرب والمقتلة المستمرة ضد الشعب السوري.