الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

من استباحة القدس إلى إنهاك بغداد واستباحة العراق *

الدكتور جمال الأتاسي

      الوزير الصهيوني شارون المشهور، صاحب عملية اختراق الديفرسوار في حرب أكتوبر، والمدبر والراعي لمذابح صبرا وشاتيلا في لبنان، ما عاد من التوقيع على اتفاق “واي بلانتايشن” هذا الأخير، إلا ليستفز حركة الاستيطان والمستوطنين لمد استيطانهم وجرافاتهم أمامهم إلى أقصى ما يمكن الامتداد إليه على ما بقي من أرض فلسطينية بل وفي الجولان أيضاً لكي لا يبقى لعرفات ما يطالب به في أية مفاوضات تالية ونهائية .

      والرئيس الأمريكي كلينتون هذا الذي لم يوقف إطلاق صواريخ طائراته وحشوده ضد بغداد إلاّ في اللحظة الأخيرة وبعد أن أعلنت بغداد تسليمها وفتح كل مكامنها للمفتشين، وما زالت أوامره على الزناد، لتنطلق الصواريخ هذه المرة من غير سابق إنذار عند أول مخالفة عراقية، بينما تدعو أمريكا بكونغرسها ورئيسها معاً، كل أطراف المعارضة العراقية لتمدهم بالمال والسلاح وتستفزهم ومعهم كل الجواسيس والمرتزقة وعملاء المخابرات المركزية، أن يتحركوا كما يُراد لهم أن يتحركوا لإيجاد خاتمة لهذا الذي بقي من العراق وشعب العراق.

      ما استبيحت الأمة وأوطان الأمة، أرضها ومياهها ونفطها ومواقعها الاستراتيجية، وما حوصرت، كما تستباح وتحاصر اليوم . فهذه تركيا المستقوية بحليفها الصهيوني وسندها الأمريكي، كانت قد حشدت على سورية جيوشها ومناوراتها، وما تراجعت إلاّ بعد أن نالت من سورية ما نالت، وبريطانيا التي لم تعد عظمى، تظل ذيلاً لأمريكا وتتحرك معها وتحشد وراءها ضد العراق وغير العراق أيضاً . حتى  إريتريا هذه الدولة الصغيرة الناشئة والتي تدربها إسرائيل، صارت تغزو الجزر اليمنية من غير رادع حين تشاء ولا تنسحب إلا حين ترضى وتتوسط لديها دولياً.

      وفي خضم هذه الظروف الصعبة والتحديات المصيرية كم كان مهيناً ومخيباً لكل تطلعات الشعوب، ولاستنهاض قدر من التضامن العربي في المواجهة، ذلك البيان الذي صدر عن الاجتماع الأخير لوزراء خارجية دول ” إعلان دمشق ” الذي عقد في الدوحة . بينما كان الأسطول الحربي الأمريكي يتحرك، وغير بعيد عنها، لتوجيه ضربته  العقابية الجديدة للعراق. فالبيان لم يأتِ على كلمة واحدة بصدد رفع الحصار عن العراق وغيره من الحصارات على أقطار عربية أخرى، ولم يُشر بنقدٍ أو تنديدٍ بهذه الغطرسة للقوة الأمريكية التي تفرض سطوتها على قرارات مجلس الأمن والعالم، بل جاء ليدين العراق وحاكم العراق وليُحملهما وحدهما المسؤولية عن كل أسباب هذه الحملة وما سيترتب عليها من نتائج، وليطالبهما بالانصياع . ولكن الأمر الفاضح بعد هذا كله أن الإدارة الأمريكية، كان لها أن أعلنت، وعلى لسان أولبرايت وزيرة خارجيتها، وقبيل صدور بيان الدوحة ذاك، ما سيأتي عليه البيان بشأن العراق، ولتعبر عن ارتياحها لأنه لن يقول شيئاً في الاعتراض على ما يُدبر من ضربة للعراق!؛ فهل لم يعد هناك من خيار آخر للحكومات العربية بما فيها الثلاثة الكبرى التي يضمها ” إعلان دمشق ” إلاّ الاحتكام للشروط الأمريكية بهذا الشأن وبغيره من الشؤون، وبالوقوف عند أعتاب رعايتها لمسيرة ” سلام “، لم يعد لنا من خيار استراتيجي غيره، والذي يعطينا من ثماره الخيِّرة ما يعطي، ومنذ ما بعد حرب الخليج الثانية حتى اليوم، والتي لن يكون آخرها ما جاءت عليه اتفاقات “واي بلانتايشن”، وذلك الإخراج العاطفي المثير لحفلة التوقيع عليها، فالكل صار دامع العينين من وجدِ ذلك السلام الذي تقدم إليه المسار الفلسطيني، والذي ترجى الخطباء أن يلحق به تحرك تفاوضي جديد على المسار السوري ـ اللبناني؟ . هكذا وقف كلينتون ومن حوله كبار رجال مخابراته ومستشاريه معتزاً بما أنجز ومتحسراً لأن زوجته هيلاري لم تحضر بجانبه لترد عنه أعين الحاسدين، كما وقف الملك حسين الذي حشر نفسه أو حُشر في زحمة المفاوضات العسيرة، وبما يحمله من خواطر مرضه الخطير، وخطبته كانت واعظة ومؤثرة بل ومبشرة وكأنه ما زال يحلم بأن يعود ويشكل بملكه ومملكته الأردنية، ذلك الضلع الثالث  من ” المثلث الذهبي ” الإسرائيلي ـ الفلسطيني ـ الأردني، الذي كان قد بشر به سابقاً شيمون بيريز، كمقوم لتعميم السلام والتنمية، والازدهار في المنطقة، ولتبقى إسرائيل وبتفويض من أمريكا حاميةً لحكمهِ ولمملكتهِ واستمرارها خالصة مُخّلصة لأمريكا ولإسرائيل من بعده . أما الرئيس المقدام عرفات، والمستمسك دائما ” بسلام الشجعان “، فلقد كان بحق شجاعاً فيما قبل به وأقدم عليه متحدياً كل مشاعر شعبه وأمته، وحين نادى بناتنياهو أخاً له وشريكاً شراكة مصيرية لا تنقطع، لإحلال الأمن وكل مقتضيات أمن دولة إسرائيل حيثما امتدت، متعاقداً على الضرب بيد من حديد على كل المقاومات وبخاصة الإسلامية وتدمير بُناها التحتية، كما أعطى الاتفاق المخابرات المركزية الأمريكية ومراقبيها شرف الإشراف على هذه الشركة والمشاركة في التدابير الأمنية. أما الرئيس الأمريكي فستكون له الحظوة في الحضور بشخصه وشخص وزيرته، المؤتمر الذي سيُدعى المجلس الوطني الفلسطيني إليه في غزة، ليؤكد تنازله النهائي عن الميثاق الوطني لمنظمة التحرير وكل ما كان يقول به من تحرير أو من حقوق تاريخية للشعب العربي الفلسطيني في فلسطين . أي ليعترف بمشروعية الاغتصاب، لما اغتصب، ولما سيغتصب من أرض فلسطين، ولكي لا يبقى بعد ذلك لعرفات إلاّ ركن صغير ومقطع الاتصالات والأوصال في ذلك المثلث الذهبي الذي  ستعتريه كله إسرائيل، وليعلن في هذا الركن ما شاء أن يعلن من كيان ودولة وليهنأ عرفات ويفرح كولد عذبه الحرمان، بألقاب الرئاسة ورفع العلم وعزف مزيكا ومد بساط أحمر وفتح مطار وشق طريق من غزة لأريحا تحت رعاية الأمن الإسرائيلي والمخابرات المركزية  .

      وهكذا وأمام سمع وبصر العرب جميعاً والمسلمين كافة بل والمسيحيين وكل الدنيا، تؤخذ القدس وتسحب القضية الفلسطينية من التداول العربي، وكأنها لم تكن ولم تعد قضية المصير والمستقبل العربي كله، لكي يقف مؤخراً رئيس أكبر دولة وأقوى دولة عربية وليقول جواباً على ما يطرح عليه من أسئلة وما يقوم من احتجاجات على ما جاء ت به “واي بلانتايشن” من اتفاقات؛ هـذا شـأنٌ فلسـطيني وليس لنا إلاّ أن نقبل ونرتضي ما يرتضيه الفلسطينيون لأنفسهم! .

      فهل هذه هي النتائج المرجوة من السلام الأمريكي الذي نزل علينا أم تشبثاً من قادة الأمة الكبار بإنقاذ عملية السلام تلك؟ . ولكن إسرائيل تشنها حرباً على الشعب الفلسطيني ومقاومته وتمسكه بأرضه وتشنها حرباً على المقاومة في الجنوب اللبناني بل وتهدد بتعميم ضرباتها لتشمل كل البنى التحتية لكل مقاومة وعلى عموم لبنان والمواقع السورية فيه، إلاّ أن تسكت المقاومة وتعود إلى “واي بلانتايشن” ومسيرة المفاوضات التي ستطول وتطول، ولو استؤنفت من حيث توقفت، أمريكا راعية السلام، فإن سلامها ينزل على عدد من الأقطار العربية حصارات وضربات عسكرية من ليبيا والسودان، وبخاصة العراق أو ليتحول نظام حكمه أو يستبدل لينخرط هو أيضاً في مسيرة التطبيع والاعتراف بإسرائيل ويمد إليها تجارته وأنابيب نفطه وينخرط هكذا في مسيرة السلام الأمريكي جملة أو اجتزاءً .

      وتبقى القوة الأمريكية متحفزة كما قلنا في البداية تنتظر الإشارة لتضرب، وكلينتون قالها بكل الغطرسة الأمريكية: إننا هذه المرة سنضرب وعند أول بادرة سوء تصرف مع المفتشين، سنضرب، سنضرب من غير إنذار أو انتظار، وسنضرب وندمر ونعاود ونظل نضرب إلى أن يزول صدام أو يزول العراق كعراق أو كعراق واحد .

      هناك استبيحت القدس، وهنا تستباح بغداد وينتهك العراق وشعب العراق؛ إن القدس وبغداد ركنان من أركان هذه الأمة التي لا قيام لها كأمة بدونهما، أو بدون أي منهما، ولكن وبعد هذا التراجع العربي الرهيب، هل بقيت لنا من فسحة لنتطلع منها إلى صحوة جديدة للأمة وحركة شعوب الأمة لتدفع على طريق العودة والإمساك بقضايا الأمة في مواجهة التحديات أم أن مصائر العرب والأنظمة القطرية العربية قد انفكت عن بعضها انفكاكاً لا تلاقي بعده ولا تضامن أو عمل مشترك أو تطلع لمصير واحد ووحدة؟ .

      إننا نظل نتطلع إلى ما يصحو وما يقاوم وما ينهض ويجمع وسنعاود الحديث عمّا يمكن أن يتحرك وينهض، فعلى صعيد الأنظمة والحكومات سنظل نتمسك بهذا الخيط الرفيع من العلاقات الذي أخذ يمتد من مصر إلى السعودية وإلى سورية فإيران ولعله يعود ويأخذ بيد العراق للخروج به من محنته إذا ما صدقت النوايا والعزائم، وسنظل نتطلع إلى يقظة الشعوب ومقاومة الشعوب وأن تفرض على الأنظمة التغيير والاستجابة لإرادة الشعوب .

* { دمشق في 29 | 11 | 1998.. وقد وزعت ضمن نشر: التجمع الوطني الديمقراطي وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية بنفس التاريخ}