الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في الأصول التاريخية للوطنية السورية

ريمون المعلولي *

أصدرَ عددٌ من المفكرين السوريين مُسودة ورقة حملت عنوان “في الوطنية السورية“، تضمنت خلاصة أفكارهم بشأن سورية، بوصفها وطنًا مُفترضًا يتطلب العمل على تحقيقه. وقد تفاعل مع المسودة عدد من المفكرين والمثقفين الذين ساهموا في إغنائها بالكتابة والنقاش المُثمرين.

متابعة لنقاش الورقة، ومساهمة في إغنائها، رأيت لزوم الكتابة عن جانب لم يتضح فيها، وأقصد تاريخيّة الوطنية السورية، كي لا تبقى مقولة من دون تاريخٍ أو أصلٍ. فالتعرُّف إلى جُذورها، وظروف نشأتها ومسارات نموها وتحدياتها، يُكسبها حقها في الوجود، ويدفع عنها مزاعم التشكيك في شرعيتها، عندما يجري الغمز من قناتِها من جانب التيارات السياسية ذات الطابع الأيديولوجي؛ قوميةً كانت، أم دينيةً أم ما فوق قومية.

ولا بد من إجراء فحص واعٍ وموضوعيٍ لما ذهب إليه بعضُ المفكرين الفرنسيين (الذين دفعتهم حكومتهم إلى دراسة التركيب الإثني والديني للسوريين)، من مزاعم تتصل بطبيعة الاجتماع السوري وتركيبته، وأثر ذلك في طبائعهم وأفكارهم التي وصفها “وولريس “Weulersse. J. بالفوضوية والمشوشة؛ لأن أهل سورية لم يعرفوا أمة أو دولة عبر تاريخهم العثماني، وأدى التعارض التاريخي المزمن لديهم بين مفهومي الدولة والأمة إلى نمو تلك العقلية. وكُتبَ على السكان أن يتشكلوا في “مجموعات قومية” أو إقليمية صغيرة، وهذا الأمر في ما يبدو ملائم لفرنسا، لأنه يجعل تعميم المعارضة الشعبية ضد بلاده أمرًا صعبًا” [1](نقلًا عن الكوثراني، ص 20)

إذن لا دولة أمة في التاريخ المُعايَن لسورية، ومن ثم فالتاريخ مفتوح على تشكل أمم وفقًا للإرادة الفرنسية، استنادًا إلى افتراض يقول إن الحكم العثماني محض حالة فوضى استمرت 400 سنة، ما يلغي التاريخ ومعه كل أنثروبولوجيا لواقعٍ معيشٍ، ليتشكل تصورٌ مُتخيل للماضي، وتصورٌ مفترض للمستقبل، وبين هذا وذاك ترتسم أسطورة الفوضى أو الفراغ ليبنى عليها -قسرًا وقهرًا- أمر واقع جديد”.

وينفي وولريس مشاعر الانتماء الوطني لدى شعوب هذا الشرق، ويرى أن الانتماء إلى القرية أو الطائفة أو العشيرة أقوى وأثبت من أي انتماء وطني لدى هؤلاء.

إنها أسئلةٌ تتصل بطبيعة السلطة التي حكمت الشرق الإقطاعي وعلاقتها بالسكان/ الرعايا والأرض، يرى وولريس أن شروط تكوين الأمة – الدولة لم تتوافر لشعوب هذه البقعة من العالم.

إن الوصف المقارن لمفهوم الدولة -الأمة كما قدمهُ وولريس وخص به أوروبا فحسب، في مقابل نفي وجوده في بلاد الشرق الإمبراطورية، يستحق وقفة نقدية، بحسب كوثراني، فهو يمثل نظرة أكاديمية فرنسية في تسويغ مشروعات التجزئة التي لجأت إليها بلاده، ولكنه في الآن ذاته يقدم ملاحظات دقيقة عيانية”.[2]

إن مراجعة تاريخية متأنية لفكرة الوطنية السورية تتطلب -في المقام الأول- طرح أسئلة مهمة تتصل بإشكالات قيام الوطنية وتحدياتها موضوعيًا في سورية، كتلك التي يطرحها بعض المفكرين القوميين العرب، عندما عدّوا القومية هي الأصل، في مقابل تنحية الوطنية، أو في أحسن الأحوال معاملتها بوصفها فرعًا من أصلٍ. وكذا ما طرحه الإسلاميون بخصوص الأمة الإسلامية، بوصفها الوعاء الذي يستوعب الشعوب الإسلامية كلها، أو ما يزعم أصحاب الأيديولوجيا الكوزموبوليتية/ العالمية من نفيٍ لفكرتي الوطنية والقومية في مقابل دعوتهم شعوب الأرض إلى الانضواء في إطار الأممية. ونضيف إلى ما سبق تلك الإشكالات التي طرحها بعض المفكرين الفرنسيين في ما يتصل بانعدام قدرة شعوب الشرق -المقيمين في إمبراطوريات أو سلطنات أو حتى في إمارات- على إنتاج الأمة/ الدولة كما شهدت أوروبا في مراحل صعود البورجوازية وتفكيك الإقطاعية ومرتكزاتها المادية. ولن ننسى أهمية البحث في مدى مسؤولية السياسات الاستعمارية القائمة على تقسيم سورية عن إعاقة تكوين الدولة الوطنية فيها. والسؤال عن مدى أهمية نضالات السوريين في مطلع القرن العشرين، وخصوصًا بعد الحرب العالمية الأولى، في وجود نواة دولة على الأراضي السورية كاملها كان يمكن الاعتماد عليها وتطويرها بمعزل عن الممانعة الفرنسية.

فهل كان الانتماء الوطني معدومًا -كما ادعى بعض أصحاب النظريات- لدى السوريين لمصلحة الانتماءات ما دون الوطنية؟ ما الذي كان يحرك الآباء المؤسسين عندما أعلنوا قيام المملكة العربية السورية ودستورها وبرلمانها وحكومتها، ودفعهم إلى تقديم التضحيات في سبيل بلوغها؟

أسئلة لا بد من البحث فيها، تشكل الإجابات عنها بداية الوصول إلى الحقيقة، وإن كانت نسبية، على طريق إرادة بناء الدولة السورية الوطنية المأمولة. من دون شك، فإن البحث في تلك الأسئلة يستلزم جهدًا كبيرًا ومتخصصًا، وهو مهمة المستقبل.

في هذه الورقة/ المقالة سوف نكتفي بالمرور على أهم المحطات التاريخية التي ظهر في خلالها الوعي الوطني لدى السوريين، وهم في إطار الخلافة العثمانية، ومن ثم رصد الأعمال والجهد الذي بذله الآباء المؤسسون من أجل تكوين وطنهم انطلاقًا من مطلع القرن العشرين، مرورًا بنضالات السوريين في وجه قوى الاحتلال / الانتداب الفرنسي -البريطاني، وكسب معركة الاستقلال والتحرير في نيسان/ أبريل 1946، ومتابعة رصد مصير الدولة الوطنية لما بعد الجلاء وتعثرها، وأخيرًا التوقف عند حدث الثورة السورية في 2011 وعلاقته بفكرة الدولة السورية الوطنية.

إذن؛ كانت سورية قبل الحرب العالمية الأولى جزءًا من السلطنة العثمانية، وكان المقصود بسورية في حينه المنطقة كلها التي تمتد على سورية الراهنة ولبنان وفلسطين وشرق الأردن. وكانت تضم ثلاث ولايات: دمشق وحلب وبيروت، إضافة إلى ثلاث متصرِّفيات: القدس، وجبل لبنان، ودير الزور. بلغت مساحتها 1915 338.600 كم² وعدد السكان فيها 4.008.000 نسمة.[3]

استغل العرب في مطلع القرن العشرين انفتاح أعضاء جمعية تركيا الفتاة عليهم نسبيًا، فقد كانوا عازمين على نقل السلطنة من النظام الإقطاعي إلى النظام البورجوازي بانقلاب عسكري ينقلهم إلى سدّة السلطة، فتقربوا من ممثلي القوميات غير التركية وبينهم العرب، في إطار الإمبراطورية العثمانية.

شكل العرب في ذلك الوقت عددًا من الجمعيات، كان أهمها تلك التي تبنت برامج سياسية، وأنشطها جمعية العربية الفتاة 1911 في باريس، وتولى أعضاؤها بالتعاون مع حزب اللامركزية مهمة توحيد جهد القوى العربية للضغط على الحكومة التركية، ونجحوا في عقد مؤتمر لهم في حزيران/ يونيو 1913 في باريس، ضم 24 مندوبًا (19 سوريًا ولبنانيًا و2 من العراق و3 من الجاليات العربية في الولايات المتحدة). طالب المؤتمرون في باريس بالحقوق القومية العربية، وبالمساهمة الكبرى للعرب في الإدارة المركزية التركية، ونادوا بالاستقلال الذاتي للولايات العربية.

تواصل فيصل نجل الشريف حسين سرًا مع القوميين السوريين عام 1915، في إطار التحضيرات للانخراط في الحرب إلى جانب الإنكليز والفرنسيين، وفي أثناء زيارته دمشق، وأجرى اتفاقات مع أعضاء الجمعية العربية الفتاة وجمعية العهد الذين شجعوه على التواصل مع الإنكليز، وزودوه بشروط التحالف معهم في الحرب التي عُرفت ببروتوكول دمشق، وبموجبه كان على الإنكليز الاعتراف للعرب باستقلال الدولة العربية بحدودها الطبيعية وإلغاء نظام الامتيازات.

وفيما كان العرب يحاربون إلى جانب الإنكليز، سلخ الإنكليز والفرنسيون –على الورق- وبموجب اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 أراضي سورية الكبرى بعيدًا عن خريطة الإمبراطورية العثمانية استعدادًا للتصرف بهذه الأراضي في ما بين الدولتين لاحقًا، خصصت الأراضي الواقعة في غرب سورية ولبنان وكيليكيا والجزء الجنوبي الشرقي من الأناضول لفرنسا، في مقابل حصول بريطانيا على جنوب العراق ووسطه وميناءي حيفا وعكا، وبقي الجزء الباقي من فلسطين تحت إدارة دولية. وبموجب خريطة سايكس بيكو دخل شرق سورية ومنطقة الموصل في منطقة النفوذ الفرنسية A وشرق الأردن وباقي العراق من شمال بغداد في المنطقة B تحت النفوذ البريطاني.

في 30 أيلول/ سبتمبر 1918، وقبل دخول القوات البريطانية بيوم، دخلت القوة العربية إلى دمشق بقيادة فيصل الذي أعلن عن قيام الدولة السورية، وتبعتها القوات البريطانية التي دخلت إلى بيروت وحلب وباقي المدن السورية. وهكذا لأول مرة منذ أربعة عقود خرجت القوات التركية من سورية واضطرت إلى التوقيع على صك الاستسلام والهدنة في 30 تشرين أول/ أكتوبر 1918، وتنازلت بموجبه عن سورية ولبنان وفلسطين والعراق والحجاز وعسير واليمن.

في نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 وقَّعت الدولة التركية المهزومة معاهدة سيفر 1920 مع الدول المنتصرة في الحرب، وانسحبت بموجبها من سورية بما فيها الأراضي الواقعة شمالًا.

ردًا على إعلان قيام دولة سورية اتفقت كل من بريطانيا وفرنسا على المباشرة بوضع سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ووضع العراق تحت الانتداب الإنكليزي، ووضع فلسطين وشرق الأردن تحت الانتداب الإنكليزي مع الالتزام بتنفيذ وعد بلفور بموجب اتفاقية سان ريمو 1920.

تنازلت فرنسا عن الأراضي السورية الشمالية كاملها لتركيا بموجب اتفاق “أنقرة” الموقع بينهما الذي صُدِّق في “لوزان” 1923 بعد هزائم حلت بقواتها في مواجهة قوات أتاتورك، ولم يبقَ من سورية سوى 185 ألف كم2، بما فيها لواء إسكندرون الذي تنازلت عنه لاحقًا لتركيا.

أمام احتجاج السوريين على قرارات سان ريمو، واستعدادًا لتقديم طلبات السوريين أمام لجنة كراين، دعا فيصل إلى عقد المؤتمر السوري العام الذي ضم ممثلي المدن والمناطق السورية، وهو مؤتمر تمثيلي انتخب بعض أعضائه حيث كان ذلك ممكنًا، وقدم بعض السوريين إلى دمشق بتفويض مكتوب من أعيان مناطقهم، بلغ عدد المندوبين 85 شخصية.

عقد المؤتمر ثلاث جلسات استثنائية في النادي العربي في دمشق في المدّة الدستورية الممتدة بين حزيران/ يونيو 1919 وتموز/ يوليو 1920.

الجلسة الأولى: عقدت في 7 حزيران/ يونيو 1919 وعرفت بدورة الاستفتاء. كان الغرض منها إعداد رد أمام لجنة كراين للتحقيق، والتحقق مما يريده السوريون. وتمخض عن الدورة ما عرف باسم “برنامج دمشق“/ دورة الاستفتاء، الذي تضمّن:

– استقلال سوريا الطبيعية التام، وترشيح الأمير فيصل ملكًا عليها.

الحكم ملكي دستوري نيابي مركزي تصان فيه حقوق الطوائف جميعها مع وحدة عربية.

رفض الوصاية والحماية الفرنسية.

الموافقة على مساعدة تقنية واقتصادية من أميركا أو إنكلترا.

تأكيد أن فلسطين جزء من سوريا الطبيعية، ورفض وعد بلفور والهجرة الصهيونية والمزاعم الصهيونية تمامًا.

الجلسة الثانية: عقدت في تشرين الثاني/ نوفمبر 1919، وسميت “بدورة الدفاع“، اعترض المؤتمر السوري “البرلمان” على عملية استبدال الحامية الفرنسية في سورية بالبريطانية تكريسًا لاتفاقية سايكس- بيكو، وعدّه تمهيدًا لفصل لبنان وباقي المناطق الساحلية وشماله لفرنسا، وكلفت الحكومة بمقاومة العملية.

الجلسة الثالثة: أطلق عليها اسم “دورة الاستقلال” بمناسبة انفراد فرنسا وبريطانيا بمصير سورية من دون الاهتمام برأي أهلها، أُعلِنَ استقلال سوريا الطبيعية وتعيين فيصل ملكًا دستوريًا في 8 آذار/ مارس 1920.

بعد إعلان الاستقلال تشكلت حكومة جديدة نالت ثقة المؤتمر العام لتكون أول حكومة سوريّة دستورية، وعكف المؤتمر على كتابة الدستور، بينما قامت الحكومة بتعيينات إدارية للولاة وأعضاء مجلس الشورى وكبار موظفي الدولة والقصر الملكي، واستحدثت أول عملة سورية هي “الدينار السوري”، وعكفت على تأسيس الجيش الوطني، ووضعت قانون النسيج. ولشحّ وارداتها المالية، عمدت إلى تمويل الخزينة عن طريق قرض وطني بضمان طويل الأجل لأراض مملوكة للدولة وغير مستثمرة.[4]

تشكلت حكومة ضمت شخصيات وطنية مثل يوسف العظمة وعبد الرحمن الشهبندر، وذكرت الوزارة الجديدة في بيانها أن أساس خطة الوزارة تأييد الاستقلال التام الناجز المتضمن -في جملة ما يتضمنه- حق التمثيل الخارجي والإصرار على الوحدة السورية في حدودها الطبيعية مع رفض منح أي قسم من البلاد لليهود.

ومن أبرز خصائص دستور 1920 – القانون الأساسي للملكة السورية:

– اسم الدولة: المملكة العربية السورية، ملكية مدنية نيابية دين ملكها الإسلام.

– الوحدة السياسية لسورية لا تقبل التجزئة، واستقلال إداري للمقاطعات السورية.

– اللغة العربية هي اللغة الرسمية، الفرد من أهل المملكة العربية السورية يدعى سوري.

– التعليم والتربية في المدارس الرسمية والخصوصية واحد على أساس المبادئ الوطنية في المقاطعات السورية جميعها.

تُعد الدورة الثالثة أهم دورات المؤتمر العام، فقد تحول من مؤتمر تمثيلي- سياسي/ برلمان إلى مجلس نيابي تشريعي يضطلع بوظيفتي جمعية تأسيسية (لوضع أول دستور للبلاد يقوم على أساسه الحكم المستقل) ومجلس نيابي (لمراقبة الحكومة) في آن معًا، بقي منعقدًا حتى تموز/ يوليو حين دخول فرنسا إلى دمشق في 25 تموز/ يوليو 1920.

إذن؛ سارعت فرنسا إلى إجهاض الدولة السورية الوليدة، فطردت فيصل من الشام، وباشرت بتطبيق خططها لإدارة المنطقة انسجامًا مع ما روج له ساسة فرنسا بشأن سيطرة “العقلية الفوضوية لأهل سورية” وعدم تمكنهم من تكوين أمة في دولة، وانطلاقًا من نتائج مراسلات بين “ميلران” رئيس الحكومة الفرنسية، والجنرال “غورو” قائد القوات بشأن أفضل أشكال إدارة سورية، اختارت سلطة الانتداب استراتيجية الاعتماد على المجموعات الدينية والإثنية غير العربية أو السُنيّة لإدارة الدويلات التي أقامتها: المسيحيين الكاثوليك في لبنان، والعلويين في الساحل، والدروز في الجنوب، فهذه أقليات تعيش عزلتها بعيدًا عن باقي الأقوام والطوائف، وكذا على الجماعات الإثنية غير العربية من جهة أخرى، وقد عوّلت فرنسا في ذلك على معرفتها المسبقة بطبيعة علاقات تلك الجماعات الداخلية، والصراعات “السلطوية” القائمة بين العشائر والعائلات، وحتى بين “بيوتات” الزعامة العشائرية الواحدة، وتمكنت من إقامة عدد من الكيانات السياسية، تُدير شؤونها مجالس محلية من وجهاء تتبع لـ”سلطة مركزية” هي سلطة الانتداب.

لقد تمكنت فرنسا من تطبيق خطتها في إدارة سورية مُقسّمة كما أرادت، وحالت دون قيام دولة موحدة على أرضها، سكانها أغلبهم من العرب السنّة، وساعدها على ذلك جملة من العوامل الذاتية والموضوعية المتشابكة.

تمثلت العوامل الذاتية في ضعف التيار القومي- الوحدوي الذي كانت تمثله مجموعات من المثقفين السوريين الطامحين إلى قيام دولة عربية تشبه نموذج الدول الأوروبية الحديثة، فقد كان معظمهم يقيمون خارج سورية، فضلًا عن انعزالهم عن القاعدة الشعبية المحلية.[5]

فيما يمكن ردُّ العوامل الموضوعية إلى سياق اقتصادي اجتماعي تاريخي، متمثلًا في ضعف القوى الاجتماعية التي عوَّل فيصل عليها لقيام دولته الواحدة، وهي في أغلبها من القبائل والأعيان والملّاك الكبار وتجار المدن، فهم يمثلون القوى التقليدية المقاومة لأي تطور أو تجديد وانفتاح.

وعلى الرغم من مساعي فرنسا لإقامة سوقها الاقتصادي الموحد في سورية خدمة لمصالح شركاتها الإمبريالية، عن طريق مدّ شبكة طرقات تربط مدن الداخل بالموانئ، والمباشرة بمد خطوط سكك الحديد، وجدت نفسها في مواجهة تحديات حقيقية من جانب القوى الاجتماعية الاقتصادية التقليدية المحلية، تمثلت في جملة من المعوقات كان أبرزها: التنظيم العائلي المغلق للمهن السورية، والروابط الداخلية العميقة التي نسجها تجار المدن الكبرى في ما بينهم التي كانت ذات طابع قيمي ديني، فضلًا عن التقسيم الطائفي للأعمال؛ حيث كانت الزراعة تخص المسلمين بصورة رئيسة، والتجارة في أغلبها تخص المسيحيين، وهناك مهن معينة لا يوجد فيها إلا مسلمون، ومهن أخرى لا يوجد فيها إلا مسيحيون أو يهود، إضافة إلى تفاوت الثروة والغنى بين المناطق والمدن، ما أدى إلى نمو نزعات التباعد وانعدام روح التضامن بين سكان المناطق الغنية والفقيرة. حال ذلك كله دون تمكن فرنسا من إقامة شبكتها الاقتصادية الاستعمارية. خلاصة: تمكنت فرنسا من تحطيم حُلم السوريين المتجسد في قيام المملكة السورية البرلمانية الدستورية في 8 آذار/ مارس 1920 على الأراضي السورية كاملها، وعاصمتها دمشق. وأدخلت البلاد في فوضى الكيانات السياسية- الإدارية المحكومة من جانب زعماء الطوائف والأقليات المتنافسة على السلطة التي كانت تنتهي عند المندوب السامي الفرنسي المقيم في العاصمة.

هوامش:

[1] الكوثراني، وجيه: 2013 بلاد الشام في مطلع القرن العشرين السكان والاقتصاد وفلسطين، قراءة في وثائق الدبلوماسية الفرنسية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ص 20.
[2] الكوثراني، وجيه، المرجع السابق، ص 20
[3] “الكوثراني، وجيه، المرجع السابق ص41
[4] https://bit.ly/3mSz18s
[5] لوتسكي، فلادمير 2007، تاريخ الأقطار العربية الحديث، ط7، دار الفارابي، بيروت: لبنان.

* باحث وأستاذ جامعي سوري

المصدر: حرمون