الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

استيلاء حافظ أسد على سورية وحقيقة البعث العارية

عبد الباسط حمودة *

     من أهم إنجازات البعث ولجنته الانفصالية العسكرية العميلة هو ولوج حافظ أسد للسلطة وتحكمه وعبثه بأمجاد سورية؛ كيف ولماذا كان ذلك؟ في تشرين الأول/ أكتوبر 1973، بدأت الحرب- المسرحية- مع “إسرائيل”، التي عُرفت بحرب السادس من تشرين/أكتوبر، شارك حافظ أسد ودُمى جيشه المُهترئ في هذه الحرب إلى جانب السادات وجيش مصر، بهدف استرجاع الأرض التي اغتصبتها “إسرائيل” من العرب في حرب حزيران/يونيو 1967؛ فخلال الحرب، وفي ذات الوقت الذي عَبَرت فيه القوات المصرية قناة السويس وحطمت خط ’’بارليف‘‘ الحصين ورفعت العلم المصري في سماء سيناء، كانت قوات حافظ أسد منهزمة إلى عمق الأراضي السورية أمام القوات الإسرائيلية، وقد وصل طول خط الانسحاب إلى نحو مسافة 54 كيلومتراً، باتجاه دمشق- وقد شاهدتها بأم عيني حينها بأحد ليالي رمضان كمشارك في الجيش الشعبي، الذي أوهمونا به- لتصبح وقتها عاصمة الأمويين تحت رحمة المدفعية الإسرائيلية.

     تدخلت الولايات المتحدة الأميركية وقتها لتضغط على “إسرائيل” كي تتوقف عن القصف والتقدم – وفاءً لتعهداتٍ سابقة لها وبعلمٍ من “إسرائيل” عام 1967 بعدم دخول دمشق حتى لو كان الطريق مفتوحاً كما صرح الدكتور “سامي الجندي” سفير سورية في باريس حينذاك – لتعقد بعد حرب 1973- المزعومة – اتفاقية فك الاشتباك مع حافظ أسد، التي تضمنت فيما تضمنته من بنودٍ سرية تقضي بتعهد حافظ أسد بحماية حدود “إسرائيل” الشمالية، مع تنازله عن 34 قرية وقعت بيد “إسرائيل” خلال تلك الحرب، لتدخل مرتفعات الجولان المحتل في صمتٍ كصمت القبور، لنحو أكثر من 40 سنة، لا يعكر الأجواء فيها أزيز رصاصة واحدة كتتويجٍ لتنازله عنها في 1967وإعطاءه أوامر الانسحاب منها قبل دخول الصهاينة إليها، مما يشي بأن الاتفاقات السرية مع حافظ أسد ومحافظ القنيطرة آنذاك “عبد الحليم خدام” من جهة و”أبا إيبان” وزير خارجية الكيان الصهيوني حينها من جهة ثانية قد نُفذت بدقة، ولتأتي الحرب المسرحية الجديدة لتؤكد الوجه القبيح والعميل لحكم البعث ووريثه المُنحط في سورية: حافظ أسد .

     فما بدت عليه الأمور بعد ما حدث جراء الحرب عام 1973، أن هذه الحرب كانت مجرد مسرحية لتلميع صورة حافظ أسد وتحويله إلى بطل قومي منفوخ، مسرحيةٌ مليئة بالخداع والتدليس، سلم فيها حافظ أسد مساحات أكبر من التي خسرتها سورية في حرب يونيو/حزيران 1967.

     ومع انقضاء العام الذي شهد الحرب المزعومة مع الاحتلال الإسرائيلي وبعد توقيع اتفاقية فك الاشتباك مع الأخير، شنت الأجهزة الأمنية التابعة لقوات حافظ أسد وكلاب حراسته حملة اعتقالات واسعة في البلاد، طالت كل من كان له علاقة بالاحتجاجات التي جرت العام الذي قبله إثر مشروع الدستور، دستور التسلط الأسدي متمثلاً بالمادة الثامنة كتتويج لإلغاء الحياة السياسية في سورية نهائياً.

     إنه وعلى مدى 73 عاماً من تأسيس حزب البعث، تبدو حالة الحزب قاتمة وتزداد الصورة قتامة عندما يعكف أحدنا على دراسة صراعات الحزب الداخلية وأزماته مع القوى السياسية الأخرى، وتناقضاته القاتلة عندما أحكم قبضته على السلطة منذ عام 1963.

     لقد تأسس الحزب في السابع من نيسان/إبريل عام 1947، ولكنه اكتسب اسمه الراهن باندماج حزبي البعث العربي (ميشيل عفلق، صلاح البيطار، وزكي الأرسوزي) والعربي الاشتراكي (أكرم الحوراني) عام 1952، ولم يَدُم هذا الاندماج طويلاً، حيث عادا للانشطار، وتحول الحوراني معارضاً بعد تأييده انفصال سورية عن مصر عام 1961، وقد سُجن وأُبعد إلى أن توفي في المنفى في عمَّان عام 1996. أما مؤسسا البعث الآخران: فقد اغتيل “البيطار” على يد نظام حافظ أسد في باريس عام 1980 بعد أن أعلن اعتذاره للشعب السوري العظيم- كما وصفه- ومجاهرته بالعداء للأسد ونظامه وإصداره مجلة “الإحياء العربي” في 1978، والتي كانت تنتقد حكم حافظ أسد بقوة، فيما توفي مؤسس الحزب الأبرز ميشيل عفلق في بغداد عام 1989 بعد أن انحاز لحكم البعث في العراق؛ وتعكس أزمات الاعتقال والنفي والاغتيال وجهاً آخر من صراعات حزب البعث الداخلية، ومنها ما عُرف بالصراع بين اللجنة المدنية التي كانت تمثل الإطار التنظيمي المدني للحزب وتضم النخبة السياسية، واللجنة العسكرية التي أسسها محمد عمران وصلاح جديد وحافظ أسد إبان وجودهم في القاهرة زمن الوحدة مع مصر، ولتضم مجموعة الضباط العسكريين الأقلويين الآخرين، لتحسم الصراع لصالح حافظ أسد وصلاح جديد بانقلاب الثامن من آذار/مارس 1963، والذي تبعته سلسلة نزاعات دموية انتهت بحركة الانقلاب التاسع في تاريخ سورية في 16 تشرين ثاني/ نوفمبر 1970 بقيادة حافظ أسد، حيث اعتقل صلاح جديد ليبقى في السجن إلى حين وفاته في 19 آب/أغسطس 1993، كما أنه اعتقل كل قادة البعث الآخرين من خصومه.

     هذا السحل والإقصاء والإلغاء الذي لم يتوقف للحظة واحدة في سورية، كل ذلك قد تم برعاية أميركية مباشرة لحكم الطاغوت الأسدي وبمنهجية صهيونية لكل الخطط التي بدت وكأنها تلبية لأهداف قومية ووطنية للتحرير كتنفيذ للخطة المشتركة، وهي في الواقع لا تعدو شعارات إعلامية لذر الرماد في العيون واستدعاء روح الوضاعة الطائفية لدى من أبقاهم ذلك الفاشي والدموي الأسدي معه بالحكم والذي ما برح أن أورثه لابنه المُلتاث بنفس الرعاية الصهيونية الأميركية والتي أضيف لها رعاية روسية إيرانية مشتركة؛ وإن كل من اطلع على الوثائق الأميركية المُفرج عنها يؤكد أن الراعي الأول للجنة العسكرية الانفصالية منذ تأسست في 1959 كانت الولايات المتحدة الأميركية، هذه اللجنة التي تحولت للجنة إجرام ونهب وهدر لحقوق السوريين جميعاً دون أي وازع أو خشية من المساءلة والحساب، وأن كل الجرائم والمجازر التي تمت في سورية كانت تحت أعين وتوجيه نفس تلك الأجهزة الأميركية، وصولاً لتويج الوريث القاصر عام 2000 ورعايته والسكوت على مجازره وجرائمه الكيماوية حتى الآن.

     هكذا يمكن فهم لماذا صدحت حناجر وقلوب السوريين الثائرين في ساحات الحرية بذلك الهتاف الأثير والمثير للجدل معاً في مظاهرات 2011: “يلعن روحك يا حافظ”، تأثراً بالعودة إلى تاريخ هذا الطاغية الدموي والتذكير بما أحال إليه سورية التي حكمها بعد موجة انقلابات شارك بالتآمر بها جميعاً، قبل أن ينقلب انقلابه الأخيرة الحاسم على رفاقه الذين اختارهم من بني طائفته وكان آخرهم صاحب السلطة في سورية آنذاك صلاح جديد، الذي زج به في السجن هو ومن معه كما ذكرنا، ونفى ميشيل عفلق مؤسس الحزب الذي ينتمي له، وقاد البلاد وألحقها باسمه فباتت كما زعم “سورية الأسد”، لينفرد بسدة الحكم ويشكل بوصوله للسلطة بداية عهد فاشي قل نظيره في الإجرام والإرهاب بحق الشعب الذي يحكمه، بل وبحق الشعوب والدول المجاورة من خلال دعم الحركات الانفصالية الإرهابية في كلٍ من العراق وتركيا ولبنان، وقدم للمشروعين التوسعيين في المنطقة العربية- الصهيوني والإيراني- “خدمة العمر” التي لم يكن أيٌ منهما يحلم بتحقيقها لولا حافظ أسد!


عبد الباسط حمودة

مهندس وباحث سوري

 

المصدر: إشراق