الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

انقلاب 16 تشرين ثاني/نوفمبر البعث الذي دمر نفسه ودمر الوطن

 

ممحمد عمر كرداس

    لم يكن انقلاب 16 تشرين ثاني/ نوفمبر عام 1970أول انقلابات البعث على نفسه وعلى شركائه، بل ربما يكون الرابع أو الخامس، فبعد انقلاب الثامن من آذار/مارس الذي شارك فيه بعض الضباط البعثيين الصغار أمثال سليم حاطوم ،كان انقلاب البعث الأول بتصفية  شركائه الناصريين في 18 تموز/ يوليو 1963 ذبحًا وإعدامًا وتسريحًا وإبعادًا، سبقتها وتبعتها تسريحات وإبعادات للضباط والمسؤولين الناصريين في باكورة أعمال البعث الغادرة والمتآمرة، وكانت أولى مراحل تنفيذ مخطط اللجنة العسكرية البعثية بإعادة الضباط البعثيين فقط المسرحين والاحتياط ،ليملؤو مراكز المبعدين أصحاب الاختصاصات والمشهود لهم بالكفاءة وليبدأ ترجمة شعار البعث على أرض الواقع وهو شعار ” الجيش العقائدي”.

   بعد 18 تموز/يوليو وإخماد الاحتجاجات في دمشق وحماة بالحديد والنار تخلص أعضاء اللجنة العسكرية القدامى ممن دخلوها بعد 8 آذار/ مارس، فتخلص الرفاق ممن كانوا يسمون جيل المؤسسين أو القيادة القومية بانقلاب دموي  تبعه تسريحات وإبعادات واعتقالات  جديدة، ليستقر الحكم لمجموعة الشباطيين كونهم نفذوا انقلابهم في 23 شباط/ فبراير 1966 وحدث الشرخ الأول بين بعث العراق والبعث السوري، فأصبح هناك بعثان: بعث قومي في العراق مع القيادة القديمة، وبعث قطري في سورية يقوده صلاح جديد ومجموعته الذي خلع البزة العسكرية حيث استلمت قيادة البعث المدني الجديد.

    جاءت حرب حزيران/يونيو عام 67 لتكون كاشفًا للتدهور والانحدار في قيادة الجيش وتشكيلاته حيث هرب قائد الجبهة أحمد المير عضو اللجنة العسكرية من موقع قيادته، ويقال إنه ركب حمارًا في هروبه إمعانًا في التخفي، وأذيع بيان سقوط القنيطرة من وزير الدفاع عضو اللجنة العسكرية وقائد سلاح الطيران النقيب المسرح حافظ أسد، الذي أعيد للخدمة وأخذ رتبة لواء. ويجمع من شهدوا على المرحلة المذكورة من ضباط ووزراء أن البلاغ صدر ولم يكن في القنيطرة أو حولها جندي عدو واحد، وتجمع مذكرات قادة الكيان الصهيوني أنه لم يكن في مخططهم احتلال الجولان لتحصينه ووعورة مسالكه، ولكنهم عندما سمعوا ببلاغ سقوط القنيطرة غيروا من خططهم وقرروا احتلال الجولان، ومهما كانت صحة هذه الأمور أم عدم صحتها، فإن الجولان سلمت بدون إطلاق طلقة واحدة، ومن المحتمل أن تكون ضمن صفقة لترتيب أوضاع الحكم في سورية من جديد.

زادت الخلافات بين الرفاق بعد الهزيمة وبدأت التصفيات والترتيبات لقدوم ساكن القصر الجمهوري الجديد، فأعدم سليم حاطوم الضابط البعثي المدلل الذي نفذ انقلاب 23 شباط/ فبراير وأعدم معه “ويقال انتحر” عبد الكريم الجندي مدير مكتب الأمن القومي ورجل المخابرات القوي وعضو اللجنة العسكرية أيضًا، وأعدم وسرح الكثير من الرفاق وبدأت تحضيرات لعقد مؤتمر حزبي يناقش ما جرى، وامتدت الخلافات والتجاذبات إلى أن بدأت أحداث الأردن بين الفدائيين الفلسطينيين وحكام الأردن، وحشدت سورية قواتها على حدود الأردن لدعم الفلسطينيين ضد ملك الأردن، وتحركت الفرق المدرعة السورية ليقوم سلاح الجو الأردني بضربها مع رفض وزير الدفاع السوري وقائد سلاح الطيران حماية قواته بالطيران، وكانت مجزرة وإبادة لقطعات سورية مدرعة، وتداعى الرفاق لمؤتمر وأمامهم مشروع قرار بعزل وزير الدفاع حافظ أسد ورئيس أركانه المقدم/اللواء مصطفى طلاس، ولكنه كان قد رتب أموره ليتخلص من باقي الرفاق بمساعدة رفاق آخرين لتكون حلقة جديدة من حلقات تدمير الحزب والوطن، فزج بمعلميه ورفاقه في السجن وأعلن نفسه حاكمًا منفردًا في 16 تشرين ثاني/ نوفمبر 1970.

    تخلص حافظ الأسد من “العقلية المناورة” في الحزب ليبدأ عهده باللعب على القوى الوطنية والمعارضة ويوهمها بأنه سيرسي دعائم حكم ديمقراطي يقوم على المؤسسات والتعددية والتعاون مع الجميع وبفتح صفحة جديدة مع الأشقاء العرب أيضًا، فكانت مسرحية “الجبهة الوطنية التقدمية” وأكذوبة ” اتحاد الجمهوريات العربية “مع السادات والقذافي الذي كان شكلاً بلا مضمون وانتهى كما بدأ هزيلًا بدون أثر.

    استمر حافظ أسد بعد اعتقال رفاقه في سجن المزة العسكري، بملاحقة معارضيه من البعثيين خارج سورية فاغتال محمد عمران عضو القيادتين القومية والقطرية ووزير الدفاع السابق ومؤسس اللجنة العسكرية التي جرت. كل هذه الويلات على الحزب والوطن في بيروت، ثم واغتال صلاح الدين البيطار أحد مؤسسي البعث المدنيين، وصفى الكثير من ضباط الجيش بقوائم تسريح متتالية، ليستقر له الحكم ويجمع حوله من يأتمرون بأمره دون نقاش أو سؤال، وليتمكن أخيرًا من استكمال بنيان الجيش (العقائدي) والميليشيات التابعة له من سرايا الدفاع وسرايا الصراع وغيرها.

    انتهج الحكم الجديد في سورية على الصعيد الداخلي سياسة القبضة الحديدية والأمنية والقوة المفرطة في التعامل مع مواطنيه، من شتى الملل والنحل، فتعددت الأجهزة الأمنية المكلفة بالداخل وبلغت 17جهازًا أمنيًا تحصي على الناس الأنفاس وتتجسس على بعضها البعض، وكان هذا النهج يعتمد ثلاثة خطوط 1. الخط الأول هم الموالون، وهؤلاء لهم ما يريدون من مناصب وامتيازات تتيح لهم نهب وسلب دون حسيب أو رقيب.2. المعارضون فأمامهم إما التصفية أو السجون الأبدية أو الهجرة.3. والقسم الثالث هم الرماديون الذين يتركونا بحالنا ونتركهم بحالهم إلا عند الحاجة فعليهم الاصطفاف مع الموالين. هذا ما قاله رئيس العهد الجديد للبعثي المعارض حمود الشوفي عندما استدعاه ليشكل وزارته الأولى، وكان أن رفض واختار الذهاب كمندوب في الأمم المتحدة، إلا أنه وبعد مجازر حماة واعتراضه عليها حكم عليه رفيقه السابق بالإعدام. ومازال الذي جرى في حماة من أعوام 80 ــــ82 طي الكتمان من جهة النظام إلا ما تسرب من هنا وهناك، وهذا القليل الذي تسرب يشي بحجم المجازر والانتقام الوحشي من مدينة عريقة بحجة خروجها على النظام المفترض به حمايتها وحماية أهلها والذود عنها.

    جاء التدخل في لبنان كارثة على سورية ولبنان بكل المقاييس فقد دخل النظام بقواته عام 76 بضوء أخضر أميركي ـــ إسرائيلي وبطلب من الفريق الانعزالي اللبناني بهدف لجم الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية، وتحول الجيش السوري في لبنان من مهمة فض الاشتباكات بين أطراف الحرب الأهلية إلى طرف ينفذ أجندات خارجية لا تمت للمصلحة السورية أو اللبنانية بأي صلة، وعلى دين قادتهم أصبح التهريب هو العمل اليومي للضباط والجنود ـفكانت سيارات النقل العسكرية تذهب إلى لبنان وهي محملة بالذخائر والمعدات، وتعود بالبرادات والغسالات والتلفزيونات، وحتى العطور والخبز وغيرها، وقد أنشئ خط عسكري بين سورية ولبنان ليسهل حركة الجيش وتهريباته، كما شاع في هذه الفترة تهريب السيارات المسروقة إلى سورية ويكفي أن تدفع لضابط مبلغ متفق عليه وتحدد نوع السيارة حتى تكون عندك خلال أيام، ويكفي لأن تتجول بها تضع رقم هاتف بدل اللوحة النظامية لتسير أمورك كما يجب.

   ما يرويه السوريون والفلسطينيون واللبنانيون عن مآسي التدخل السوري وويلاته أغرب من الخيال، فأجهض الحركة الوطنية وقضى على المقاومة الوطنية بعد التدخل الإسرائيلي لصالح مليشيا أمل وحزب الله، ليحتكر هؤلاء شعار المقاومة وليتحكموا بلبنان لصالح إيران وسورية، وما يعانيه لبنان اليوم ما هو إلى ارتدادات الزلزال الكبير للوجود السوري هناك.

    على صعيد السياسة الخارجية انتهج النظام سياسة المهادنة والتحالف مع القوى الرجعية، “وهو النظام الثوري المقاوم والممانع”، وقمع الثورة الفلسطينية وملاحقة كوادرها وشق منظماتها ومحاولة مصادرة القرار الفلسطيني بمنطق أن فلسطين جزءً من سورية وجنوبها، وذلك بما يخدم سياسة العدو والدول الكبرى. وأوضح مثال في سياسته الخارجية كان اصطفافه مع أميركا والدول الغربية والرجعية العربية في حربها ضد العراق المحكوم من حزب البعث شقيق الحزب في سورية عام 90 وذهابه بعدها مباشرة بترتيبات أميركية إلى مؤتمر مدريد للسلام.

     نزع النظام خلال مسيرته المظلمة السياسة من المجتمع وهمش كل المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية وكل النقابات المهنية والعمالية وفرض عليها قوانين تفرغها من مضامينها، وأبَّد زعاماتها لتبقى في مراكزها عقودًا وعقود.

    إزالة هذه الحقبة السوداء من تاريخ سورية تستلزم إزالة نظام الوريث الذي فرضته قوى دولية على رأسها روسيا وأميركا والنظام الرجعي العربي، الشواهد كثيرة على ذلك لا يتسع المجال هنا لذكرها، وربما كانت مفصلة في حديث آخر.  ربما نكون على مسافة قريبة من زوال هذا النظام المستبد والفاسد والحزب الذي دمر نفسه والوطن.


محمد عمر كرداس :
كاتب وسياسي سوري

 

المصدر: إشراق