الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

عبد الوهاب عزام.. رحلة إلى ضريح المعري بصحبة طه حسين والمازني

تيسير خلف *

حرص آباء الاستقلال السوريون من حزب الكتلة الوطنية وحلفاؤهم على إرسال رسائل ذات دلالة حول المستقبل الذي يرسمونه لسورية بعد استقلالها، فعلى صعيد الحريات الشخصية والدولة العلمانية اندلعت معركة مع التيار الإسلامي في احتفالات الجلاء عام 1946 بسبب ظهور أرتال من الفتيات السافرات أمام منصة المحتفلين كانت لها نتائج دراماتيكية، وعلى صعيد تكريس رموز ثقافية للبلد جرت احتفالية كبيرة على مستوى رئاسي بالشاعر أبي العلاء المعري.

وقد وثق الأكاديمي والدبلوماسي المصري الكبير الدكتور عبد الوهاب عزام وقائع هذه الاحتفالية في رحلة نشرها على حلقات في جريدة الرسالة عام 1945، حين أشار إلى أن الاحتفالية ضمت ألمع أسماء الأدب في العالم العربي آنذاك أمثال الدكتور طه حسين والأديب عبد القادر المازني وغيرهما.

شكري القوتلي:

يقول الدكتور عزام بعد أن يصف الطريق بالقطار من مصر إلى فلسطين فدمشق: “ويوم الاثنين ثامن شوال سنة 1363 من الهجرة [25 أيلول (سبتمبر) 1944]، اجتمعت وفود البلاد العربية في جامعة دمشق، واحتشد الناس ليشهدوا افتتاح المهرجان، وجلس الوفود على منصة عالية في صدر المجلس ومعهم رئيس المجمع العلمي العربي وأعضاؤه، وهم الداعون إلى الاحتفال والقائمون عليه، وحانت ساعة الافتتاح فأقبل رئيس الجمهورية شكري القوتلي وجلس وسط الصف الأول من الوفود ومعه بعض الوزراء وكبراء الدولة”.

ويضيف مشيداً بهذه الخطوة اللافتة التي تزامنت مع اجتماع الإسكندرية المتعلق بتأسيس الجامعة العربية: “أمة تمجد شاعراً من شعرائها، وقد احتفت لهذا واجتمعت له، وشهد الاجتماع رئيس الدولة. ذلكم أمر أمم، وخطب يسير لو وقف الفكر عند هذا المظهر المرئي، وهذا الجمع الحاضر؛ ولكن وراء هذا المرأى معان ومعان؛ هذه الأمة العربية المجيدة قد عرفت نفسها، وتبينت وحدتها، فبعثت وفودها إلى دمشق لتجتمع على تمجيد شاعر من شعرائها. فالتقت فيها وجوه متعارفة لا تتناكر، وقلوب متعاونة لا تتنافر، وتحدثت عن الماضي والحاضر، وطمحت إلى الآتي بآمال مجتمعة، وعزائم مجمعة، وقد اجتمعت في الساعة نفسها وفودها في الإسكندرية لتشرع لوحدتها شرعة، وتخط لها منهاجاً، وتتحالف على الخطوب، وتعد للحوادث، وتلقى الزمان برأي جميع، وأمر جامع.

ولم يوافق اجتماع دمشق اجتماع الإسكندرية إلا إيذاناً بيقظة هذه الأمة، وطلبها المجد والكمال في كل نواحيها، وسلوكها كل سبيل إلى مقاصدها”. ويقول الدكتور عزام عاكساً أجواء التفاؤل التي كانت تسود المنطقة العربية في تلك الحقبة من الزمن: إن الوفود اجتمعت على ذكر الشاعر الفيلسوف الحزين المتشائم، وهي فرحة مستبشرة، ترى تباشير الصباح في أعقاب الظلام، وتكاد ترى أشعة الشمس من وراء الأفق، ويعرف بعضهم في وجوه بعض بسمة الأمل ونضرة الرجاء، وقوة العزم وأهبة الجهاد الذي لا ينتهي دون الظفر.

غوطة دمشق:

بعد ذلك يصف رحالتنا وقائع مسير الوفود العربية المشاركة في الاحتفالية إلى ضريح أبي العلاء المعري في مدينة معرة النعمان التي كانت تابعة في ذلك الوقت لمحافظة حلب فيقول: “ويوم الأربعاء عاشر شوال والساعة التاسعة والنصف من الصباح فصلت الوفود ومن معها من أدباء الشام وعلمائه تسير صوب الشمال. فتوالت السيارات على الطريق تخترق الغوطة الفيحاء الغناء وليست الغوطة إحدى جنات الدنيا، في حاجة إلى تعريف أو وصف، وامتد بنا السير فيها زهاء نصف ساعة. ومررنا بقرية حَرَسْنا من قراها فذكرنا الإمام محمد بن الحسن الشبباني الفقيه صاحب الإمام أبي حنيفة. ويقال إنه ولد بهذه القرية.. وبعد قليل رأينا طريق بغداد يتفرع من طريقنا. وحسب هذا الطريق يمناً وفخراً أنه يصل بين دمشق وبغداد. وقد سعدت بقطعه عشر مرات فلم توحشني قفاره. ولم يعنني طوله؛ بل أنست فيه بذكريات عظام، وتحدثت فيه إلى أمان جسام”.

في مدينة حماة:

ثم يعدد القرى التي يمر بها فيذكر يبرود والنبك التي يستريحون فيها قليلاً، ثم دير عطية وقارة ومدينة حمص التي لا ينزلون فيها إلى أن يصل إلى حماة فيصفها بقوله: “نزلنا في المدينة فاستقبلنا حكامها وأعيانها ورجال التعليم فيها في دار العلم والتربية، وهي بناء قديم جميل فيه من فن العمارة والنقش روائع. دخلنا ساحة فيها حوض كبير في وسطه صورة سبع يتدفق الماء من فمه، وفي جانبه شجرة كبيرة جميلة ترى خضرتها ونضرتها في صفحة الماء.

وصعدنا إلى طبقة فيها باحة يتوسطها حوض آخر وعليها عقود جميلة وراءها قاعة من آثار الفن العربي الإسلامي. يستقبل داخلها خرير الماء في حوض صغير توسوس فوقه نافورة جميلة رخامية فيها أنابيب كثيرة تقذف الماء فتخرجه أغصاناً متشابكة من البلور، وعلى سقف القاعة وجدرها من النقش والألوان ما يشغل النظر والفكر، وكتب عليها آيات وأحاديث وأبيات من الشعر. ومن المرائي العظيمة الجميلة المصورة على جدرها صورة مدينة حلب وقلعتها، وصورة القرن الذهبي في استانبول”.

ويقول إن باني هذه القاعة هو الوالي أسعد باشا العظم عام 1153هـ، ثم يشير إلى أنها صارت مدرسة منذ خمسة وعشرين عاماً، أي في عام 1920، وهي اليوم دار العلم والتربية. ثم يتحدث عن استقبال كبير من أهل المدينة وإلقاء كلمة حول النهضة العربية قبل أن يتابعوا طريقهم إلى معرة النعمان.

في معرة النعمان:

ويكتب واصفاً المعرة: “أشرفنا على المعرة أصيل اليوم بعد مسير نصف ساعة من حماة فرأينا سهلاً خصباً كثير الزروع والأشجار فخفقت القلوب لذكرى شاعرنا الفيلسوف، وابتسمت الشفاه لمعاودة مدينة أبي العلاء، وكنا زرناها قبل خمسة عشر عاماً، واستقبلنا في مدخل البلد شارع فسيح طويل لم نره في زيارتنا الأولى.

وعرفنا أنه فتح في السنين الأخيرة، ودُعينا إلى الاستراحة في دار حديثة جميلة من دور آل الحراكي، ثم خرجنا نؤم مقصدنا، ضريح رهين المحبسين ولست أنسى مسيرنا بين صفوف متراصة من أهل البلد، ودور ازدحمت منافذها وشرفاتها بالمشرفين على مهرجان أبي العلاء، وقد مال بالشمس الأصيل فغضَّت أشعتها من أبصارنا كأنما يغض منها جلال الشيخ الفيلسوف”.

علاقة المعري بأبناء بلدته:

ويضيف: “ذكرت حينئذ مكانة الشيخ من أهل بلده، إذ كان حدباً عليهم براً بهم، إذ كانوا يفزعون إليه في الشدائد، وتمثلت صالح بن مرداس ينزل بساحتهم يريد الإيقاع بهم، فيفزعون إلى شيخهم وقد لزم محبسه وقطع بينه وبين الناس العلائق لو استطاع، ويستنجدونه ليدفع عنهم بأس الأمير الكلابي، ويستشفعون به ليطلق صالح رجالهم، وكان قد اعتقل من أعيانهم سبعين، وأبو العلاء يرم بالفتن المحيطة، آنس بخلوته، أو قلق بها، يصف الناس، إثمهم ورياءهم وخداعهم، وجنايتهم على أنفسهم وعلى الحيوان يبغي الأمن في داره الصغيرة، ولا يأمن أن تلج عليه آثام الناس، وقد اعتزلهم جهده، وود لو ينقذه الموت من صحبتهم وجوارهم. ولكن أبا العلاء الرحيم لا يملك أن يرد اللاجئين إليه، أو يقعد عن إغاثتهم وهو قادر، فيخرج أبو العلاء كارهاً إلى الأمير صالح فيقول: الأمير أطال الله بقاءه كالنهار الماتع قاظ هجيره وطاب براده، والسيف القاطع لان مسه وخشن حدّاه. خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين. فيقول صالح وقد أخذه مرأى الشيخ الذي سمع بمكانته، وعرف له قدره، قد وهبتهم لك أيها الشيخ. ورجع الشيخ إلى داره وهو فرح بما يسر الله على يده من الفرج، مغموم لما اضطره إلى الخروج من معتزله والمثول بين يدي أمير”.

ويؤكد الدكتور عزام أن أهل المعرة وما زالوا يعظمون شيخهم ويسمّونه “سيدنا أبا العلاء” فهم اليوم يعتزون ببلدهم ويفخرون بشيخهم وقد جاءت وفود الأقطار القريبة والبعيدة تذكره وتعظمه. ويصف رحالتنا الاحتفال بقوله: “سارت الوفود بين الجموع الحاشدة ومعهم أعيان البلد، وزعيمها حكمت بك الحراكي. وقد رأيته، وقد ضغط الناسَ الزحامُ إلى طريق الوفود، يُسرع مشفقاً على ضيوفه يرد الناس بأمره وذراعيه. مبالغة في الاحتياط لضيوفه.

ونحن في جذل وفي هيبة مما نرى ونسمع. أبصارنا تتخلل هذا الزحام، وتستشرف إلى الضريح المقصود وقلوبنا بين ذكرى الشيخ، وبين حفاوة أهل المعرة به وبوفوده. اقترب مني حينئذ الأستاذ الأديب خليل مردم بك وقد أعجبه احتشاد المعريّين، وفرح الولدان ومرحهم، وراعه هذا الموكب السائر لتحية الفيلسوف الحزين فقال: هذا مهرجان المعري. قلت: صدقت، إن هذا لهو مهرجان المعري”.

ويتابع واصفاً الاحتفال: “انتهينا إلى بناء جديد ولجنا أحد أبوابه إلى ساحة فيها زرع وزهر. فملنا ذات اليمين والجنوب إلى القبر الرهيب، يجثم عليه هذا الجندل العتيق، وكنا رأيناه من قبل وقرأنا عليه اسم المقبور بخط كوفّي، وقال أحد أصحابي حينذاك: إن له هيبة الأسد الرابض. وفوق القبر عقد من الحجر لا تكلف فيه ولا تأنق، فهو يساير زهد أبي العلاء لو رضي زهدهُ أن يشاد على قبره بناء”.

كلمة طه حسين عند قبر المعري:

ويقول الدكتور عزام إن الأديب طه حسين ألقى كلمة على القبر كما أنشد معروف الرصافي قصيدة، قبل أن يدخلوا إلى الحجرات التي شيّدت وراء القبر لتتخذ خزائن لمكتبة المعري. ويضيف أنه توجه برفقة الأستاذ محمد كرد إلى دار حكمت بك الحراكي. ويصفها بأنها من دور الشام القديمة ظاهرها قلعة وباطنها روضة، ويقول: “اجتمع الضيوف في قاعات الدار وفي حديقتها حول الأحواض والنافورات وقد صفت قلوبهم ونضرت وجوههم، وتحدثوا في ماضيهم وحاضرهم. ثم اجتمعوا على المائدة فكهين فرحين يذكرون المعري ويذكرون الأدب العربي والأمة العربية كلها. ورب الدار وأولاده وأقاربه قائمون يتنافسون في خدمة الضيفان مبالغة في الاحتفاء والإكرام.

وقدّمت الفواكه فيها تين المعرة وهو أخضر كبير حلو.. وكان حديثنا أفانين في تاريخنا وحاضرنا وذكرى أبي العلاء وبعض الشعراء، لا سيما أبو الطيب المتنبي، وتأبى مكانة أبي الطيب إلا أن تصله بكل حديث عن الأدب أو جدال فيه. وصدق الأستاذ النشاشيبي حين يقول: ما تلكم اثنان في الأدب إلا دخل معهما المتنبي خصماً ثالثاً. وكم أنشدنا من شعر أبي الطيب في مسيرنا هذا وردّدنا الحديث بينه وبين المعري المعجَب به. وكيف لا نذكر المتنبي ونحن على مقربة من حلب التي ما برحت تدوّي بشعره منذ أنشده فيها. طاب لنا أن نقيس فلسفة الشاعر الحزين اليائس رهن المحبسين بفلسفة الشاعر الساخط المتكبر الآمل الرّحال الجوال، صفحتان في الأدب خالدتان، وسيرتان في الحياة مختلفتان، وهما في الحق متقاربتان..”.

في حلب واللاذقية:

ويغادر الدكتور عبد الوهاب عزام وصحبه المعرة إلى حلب وينزلون في فندق بارون الشهير حيث استقبلتهم وجوه معروفة من أعيان حلب. ويقول في ذلك: “أصبحنا نجول في أرجاء المدينة نشهد آثارها وما شاده العمران الحديث فيها، ونمشي في أسواقها المعمورة التي عرفتها العصور القديمة والحديثة. رأيت القلعة العجيبة وكنت دخلتها مرات من قبل وذكرتها في رحلاتي فلا أعود إلى وصفها.. وقد أخبرت أن آثاراً لسيف الدولة عثر عليها في القلعة أخيراً، إلى ما رأينا فيها من آثار الأيوبيين والمماليك وغيرهم”. ويضيف واصفاً أسواق المدينة: “كانت جولتنا في الأسواق قصيرة ممتعة جامعة.

سرّنا ما رأينا من عظم الأسواق والخانات، وأعجبتنا بدائع الصناعات الحلبية. وحلب منذ العصور القديمة معروفة بتجارتها وصناعتها ولأهلها بصر بالتجارة وعناية بها، وأسفار في سبيلها.. وقد حدثني أحد تجار حلب بهذه الفكاهة: قال رجل لآخر: لا يخلو قطر في الأرض من حلبي. فما رآه الرجل في هذا وقال: إني ذاهب إلى الهند وما أحسبني أجد فيها حلبياً، وسأنظر. فلما جال الرجل في أرجاء الهند وجد قبراً كتب عليه: هذا قبر فلان الحلبي الأعرج”.

ويتوقف الدكتور عزام عند مقبرة الفردوس التي يقول إنها واحدة من أعظم آثار حلب ويصفها قائلاً: “هي مقبرة نادرة بنيت على هندسة المساجد، أو مسجد اتخذت أروقته للقبور. يدخل داخلها إلى صحن شرقيه وغربيه رواقان في مستوى الصحن وفي جهة القبلة منه مسجد، وفي الجهة الشمالية عقد كبير فوق رواق مرتفع. والرواقان اللذان على جانبي الصحن بهما قبور أكثرها قديم وبعضها حديث. ويرى الداخل إلى المسجد ثلاث قباب: الوسطى وهي الكبرى تقوم فوق مصلى، وعلى جانبي هذه القبة قبتان أخريان تحت كل منهما حجرة كبيرة فيها قبور: فالبناء في جملته مقبرة مشيدة على هيئة مسجد.

وما رأيت فيما رأيت من الآثار الإسلامية مقبرة أخرى على هذه الشاكلة. وشمالي هذا البناء حديقة ذابلة يشرف عليها رواق كبير خارجي وراء الرواق الداخلي الذي في شمالي الصحن. وعلى جوانب الصحن والمسجد كتابة كثيرة أعجلني ضيق الوقت عن قراءتها كلها. وهي آيات من القرآن وأبيات، وكلمات مأثورة”. ويشير الدكتور عزام إلى احتفال حلب بذكرى المعري في ذلك اليوم حيث احتشد جمع عظيم تكلم فيه من أدباء العربية: السيد طه الراوي، والدكتور طه حسين، والأستاذ عبد القادر المازني؛ وأدباء وشعراء آخرون، وكان يوماً مشهوداً كما قال.

إلى اللاذقية عبر إدلب:

بعد ذلك يتوجه وفد الأدباء العرب إلى اللاذقية عن طريق إدلب في سهول خصبة فيها آثار الكدح والدأب، كما يقول، حتى لاحت إدلب بيضاء بين أشجارها، وأكثرها أشجار الزيتون. ويقول: “كانت سيارتنا متقدمة فوقفت في ظاهر البلد ليلحق بنا الركب. ثم دخلنا المدينة فإذا جيش منظم من رجال الحكومة والمدرسين والطلبة يسر العين والقلب، والموسيقى تدوي فتبث ألحانها في هذا الجمال فإذا هو كله موسيقى مؤتلفة، واستقبلتنا طالبات صغيرات ينشدن أناشيد للبلاد العربية كلها، ويقدمن الأزهار إلى ضيوفهن. هنالك اجتمعت ذكرى الماضي وصور الحاضر وأماني المستقبل، في أصوات هؤلاء الناشئات العربيات.

فكان هذا ثقلاً على القلب فزع منه إلى العيون يستنجد دمعها.. ورأيت أحد الأصدقاء من أدباء دمشق يغالب دمعه. وقد لقيني من بعد فقال: تبين لي أنا لم نكن وحيدين في الشجن، وأن غيرنا غلبته عبراته في هذا المقام. وما كانت هذه العبرات إلا أمشاجاً من الفرح والحزن، والألم والأمل، والحماس والعطف. وما لا يستطاع الإعراب عنه من أشجان غامضة، وعواطف مبهمة يجمعها كلها اضطراب النفس بين ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، واغتباطها وطربها بما ترى وتسمع وتتخيل.. ومررنا بين الجموع لنستأنف السير فقال لي أحد الشبان: أهذه رحلة أخرى يا أستاذ؟ قلت وعيناي أفصح من لساني: أجل! رحلة جميلة جليلة ألحقها برحلاتي الماضية”.

وبعد مغادرة الوفد إدلب ساروا باتجاه جسر الشغور التي يصفها بأنها “قرية كبيرة عبرنا عندها جسراً على مجرى ماء”. ويضف: “شرعنا نصعد بعدها جبالاً عالية مخضرة، وما زلنا صاعدين وهابطين حتى وقفنا عند أشجار باسقة ظليلة عندها مسيل ماء قليل ينصب في حوض، ويسمى قسطل العجوز. وكانت الساعة إذ ذاك اثنتي عشر وربعاً، وهناك استقبلنا وفد من الصحافيين قدم من اللاذقية. وكثرت على طريقنا أشجار الصنوبر. وما زالت الطريق تتموج بنا على سفوح الجبال وفي الأودية.

وكلما جزنا جبلاً لقينا أعلى منه وأروع، حتى استقبلنا طريق صعود على سفح جبل شاهق، وشفا واد هائل، فلما شارفنا القمة وقفت السيارات بغتة ولما تبلغ مأمنها من القمة. قلنا ما الخطب؟ فإذا سيارة تشتعل فيها النار ليست من سيارات الركب. فزع بعضنا لهذه الوقفة في هذا المكان المخوف، ولهذا الحريق المفاجئ فنزلوا من السيارات مسرعين إلى جانب الطريق. وبينما الأستاذ المازني يتجنب هذا الخطر بعد أن نال منه الإعياء في هذا السير الشاق تقدم إليه سائل يسأله عن مطلع قصيدة لأحد الشعراء، فنال القصائد والشعراء ما نالهم من غضبة المازني”.

احتفال اللاذقية بالمعري:

وبعد مسير في طرق جبلية رائعة الجمال يقول الدكتور عبد الوهاب عزام إنهم بلغوا اللاذقية قبيل الغروب فأسرعوا إلى الفندق الذي أعد لنزولهم ولحفلة المعري وهو فندق الكازينو، المشرف على البحر، المتصل بأمواجه. وقال: “كانت حفلة أبي العلاء في فناء الفندق بعد الغروب فغص المكان بالمستمعين، وتكلم في أبي العلاء أساتذة من مصر والشام، وأنشدت قصائد تشيد بشاعر العرب الفيلسوف. ثم كان العشاء والسمر في الحديقة من دار الأمير الشهابي مصطفى الشهابي محافظ جبل اللاذقية فنسي الضيوف هناك ما لقوا من نصب النهار.

ويقول في وصف اللاذقية إنها: “مدينة جميلة نظيفة يرجى لها في مستقبل البلاد العربية شأن عظيم – إلى الشارع الذي سمي شارع أبي العلاء، وهو شارع في وسط المدينة ينتهي بعقد قديم من آثار الرومان فيما يظن. سرنا إلى المكان في موكب عظيم والموسيقى تدوي والهتاف بالبلاد العربية يعلو. وتقدم محافظ الإقليم الأمير مصطفى الشهابي فافتتح الشارع فسار الموكب فيه. واللاذقية، على نجد مشرف على البحر فيها كثير من أشجار الزيتون والتين والتوت وفيها بساتين كثيرة يسقيها النهر الكبير ولها مكانة في التجارة وسكانها أكثر من عشرين ألفاً”.

بعد ذلك يغادر الدكتور عزام وصحبه اللاذقية عن طريق طرطوس ويصلون إلى حمص حيث يستقبلهم الزعيم هاشم الأتاسي، رئيس الجمهورية السابق في بيته ويحتفي بهم قبل عودتهم إلى دمشق حيث جرى حفل ختام عيد أبي العلاء يوم الأحد أول تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1944.

* كاتب وباحث وروائي فلسطيني

المصدر: العربي الجديد