الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

كيف أنسى؟ وكيف لا أنسى؟

دلال البزري *

الانفجار في مرفأ بيروت أصاب ذاكرتي بجحيم مزدوج، فأنا من جهةٍ لا أريد أن أنسى. ليس فقط لأن المناخ العام يدعو إلى عدم النسيان. أو لأن علبة باندورا الذاكرة التاريخية فُتحت على مصراعيها. بدءاً من تأسيس لبنان منذ مائة عام، وقبله أحياناً، وانتهاء بعشرات السنوات التي مرّت على هذا التأسيس. ليس المناخ فقط الذي رفع شعار “لن ننسى” درعا واقيا من تفلّت من مسؤولية التفجير، ومن محاسبة مرتكبيه. واستنادا إلى تاريخ قريب، صُنعت خلاله كل أنواع الآثام التي اقترفها أولئك المسؤولون، بالاعتماد على نسيانها.

“لن ننسى” خارج من صدور ما زالت تتألم وتتشرّد وتجوع وتعطش. لم تنتهِ من حِدادها بعد. ليس هذا كله وحسب. إنما أيضاً، لأن التذكّر سهل عليّ. يحضر من دون فرض. من دون صورة أو مشهد أو كلمة. نابع من أعمق الأعماق. عفوي، ميسّر مناله. حاضر على مدار الليل والنهار. ولا شيء في الخارج ينسيني إياه. فإذا خرجتُ… ما أراه من موت واضح للمدينة، بدكاكينها ومقاهيها وطرقاتها. ما ألمسه من وجوه الذين أصادفهم، غرباء كانوا، أو مارّة، أو معارف. ما تبعثه المدينة من روائح اليأس والنفايات.. وفوقهم الحريق الكبير في المرفأ، بعد شهر على انفجاره.. كل هذا لا يساعدني إلا على التذكّر.

ثم التذكّر فيه نعمة وجدانية. يعذّبني، فأدخل في وعد الغفران على إثمٍ لم أقترفه. أو نوع من المطهر، بين الجحيم والجنة. على عدم خسارتي عزيزا قريبا. على أن أولادي وأحفادي في الخارج، وقد نجوا بحياتهم ومستقبلهم. على أن بيتي لم يتهدَّم، وزجاجه لم يتناثر في أركانه. خسارتي الوحيدة كانت انتكاسة صحية طفيفة. لذلك لا أريد أن أنسى. أريد أن أبقى على شعوري الأوّلي إزاء هول كارثة الانفجار ومستتبعاته. نوعا من الوفاء. في الانسجام بالتذكّر، ثمّة مازوشية ملحمية. ثمّة رغبة بتعذيب النفس، بغية تطهيرها من ذنب البقاء على قيد الحياة. وثمّة وعدٌ بأن يُحمَل التذكر على أكتاف آلاف السنوات. مثل واقعة كربلاء، الملحمية الأخرى، التذكّر هنا فيه رغبةٌ بتوريث حدث الانفجار إلى أجيالٍ لم تولَد بعد. إلى ما بعد القرون الآتية.

في هذا النوع من التذكّر إغراء وجداني أيضاً. يعذّب النفس صحيح، لكنه عذابٌ عذْب. يطمئنني، يسكن روحي بوعود العدالة التي ستأتي يوما ما، فتحضر بهجة خافتة، مثل شمعة مضاءة بعيدة وسط ليل حالك، متخيلة، مؤجّلة، غير مؤكدة. ولكنها كافية لتجعلني أتحمّل كل هذا الحزن، كل هذا التذكّر. لذلك تطيب لي الجنازات المتلْفزة. هي الحالة “العقلانية”، المبرّرة المقنعة، لتذكّر الكارثة وترك الدموع تنهمر. أرى الأمهات فيها، يصل صوتي الباطني إليهن، بأنني أنا أيضا مفجوعة، ثكلى، بأن ابنها هو ابني. وكأنني بذلك أقوم بالواجب، بأدنى الواجب. بواجبٍ مستحبّ، ومطلوب.

ولكنني، من جهة أخرى، أحتاج أن أنسى، فالتذكّر يضع كتلة صلبة غليظة على صدري. يمنعني من التنفّس، ويشوّش عقلي. بعون هذه الكتلة، ترتبك الدنيا في رأسي. ويحضر الضجيج. وألوان الانفجار. كأن الزلزال يحصل الآن. بتفاصيله؛ بالهزّة الأرضية، بالعصف، بالصوت الرهيب، بصريخ الجيران، بدخانه الملوّن، بالصور الأولى الصادرة عن مكانه. فيلم مكرَّر مئات المرّات في النهار الواحد. ومُعاد في الليالي التي حلّ عليها الأرق. التذكّر يثقل جسمي وخطواتي. أمشي ببطء، فحِمل الكتلة الصلبة ليس هيّناً. إنها مرهِقة، سوداء، تفوح منها رائحة الحريق. والتذكّر، بهذا الوزن، بهذه الغَلَظة، يحرمني من حريتي. أو بالأحرى، من حريتَين: حريتي الجسدية، من أن أمشي، أتحرّك، أخرج، أسافر. وحريتي الداخلية، بأن أطلق العنان لتفكيري، أو تخيلي، أو أمنياتي. مثل سجن مطلوب. أو أغلال، تلجم كل حركتي، فيصيبني الهلع الذي يتغلَّب في لحظة واحدة على اللذة المازوشية.

ما يفضي بي إلى صميم العجز. عدم النسيان يصيبني بالعجز. لا أستطيع شيئاً. أنا لا شيء. وغيري من المواطنين كذلك، على الأرجح. التذكّر يحيلني إلى حقيقة المهانة التي نحن فيها. إلى الوهن والانكسار. صور التذكّر وملحقاتها كثيفة غزيرة. قوتها في جوهريتها، في تلخيصها البليغ لعجزنا المزْمن. هي تستدعي الذاكرات الأخرى. تبعثها إليّ، تريدني ربما أن أفهم هذا العجز. فتجرّني إلى السؤال القديم، سؤال النهضة العربية: من أية خطيئة سياسية نبدأ لنفهم عجزنا وتأخّرنا العظيمَين؟

عند هذا الحدّ، أفتقد إلى سعادتي الداخلية التي تصنعها أبسط المخلوقات، أو النسمات الصيفية، أو الأغاني. أحاول أن أستردّ هذه السعادة، أشتهيها، أبحث عن أسبابها البسيطة هذه. فأستمع إلى الموسيقى، رفيقة دروبي اليومية، فلا أفلح. لا أستطيع أن أتحمّلها أكثر من خمس دقائق. عديمة الفائدة، تلك الموسيقى التي أضفتُ إلى ربرتوارها مقاطع بديعة اكتشفتها في أثناء المشي.. عبثاً أحاول، ولكن كيف لي أن أنجح، وأنا ما زلت مصرّة على عدم نسيان ما جرى؟

لم أجد جوابا على هذه المعضلة الوجدانية التي أصابتني بعد الانفجار. لماذا هو بالذات؟ ربما لأنه لخص في أقل من دقيقة واحدة، كل ما كان على الذاكرة أن تحفظه من مأساة ومهازِل مستديمة. ومن أسئلة طرحها الانفجار: كيف كنا عائشين قبله؟ لا أعني الثورة التي حصلت قبله بأشهر. ولكن السنوات. على الأقل سنوات ثلاثين بعد انتهاء الحرب الأهلية. وأحيانا السنوات المائة التي بلغها لبنان هذا العام.

ويبقى السؤال الثاني: كيف لي أن أعيش من دون أن أنطفئ شيئاً فشيئاً، مع هذا الصراع بين الرغبة بالتذكّر والرغبة في عدم التذكّر؟ بين التذكّر من أجل الحياة والنسيان من أجل الحياة أيضا؟ بحثتُ، فوجدتُ نصاً للفيلسوف الإيطالي توما الأكويني (القرن السادس عشر)، يتلخص في تلك الجملة الواحدة: “الزمن الحاضر هو في الواقع ثلاثة أزمنة: الحاضر المعني بالماضي، والحاضر المعني بالحاضر، والحاضر المعني بالمستقبل”.

* كاتبة وباحثة لبنانية

المصدر: العربي الجديد