الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الهوية الوطنية السورية بين الإشكالية والالتباس؛ التاريخ والواقع والمستقبل

بدر الدين عرودكي *

الملخص التنفيذي:

تستهدف هذه الدراسة، بصورة رئيسة، تشخيص وضع الهوية الوطنية السورية خلال قرن كامل، أي منذ إعلان المملكة السورية العربية في الثامن من آذار/ مارس 1920 التي سرعان ما انهارت مع وضع اتفاقية سايكس بيكو موضع التنفيذ، ودخول القوات الفرنسية دمشق في 24 تموز/ يوليو 1920، معلنة بدايات سورية “الجديدة”، أي منذ نهاية العقد الثاني من القرن الماضي حتى نهاية العقد الثاني من القرن الحالي.

سيقدم البحث استعراضًا شديد الإيجاز لجذور مفهوم الهوية الوطنية التي تعود في أوروبا إلى الثورة الفرنسية وظهور الحركات القومية في القرنين الثامن والتاسع عشر، وهيمنة مدرستين في تعريف الأمة، عماد النزعة القومية، من خلال النظرة الألمانية التي اعتمدت اللغة مبدأ جوهريًا، والنظرة الفرنسية التي اعتمدت الإرادة الحرة أساسًا لوجود الأمة. وهو ما أدى إلى تقديم تعريف لمصطلح “الهوية الوطنية” بوصفه مفهومًا، بدأ استخدامه ورواجه في أوروبا منذ سبعينيات القرن الماضي على أيدي الأحزاب اليمينية المتطرفة فيها.

ومن تعريف مقترح لمفهوم الهوية الوطنية وبيان العناصر المقوّمة له، بوصفه مفهومًا بالقوة ثم بوصفه مفهومًا بالفعل، ابتداء من اللحظة التي تتبناه فيها سلطة دولة مركزية لتظهيره وترسيخه، ومن ثم مفهومًا سياسيًا بامتياز، ينتقل البحث إلى استعراض الهويات الوطنية التاريخية التي عرفتها دوائر العالم العربي الأربع: (الجزيرة العربية، بلاد الشام، وادي النيل، والمغرب في شمال أفريقيا)، وصولًا إلى سورية، أو بلاد الشام منذ العصور القديمة، والفتح العربي لها في القرن السابع الميلادي، حتى نهاية الإمبراطورية العثمانية في العقد الثاني من القرن الماضي.

سوف تناقش إشكالية الهوية الوطنية السورية والتباسها منذ إعلان المملكة السورية العربية ثم انهيارها بحلول سورية سايكس بيكو تحت الانتداب الفرنسي محلها، ضمن حدود جديدة سوف تتناقص تدريجيًا وصولًا إلى سورية الحالية التي نالت استقلالها عام 1946.

يتلو ذلك بحث تقلبات الهوية الوطنية السورية ما بين الوجود بالقوة ومحاولات تظهيرها إلى الوجود بالفعل طوال المرحلة التي امتدت من عام 1946 حتى 1963. وسوف يدرس التباس معاني هذه الهوية ومقوماتها خلال مرحلة الوحدة السورية المصرية، ثم خلال مرحلة الانفصال، وانتهاء بعهدي البعث الكلاسيكي والأسدي.

سوف توضح هذه الدراسة أنه لا يمكن في الحقيقة إنكار وجود هوية شامية، إن شئنا الدقة، تطوَّر التعبير عنها خلال العمل التدريجي على التحرر من هيمنة السلطة العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر. لكن هذه الهوية التي جرى تأكيدها خلال المؤتمر السوري ومع إعلان المملكة السورية العربية شاملة بلدان سوريا الطبيعية، سرعان ما أخذت في التلاشي بوصفها هوية شاملة مع بدء ترسيخ الهويات “القطرية” التي تلت تجزئة بلاد الشام بموجب الاتفاقية المذكورة. ومن كبرى المفارقات أن كلًا من الأردن ولبنان، على ما بين البلدين من اختلافات على صعيد التاريخ والتركيب السكاني والوضع الجغرافي، استطاعا بفضل الإرادة الشعبية والتوافق السياسي الذي عبرت عنه السلطة السياسية ترسيخ هوية وطنية خاصة بكلٍّ منهما وتعزيز انتماء شعبي البلدين؛ لا بل إن شعب فلسطين (الذي سلبت أرضه وجرى إنكار بل محاولة محو هويته والقضاء على ذاكرته) أمكنه في مواجهة هذا العدو أن يصوغ هويته الخاصة به مستنفرًا التاريخ والثقافة والتراث الشعبي، من أجل تثبيت مقوماتها في وعي أفراده جميعًا، داخل فلسطين وفي الشتات. إلا سورية “الجديدة” التي بعد أن تمسك شعبها بهوية كان قد سعى لتجسيدها في دولة واحدة طموحة، سرعان ما استلبت منه بالتجزئة والاستعمار، وجد نفسه، ما إن حصل على استقلاله، ينوس بين هويات مختلفة بقيت محض شعارات خلبية، ثم بات بعد خضوعه خلال خمسة عشر عامًا لتقلبات نظم الحكم بين دكتاتوريات عسكرية وحكومات مدنية، وقد جُرِّدَ من هويتيْه الوطنية والقومية معًا، أسير هوية رجل واحد استملك البلد كله حين أطلق عليها “سورية الأسد”، ومع البلد سكانها الذين أضيفوا إلى ملكية البلد منذ أن حُرِموا من حقوقهم الأولية وأخضعت ممارساتهم اليومية، أيًّا كانت طبيعتها، لرقابة أجهزته الأمنية، وفي أغلب الأحيان لموافقاتها المسبقة.

لم تكن ثورة السوريين قبل تسع سنوات تستهدف الخبز، بقدر ما كانت تتطلع إلى استعادة ملكية البلد حين رفعوا بادئ ذي بدء شعار الحرية والكرامة. كما لم يكن غريبًا أن يقوم صراع الهويات في سورية خلال هذه السنوات، بعد أن أولغ نظام الابن الوارث في استخدام النعرات الاثنية والطائفية من أجل ما أطلق عليه رئيس النظام قبل سنتين “المجتمع المتجانس”، بل أن يسمح للمرة الأولى في تاريخ حكم العائلة الأسدية خلال خمسين عامًا بعقد مؤتمر حول “الهوية الوطنية السورية”، كان هدف هذا المؤتمر المعلن، كما جاء في كلمة حملت عنوان “لماذا مؤتمر الهوية الوطنية”، أنه “إذا كان الحديث عن الهوية بوصفها أداة من أدوات الحرب مفهومًا، فقد يكون الأولى هو الحديث أو التبصر أو التدبر والمداولة في الهوية.. الهويات الممكنة بوصفها مخرجًا من مخرجات الحرب. وحتى لا يشكل الآخرون هويتنا الوطنية، أو يهيئوا الظروف لترجيح هوية أو أنماط بعينها، فإن تدبير السياسة يتطلب العمل على تقصي الأفكار والبدائل الممكنة لهوية وطنية انطلاقًا من خبرة وتجارب الأزمة السورية”.

ندوات أخرى أقيمت حول الموضوع نفسه بمبادرة من هيئات سياسية كتلك التي نظمها حزب سورية المستقبل في منبج بتاريخ 24 تموز/ يوليو 2019، مثلما كثرت الكتابات حول موضوع الهوية الوطنية السورية بوجه خاص. ولعل إجراء مسح واسع لكل ما كتب عن هذا الموضوع ونقده في ضوء مشروع جديد لبناء هوية وطنية تستجيب لسورية المستقبل المأمولة ولمكوناتها جميعها بعد تحريرها من مختلف ضروب الاحتلال، الداخلي والخارجي معًا، يمكن أن يؤلف مقدمة لهذا المشروع الذي لا بد أن يطرح للنقاش على الصعد كلها، وأن يعاد صوغه في ضوء مآلات هذه النقاشات تمهيدًا لبثه وترسيخه في الوعي الجمعي ولا سيّما عبر ممارسات السلطة السياسية الشرعية ومختلف مؤسساتها التمثيلية.

***

بالنظر إلى ما سبق كله، كان من الضروري إجراء تحقيق ميداني حول موقف السوريين من الهوية الوطنية والتغيرات التي طرأت عليها بين عامي 2011 و2020. لم يكن ممكنًا في ظل الظروف الحالية إجراء تحقيق ميداني علمي انطلاقًا من عينة من السوريين تمثل مكونات السوريين المختلفة مناطقيًا واثنيا ودينيًّا وطائفيًّا مثلما تمثله على صعيد الفوارق الاجتماعية من حيث مستوى التعليم والمهن وشرائح العمر. سوى أن القيام بمثل هذا التحقيق ضمن الظروف الراهنة التي يرزح السوريون تحت وطأتها كان أقرب إلى الاستحالة. ولذلك استقر الرأي بالتعاون مع الزميل والصديق الدكتور طلال المصطفى على اتباع طريقتين منهجيتيْن، أولاهما تكوين مجموعات بؤرية تجري فيها مناقشات مركزة تتناول موضوعات الأسئلة المطروحة حول الهوية الوطنية السورية، وثانيتهما إجراء مقابلات معمقة مع شرائح المجتمع السوري ومكوناته المختلفة. من الواضح والحالة هذه أن هذه الدراسة وهي تحلل نتائج هذا الاستقصاء يجب أن تكون حذرة في اعتبار نتائجه أكثر من محض مؤشرات تقريبية ومؤقتة بانتظار مقارنة ميدانية أكثر اتساعًا ودقة حين تسمح الظروف بذلك.

ستختتم الدراسة بخلاصة عن مستقبل الهوية الوطنية السورية في سورية الجديدة المنتظرة، وبما يمكن اعتماده من مقومات أساس لا بد من تظهيرها كي تصير جوهرية في هوية وطنية سورية ترعاها و “تبتكرها” مجدَّدًا دولة مركزية وطنية وديمقراطية، بوصفها شرط وجود مثل هذه الهوية بعد تقاعس النظم المختلفة التي تعاقبت على سورية  عن أو إهمالها  العمل على نقلها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.

يمكنكم قراءة البحث كاملًا بالضغط على الرابط: https://www.harmoon.org/wp-content/uploads/2020/10/الهوية-الوطنية-بدر-الدين-عرودكي_compressed.pdf

* كاتب أكاديمي سوري ومترجم وصحافي

المصدر: حرمون