الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

المؤتمــر العــام الرابـــع 1968التـقـريـر الـعـــام الـقــســم الـخـــــــــــــامــس

الاتحاد الاشتراكي العربي

     الاقليم السوري

                                 المؤتمــر العــام الرابـــع 1968

                                       التـقـريـر الـعـــام

                                   الـقــســم الـخـــــــــــــامــس

                                 ( 5 )

  1 – إن النكسة التي وقعت في بـلادنا بعـد الخـامس من حزيـران، والتي أصابـت الأمـة العربية بكاملهـا، في اعتبـارهـا، وكرامتهـا، في ثقتهـا بنفسهـا، في أعـز أمانيهـا، قـد وقعـت بالدرجة الاولى على رأس القوى التقدميـة في الوطن العربي، وعـرّتهــا، فضحت عجـزهـا وأدانتها بالقصور والتخلــف.

  2 – لقـد كانت الهزيمـة من حيث نتائجهـا على الصعيد العربي فضيحـة للأنظمـة التقدمية ووصمة عـار في جبين البيروقراطيـة العسكريـة، وعلى الصعيد الطبقي كارثـة تحل بآمـال الجمــاهير الكادحة برغم غيبـة هـذه الجمـاهير عن سـاحة المعـركة وهي في أعلى توثبهــا واندفاعها واستعدادها، وعلى الصعيد العالمي لطمة قاسية لمعسكر السلم والاشتراكية وهـو على أتـم مـا يكـون استعـداداً للعـون والمــؤازرة.

   فمــن المســـــــــــــــؤول عن كل هذه النتائــــــج القاســـــــية و البشـــــعة؟؟

  3 – من المعلوم أن ما وقع في /5/ حزيران لم يَعُّد بعيداً عن التوقع حتى بالنسبة للمواطن العادي وما تم خلال العـدوان وبعـده من انكشـاف التآمـر الاســتعماري الصهيوني، لـم يكن خارج ادراك الـقوى الثورية، فماذا فعلت هذه القوى لمجابهة وصد مخططات العدوان؟ هل من الضـروري أن نعتـرف هنـا بتفـوق الاسـتراتيجية الاسـتعمـاريـة وفاعليتهـا وبضعف استراتيجية القوى الثورية وخُوائها في مواجهة التحديات الاســتعمارية؟.. لقد قيل كلامٌ كثير في معرض الحديث عـن الاســتعداد لهذه المواجهة الفاصلة، فمـا الـذي تـم تنفيذه من هـذا الكلام؟.. تحدثت القوى الثورية عن تلاقيها ووحدتها، وتحدثت عن استعدادها لنقل المعركة إلى أرض العـدو، وتحدثت عن الاسـتعداد الكامـل لخـوض معـركة طاحنــة تُدمـر مواقــع الاستعمار ومصالحه وتحدثت عن حـرب التـحرير الشــعبية وعن تــعبئة طاقات الجمــاهير لزجهـا في المعــركة، وأطلقـت الشعارات من كل نوع؛ فماذا فعلت حين وقعت الواقـــــعة، وتقدمت الجيـوش الصهيونيــة لتحتـل مزيــداً مـن الأرض، وتُـــشرد المــزيد مــن السـكان، ولتــــهّدم، وتـقـــتل، وتُدمــــر…؟؟

  لقد تبين أنها كانت تُحسن الكلام ولا تُحسن الفعل، وأنها كانت تُراهن على مستقبل وكرامة هذه الأمة بروح المُغامر الأرّعـن، وبعقلية المُـقامر النزق وكانت واحدة من اثنتين، إما أنها تقوم تجاه القوى الأخرى بعملية اســتدراج مخــــططة أو أنــــــها تسمح لغيرها بأن يستدرجها إلى الفـخ المنصوب وهي مغمضـة العينيـن.

  4 – وأقّصيت الجماهير وهي في أوج حماسها واندفاعها عن المعركة، دُفـعت عنها دفعاً، وحـيل بينها وبين ملاقاة العدو، لتقف في المواجهة جيوش تتسلط على مقدراتها بيروقراطية عسكرية تدربت على قهر الشعب واخضاعـه، ولم تُـدخل في حسابهــا قهـر العدو وإجـلائه، بيروقراطية غير مؤهلة ومتفسخة معزولة عن جماهير الجـنود، أشــواقها تشدها إلى المزيد من التــرف وإلى المزيــد من الامتيازات والمغانم على حساب شعبهـا الذي لـم يبخل عليهـا يوماً في اللقمة في فمه، ينتزعها منه ليقدمها لها، انتظاراً ليومٍ تَـزُوّدُ فيه عن شـرفه وتحمي فيه عرضه وتصون فـيهِ أرضه… فـإذا بهذه البيروقراطية لا تتحرك إلا مـن مواقع الـعجز والجُــبّن أو مـن مــواقع العـمالـة والخــيانــة.

  5 – إن دروس النكسة قـد أثبتت أن الثورة العربية ككل، لم تصبح بعدُ لا أيديولوجيـاً ولا تنظيمياً في مستوى المهام الخطيرة الثقيلة الملقاة على عاتقها، وإن أعظم فجوة في كيان هذه الثورة هي طبيعـة علاقتهـا بالجماهيـر؛ هناك جمـاهيـر مؤمنة قوية تتوثب حماساً واندفاعاً، ومستعدة للعطـاء بغير حدود، ولكنهـا متروكـة لعفويتهـا لأن المنظمـات الثوريـة في الوطن العربي، كما أثبتـت الأحداث، لم تـرتفع بعد إلى المستوى الذي يؤهلها لقيادة هذه الجمــاهير قيادة مظفرة، وبسبب ضعفها هذا فقد استطاعت البيروقراطية العسكرية أن تتســــــلط على بعض هــذه المنظمات وهي في مواقـع السلطة، كما اتخـذت منهـا في بعض الأحيـان مجرد دريــئة تحتمي وراءهـا لحجب حقيقة حكمها العسكري عن أعين الجمــــــــــــاهير.

  كان من الطبيعي نتيجـةً لتعدد المنظمات وتعـدد منشَـئِهـا الإقليمي، ومهماتهــا النضالية أن تُبّرز نضالات الجمـاهير العربية بصورتـها المُـجزأة، انعكاساً للأوضاع العامة و للظـروف التي وُلدت فيها، هـذا من جهة، ومن جهة ثانيـة كان لا بُـد لهذه الحركات من أن تعكس إلى حدٍ بعــيد وعلى جميع المستويات الطبيعة المتذبذبــة واللامتجانسـة لفئة المثقفين التي كانت تسيطر عليها وتوجهها تبعاً لآفاقها وتصوراتها الذاتية أكثر بكثيـر من كونها التعبير الحقيقي عن مهمات طبقة معينة، أو الوعي الموضوعـي للدور التاريخي لهـذه الطبقة أو تلك، وهـذا ما أدى إلى انقســام خطيـر في حركة الثــورة العربيـة، وإلى إيجـاد ظروف تسـمح بظهـور منظمات ثوريـة متعددة غامضة الحدود متقاربة الأهداف، بل لقــــد امّتــد ذلك الانقسام إلى داخـل المنظمة الواحـدة وشرّذَمَـها، وأخـرج منهـا عـدة منظمــات.

  وكما انعكست هذه الاوضاع على بنية هذه الحركات فمزقتــها، انعكست على أسلوبـها في العمل على شكل خـوف من النقـد الذاتي واختفـاء للديمقراطيـة الحقيقيـة، وسيطـرة النزعـة الدهمائيـة عليها، وأصبح التشبــث العقائدي السطحـي والفكر النظري المعــزول عن الواقع هو الإطار الذي تُدافع من خلاله هذه الحركات عن قشرة تماسكها واستمـرارها، والـوسيلة التي تُمكنها من وقف التطورات الداخلية التي تُهـدد هـذا التماسك اللاعضـــوي والشكلـــي، فكان الفكر الشعائري والطقوس، الذي يبدو لنا اليوم واضحاً في سلوك البعــث الحـاكـــم.

  إن أثر البنية الذاتية للمنظمة ينعكس على علاقتها بالجماهير على شكل أزمة مستعصية لا تلبث أن تصبح فيمـا بعد حاجزاً في طريق اتصالها بالجماهير وبالواقع الذي تعيشُ فيه.. بل ويدفعها على المدى الطويل إلى الوقوف في وجـه إرادة الجمــاهيـر.. ويصبح الدفــع الذاتي جـداراً يمنعـهـا من إدراك القوانين الأسـاسية للتطور الاجتمـاعي ومن الوصول إلى جوهـر المطالب الشعبيـة، ولن تلبث أن تعكس بسلوكهـا سيطـرة الظـروف غير الطبيعية وصعوبة تجـاوزهـا ونـوعـاً من الضيـاع ومن فقـدان الحريـة نتيجـةً لفقـدان القـدرة بسبب انصراف الجماهير عنها انصرافاً كلياً… ومن هنا جاء تخبط البعـث الحاكم في إطـلاق شعاراته ذات البريـق السطحــي والتي تفتقــد إلى الرصيــد الشعبي الذي لا بــد منه لإمكان تحويل هـذه الشعارات من مجرد شقشقـة لفظية إلى واقع حياتي يعيشه الشعب ويتصرف على ضوئه، وسنعمد فيما يلي إلى استعـــراض أهـــم الشعارات وفضـح مقدار ما فيـها من خـواء بسبب بُعـدها عن الواقـع من جهـة وبسبب عدم استعداد الجماهير الشعبية لتبنيها تحت رايــــةّ مثل هــذه القيادة التي لا تتمتـــــع برصيد كــافِ مـن ثقتــــــــه.

حرب التحريـــــــر الشـــــــعبية
=================
من المعلوم أن فكرة حرب التحرير الشعبية قد ظهرت كشـعارٍ بـــــدأ حزب البعث الحاكم يطرحه قبل عدوان الخامس من حزيران، ثـم استمــر في طرحـه بعـــد العدوان في محاولة للتقليل من أهمية الجيـش النظامي في المعركة التي كشفت إلى حـدٍ كبير عجــز هـذا الجيش و عدم استعداده للقتال بكفاءة في وجـهِ عــــــدوٍ حسن التدريـب و مسلح وفـق أحـدث النظـم العســكـــــريــة.

  ليس الخطـأ في الشـعار ذاتــه، فالأمــة العربية تخـوض في وجــه المعتـدين، الاستعمـار والصهيونية، معركة مصيرية، و تتناقض مصالحنا القومية مع مصالح الإمبريالية العالمية، التــي تستخدم اسرائيل ككلب حراسة لها في هــذه المنطقة، تناقض أساسي و حاسـم.. ومـن الطبيعي أن تنهض الأمة العربية بكامل طاقاتها وجميع امكانياتها للدفاع عـن وجودها وعن مستقبل حياتها.. والحرب يجب أن لا تستقل بها جيوش منعــزلة عن جماهير الشعب وإنما يجب أن تنهض بها الأمة بكاملـها، وأن تشمل كل إنسان قــادر على حمـــل السـلاح، وكل  مدينة وقرية وشارع و دار من أرض وطننا.. فطبيعة صراعنـا مع العدو، تفرض أن يكون هذا الصراع شامــــلاً.. ولكــــــن أيـــــــن يكمـــــــن الخطــــــــــأ؟

  1ً– إن طرح شعار حرب التحرير الشعبية كبديل للحرب النظامية هو خاطئ في أساســه إذ لا يمكن أن نتصـور قيـام حـرب تحريــر شعبيـة بيننا وبين إسـرائيل دون أن يكـون في الاحتمال تحويلها في أي لحظة إلى حرب نظامية، سواء أردنا ذلك أم لم نُـرد، إن في إمكان العدو ذاته أن يدفع بجيوشه النظامية إلى ملاقاة الجيوش العربية بقصد تدميرها كما فعل في /5/ حزيران وهـذا ما يتطلب وجود جيوش على أعلى قـدر من الكفاية العسكرية تنظيميـــاً و تدريباً و قيـادةً و سلاحـاً حتـى تستطيع أن تقاتــل بجــدارة دفاعـــاً عن أرضهـــــا.

  إننا لا نستطيع أن نتصور نضال ثوار الفيتكونغ في فيتنام الجنوبية بدون جمهورية فيتنام الديمقراطية وجيشها، إن قسماً كبيراً من المقاتلين في صفوف ثـوار الفيتكونغ هم من كتائب جيش فيتنام الشمالية ومن الخطأ أن نضع أياً من القوتين النظامية والشعبية كنقيض للأخرى في حربٍ تحريريــــــة.

  2ً– إن حـرب التحرير الشعبية لا تفـرض نفسهـا إلا في ظـروف معينـة كأن يكون البلــد مُحتلاً، وأن يكون غيـر قادر على بناء قوته النظامية وتسليحها، وبالرغم مما تتمتع به كلمة شعبية من سحر، فإن حرب التحرير الشعبية لا تعبر إلا عــن الوسيلة التي تملكـها الشعوب المضطهدة لفقرهـا وتخلفهـا في مواجهة القـوة الضخمة للاستعمـار من افتقـاد للسلاح الثقيل ونقص في الخبرة وعـدم إمكان تشكيل قوات نظامية أمام بصر العدو المُحتل الذي لا يسمح بمثل هذا التشكيل أن يكتمل وأن يتزود بالتـدريب والسـلاح اللازمين ممـا يجعلهـا مضطرة إلى الاعتماد على الأسلوب الوحيد الذي تستطيع أن تمارسه ضد مضّطهديهـا في ظـروف شاقــة كهــــــذه.

   فهــــل البلاد العربيـــة بالنسبة لإســـرائيل هي في ذات الوضــــــــــــع؟

   هــل نحن عاجزون فعـلاً عن بنـاء قـوات نظامية في البـلاد العربية المجـاورة لإسـرائيل وغيـر المجـاورة لهــا تكون قــادرة على مجابهة اسرائيل وقهـرهـــا؟ ألا نستطيـع أن نـأتي بالأسلحة الحديثة؟ ألا نملك إمكانية التدريب على هذه الأسلحة واستعمالهـا؟ إذاً لمــــاذا ننفق اليـوم وكمـا كنا ننفق منذ عشرين سنة ما لا يقل عن 60% من ميزانيــة الدولة مُعطلين كل مشاريعنا الإنمائية على الجيش النظامي وعلى تسليحه وتدريبه وبناء خطوطه الدفاعية؟ وما هو المقصود اليــوم من محـاولة وضع الجيش النظـامي بما لـه من دور فعـال في المعركـة وتركيـز الضوء على حرب التحرير الشعبية كشيء يتناقـض مع الحـرب النظاميـــة؟

  إن حــرب التحريــر الشعبيـة في نظـر ماوتسي تونغ، وهـو أعظم مبتكري هـذه الحــرب والمخططين لهـا، ليسـت أكثـــر من قضيـة فرضتهــا ظـروف الصين الخاصة في حربهــا ضـد الغزو الياباني، هذا مع التأكيد على ضرورة العمل على ســرعة تجـاوزهـا إلى حـرب تحريـر نظاميـة عندما تتمكن الصين من بناء قواتها الخاصة المتفوقة على قـــوة العـــدو.

 والاتحاد السوفيتي لم يستعمل حرب الأنصار لملاقـاة جحافـل النازية الغازيـة رغم تفوقهـا بالسلاح وبالتكتيك العسكري.. إنه لاقاها بقواته النظامية، بجيوشه التي كانت تقاتل مدافعة عن كل مدينة وقرية بل عن كل شارع وبيت، وهذا لم يمنعه من شن حرب الأنصار فيما وراء الجبهـة ليدمـر مؤخـرة العـدو، وحـرب الأنصار هنـا تأتي مُكملة ومساعـدة للحرب النظامية، وليست هي المعتمدة أساساً في قهـر العدو و دحره.. ولـو اعتمد الاتحاد السوفيتي على حرب الأنصار لوحدهـا لما استطاع أن يجلي عن بلاده جيوش العدو المحتلة و لمـــا احتل برلين و حــرر بلـدان أوربا الشرقيـــة.

  3ً– إن حـزب البعث الحـاكـم يستخــرج شعـار حـرب التحرير الشعبيـة، ويطرحـه بشكل ميكانيكي ومثالــي قياساً على ما يجري اليوم في فيتنام على ما تم من قبل في الجزائر دون أن يأخـذ بعين الاعتبـار الاختلافـات الموضوعيـة والجغرافيـــة والسـياسـية القائمــــة بينها وبين كل منهمــــا.

  فالجزائر كانت بلداً محتلاً من قبل قوات الاستعمارية أجنبية منذ 130 سنة، وكان هناك شعبٌ مسحوق يتميز حقداً وغيظاً على مستعبديه ولم يجد وسيلة للتخلص من أوضاعه تلك إلا بثورة مسلحة يشترك فيها بجمــاهيره الواسعة وبكل ما تملك أيديهم من وسائل، فهل المطلوب مثلاً أن نسمح للجيوش الصهيونية بأن تحتـل البلدان العربية المجاورة لإسرائيل حتـى تقـوم بعد ذلك شعـوب هذه البلدان بحـربِ تحريرٍ شعبية تُجلـي بواسطتها الجيوش الاسرائيلية عن أراضيهـــا؟؟؟

  وفـي فيتنام شعـــبٌ مستعبد ومحكوم من قِـبل الأجنبي منذ مئة عام تقريباً وهـو في حالة ثـورة منذ عام 1942، ضد الفرنسيين أولاً، وضد اليابانيين ثانياً، وضد الفرنسيين بعد نهاية الحرب ثالثاً، ثم ضد الأمريكان وعملائهم من الخونة رابعاً.. هذا الشعب تمـرس خلال هذه المدة الطويلة بأساليب من حرب التحرير لم يسبقه إليها شعبٌ من قبـــل ودفع ثمــن خبرتــه الطويلة هـذه آلامـاً وتضحيات لا يحيط بها الحصر.. ثـم إن طبيعة بلاده بما فيها من غابات ومستنقعات وجبال وكـذلك التصاق أرضـه بالصين، ووجود خطوط تموين متصلــة عبــر بلديهمــــا يجعـــل لهـــــذه البــــلاد وضعــــاً خاصـــاً متميـــــــــزاً.

  يقــول ماوتسي تونغ: ’’ إن الاتجـاهـات المثــاليـة والميكانيكيـة بشـأن قضايا الحـرب هي المصدر الأساسي لسائر الآراء الخاطئـة عن الحرب، فالأشخاص الذين يُظهرون مثل هذه الاتجاهات يقتربون من القضايا بشكل ذاتي ومتميز، وهم إما أن ينخرطوا في حديث واهـي الأسس وذاتي كلياً وإما أن يتعلقوا بمظهـر واحد أو ظاهرة مؤقتة للقضية فيضخموهــا بمثل تلك الذاتية ويجعلون منهـا القضية برمتها.. وهكـــذا لا يمكننا أن نتوصل إلى استنتاجــات صحيحة بشأن قضايا الحرب إلا إذا عرضنا الاتجاهات المثالية والميكانيكيــة بشأنها وتبنينا وجهةً للنظــر موضوعية وواعيــة في دراستهــــا‘‘.

وأية دراسة موضوعية من هذا النوع تقودنـا إلى الإيمان الكامل بأن الأقطار العربية ليست بقادرة فقط على أن تُعد جيوشاً نظامية بمستوى قوة إسرائيل فقط، وإنما هي قادرة على أن تتفوق عليها تفوقاً ساحقاً وأن تستخلص الأرض السليبـة من يدها أيضاً.. وبالرغم من دعم الاستعمار الأمريكي دعماً مطلقـاً لإسرائيل فإن جيوشنا لــم تُغلـب أمام الجيوش الأمريكية، وإنما غُلبـت أمام الجيوش الاسرائيلية فقط، إلا أن الجيش النظامي الذي يقاتل بنجاح يجــب أن تتوفــر له جملـة شروط أساسية ليس من السهل على بعض أنظمتنا الثوريـة أن توفرها لجيوشها كما يبدو، وإلا فمـا المـانع من أن تستند هــذه الجيوش إلى جبهـة داخليـــة صُلبـة متماسكة قوية، حتى لا تُفرز أقوى تشكيلات الجيش وأمضاها سلاحاً لحماية الثورة والثوار في الداخل بينما جيوش العـدو تجتاح أرض الوطـن؟ وما المـانع أيضاً في أن تُعـزَّز قـدرة الجيش وقوتــه بكل العناصر الصالحة للقتال والمؤهلة له والمدربة عليه إذا كانت القضيــة قضيــة وطــن والحــــرب هي حـــــرب تحـريـــــر شعبيــــــة؟؟؟

  في الضفــة الغربيــة الآن حركات فدائية باسلـة، وهجمات يشنها المناضلون الفلسطينيون البواسل ضد الغزاة الصهاينة تُرعبهم وتقض مضاجعهم، وبوادر حرب تحرير شعبية يجب أن تُشجـع وتُعــزز إلى أقصى حـد مستطاع، ولكـن هـل يمكن أن نتصور أن هــذه الأعمال وحدهـا كافية لإكراه الصهاينة على الجلاء عن أرض الوطن والنـزوح منهـا إلى مواطنهم الأصليـة، بـل هــل هنالك من يتصور أن مثل هـذه الأعمـال كافية لإجلائهم عن الأراضي التي احتُلت بعد الخامس من حزيران إذا لم تُنسّق أعمـال الفدائيين هذه وتوضع ضمن خطة عسكرية شاملة تلعب فيها الجيوش النظامية دوراً أساسياً عندما يحين الوقت وتصبح الثمرة ناضجة ومُهيأة للقطاف؟ وهـل غير الجيوش النظامية مـن يستطيع أن يقطف الثمرة وينهي المشكلة؟؟ ولكــن كيـف يمكن أن يتسنى للجيش النظامي أن يلعـــب دوره؟؟؟

  يقول ماوتسي تونغ: ’’ إن إصلاح نظامنا العسكري، يتطلب جعله جيشاً عصرياً، وتحسين شروطه التكنولوجية، ولـن نستطيع بدون ذلك أن نطـرد العـدو إلى الجانب الآخــر من نهـر “بالو”… لقــد قلتُ أكثر من مرة، إن القضية الأساسية، هــي الموقف الذي يجب أن نتخذه، والـذي يجب أن يكون، موقـف الاحتـرام تجاه الجنود وحيـال الشعب… إن المبادئ الرئيسية الثلاث للعمل السياسي في الجيش هي التالية: أولاً الوحدة بين الضباط والجنود، ثانياً الوحدة بيـن الجيش والشعـب، ثالثاً تحطيـم معنويـات جيش العـدو…‘‘ ويقـول ماوتسي تونغ أيضاً: ’’ إن المصدر الأغنـى لقوى الحـرب يكمن في الجمـاهير الشعبية، وإن السبب الرئيسي في جرأة اليابان على الاستبداد بنا هو انعـــدام التنظيم عن جمــاهير الصين، وحيـن نعالج هـذا النقص فإن الغـزاة اليابانيين سيصطدمـون بمئـات المـلايين من شعبنـا الذين هبــوا على أقدامهم، والذيـن يكفــي أن يصرخــوا كي يُلقـــوا الرعــبَ في قلب العدو، وعندئذ سيرتـد الغـــزاة على أعقـابهــم ‘‘.

  وهـكذا نــرى أن من أهم الشروط التي تُمكن الجيش النظامي من أن يلعــب دوره كامـــلاً في طـــرد الغزاة من أرضِ وطننـــا:

               1 – أن يكون جيشاً عصرياً وتتحسن شروطه التكنولوجية.

               2 – قيام الوحدة بين الضباط والجنود، وبين الجيش والشعب.

               3 – أن يستند الجيش إلى جبهة شعبية صلبة منظمة.

  4ً– إن حـرب التحريـر الشعبيـة لا يمكن أن تكـون اسـتراتيجيـة كاملـة للحـرب وهي في أحسن الشروط جزء من الاستراتيجية الشاملة، إنهــا متممة للحرب النظامية وليست بديــلاً عنها، وهي ليست الشكل الأفضل للقتال بيننا وبين إسرائيل، لأن عوامـل التفوق الاسرائيلي لا تستند إلى أسباب موضوعية؛ إن جميع العوامل الموضوعية هـي في جانب العرب وكان من الطبيعي أن تفـرضَ تفـوقهــم السـاحـق في ساحـات القتال، فــلا الموارد البشريــة، ولا الموارد المـادية، ولا رقعـة الأرض التي يتصرف بهـا كل من الطرفيـن، ولا عامل السلاح تقـف إلى جـانـب إسـرائيل في المعـركـة، وإنمـا هـي تقـف إلى جـانب العــرب، والتفــوق الاسرائيلي يستند إلى العوامل الذاتية فقط، إلى قوتهم وضعفنا في هذه العوامل بالذات يستند إلى الخبـرة، إلى التدريب، إلى التنظيم، إلى وحـدة القيادة، إلى وضوح الهـدف، إلى وجــود استراتيجيـة متكاملة وشاملة، وإلى توفر إرادة القتال التي تدعمها جبهـة داخليـة متماسكة.

  وفي يدنا أن نتجاوز كل عناصر الضعف وعوامل التمزق في جبهتنا، فمـن أيــن نبـــدأ؟

  إن نقطـة البـدء في نظرنا هي تكوين جبهــة داخليــة قويــة وصُلبــة.

الجبهــــة الـداخليــــة
===========
عندما قلنــا أن شـعار حـرب التحرير الشعبية لا يمكن أن يكون اسـتراتيجية كاملة للحرب وإنما هـو جزء منهـا، كنا نعي أن الركن الأساسي في كلِ حرب من هذا النوع هو استنادهـا إلى جبهـة شعبيـة وطنيـة.

عندما سُئل ماوتسي تونغ أثناء حرب التحرير الصينية ضد الغزو الياباني، ما هي في رأيك الشـروط التي يستطيع الشعب الصيني في ظلهـا أن يهـزم القـوات اليابانية و يدمرهـا؟؟… أجاب: إن ثلاثة شروط تضمن نجاحنا، أولها إنشاء الجبهـة الداخلية الموحــدة المناهضــــة لليابان فــي الصيــن.

وعندما سُــئل مرة أخـرى، كم يمكن أن تسـتمر مثل هـذه الحـرب في اعتقـادك؟… أجـاب: يتوقف ذلك على قوة الجبهة الصينية الموحدة المناهضة لليابان، فإذا اتسعت الجبهة الصينية الموحدة المناهضة لليابان كثيراً، ونُظمت بصورة فعالة على المستويين الأفقي والعمودي، وإذا قُدم العون الأممي للصين من جانب حكومات وشعوب تلك البلدان التي تعترف بخطر الاستعمار الياباني على مصالحها الخاصة، فستكون الحرب قصيرة ونُحرز النصر عاجلاً.

  ويقول “لين بياو” أحد أبطال تحرير الصين: ’’ من أجل إحراز النصر في الحرب الشعبية يجب تأسيس أوسع جبهة متحـدة مع وجود سلسلــة من السياسات التــي لا يكون من شأنهــا تعبئة الجماهير الأساسية على أوسع نطاق فحسب، بل يكون مـن شأنها كذلك تحقيق الاتحاد مع جميـع القــوى التي يمكن الاتحــاد معهـــــا… ‘‘.

  هـذه الدروس نستطيع أن نستلهمها من التجارب التي خاضتها الأمم من قبّلِنا وهي تخوض نضالها القـاسي ضد أعدائهـا من المستعمرين والغـزاة الطامعيـن، وهـو ما نعـرض له في مرحلتنا النضالية الحاضـــرة.

  وإن أي تحليل موضوعي لأوضاعنا الراهنة لا بد أن يقودنا إلى السير في طريـق الجبهة الوطنيـة على أوسـع نطاق ممكن إذا ما أُريد لكفاحنـا أن يبلغ نهايتــه الظافـرة ضد العدوان الذي يقوم على أرضنا اليوم، والذي يهددنا بالاتساع والانتشار على أرضنا في أية لحظة.

  ووفقاً لمعطيات البحث العلمي في موقفنا الراهن، وللتحليل الطبقي، لا بد من أن نعترف بتحول التناقضات في مجتمعنا، بعد عدوان الخامس من حزيران الذي قامت به إسرائيل وهي تلعبُ دور رأس الحربـة في الهجوم الذي يشنه الاستعمار والإمبريالية ضد تطلعات شعبنا نحو الحــريـة والتقدم وفي سبيل القضاء على القومية العربية كخطر يهدد المصالـح الإمبريالية ومستقبل النفـوذ الاستعماري في هـــذه المنطقة الحساســة من العالـــــــم.

  إن التغيرات الجديدة الناتجة عن ذلك في العلاقات بين الطبقـات في الوطن العربي وبين الدول العربية ودول العالم، تدعو إلى وضع استراتيجية جديدة مناسبة لهـــذه المرحلة، حتى نتمكن من القيام بنضـال ظافــر ضد القوى الـعدوّة، التي حققـت تفوقاً ملحوظاً بعـد مباغتـة /5/ حزيـران وبعـد حـرب الأيـام الستـة المشؤومـــة.

  كانت البلاد العربية منذ زمن بعيد تعاني من تناقضين أسـاسـيين همـا: التناقض بين الأمة العربيـة والاستعمـار من جهـة والتناقض بين بعض الطبقـات والجمـاهير الكادحة من جهـةٍ أخرى، وقبل العدوان كانت القوى الثوريـــة تشن نضــالاً حاسمـاً ضد الطبقات المستثمرة، لتصفية الجيوب الرجعية في الوطن العربي، حتى يمكن تكويـن جبهة عربية متماسكة قادرة على طرد الاستعمار وتصفية الصهيونية وإقامــة مجتمــع عربــي اشتراكـي موحــد.

  ومنذ أن قامت الصهيونية، بدفع من الإمبريالية ودول الاستعمار بشـن هجـوم على الدول العربية في /5/ حزيران، تحول الموقف وأصبح التناقض الأساسي والرئيسي الوحيـد الذي يجب حـله وتصفيتـه هـو التناقض مع الاستعمار والصهيونية.. أصبحت جميع التنـاقضات الاخرى ثانوية إلى أن يتم حل التناقض الأول.. إن توغـل الجيــوش الإسرائيلية فـي سيناء، حتى قنـاة السويس، وفي سـورية حتى القنيطرة، واستيـلاءها على الضفة الغربية للأردن يجعـل المهمة الأسـاسية بالنسبة للأمة العربية هي تدمير هـذه الجيوش وإعادتهـا من حيث أتت مهما كان السبب وبأيـة وسيلةٍ من الوسائل الممكنة.

  إن التناقض الذي يؤدي إلى تهديـد الوجود والحياة، هـو تنـاقض رئيسي بالنسبة للتنـاقض الذي كان يتعارض مع شكل الحياة وأسلوبها.. ولهذا فإن الخطر الاستعماري الصهيوني لا يشكل تناقضاً رئيسياً بالنسبة للجماهير الكادحة فحسب، وإنما يشكل تناقضاً رئيسياً وحــاداً بالنسبة لأوسع فئة ممكنة من البرجوازية، والفئات الوطنية الأخرى أيضاً، ما عدا تلك التي ترتبط بالاستعمار وتُنفــذ مخططاتـه.

  وأمام قوة الاستعمار، وما أظهره من تفـوق، يجب حشـد كل الطاقات الوطنيـة، وتعبئـة جميع الامكانيات العربية، على المستوى القطري وعلى المستوى القومي أيضاً، للوقـوف في وجه الخطر الداهم ورده إلى قواعده مدحوراً.. بل إن توسيع جبهة المقاومـة وتعميقهــا يجب أن لا يقتصر على المجال العربي وإنما يجـب أن يتعداه إلى المجال العالمي، حتى لا يتمكن الاستعمار من الانفراد بالقوى التقدمية ليعزلها عن احتياطهـا القومي وعن غطائها العربي، وبالأمة العربية فيعزلها عن أصدقائها الأوفياء، أنصار التحرر والسلام في العالم، وعن حلفائهــا الطبيعيين من الأمــم التي تعـاني مثـل مـا نعـاني من ويــلات الإمبرياليــة وشرورها، وعلى الدول التي تتوق إلى رفع نير السيطرة الأمريكية عن عاتقها برغم أنها دول رأسماليـة كفرنسا مثــلاً.

  يقول ماوتي تونغ: ’’ إن الاستعمار الياباني يحاول جعل الصين مستعمرة له، الأمر الـذي أدى إلى احتدام التنـاقض بين الصين واليابان، فأصبح هـذا التناقض هو التنـاقض الرئيسي بينما التناقضات بين مختلف الطبقات في الصين، مثل التناقض بين عامة الشعب والاقطاع، والتنـاقض بين الفـلاحين ومـلاك الأراضي، والتنـاقض بين البروليتاريا والبرجوازيـة، قــد أصبحت برغم بقائها كما هي تناقضات ثانوية تابعة أمام الحرب العدوانية التي شنتها اليابان على الصين، وباستثناء حفنة من الخونة الموالين لليابان المنتمين إلى كبار ملاك الأراضي وكبار البرجوازيين، فـإن أبناء الشعب الصيني بمختلف طبقاته قـد نشأ لديهم مطلب مشترك هو مناهضة الاستعمـــار الياباني‘‘.

  وأمام مثل هذا الوضع الذي تفاقم فيه خطــر الاستعمار الأجنبي، وأمـام العلاقات الطبقية المعقدة إلى مثل هـذا الحـد، رسم الحزب الشيوعي الصيني سياستـه الخاصة بالنسبة للجبهة المتحدة وهي سياسـة الاتحاد مع النضال، الاتحاد مع جميع الطبقات والفئات المقاومة للغزو الياباني وكسـب حـلفـاء حتى ولـو كانوا متذبذبين ومؤقتين، وتطوير سـياسته بحيث تصبـح مناسـبة لتنسيـق العـلاقات بين مختلف الطبقـات والفئـات المقاومة لليابان لتكون- مـلائمـة- للمهمة العامـة والأساسية وهي طرد جيوش الاحتلال اليابانية من أرض الصين، كما شجب الحزب سـياسة الجناح اليساري الذي كان يطـالب بالنضال ضد الجميـع ومقاومـة سـياسة الجبهة، واعتُبـر هـؤلاء اليساريين انتهازيين ومُنحرفيـن.

  هـذه هي بعض معطيات حـرب التحريـر الشعبية كما طُبقت في الصين التي مرت خـلال الغزو الياباني بظروف تكاد تنطبق انطباقاً تاماً على الظروف التي تمـر بها أمتنا في أزمتها الراهنـة، وأول معطيـات حـرب التحريـر الشعبية وأهـم شروطهـا قيـام جبهة داخلية واسعة وعميقة، والتحام قومي جماهيري كامل في وجه العدو ومخططاتـــه العدوانيـــة.

  وإن أبسط تطبيق عملي لهذه النظرة العلمية ولهـذه الدراســة التحليليـة التطبيقيـة تجعلنا مدفوعين إلى التسليم بخطة سياسية تُبنى على القواعـــد التاليــة:

    1 – إقامة جبهة وطنية داخلية تضم جميع الفئات والمنظمات والأحزاب والشخصيات الوطنية المُستعدة للدفاع عن الوطن ضد الخطر الخارجي الاستعماري الصهيوني، وتعبئة الشعب وتنظيمه.

    2 – إقامـة جبهـة عـربيـة تضم جميـع الحكومات التي يمكن أن تسـاهـم في المجهـود النضالي للأمـة العربية مهما كان نوع المساهمة الذي تقّدرُ عليه أو ترضى به، ومهما كان نوعها، وتطوير هذه الجبهة وتعميقهـا بحيث تستطيع في النهاية وضع جميع القوى العربيـة في خدمـة الهدف المشترك وزجهـــا في المعـــركـة.

    3 – إقامـة جبهـة علميـة عالميـة تعتمد بالدرجـة الأولى على الدول الاشـتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي وتضم جميع الدول الصديقة، أو التي يمكن أن تتعاطف مع القضية العربية أو أن تلتقي مصالحهـا بمصالحنــا ولـو كان لقـاءً عرضيــاً مؤقتـــــاً.

و كيـف يمكـن إقـامــة الجبهــة الوطنيـــة؟
======================
مـن الواضح أن الجبهـة الداخليـة تمـر اليـوم في حالـة تمـزق كامل، بل تعـاني حالـةّ شبـه انحـلال، وبـرغـم تعـدد الأحـزاب والمنظمات دونمـا مبـرر واضح، وبـرغـم تشتت قيـاداتها وجماهيرها، فإن الانقسام ضمن المنظمة الواحـدة، أصبح ظاهــرة عامـة تتساوى فيها جميع المنظمات بـدءاً من البعث الحاكم حتى آخـر منظمــة تقـــف في صـف المعارضـــة.

  وإذا كان الحزب أو المنظمة، إنما تنشأ في الأصل للتعبير عن مصالح طبقـة من الطبقات، فإن المنظمات القائمة في هذا القطر لا يمكن أن تدعي جميعها صحة هذا التمثيل وانطباقه على الواقع، وإذا أخذنـا العمال والفلاحين مثلاً، أي الطبقة الكادحة لرأينا أن هناك عدداً كبيراً من المنظمات، كلُ واحدةٍ منهـا تدعي أنها هي التي تمثلها فعلاً وهي التي تعبر عن مصالحهـا.. فمـــا هي أسبـاب مثل هـــذا التشتــت والتعـــدد والانقســـام؟

    فـــي رأينـــــــــــا أن هناك جملـــة من الأسبـــاب أهمهــــا:

    1– غياب دور الجماهير في العمل الثوري العربي عموماً، وغياب دورها في هذا القطر على وجه الخصوص، ومن السهل في غيبة الجماهير، على أي فئة من المثقفين، ومعظم القيادات الثورية تقتصر عليهم، أن تدعي تمثيل الجماهير الغائبة والتحدث باسمها، حتى لقد بلغ الأمر بالبعث الحاكم إلى درجـة تزييف المنظمات الجماهيرية والنقابية والتسلط عليها وتفريغها من كل محتوى نضالي، حتى أصبحت مجرد منظمات هيكلية صورية منفصلة نهائياً عن قواعدها، وتتسلط عليها فئة مـن البيروقراطية النقابية المحترفة، والتي تضم أشتاتاً من العناصر المشبوهــة والتي لا تتــورع عن السرقة والخيــانـة وارتكاب أحــط الجــرائــم.

    2– إن معظم أسـباب تعــدد المنظمات الثورية التي تدعي تمثيل الطبقة الكادحة، هـي أسبابٌ ذاتيـة تتعـلق بالأشخاص الذيــن يُشكلون قيادات هــذه المنظمات وليست بأسبــاب موضوعية تستند إلى واقع اجتماعي طبقي معين.. إن أوهــام المثقفين، وانتهازيــة البعض منهم وسيطرة العوامل الذاتية على تفكيرهم وسلوكهم، وعدم وجود استراتيجية للثورة العربية واضحة المعالم تهتدي بها الجماهير، وضعـف وعي الجماهير سياسياً، هو الذي شجع في الماضي على قيام منظمات متعددة تطلق نفس الشعارات وتدعو إلى ذات الأهداف وتدعي انتماءهــا إلى طبقــة معينــــة.

  وليس في نظرنا من علاج لهذا الوضع إلا بأن تُـزاح جميع العقبات من طريق الجمــاهير لكي تساهم مساهمـة جديـة في العمل الثـوري وبأن يُفسح المجـال لكي تلعب دورهـا كامـلاً على صعيد حرية الفكر والعمل السياسي، لتستطيع بالتالي أن تُحدد بحرية انتماءاتهـا وتُعين ممثليهـا الحقيقيين الذيـن ينطقون باسمها وعندئذ لا يبقى هنالك من مجال لأن تعبر عن مصالح الطبقة الواحدة أكثر من منظمة واحدة ويتراجع بعدها أولئك الذين يريدون أن يفرضوا أنفسهم أوصياء على الجماهير والطبقة الكادحة، مُفسحين المجال برغم أنوفهم لمن تضعهــم هذه الجماهيــر على رأس قيادتهــا.

  إن خلق جو من الحرية والانفراج أمام الجماهير الكادحة كي تشارك بجدية في العمل الأساسي هو أحد العوامل الرئيسية التي يمكن أن تُصفي كثيراً من المنظمات القائمة اليوم، والتي تمارس نشاطها باسم الجماهير بسبب غيبة هذه الجماهير وعدم حضورها جدياً في ساحة المعركة.. إن جو الحرية والديمقراطية كفيل بأن يعيد إلى الرأي العام تماسكه وأن تُحدد فيه وجهات نظــر معينة واضحـة، وأن يحدد في نفس الوقت موقف الطبقة الكادحة من كل وجهات النظر هــذه ومـن القائميــن بهــا.

  ولكن مثل هـذا التطور الذي يعتمد على التفاعل الحر بين المنظمات الثورية التقدمية والجماهيـر الكادحة يحتاج إلى وقت ويحتاج إلى أن يتم بسبب ظروف العدوان الخارجي الذي يهدد وطننا، في جو من التفاهم على الخطوط الأساسية للعمل الثوري والعمل الوطني ضمن إطـــار الجبهـة الوطنيـة.

  إن خلق جو ديمقراطي يُفسح المجال أمام جميع القوى الحية في أمتنا لكي تقول رأيها وتلعب دورها في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ أمتنا، ضمن إطار ميثاق وطني تلتزم به جميع المنظمات والهيئات الوطنية والثوريـة، هو المناخ الوحيد الذي يمكن أن تعود فتنمو في دفء حرارته بذور الثقة بين المواطنين وهو الحافز الذي يستطيع أن يخلق حالة من المد الجماهيري القادر على تكنيس العدوان عن أرض الوطن وهو الذي يستطيع أن يُعيد لهذه الأمة وحدتها بعد ان مزقتها الأحقاد المصطنعة والأهواء الطائفيـــة المريضة والأوهام الذاتيــة لــدى بعض القيادات المتسلطــة.

  إن العمل للجبهة الداخلية الوطنية يجب ان يسير في اتجاهين متوازيين في نفس الوقت:

       1- جبهة وطنيـة عريضـة تضم جميــع المواطنين الشرفـــاء الذين يقفون في وجــه الاستعمـــار ويناضلون لتخليص بلدهــم من الغــزو الصهيوني.

       2- جبهة نواة، جبهة ثورية تصفي من داخلها جميع الرواسب، وتتجاوز جميع العلاقات السلبية القديمة، وتعيد النظر في كافة مواقفها السابقة على ضوء عملية نقد ذاتي وإعادة تقييم لسلوكها السابق بأمل اللقاء مع المنظمات الثورية الأخرى المشتركة معها في ذات الأهداف، لقـــاء ينتهي إلى الوحــدة.

الجبهـــــــة العربيـــــــــة
=============
لقـد أصبح واضحاً بما لا يـدع مجالاً للشك أن أياً من الأقطار العربية لا يستطيع أن يقــف بمفرده في وجـه المطـامع الإمبرياليـة والعـدوان الصهيوني، وفي الوقـت نفسـه فإن أهـداف الاستعمـار والصهيونيـة لا تتهدد بالخطر بلـداً أو إقليماً واحداً من الوطن العربي، وإنما هي تستهدفـه بمجموعـه وتستهـدف بالدرجة الأولى فكـرة القوميـة العربيـة التي تجسدت خــلال هــذه المرحلـة التاريخية في الجمهورية العربية وفي زعـامـة نــاصـــــر.

  إن تمزيق الرأي العام العربي وتقطيع أوصاله وإضعاف الفكرة القومية في النفوس، وبث روح اليأس من إمكان انتصارها، هي الخطوة الحاسمة التي تطمع الصهيونية ومِن ورائهـا الاستعمـار في أن تخطوها في الطريق إلى الانفــراد بالأقطار العربية الواحد تلــو الآخــر، للتحكم فيه والتوسع على حسابه، وإخضاعه لمشيئة المستعمرين.. إن الرد الوحيد على مثل هذا المخطط الرهيب هو أيقاظ الروح القومية وتعبئتها وتجاوز الخلافات والخصومات التي كانت قائمة من قبل، للوقوف في وجه الخطر المشتــرك الذي يهــدد الأمــة بمجموعهــا ويستهــدف الوطن بكافـــة طبقاتــــــه.

  صحيح أن هنالك أنظمة عربية متعارضة ومتناقضة، وأن طريق الاشتراكية هو طريق التحرير النهائي بالنسبــة للمواطن العربي مهما كانت أرضه، ومهما اختلفت داره، وصحيح أيضاً أن هناك أنظمة رجعية متخلفة تهدر قسماً من طاقات شعبنا وتبدد جزءاً ضخماً من امكانياته، ولكن ما هو أخطر من هـذا وذاك، هو هــذا الغـزو الاستعماري الصهيوني الـذي يتهــدد بالعبودية والفنـاء أقطارنا العربية بمجموعهــــا.

  إن الحزب الشيوعي في الصين أقام جبهة مع حزب “الكيومنتانغ” الرجعي العميل، على أثر الغزو الياباني وأوقف ضده حرباً كانت مُستعرة منذ عشر سنوات.. والاتحاد السوفيتي تحالف مع انكلترا وأمريكا لإيقاف الزحف النازي على أرضه، فهـل بين الحكومات العربية المتحـررة، والحكومـات العربيـة الرجعيـة، اختلافات جذريــة ومبدئيـة أكثـر مما كان بين ستالين وتشرشل مثــلاً؟… ولهذا فإننا نرى أن مؤتمرات القمة التي تدعـو إليها المتحدة هي إحدى الوسائل السياسية الضرورية لإبراز الموقف العربي على الصعيد العالمي كموقف موحد، ولتعبئة ما يمكن تعبئته من الطاقات والامكانيات العربية لزجهـا في المعركة المصيرية التي تخوضها الأمة العربية، في هذه المعركة الحاسمة من تاريخهــــا.

  يقول ماوتسي تونغ: ’’ إن الشرط الأساسي لانتصار الصين على اليابان، في مثل هذه الظروف هو مضاعفة تقدمهـا في ميدان الوحدة الوطنية والميادين الأخرى عشر مرات بل مئة مرة عما كانت عليه في الماضي‘‘.. ونحن نقول إن الشرط الرئيسي لانتصار الأمة العربية على الاستعمار والصهيونية في مثل هذه الظـروف هـو مضاعفـة تقدمها في ميدان الوحدة الوطنية على الصعيد القطري، وفي ميدان الوحدة القومية على الصعيد العربي، إننا بحاجة إلى أن نضاعف تقدمنا عشر مرات بل مئة مرة عما كان عليه الأمـر في المـاضي.

  إن قيام جبهة قومية على الصعيد العربي يعني أولاً إيقاف جميع المُهاترات والخلافات، وإلغـاء المُصطنع منهـا وتأجيل ما هـو قائـم بالفعـل لمصلحة الدفاع المشترك ضد العـدو المشترك، وثانياً الدخول في علاقات متقدمة مع الحكومات العربية وخاصة الثورية منها، وتطوير هذه العـلاقات لتحقيق المزيـد من التنسيق والتـلاحم، لخلق الجبهـة النـواة ضمن الجبهة العربية الواسعة، والاعتراف للمتحدة بزعامة عبد الناصر بحقهـا في قيـادة الجبهـة على الصعيدين السياسي والعسكري، ووضع الطاقات المادية العربية والامكانيات الاقتصادية في خدمة الهـدف العربي المشترك، ومضاعفة العـون المالي للدول العربية التي تنهض بمسؤولية الدفاع المباشر ضد هجمات العدو، وثالثاً إنجاز الوحدة مع الأقطار العربية المُهيأة لــذلك وبصورة خاصة بين سورية والمتحدة والعراق دون قيــدٍ أو شـرط.

    إن السياسة العربية يجب أن تسيـر في هــذه الخطـوط الثـلاثـة المتــوازية دون تأخـــر.

الجبهــــــــة العالميــــــــــة
==============
إن خلق جبهة على النطاق العالمي تدعم الموقف العربي وتؤيده ضد العدوان الاستعماري والغزو الصهيوني هو أحد الشروط الأساسية لانتصار النضال العـربي ضد أعـدائـــــه.

إن قضية الأمة العربية هي إحدى أهم وأضخم قضايا التحرر في العالم اليوم، ومعركتنا ضد الاستعمار والصهيونية، هي جزء من معركة الانسانية ضد أعدائها، وإن انتصارنا في هـذه المعركة القومية هو خطوة تحرير شعوب العالم الثالث من شرور الاستعمار وجرائم الإمبريالية، كما وأن إمكانية انتصارنا تتوقف إلى حدٍ كبير على جهودنا وعلى استبسالنـا، وعلى مقدراتنا الخاصة فإنها تتوقف بنفس الدرجة أيضاً على نمو وتعاظم امكانيات ونفـوذ معسكر الحـرية والسلام في العـالـــــم.

  إن قضيتنا مرتبطة إلى حدٍ كبير بانتصار النضال الجبار الذي تخوضه اليوم شعوب العالم ضد مستعبديها وعلى رأس هذه الشعوب شعب فيتنام البطل وبقية شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ومرتبطة أيضاً بمدى التقدم الذي تُحققه شعوب الدول الاشتراكية الصديقة من الصين حتى كوبا في نضالها في ميادين العلم والتكنولوجيا والتقـدم في مختلف الميادين وعلى رأس هذه الدول الاتحاد السوفيتي الذي أثبت في مختلف المواقف والظروف أنه ليس فقط الصديق الوفي الذي لا يتأخر عن إعلان مواقف التأييد لقضيتنا العادلة، وإنما هو أيضاً الصديق الأمين الذي لا يتأخر عن بذل كل ما نحتاج إليه في كفاحنا من مساعدة وعون.. إن جبهة الحرية والسلام في العالم هي الجبهة النواة التي يجب أن نرتكز عليها في تكتيل رأي عام عالمي يسند قضيتنا ويؤيدنا في كفاحنا العادل من أجل الحرية والتقدم، وضد الاستعمار والصهيونية، غير أن هذا لا يتنافى مع ضرورة بذل كل جهد سياسي ممكن، وعلى أوسع جبهة عالمية من أجل فضح جرائم الصهيونية والاستعمار في بلدنا لكسب صداقة وتأييد جميع الناس الشرفاء في العالم مهما كانت جنسيتهم وأياً كان بلدهــــم.

  نحن نؤمن بأن قضيتنا لا تُحل إلا على أرضنا، وبنضالنا الدامي والعنيد ضد أعدائنا ولكن قضيتنـا لن تَكّسبهـا المعـارك العسكريـة وحدهــا، ويجب أن نخوض معـاركنـا على جميـع المستويات وبكافـة الأسلحـة بمـا في ذلك السلاح السياسي.

  يقول ماوتسي تونغ: ’’ إن الحرب لا يمكن أن تنفصل عـن السياسة لحظـة واحدة، وإن أي اتجاه بين القوات المسلحة المناهضة لليابان نحو استصغار شأن السياسة وعـزل الحـرب عن السـياسة والتحـول إلى دُعـاة ‘‘.. الحـرب هي كل شـيء ’’ هـو اتجـاهٌ خـاطئ يجـب تصحيحـه‘‘.

أواخـــــر /1967/

                                                              الاتحاد الاشتراكي العربي

                                                                     المؤتمر العام

                                                                        الرابع

——————————————————

انتهى التقرير؛ ويُتبع بـ..

النظام الداخلي الذي أقر بالمؤتمر الرابع 1968