الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

سلسلة حرب تشرين والمستقبل العربي 1/6

الدكتور جمال الأتاسي

أولاً – المقدمة: وقفة عند وقف إطلاق النار

لقد توقف إطلاق النـار في توجيهـات القتـال، وما من مواطن عربي ارتاح لهذا التوقف قبل بلـوغ الهدف المرفـوع شعاراً لهذه المعركة، قبل دحـر العدوان وتسليـم العدو بالتراجـع عن الأرض العربيـة التي احتلها في حرب حزيران كلها، مهما غلت التضحيات ومهما امتدت الحرب وأخذت من أبعاد ….

     إلا أن الوقت لم يحن بعد لإعطـاء رأي تفصيلي في جملة الظـروف التي وقعت منذ بداية القتـال إلى القبـول بقــرار وقف إطـلاق النار في إطــلالة على المستقبل من خـلال ما كشفت عنـه منذ الحـرب وما أعطت من نتائــج وثمـرات.

     فالظـروف مازالت متحـركة واهتمـام جمــاهير الأمة العربيــة كلهــا مشدود إلى جبهـات القتــال، واستئناف المعـارك ممكن في كل لحظة، وحالة الحـرب قائمة، وحـركة السياسة معركة كبـرى وما هي إلا امتداد لحالة الحرب، وتفعل في جدواها كثيراً عزيمة المقاتلين والتصميم الوطني الصلب والمـوقف القــومي المـوحـد.. وجملة الظـروف هـذه تقتضي أن نظـل عند الموقف الذي اتخـذناه منـذ بداية القتـال، والـذي سارت فيه جمــاهير شعبنـا كلهـا من غير مطالبـة من الحكـم أو نداء، ولقـد كان شعبنا رائعاً في تماسكه وصمـوده وفي دعمه لإرادة القتـال ومواصلة الكفـــاح .

     فالانطـلاق على طريق القتال في سبيل تحريـر الأرض، ولهدف محدد هو هدف إزالة آثار العدوان في عام 1967، كان مطلباً جماهيـرياً مازال يُلـح منذ ست سنوات، ولقـد أحيطت النظـم التقدمية من قبل الجماهيـر، وبالتخصيص نظــاما مصر وسورية، بكل الشروط الإيجابية التي تدفع على هذا الطريق.. وجاء أخيراً من القيادتين السياسيتين التقـرير، وبدأت المعارك، واندفعت القوات المسلحة العربية تخترق الجولان وقنـاة السويس وكانت ثمة مفاجـأة للعدو، وكان ثمة اختراق لجدار التردد والعجز الذي وقفنا طويـلاً دونه، وتبين أن سلاحنا الجـوي وقدراتنـا جيدة وطاقـات أمتنا كبيرة، وأن هذه القدرات إذا ما أُحسن استخدامها وتوظيفها في المعركة كفيلة بان تُلحق بالعدو الهـزيمة .

     إننا لن نخوض في الحديث عن الخلفيـات السياسية العـربية والدولية التي رافقت الإعـداد للحـرب وتوقيتها ولا في الثغـرات والأخطـاء التي وقعت بها بعض القيـادات خـلال المعارك، فالمهم إن التصميم على القتال كان حازماً والتلاحم الوطني كان رائعاً، وقاتل الجندي العربي ببسالة واستشهاد، والإمداد العربي كان سريعاً ومتصاعداً والدعم السوفياتي كان مُلبيـاً وفعـالاً.. ولقد أحيطت المعركة هذه المرة بأحسن الشروط الوطنيـة والقوميـة والدوليـة بحيث لا يبقى أمامنا أي مبرر أن لا نصل بها إلى أهدافهـا المُعلنــة..

     والقتال لوحده أعطى رصيداً لمن حملوا مسؤولية اتخاذ قرار مباشرة القتال.. وتقدم الهدف.. هدف تحريـر الأرض وتأكدت وحدة إرادة الأمة في سبيل هذا الهدف، وتأكـد مبدأ عبد الناصر في أن ما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، وأن الحرب هي طـريق تحريـر الإرادة وتحريـر الأرض كما تأكدت جدوى استراتيجيـة عبد الناصر…

     وبلحظة واحدة تراجـع الشعور بالعجـز لدى جمـاهير شعبنا، منذ أن انطلقت المدافع والصواريخ وبلحظة واحدة صنع وحدته الوطنية يحمي بها ظهور المقاتلين ويؤكد صموده واستعداده لتحمل.. كبـرى التضحيـات، ولم ترهبـه الغـارات الجوية الغاشمة ولا عمليـات التدميـر.. كلمة واحدة كانت تتـردد على لسان الجميع، إننا نقاتل.. فصنع الشعب بذلك اعلامـه بنفسه ورفعوا التشكيك ورفضوا دعايات الأعداء..

     ببسالة قاتل الجنود وصف الضباط والضبـاط، وبكفاءة عالية استبسل طيارونا وحموا سماء الوطن وألهبوا العدو ناراً وبشجاعة الأفراد سُدت ثغرات كثيرة في خطط السادات…

     التلبيـة العربية كانت تعبيـراً عن درجات متصاعدة من التضامن والدعـم والعـون، ولم يتخلف بلد عربي عن التلبيـة على اختلاف الدرجات والإمكانيات، واستخدم النفط كسلاح فعـال ومؤثـر، وقومية المعركة نفسها أعطت، وكان من الممكن أن تعطي أبعـاداً أكبـر لو اتسعت الحـرب وامتدت.. فالجزائر أعطت مالهـا وسلاحهـا ودعمت وساندت وجاءت تقـاتل، والعـراق جاء يقاتل في أوقات خطيـرة من تطور المعارك.. وليبيا أعطت مشاة تقاتل وجنود المغرب قاتلوا ببسالة واستشهاد في الجولان.. وكذلك قاتل جنود من الكويت.. ومن الأردن وغيرهما، وقضية الحق العربي في تحرير الأرض برزت في مقـابل ذلك فعـاليـة الصداقـة العربيـة.. السوفياتيـة وجدواهـا في لحظــات الضيق والخطـر.. وكان انتصار أسرة الدول الاشتراكية للحق العربي انتصاراً فعـالاً وكامـلاً، في جميع المجـالات، من التعزيـز بالسلاح والطاقات القتالية، إلى الدعم الاقتصادي والدعم السياسي الكبيــر.

     فإيجابيـات هـذه الحـرب كانت عديدة، وأمِلت جمـاهير شعبنا وجمـاهير أمتنا العربية كلها أن تأخـذ أبعادهـا لتعطي ثمارهــا لا في دحر العدوان فحسب.. بل وفي تغيير الواقع العربي، واقع الشعب وواقع النظم وواقـع.. العـلاقات الوطنية والقوميـة العربيـة والعـلاقات الدوليـة أيضاً، وأن تـوَّلـد قفـزة كبرى في التغييـر على طريق التحـرر والتقـدم والـوحدة.

     لقد أمِلنا وأمِلت جمـاهيرنا وهي ترى تطـور المعارك واتساعهـا واستمرارها وتلاحُق الأحداث، أن يكون التحـام مصر وسورية مصيرياً ونهائياً، وأن تأتي مشاركة العراق القتالية ومواجهة المصير المشترك لتحل العقد المستحكمة بين نظامي الحكم في البلدين وأن يصبح هذا البعد الاستراتيجي البــارز لمشاركة العراق منطلقـاً إلى التغيير على طريق تلاحـم وحدوي وأن تسحب المعركة ليبيـا إلى الاندماج الصحيح مع مصر، وأن تنتقل الجزائـر لا بالدعم الكبير الذي قدمته والعتـاد والجنود إلى جبهة القتال، بل وأن تنتقل بفكـرهـا وسياستهـا للاندمـاج بالقضية القوميـة والمشاركة المصيريــة ….

     وكان الأمل الكبيـر أن تُغيـر هذه الحرب من خلال ما ولدتـه داخـل كل قطر عربي تقـدمي، طبيعـة العـلاقات بين النظـم والجمـاهير لتُرسي قواعد التغييـر الديمقـراطي المُقبل وتهيئ له أحسن الشروط.

     ولهـذا أمِلت جمـاهير شعبنا أن تملك هذه الحرب نفس الاستمـرار إلى أن تأخذ أبعـادهـا المـرجوة وتحقق أهدافهـا، إلا أنها حرب كانت محكومة أيضاً بعـواملهـا الذاتية والعـوامل الخارجية ومن هنا جاء قرار وقف إطلاق النار ليُجمدها ولو مؤقتـاً عند نقطة، بينمـا استمرت معـركة النفـط العـربي صاعـدة وضاغطة وكذلك استمرت جسور الامداد بالعتـاد الحـربي، وتحـركت سياسة الولايات المتحدة الأميركية للتقـدم بوساطتهـا وبالتسوية، من خلال منطق أنها حرب لا غالب فيها ولا مغلوب، وليقول ساستها إن الطـريق أصبحت ممهـدة ((للسلام)) الذي تريـد، فهـذه.. الحـرب التي لم تتـم والتي تـأكـد فيهـا التصميـم العـربي على القتـال في سبيل تحريـر الأرض، وقـدرة الجمـاهير العربيـة.. على اقتحام جدار التخلف والعجـز لمـواصلـة الكفـاح، ستكـون لهـا انعكاسـاتهـا على الواقــع الإسرائيلي وعلى الحلف.. الإمبـريالي الصهيوني المساند لإسرائيل، وهذه الانعكاسات مرهونة ولا شك بمقدار استمرار التصميم والتماسك.. العربييـن، وبمقـدار القدرة، في التصميم السياسي كما في التصميم على استئنـاف الحـرب ومواصلتهـا، على إحبـاط مخططـات الحلف الإمبريالي الصهيوني وما يحــاول أن يحـاصـر به العـرب تحت عنـوان التسويـة النهائيـة والشاملـة… لمشكلة الشـرق الأوسـط.

     إننـا نُطـل ولا شك، من خلال هذه الحـرب، على مرحلة تاريخية جديدة، والاحتمـالات كثيرة، ولا بد أمامهـا من يقظة كبيـرة لقوى التقـدم العربي والجماهير العربية إلا أن الاهتمام الأول لا بد أن ينصب الآن على الحاضر والفعل في هذا الحاضــر ومتغيراتـــه، فجـو الحـرب مازال هو السائـد .

     ونقاط الاحتكاك مع العدو كثيرة والحرب يمكن أن تستأنف في كل لحظة… والحق العربي مازال أمامه التشبث الإسرائيلي الكبيـر بالأرض أو بأجزاء من الأرض.. وإسرائيل ومن وراء إسرائيل يمكن أن يراهنوا على الجولة… السياسية والمفاوضات لزعزعة التماسك العربي وفك حالة الاستنفار الكبير التي تعيشها الأمة العربية، فالتمـاسك العربي مطـلوب اليـوم، والتمـاسك الوطني حاجة قصوى والقدرة القتـاليـة على خطـوط المواجهـة لا بد أن تظـل في الأوج، وثمـة تغييـرات مطـلوبـة في هـذا السبيـل، والمطلوب اليوم شجاعـة ووضوح من القيادات السياسية التي تحمل قبل غيرها مسؤولية العمل والتقرير والتغيير، شجـاعـة في اتخاذ المـواقف السياسية الصحيحـة وشجـاعـة في التغييـر والتقريــر.

     إن إسرائيل وحليفتهـا الكبرى الولايات المتحدة الأميركية ستحـاولان البـدء من نقطة أن الحرب، أو هـذه الحـرب، لم تحل ولن تحل شيئـاً، ولم تغيـر ولن تغير في القدرات والطاقات لتقطع الطريق على التصميم العربي وعلى التقـدم العربي ولتقطع الطريق قبل كل شيء على الصمود الوحدوي العربي، ولتُـرسخ واقـع معين، يعـزز وجود إسرائيل ويعـزز النفوذ الإمبريالي والأوضاع الرجعية في المنطقة.

     وهناك بوادرُ تراخٍ تجاه الولايات المتحدة الأميركية وتجاه ما سماه البعض ((مبادرة بناءة)) منها.

     إننـا نعيش لحظـات مصيـريـة، والأمــة لن تغفـر… إنهـا في تصميـم جمـاهيرها العـريضة، دعمت بإيجابيـة كاملة النظـم المسؤولة بكل طـاقاتهـا لتنهض إلى مستوى تقرير مصير مرحلة كاملة من مراحل النضال العربي، وهي مازالت تدعمها بكل الإيجابيـات، بل وتحاصرها بهذه الإيجابيات لتقوى وتقدر، إلا أن حكم الأمة سيكون بعد ذلك حكمـاً تاريخياً، فتاريخ هذه الأمة ومستقبلها همـا اللذان يتقــرران.

     إننا لا نسوّق هـذا الكلام لنخوض المـزاودات، بل على العكس، فنحن نؤكد اليـوم كما أكدنا من قبـل، أن معركة أمتنا الراهنة لها هدف مُحدد ومُعلن، هو تحرير الأرض التي احتلها العدو في حرب حزيران وتأكيد حق تقريـر المصير لشعب فلسطين.. والمطلوب اليـوم الوصول إلى هذا الهدف، وهو ولـو أنه هدف معترف به وتأخذ به قرارات المؤسسات الدولية، فإن أمامه تفسيرات ومنزلقـات ومنعرجـات…

     ولـن يكون التقدم الصحيـح نحوه من النظـم المسؤولة إلا من خـلال الإطـلال على المستقبل العربي ومن خـلال أهداف الجمـاهير وتطلعـات نضالهـا، في التحريـر الكلي والتقـدم والـوحـدة …..

                                                                    أوائل تشرين الثاني 1973

يتبع.. 2/6؛ من هذه السلسلة