الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حوار شامل مع الدكتور جمال الاتاسي عن الناصرية والناصريين / 9- 9 /

مجدي رياض 

        ثالثاً: القسم النظري؛ آراء وقضايا

 (4) الناصرية والمسألة التنظيمية

[إن المسألة التنظيمية لا تأخذ بهذا التبسيط المخل في هذا العالم المعقد الحديث وفي هذا الواقع العربي المليء بالعقبات والتناقضات.

وخطورة التبسيط هنا أنه يوقع بعضاً من الشباب الذي يعاني هموم أمته ضمن ما يسمى بالمراهقة التنظيمية- تماماً كالمراهقة الفكرية].

                                                                                ((كتاب نقد جدل الإنسان))

  • مثلما كان عبد الناصر زعامة تاريخية.. وصاحب اجتهاد فكري متطور ومتميز كما كان رجل دولة من الطراز الأول، مثلما استطاع أن يضع بصمات واضحة في المسألة التنظيمية سواء عبر الجهد النظري أو من خلال الممارسة والتطبيق طيلة حقبتي الخمسينيات والستينيات.

سؤالنا الأول هنا: عن موقع المسألة التنظيمية في فكر عبد الناصر، خاصة وأن الخط العام الذي ظل يسود تجاربه هو مسألة التنظيم السياسي لقوى التحالف الشعبي أو الكتلة التاريخية، فما هي رؤيتكم لهذه المسألة من الصيغ التنظيمية؟

□ الإجابة على هذا السؤال تستدعي الوقوف عند بعض المفاهيم، فهناك التنظيم السياسي للأفراد أو القوى أو الجماعات، وهناك النظام السياسي العام أو نظام الدولة ككل، وما من تنظيم سياسي يقوم ويستحق هذه التسمية إلا وهو يحمل على نحو ما صوره أو تصوراً للنظام السياسي الذي يتعامل معه أو يريده أو يتطلع للوصول إليه..

هناك تنظيم سياسي في الصيغة الأكثر تحديداً وهي صيغة الحزب: من الحزب الطلائعي والثوري إلى الأحزاب الانتخابية والبرلمانية والأحزاب التي تتصارع في الحكم وتتعاون لتحكم، وهناك التنظيم في صيغة التجمع الشعبي الذي يتسع ليشمل فئات اجتماعية جديدة، أو تقتصر على فئة واحدة أو طبقة أو طائفة أو عصبية، وهناك التنظيم في صيغة التحالفية والتعاقدية والجبهوية، ثم هناك النظام السياسي كدولة وحكم في أشكاله المختلفة وما يحدده كل نظام من مواقع وادوار للقوى والتنظيمات السياسية والأحزاب وما يعطيه لها أو يحجبه عنها من حريات… فهناك نظام الحزب الواحد… وهناك نظام الحزبين  ونظام تعدد الأحزاب، وهناك نظم لا تقوم على أي تنظيم حزبي وترفض وجود الأحزاب والتنظيمات الشعبية.. الخ..

وهناك التنظيم السياسي كمقوم من مقومات النظام السياسي أو كجزء منه وكمؤسسة من مؤسساته أو هو يأتي في قمته وقيادته أو يكون في مشاركة معه وتعاون، أو هو يأخذ دوره كمشاهد أو رقيب بشكل شعبي عليه.

ولا شك أن مسائل النظام والتنظيم كانت من السائل الأساسية التي طرحتها على نفسها وعلى الآخرين… القيادة الناصرية.. منذ مبادرتها الثورية الأولى، لقد كانت حركة عبد الناصر مخاضاً ثورياً.. ولقد شق طريقاً وخط نهجاً استراتيجياً في إنجاز مهمات الثورة القومية، وهذا النهج لم يتبلور دفعة واحدة ولا في صيغة كاملة شأنه في ذلك شأن أي مخاض ثوري ولكن أهداف الثورة ظلت دائماً واضحة أمامها، وفي مسألة التنظيم التي نحن بصددها أعطت حركة عبد الناصر مقدمات وخاضت في تجارب أجرت عليها مراجعات ولكنها لم تقطع في صيغة وقفت عندها.

  • لنتحدث عن هذه التجارب التنظيمية… ولنبدأ بأول تجربة وهي تنظيم الضباط الأحرار، وما هي القواعد الأولية التي أخذ بها عبد الناصر في بناء تصوره التنظيمي للضباط الأحرار؟.

□ الواقع أن حركة الضباط الأحرار كانت تنظيماً سياسياً من حيث دوافعه وتراميه، وكانت تنظيماً ثورياً من حيث أنها تعمل للاستيلاء بالقوة على السلطة وتغيير نظام الحكم لوضع الدولة في خدمة التحرر الوطني وخدمة أهداف الجماهير ومطالبها والتي جاءت في صيغة المبادئ الستة المعروفة.

لكنه جاء بالضرورة تنظيماً في إطار فئة اجتماعية محددة هي الجيش الذي يملك القوة الضاربة والقادرة، واستفادت الحركة من الانضباط العسكري وهرميته وإلا أن التنظيم لم يكن يملك وحدة الفكر ولا الصلة العضوية بجماهير الشعب ومن ثم لم يكن حزباً سياسياً ولم يصفه عبد الناصر بهذا الوصف نهائياً.

الطابع السري للحركة والانضباط العسكري فيها أعطياها تلاحماً، ولكن المنابت الفكرية السياسية المختلفة للأفراد في هذه الحركة جعلت الحركة أقرب إلى صيغة الجبهة التي تجمع بين تيارات متعددة وتلتقي على هدف التغيير الوطني لنظام الحكم.

جل ما وصف به عبد الناصر هذه الحركة في الميثاق وقوله أنها كانت طلائع ثورية في الجيش تلاقت وانتظمت لتفجير الثورة في ليلة 23 يوليو، وكانت مصممة على اختصار فترة وجودها كسلطة عسكرية بعد الثورة بل وإنهاء وجودها كتنظيم لحركة الضباط.

  • عندما انطلقت الحركة إلى السلطة.. واتسعت دائرة العمل السياسي من الحلقية إلى العمل الجماهيري.. ومن الفئة الواحدة إلى قوى المجتمع ككل، هنا طرحت مشكلة التنظيم السياسي وعلاقته بالمجتمع الشعبي، طرحت صيغة هيئة التحرير أولاً ثم الاتحاد القومي، وما هو المفهوم الفكري للقوى الشعبية الذي وقف وراء تصور عبد الناصر التنظيمي في هاتين الصيغتين؟.

□ كانت قضية الديمقراطية- حرية الوطن وحرية المواطن- محوراً فكرياً من محاور الثورة الناصرية، وظلت تطرح نفسها بإلحاح على عبد الناصر منذ البداية- 1952- وحتى النهاية- 1970- إن ارتباط التحرير الاجتماعي لجماهير الشعب بالتحرير السياسي لإرادة هذه الجماهير وكذلك النظام السياسي وسبل صياغة القرار السياسي ودور القوى الشعبية ذات المصلحة في اتخاذ هذا القرار كلها كانت مطروحة على عبد الناصر بإلحاح وكانت تشكل إحدى مرتكزات حركته وعلاقته بالجماهير.

الديمقراطية كانت من ضمن الأهداف الستة لكنها أتت السادسة في الترتيب وهذا أمر منطقي، فهناك مهمات كان ينبغي لها أن تأخذ الأولوية لدى الثورة.. وكمدخل صحيح للديمقراطية، فقضية الملكية وإسقاط الإقطاع والطبقة المستغلة الحاكمة وكذلك رحيل الاستعمار… وبناء جيش  وطني… الخ… كلها مهام عاجلة تفرض نفسها في المرحلة الانتقالية…

لكن الثورات في العالم الثالث تتداخل فيها المهمات وتتشابك، من هنا وجد عبد الناصر نفسه أمام مشكلة الديمقراطية منذ اللحظة الأولى وقبل إنجاز مهام المرحلة الانتقالية، ووجد نفسه محاصراً بمسألة الموقف من الأحزاب السياسية القائمة سواء التقليدية والمحافظة منها أو التي كانت تسعى للتغيير ولكن بغير الأهداف التي جاءت منها الثورة مثل الإخوان المسلمين والشيوعيين..

في البداية التقى عبد الناصر بهذه الأحزاب وطالبها بتطهير نفسها وتجديد ذاتها وفق المنظور العام والأهداف التي رفعتها الثورة، ومع الممارسة رفض كل حزب بطريقته التكيف مع التطور الوطني والجديد، وسرعان ما تم الصدام بأشكاله المختلفة.

واجه عبد الناصر رغبة هذه الأحزاب في العودة بالثورة للوراء بتجاوزها والتحامه المباشر مع الجماهير، فالتقى بالطلاب والعمال وذهب للفلاحين مخاطباً إياهم بالالتحام بالثورة وبالدفاع عنها، ومنذ ذلك الحين راحت قيادة عبد الناصر تأخذ دور الحزب في عملية التوعية وتسيس الشعب وتحريض الجماهير.

وفي عام 1953 جاء تشكيل هيئة التحرير كمحاولة لملء الفراغ السياسي بعد استبعاد الأحزاب، وقرر عبد الناصر أن هذه الهيئة ليست حزباً سياسياً بل هي هيئة لتنظيم الإرادة الشعبية وهي مفتوحة للشعب ولكل القوى الوطنية وأكد على رفضه لنظام الحزب الواحد أو العودة للنظام الرجعي وكان يقول أننا نسعى للانتقال إلى الديمقراطية تأكيداً لسيادة الشعب، ومن الطبيعي أن تأتي الديمقراطية على أساس من تعدد الأحزاب ولكن هذا ما لم يأت وظل مبدأ إقامة حياة ديمقراطية سليمة مفتوحاً على مصراعيه..

وبعد تأميم القناه ومعركة السويس وتمصير المصالح الأجنبية… الخ…، وجد عبد الناصر أن هيئة التحرير ظلت متخلفة عن أن تأخذ مبادرتها الشعبية وبحكم انفتاح عبد الناصر في هذه المرحلة على حركات التحرر الوطني في العالم والأحزاب القومية والتحررية في الوطن العربي وقبيل الوحدة أنشأ الاتحاد القومي كإطار اجتماعي وشعبي أكثر انسجاماً مع تقدم وإنجازات حركة الثورة الاجتماعية والتحررية.

صحيح أن مسألة الحزبية والتعدد الحزبي عاد ليطرح نفسه على قيادة عبد الناصر عند قيام الوحدة إلا أن الأحزاب وخاصة البعث قبلوا بحل أنفسهم.. وباستثناء الشيوعيين فإن سورية قبلت بفكرة الاتحاد القومي، وكان من الممكن تشكيل وتطوير الاتحاد بشكل حزبي وبمبادرات شعبية لولا أن الأجهزة البيروقراطية التي اتسعت وامتدت وأصبحت هي الوسيط بين قيادة الثورة وبين الشعب هي التي أعاقت هذه المحاولة وهي التي قلصت إمكانات هذا التنظيم، بصفة عامة يمكننا القول بأن مرحلة- هيئة التحرير والاتحاد القومي- يمكن أن نسميها المرحلة التجريبية لتنظيم نظام الثورة حيث أن محورها الرئيسي آنذاك كان تصفية النظام القديم.

  • ما هي الملاحظات النقدية التي يمكن أن نضعها في وصف العملية التنظيمية والمسألة الديمقراطية- صنع القرار السياسي- خلال المرحلة التجريبية؟.

□ التنظيمات الشعبية في هذه المرحلة لم تكن أحزاباً… بل كانت أقرب ما تكون إلى صيغ تحالفية بل تعاونية اجتماعية ومجموعات شعبية، وأصبحت حركة لاحتواء الشعب وتوجيهه تجاه نظام الحكم بدلاً من أن تكون توجه النظام تجاه الحركة الشعبية، بتغيير آخر لم تقم بمهمتها في صياغة الموقف والقرار السياسي، ولولا أن قيادة عبد الناصر كانت تتفاعل مع الجماهير دون وسيط لضاعت المكاسب وانحرفت المسيرة.

لم يكن عبد الناصر مع هذا الموقف وكان يكرر دوماً أن الفرد زائل وأن الثورة هي ثورة شعب وقضية أمة، ويبدو أن تصادم عبد الناصر مع الأحزاب المصرية التي أرادت أن تقف بينه وبين الشعب وبينه وبين التقدم قد تسبب في هذه المواقف الحادة تجاه الحزبية، بل واتخذت تجاه مقولة ((من تحزب خان)) نوعاً من القدسية، واستمرت الجماهير خلال تلك المرحلة بلا طليعة تتقدمها وبل إطار حقيقي يُعبأها ويقودها..، الثورة في هذه المرحلة كانت تؤكد على ما ترفضه- من الحزبية- حتى تجد السبيل إلى ما تريد، وما تريده لم يكن واضحاً كل الوضوح.

  • التقسيم بين المرحلة التجريبية- هيئة التحرير والاتحاد القومي- وبين المرحلة العقائدية الناضجة- الاتحاد الاشتراكي وحزبه الطليعي- يكمن وراءه العديد من العوامل والمرتكزات فهل يمكننا الوقوف عليها؟.

□ مرحلة الميثاق التي أسماها عبد الناصر بمرحلة الثورة الاجتماعية، كانت الفوارق- العوامل- مع المرحلة السابقة عديدة: فلقد تم تجريد الرجعية من أسلحتها الاقتصادية ومواقعها في السلطة وأصبح أمام قيادة الثورة وقيادة التنظيم دليل عمل ومنهاج- الميثاق- يحقق الوحدة الفكرية والاتجاهات الاستراتيجية، وتبلور وتحدد مفهوم الشعب اجتماعياً.. وأصبحت قوى التحالف- عمال وفلاحين ومثقفين وجنود ورأسمالية وطنية- هي التي تشكل الوحدة الوطنية للمجتمع، بالإضافة إلى تأكيد سلطة الشعب وسيادته من خلال المنظمات الشعبية والمجالس الشعبية التي تعلو سلطة الأجهزة التنفيذية.

في هذا الإطار ووفق هذه المرتكزات.. تشكل التنظيم السياسي الجديد- الاتحاد الاشتراكي العربي- مختلفاً ومتجاوزاً للصيغ السابقة، وفي قلب هذا التنظيم طرح ما يسمى بالجهاز السياسي أو التنظيم الطليعي الذي يجند العناصر الصالحة في القيادات الشعبية وينظم جهودها ويبلور أدوارها الثورية في تحسس احتياجات الجماهير وإيجاد الحلول لهذه الاحتياجات، ولم يكن التنظيم الطليعي هنا بمفهوم الحزب الواحد أو الحزب القائد.. فلم يكن المقصود منه أن يبقى حاكماً أو قائداً للدولة، بل يأتي تأثيره في حركة النظام من خلال الرقابة عليه وتعبئة الجماهير وتحريضها على اليقظة والرقابة والمحاسبة..

قام الاتحاد الاشتراكي بالفعل وتأخر قيام التنظيم الطليعي قليلاً، فقد ترك في البداية لمبادرة تأتي من الطلائع الاشتراكية والتقدمية داخل الاتحاد الاشتراكي، وعندما لم تتم هذه المبادرة فقد كلفت عناصر مختارة من القياديين بالاتحاد ومن المثقفين ومن دوائر الحكم فقامت بتشكيل مجموعات صغيرة وخلايا ترتبط بعضها ببعض في صيغة شبه سرية من أجل أن لا تتسرب إليها العناصر الانتهازية.

  • قلتم منذ قليل أن المرحلة التجريبية لم تشهد عملاً حزبياً بل تعاونيات شعبية سياسية، ورأيتم إيجابيات مرحلة الاتحاد الاشتراكي كتعبير عن نضوج التجربة الناصرية وتطور فكرها التنظيمي خاصة بعد الميثاق ونضيف هنا أيضاً المراجعة والتطوير الذي تم بعد 1967م، وبالرغم من كل ذلك انهارت الثورة وانحرف المسار أمام أول حركة ردة بعد موت عبد الناصر- القائد التنظيمي- بعام واحد فقط! بماذا تفسرون هذا الأمر؟ أو بتعبيركم الأثير لماذا لم يقم التنظيم بتكملة المشوار؟.

□ إن الطلائع الناصرية في مصر والتي سارت وراء نعش عبد الناصر أمام الملايين من الجماهير بنداء واحد (ح نكمل المشوار) لم تستطع مواصلة مشوار عبد الناصر ولا تكملته، بل انقطعت هي أيضاً وتشتت بغياب عبد الناصر، ذلك لأنها لم تمسك بالكتلة التاريخية الشعبية التي كان يحركها عبد الناصر ويسيسها، ولم تكن تعلم من قبل كيف تأخذ مبادرتها السياسية والتنظيمية للنهوض بهذه الكتلة.

لم تستطع من قبل أن تجعل تنظيمها الطليعي حزباً ثورياً ناصرياً مهيمناً داخل التحالف أو الاتحاد، ولم تستطع أن تجعل من هذا الاتحاد أو التحالف جبهة سياسية متحدة وملتزمة بتعاقدها الوطني على أساس الميثاق لتكون فاعلة ومؤثرة في مسار نظام الحكم ومؤسساته وتوجيهاته…

وهكذا لم تستطع تلك الطلائع وهذه القيادات أن تشغل الموقع القيادي الذي كان يحتله عبد الناصر بالنسبة لحركة الجماهير وتوجيه حركة الأحزاب، ولا ان تمسك بالمبادرات المطلوبة حين كانت تجدر المبادرة ولا أن تواصل نهج عبد الناصر..، ذلك لأنها كانت تعول في كل شيء على عبد الناصر وما قدم لها وما يقوم به، وذهب عبد الناصر وقعدت وكأنها تنتظر (ناصر جديد)، وهكذا طرحت المبادرة لغيرها وجاءت الردة الساداتية لتحتل مواقعها في السلطة والنظام وبقيت مكشوفة بلا دعم أو حماية، فتحركت قوى الثورة المضادة من كل حدب وصوب فانقضت على الناصرية وتراث عبد الناصر ونهجه، وبمساندة من الإمبريالية العالمية وقفت دون أي وجود للتيار الناصري داخل الاتحاد الاشتراكي- كمنبر سياسي- أو خارجه- كحزب.

  • لننتقل إلى تجربتكم في سورية.. تجربة حزب قام بمعزل عن إرادة السلطة البيروقراطية، وبمنأى عن إغراءات الدولة للعناصر الانتهازية، منذ اللحظة الأولى- وكما ذكرتم في الشق التاريخي- كان هناك اتجاه الرفض لفكرة الحزب باعتبارها خروجاً على فكرة التنظيم السياسي كما أتت في الناصرية وحتى هذه اللحظة ما زال البعض- خارج سورية- يرى أن فكرة الحزب تقع خارج الفكر الناصري.

بعد هذه المرحلة الطويلة من المعاناة ومن الجدل ما هو قولكم تجاه هذه الآراء في الماضي أو في الحاضر- الرافضة لفكرة الحزب؟! وما هي آراؤكم في ضرورة الحزب؟!.

□ نحن عندما قرأنا في الميثاق مقولة عبد الناصر عن قيام ثورة 23 يوليو بأن ((هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثوري بدون تنظيم سياسي ثوري يواجه مشاكل المعركة وكذلك فإن هذا الزحف الثوري بدأ من غير نظرية كاملة للتغيير الثوري)) لم نطلق من هذه المقولة كدليل على إمكانية الاستغناء عن التنظيم السياسي أو النظرية، بل أدركنا أنهما يبقيان حاجة ومطلباً لضمان استمرارية الثورة، كما وجدنا أنهما ضرورة لا بديل عنها لكي تمارس القوى الناصرية والوحدوية عملها السياسي في سورية وفي غيرها من الأقطار العربية، ولتقوى على مواجهة مشاكل معركتها الوطنية والقومية، لكي تتصدى للقوى السياسية والأحزاب والنظم الإقليمية ولتشق طريقها ألى الثورة والوحدة…، وما أظن أننا في هذا التصميم قد خرجنا في شيء عن منظورات عبد الناصر الأساسية لهذه الأمور بل كانت هذه توصياته الدائمة لنا بهذا المنحى..، وعلى أساس من هذه القناعة وتلك التوصيات قامت تجربتنا في سورية- حزب الاتحاد الاشتراكي العربي-،

إن غياب التنظيم الثوري الناصري- أي الحزب- وعدم تأكيده في الساحة الشعبية العربية كطليعة مهيمنة ثقافياً وسياسياً وتنظيمياً لتواصل على رأس الحركة الجماهيرية مسار الثورة والنضال يبرز أمامنا كسبب رئيسي من أسباب ذلك الانقطاع الذي طرأ في مسار تلك الثورة بعد غياب عبد الناصر فلكي تستمر الثورة ويستمر نهج عبد الناصر كان ينبغي أن يقوم بهذه المهام حزب ثوري، ولا يقف عند حدود مصر بل يقوم في كل مواقع النضال العربي بعد غياب عبد الناصر، وكان من الأجدى أن يقوم هذا الحزب في وجود عبد الناصر وحضوره وهذا ما لم يحدث.

لقد كنا أول تنظيم ناصري في الوطن العربي يعطي لنفسه صيغة الحزب السياسي ويأخذ تسميته ويعلن عن ذلك، وأخذنا مبادرتنا الذاتية في العمل الوطني بكل مسؤولياتها ولكن قيادة عبد الناصر ظلت دائماً أمامنا والتزامنا بنهجه الاستراتيجي في قيادة الأمة وقيادة معاركها..، والتزامنا بالميثاق الوطني في إطار قوانينه الجدلية كدليل عمل لنا وأخذنا بمبدأ تحالف قوى الشعب العامل كمرتكز لبنيتنا الاجتماعية وقاعدتنا الشعبية.

لقد وجدنا أنفسنا بعد الانفصال قوى شعبية عريضة ولكنها غير منظمة، وتمتد عناصرها داخل الجيش لكنها غير قادرة على ضرب الانفصال بسبب عدم تنظيمها، وحتى في سقوط الانفصال فإن مجموعات صغيرة- البعث- استطاعت بالمناورات والتنظيم أن تستولي على انجاز ضرب الانفصال وأن تنفرد بالسلطة وعبر مرحلة طويلة كانت القوى الأخرى منظمة في الساحة الوطنية بينما هذه القوى لا تمثل إلا قلة وليس لها هذا الزخم الشعبي الذي للتيار الناصري الوحدوي.

من هنا كانت الضرورة تحتم علينا المواجهة بالتنظيم وبالعمل الحزبي، وكما قلت في السرد التاريخي فقد خاطبنا عبد الناصر ووقف معنا ضد الاتجاه الرافض منا للعمل الحزبي، وفي مواجهة الأفكار والآراء التي ترى الحزبية خروجاً عن الناصرية فقد أجبت بشكل عام في الجزء الخاص بالديمقراطية،

إن الجيل الناصري الجديد في مصر بات عليه أن يدرك ما فات وأن يجعل مسألة قيام حزب ناصري في مصر قضية وطنية وقومية يقف عندما  ويصر عليها كمنطلق مبدئي ومنطلق ثوري في مواجهة مشاكل المعركة الوطنية القائمة بين قوى التحرر والتقدم وبين قوى الثورة المضادة والردة، وهذا الموقف في حد ذاته يعطينا الجواب حول ما تبلور عليه فعلياً المفهوم الناصري للتنظيم السياسي في صيغة الحزب.

  • السؤال كان محاولة للاقتراب من مفهوم الحزب وهذا هو اختلافه عن أسئلة التعددية في المسألة الديمقراطية وبصيغة محددة: لدينا مفهوم الحزب في الناصرية… وهناك مفهوم الحزب في الماركسية وكذلك في الليبرالية، وما هي الحدود والفوارق بين المفاهيم الثلاثة للمقولة الواحدة- الحزب-؟.

□ لعل أحاديثنا السابقة قد ساعدت على بلورة التمايز بين المفهوم الناصري والمفاهيم الماركسية والليبرالية في الديمقراطية والنظام السياسي والتنظيم، ولكننا سوف نحاول التركيز هنا وكما هو واضح من السؤال حول مسألة الحزب.

لقد حددت الناصرية مفهومها في البداية سلباً- وهي تستكشف السبيل إلى ما تريد- فقد رفضت حزب الطبقة وحزب الطائفة وأحزاب الإرهاب والعصبية، كما أنها رفضت النظريات الجاهزة والإيديولوجيات المستوردة التي لا تستوحي من التجربة الوطنية، ورفضت الأحزاب التي تمتد بارتباطاتها إلى خارج حدود الأمة والوطن، أو أن يكون ولاؤها خارج ولاء الأمة ومصالح شعبها..، ورفضت مذهبة الدولة ورفضت ديكتاتورية الطبقة- بورجوازية كانت أو بروليتارية- وبالنسبة للماركسية فإن اللينينية هي التي أكملت الماركسية بمفهومها للحزب الثوري كطليعة منظمة تقود الطبقة العاملة والجماهير ويقوم بها ثوريون محترفون، تجمعهم الوحدة الفكرية والوحدة الحركية، هذا المفهوم أصبح مدرسة يستعان بها للاستفادة من دروسها ولكن لا بد وأن نتعلم أيضاً المزالق التي ينزلق فيها هذا المفهوم سواء في إذكاء العصبية والتعصب والسيطرة والتسلط، فالحزب اللينييني بعد لينين انتهى إلى أن يكون بديلاً للشعب بل ولطبقته العاملة، وإذا استفدنا من عملية بناء الحزب وإرادة حركة النضال والثورة، ففي المقابل ينبغي أن ننتبه إلى قاعدة المركزية الديمقراطية، هكذا حدث منذ ستالين وهكذا امتد إلى الأحزاب الشيوعية في العالم، وقد تحولت القيادة الجماعية إلى ديكتاتورية الفرد أو الفئة الصغيرة العليا، وتقدس الحزب ثم الفئة ثم الفرد.. وكأنهم معصومون من الخطأ.

إن هذه التحولات في تكوين ودور الحزب لا بد وأن تنعكس على طبيعة النظام السياسي والعلاقات السياسية مع المجتمع الشعبي ككل، ومن هذه الأمور أيضاً رفض مبدأ التعددية السياسية داخل المجتمع.

وللتمييز بين المفهوم الناصري للحزب أو التنظيم وبين المفهوم الماركسي نقول أن المنظور الناصري لا يقبل الحزب الطبقي- لطبقة واحدة- ولا يقبل بالحزب القائد والواحد، ولن يدفع بالمجتمع إلى التحول لطبقة واحدة، ويقدم الديمقراطية على المركزية والحوار والعمل الجماعي بين المراتب التنظيمية على القيادة الجماعية، ويقبل بالتعددية في المجتمع وعدم امتلاك حزب أو فئة أو طبقة للحقيقة كاملة ومن ثم لعصمة أو قدسية..

أما عن الحزب الليبرالي فإن هذا الحزب يمثل أصحاب المصالح العليا في المجتمع بمفهومها- البرجوازية- وهو صيغة إجرائية ترتبط في الغالب بالصيغة البرلمانية للحكم ومواسم الانتخابات، وهذا الحزب الليبرالي أو الحزب الانتخابي قد يأخذ أشكالاً متعددة لكن جوهره يبقى في تكوينه الأساسي كمجموعة من أصحاب المصالح ووجهاء القوم ومن يتبعهم من الفنيين والمدراء، تسعى لكسب تأييد شعبي بوسيلة ما ويهدف الوصول إلى الحكم، وهو لا يحتاج لصيغة تنظيمية ثابتة بل تتغير وفق مواسم وحاجات الانتخابات، وقد يختفي هذا الحزب ولا يقوم بأي دور في الظروف الطارئة كالانقلابات العسكرية أو أثناء الحكم الديكتاتوري والفاشيستي ويغيب عن الساحة السياسية بسهولة.

وللتمييز بين الحزب في الفكر الناصري وبين الحزب الليبرالي نرى أنه من نسيج اجتماعي وعقائدي وتنظيمي مختلف، تتقدمه طليعة مناضلة يستهدف التغيير الثوري وهذا لا يتأتى في ظرف عارض أو مناسبة عابرة كالانتخابات بل من خلال تاريخ طويل من النضال وسط الجماهير وفي مواجهة كل عناصر التخلف والاستبداد، ويقبل بالعمل في كل الظروف بل وحتى في المراحل الاستثنائية- كالانقلابات- لأن استمراريته كتنظيم وحركة نضال جزء من تاريخيته وجزء من فهمه لدور الحزب بل هي معيار وجوده ذاته… والناصرية لم تضع الطليعة فوق أو بديلاً عن التحالف الشعبي في السيطرة والحكم بل جعلتها جزءاً من هذا التحالف.

نقطة أخيرة أود الإشارة إليها وهي أن تعرضنا لنقاط التلاقي والافتراق مع المفاهيم الأخرى المغايرة لا يعني الاختلاف في كل شيء والافتراق في كل شيء، ذلك لأن الكل يستمد أفكاره وحركته من التجارب الإنسانية والخبرات المكتسبة من النضال السياسي، ومن ثم فإن إمكانية التفاعل وفق ظروف العمل السياسي وإرادة بل ووفق القبول بالتعددية السياسية ممكنة.

  • في الحديث عن التفاعل بين القوى السياسية لا بد وأن نتعرض لفكرة الجبهة وعندما نتصفح كتابك ((إطلاله على التجربة الثورية)) نجد قولك ((مبدأ التنوع وتعدد التيارات في إطار نوع من التلاحم الجبهوي الاستراتيجي يبقى إلى الآن كمبدأ الأكثر ملائمة)).

وبالرغم من أن الجبهة في العرف العام مرحلية، إلا أننا نجدها في كتاباتك العديدة ومواقفك عبر مراحل تاريخية مختلفة- الستينيات والسبعينيات والثمانينيات- قد تحولت إلى قانون استراتيجي.

ما هي المبررات التي تقف خلف هذه القناعة؟! وهل ما زالت تلك القناعة قائمة رغم فشل التجارب التي مررتم بها؟.

□ الجبهة ضرورة استراتيجية لأن دولة الاستبداد في صيغ الهيمنة المطلقة التي أخذتها لا تقف في معارضتها إلا حركة شعبية واسعة، حركة وعي وتنظيم دؤوبة تتوجه إلى القاعدة الشعبية العريضة لجماهير الأمة وهذا لن يحدث إلا بالاتحاد مع شعبنا… ولن يتم هذا إلا بالتحالف مع القوى الأخرى التي تلتقي معنا في الموقف السياسي والهدف الوطني والقومي.. بصيغة محددة أن نجد السبيل إلى إقامة تحالف شعبي واسع في مواجهة الحلف السلطوي القائم والمسيطر.

والجبهة ضرورة استراتيجية لأننا نؤمن مع الآخرين بأن الديمقراطية غاية لنا وطريق ومن ثم فإن الوحدة بيننا أو الصيغة الحوار من أجل التلاقي والتكتل لا بد وأن تحمل في طياتها القبول بالتعدد والتنوع وننطلق من أن الحرية هي في المعرفة أولاً وأن السياسة هي تعامل مع حركة الواقع والتاريخ لا دونهما ولا فوقهما، والقول بالعقلانية في السياسة أي بتخاطب العقول وقدرة العقل الإنساني على مواجهة مشاكله وتحدي ظروفه.

لقد كان لينين يتميز بخبرة واضحة في استراتيجية العمل الثوري وتكتيكاته، وقاد الثورة للنصر ولكن في أواخر حياته 1922- طرح فكرة الجبهة الواحدة على القوى الثورية في العالم، وذلك بعد أن شعر بأن مشروعات التغيير في الغرب تتعثر وطريقها طويل، ومن ثم طالب هذه القوى بترجمة الشعار للغتها الوطنية، ولم تمنحه الحياة فرصة تطوير وتفصيل هذا المبدأ…

نحن بدورنا نطرح فكرة الجبهة الواحدة، ولا نقصد بها الجبهة الشكل كما يدعو لها البعض وتتحول لأشكال تهزم قبل أن تعمل.. الجبهة التي نريدها تنهض من خلالها كل قوة وكل فئة وتدخل في توجهات كل وطني ديمقراطي..

صحيح أننا خضنا تجارب وشابها الفشل لكن الممارسة أضافت لنا العديد من المفاهيم والأساليب، وجعلتنا أكثر تمسكاً بضرورة الفكرة، الفكرة قد تتخذ أشكالاً عديدة وبصفة عامة فإن الأشكال التي جسدتها لم تكن على المستوى المطلوب ولم ترق إلى المضمون الذي نراه، ولكن هذا لا يجعلنا نلقي بالفكرة وراء ظهرنا بل نسعى للبحث عن الصيغ والأشكال الجديدة والمبتكرة.

  • إنكم ترون أن العمل القومي ينبغي له أن يتم في إطار عمل جبهوي، ودائماً تصرون على أن العمل الجبهوي في أي أقليم هو مقدمة ضرورية للإنجاز الجبهوي القومي.

هل يمكن أن يتم هذا العمل الجبهوي قبل أو بدون أن يتبلور التيار الناصري ويتوحد قومياً؟.

□ إن الوحدة والتلاقي والتعاون بل والاندماج أيضاً مطلوب بين التيار الواحد، وليس بنفس القوة التي تدفع للتعاون الجبهوي مع القوى المغايرة، وإنما بأكثر من ذلك.. وبأي منطق ديمقراطي أو نضالي أخذنا، ومن أي منطلق وطني أو قومي انطلقنا نجد أن هذا الأمر في مصلحة العمل الجبهوي القطري والقومي ويعطيه مزيداً من القوة والفاعلية، فبمقدار ما يقوى تيار من التيارات فكراً وتنظيماً وتماسكاً ونضالاً اتسعت قاعدته الشعبية بمقدار ما يسند العمل الجبهوي الديمقراطي ويعطيه ركائز أصلب وأقوى.

ولكن لكي لا نظل في حدود التصورات النظرية والتمنيات ونغفل واقع التشتت ونوقع الناس في مزيد من التشرذم وضياع الهدف، لا بد أن نسأل أنفسنا ما هي معالم هذا التيار ومنظوراته؟ ومن أي المواقع السياسية والاجتماعية نأخذ به؟ ومن خلال أي برنامج موحد وإلى أي هدف نسير معه؟

وعلى سبيل المثال: كيف يمكن أن نصنع تحالفاً أو تعاوناً أو جبهة بين من هم في مواقع السلطة وبين من هم في صف المعارضة وفي موقع العمل من أجل التغيير؟ كيف تجمع بين من يقولون بالاشتراكية وبين من يرفضونها جملة وتفصيلاً؟ ثم كيف نوفق في تنظيم تيار قومي متكامل بين من يقولون بالحزب السياسي كأداة جماعية مندمجة لا بد منها وبين من يقولون باللا حزب ويريدون مجرد التجمع والتجميع كيفما اتفق ولكل الشلل والمجموعات التي تقول أو تسمى بمسميات ناصرية رغم تعارضها وتناقضها؟.

إن هذا يوقع في اللا جدوى.. حيث لا ناصرية ولا وحدة… والحل هو تحديد قاطع عن مقومات هذا التيار وأهدافه ومواقع فعله وتأثيره، ولا يمكن أن يبنى إلا في مواقع المعارضة ضد النظم الإقليمية والتسلط والاستغلال وفي صف الشعب ضد من يسلبونه حريته وإرادته ومع الديمقراطية الوطنية والاندماج القومي ضد كل أشكال الهيمنة الفئوية والعصبية والطائفية والعشائرية..

ثم ولكي يكون تياراً قومياً وثورياً وناصرياً لا بد وأن يصوغ ناصريته في نهج تاريخي ومستقبلي، فلا بد يظل يتسكع عند عتبات الماضي…، فنحن نفهم الناصرية في تصور مستقبلي لحلف اجتماعي وسياسي جديد لقوى الشعب العاملة أي لتيار شعبي ينهض من جديد  ويتقدم صفوفه طليعة ثورية جماعية، تيار يوحد قوى الأمة ولا يبعثرها.. يخدم قضية الحرية ولا يحيد عنها، يؤمن بتعدد وجهات النظر في التحري عن الحقيقة فيأخذ بمبدأ الحوار بين التيارات المختلفة ومبدأ تعدد الآراء حتى داخل التيار الواحد.

مرة أخرى ينبغي لنا من عمليات فرز كثيرة لنعرف كيف نحدد من جديد معالم هذا التيار وقواه وكيف نصوغ وحدته من جديد كتيار ثوري قومي ديموقراطي..

  • الإبداع وعدم التسكع على عتبات الماضي جزء من عملية الفرز بين التيار الناصري كما ترون، هل هذا الإبداع- الاجتهاد- مطلوب في المسألة التنظيمية أيضاً؟.

□ بالطبع لأنه ليس لدينا كناصريين دائرة معارف ولا أرشيف نسحب من ملفاته معطيات وقواعد مسجلة لهذه الموضوعات المطروحة كمسألة الحزب أو مفهوم التنظيم السياسي، وقد أعطت حركة عبد الناصر في هذا المجال مقدمات وخاضت في تجارب أجرت عليها مراجعات ولكنها لم تقطع في صيغة وقفت عندها..

فلا بد من الاعتراف بأن الناصرية ليست منهلاً سهلاً لمن يطلبه بإيجابيات جاهزة وقطعية على المسائل الفكرية والسياسية والتنظيمية المطروحة على العمل الوطني والقومي، بل هي في الأصل لم تقدم لنا في الماضي نظرية متكاملة للعمل الثوري العربي، وإن كانت تعطينا من خلال تجربتها الغنية وممارساتها كل المقدمات والمنجزات اللازمة لصياغة هذه النظرية، ولكن مهمة الصياغة والبلورة لا يؤديها في النهاية إلا جهد جماعي تقوم به طليعة ثورية أو حزب ثوري يتصدى للإجابة عن المسائل الراهنة ومن خلال التفاعل مع معطيات الواقع وحركة الجماهير مثلما كانت تتفاعل قيادة عبد الناصر، هذا الحزب لم يعد بالنسبة للطلائع الناصرية مجرد ضرورة تقتضيها ظروف المعركة الوطنية والقومية فالمعركة الآن هي معركة وجود الأمة ذاتها ونهوضها بمواجهة كل أعدائها، ولكن هذا الحزب حتى يقوم ينبغي أن يكون هناك اهتمام بالاجتهاد في مفهوم التنظيم ومرتكزاته الاجتماعية والشعبية والفكر الموحد والنهج الاستراتيجي الهادف، بل وتحديد مضامين المفهوم الناصري للنظام والتنظيم السياسي من خلال الاسترشاد بمعطيات التجربة ومراجعة سلبياتها وقصورها- قبل إيجابياتها- في هذا المجال.

وهكذا نجد أن الاجتهاد ضرورة.. وأن العلاقات جدلية فالتنظير الكامل اجتهاد يقوم به الحزب الناصري… ولكن الحزب لا يقوم كما يتمناه الناصريون بدون اجتهاد ورؤى جديدة للمسألة التنظيمية.

****         ****          ****
فهرس الكتاب:

– المقدمة

– الهوامش

– القسم التاريخي

1- الجيل

2- الرجل من الوحدة الى الانفصال

3- التيار من الانفصال الى الرحيل

4- اللقاء

– القسم النظري

1- الناصرية بين الاتباعية والابداعية

2- الناصرية والديمقراطية والثورة الثقافية

3- الناصرية والاسلام والعلمانية والنهضة

4- الناصرية والمسألة التنظيمية

****************

 انتهى..