الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

دوافع ومحركات ثورة 23 يوليو التي أبدعت نتائجها

د. قسطنطين زريق *

 [ كلمة ألقيت في ذكرى أربعين جمال عبد الناصر، الأحد 8/11/1970، في قصر الأونيسكو، بيروت، ونشـرت في مجلـة الآداب، السنة 19العدد / 1 / (كانـون الثـاني / ينايــر 1971) ص 3 – 5 ]
(1)

قوى ثلاث، أصيلة مبدعة، هي التي تبني الحياة وتصنع التاريخ: قوة الايمان الملتهب المفجّر، وقوة العمل الجاهد المعمّر، وقوة العقل المنظم المدبّر. وبقدر ما توفر الشعوب لأنفسها من هذه القوى، يكون تحقيقها لحريتها وسيادتها، ولكرامتها وعزتها . فإذا ما وقفنا اليوم، بل أي يوم، نتأمل سيرة الرئيس العظيم جمال عبد الناصر وتراثه، ونستمد العبر من رسالته وجهاده، وجب ان نضع نصب أعيننا ما دعا إليه وما قام به لإمداد شعب مصر والشعوب العربية جمعاء بهذه القدرات الفاعلة، وبالتالي لتأهيلها للكفاح المجدي من أجل بقائها وتقدمها وإبداعها.

لقد فجر عبد الناصر في الشعوب العربية طاقات هائلة، مصدرها إيمانه العميق الدافق بحقوق هذه الشعوب، وبقدرتها الذاتية على النهوض بأعبائها وصنع قدرها . ومبعث هذا الإيمان أصالة الزعيم الشعبية الراسخة: فقد نبت في قرية من قرى الصعيد، من أعماق أرض مصر وجذور ماضيها المديد، ومن صلب شعبها المحروم وجماهيرها الكادحة، ونشأ يشارك أبناء قومه همومهم ومآسيهم، ويستمد من هذه المآسي إيماناً بهم وتحرقاً لتحطيم قيودهم .

وأخذ هذا الإيمان يُلهب قلبه وفكره وضميره، ويتصاعد بالاختبارات المريرة التي عاناها من الفوضى والفساد في بلده مصر وفي حرب فلسطين عام 1948، إلى أن ملك عليه لبّه، وأطلقه يرود الثورة التي كانت تضطرب في نفوس الشعب، ويقود مسيرتها عبر المصاعب والمصائب إلى مكاسبها الجليلة ومنجزاتها الرائعة .

لقد كانت هذه الثورة، على تعدد جوانبها وميادينها، وعلى اختلاف مناحيها، تتجه إلى هدفين مترابطين: التحرر والبناء، التحرر من الاستغلال بشتى أنواعه وأشكاله، وبناء المجتمع الجديد على أساس الولاء العربي، والعدل الاجتماعي، والانطلاق التقدمي مجاراةً للعصر وصنعاً للمستقبل .

ومن هنا كان الجهاد الثوري الذي قاده لتحرير مصر من قيود الاستعمار والتحكم الخارجي، ولجعل سيادتها في يدها، وسلطها ملك أبنائها. ومن هنا كانت رؤياه الصادقة الباهرة أن تحرر مصر لا يتم إلا بتحرر البلاد العربية كافة، لأن مصر جزء من الوطن العربي الكبير، وعضو من أعضاء الجسم العربي الواحد المتكامل . ومن هنا كذلك كان كفاحه من اجل فلسطين، بل وضعه هذا الكفاح في صميم المعركة التحررية الشاملة، لأن قوى الاستعمار ومطامعه تتجمع وتتضافر في هذه البقعة المركزية من الوجود العربي، ولأن قضية فلسطين تُمثل هذا الاستعمار بأفظع أشكاله وأرهب آثاره .

هذا من حيث التحرر من الاستغلال الخارجي . أما من حيث التحرر الداخلي، فقد كانت ثورة عبد الناصر ثورة على استغلال القوي للضعيف، والغني للفقير، والمنعَم المسرف للمحروم الكادح، وكان جهاده جهاداً من أجل بناء مجتمع قائم على قاعدة شعبية راسخة سليمة، وعلى تنظيم اشتراكي يكفل الكفاية والعدل والمساواة، ويفسح المجال لتقدم متسع متسارع . وهكذا تكون معركة التحرر متصلة بمعركة البناء أوثق اتصال، بل إنهما وجهان لمعركة واحدة، إذ لا تحرر من أي استعمار أو استغلال دون بناء، ولا بناءً صحيحاً أو صامداً إلا بيد شعب متحرر.

إن المقام لا يتسع لتبيان أهداف الثورة الرائعة التي قادها جمال عبد الناصر وتفصيل منجزاتها، سواء في المجال المصري، أو في المجال العربي، أو في المجال العالمي . ولذا قصرت النظر في كلمتي هذه على محرّكاتها ودوافعها التي أسبغت عليها معانيها، وأبدعت نتائجها. إن المحرك الأول كان قدرة عبد الناصر على إيقاظ الجماهير من كبوتها، وإطلاقها في مسيراتها، وإحياء قواها، واستنهاضها لبذل جهدها ونَفسِها في المعارك المختلفة التي تخوضها. ولما كانت هذه القدرة غير ممكنة الوجود والفعل لولا التجاوب الحي بينه وبين الجماهير، ولما توّلد هذا التجاوب لو لم يكن عبد الناصر ملتحماً بها مجسداً في دعواته وفي أعماله الهموم التي كانت تقلقها، والآلام التي كانت تبرحها، والآمال والمطامح التي كانت تجيش في كيانها. إن مصدر هذا الالتحام والتجاوب إيمان مزدوج: إيمان عبد الناصر بالشعب، وايمان الشعب بعبد الناصر . لقد أكد عبد الناصر وشدّد ” أن الشعب هو المعلم العظيم، المعلم الخالد “. ومن الكثير الكثير الذي ردده بهذا المعنى، ما قاله عن منطلق الثورة التي قادها على الحكم في مصر: ” إن أعظم ما في ثورة 23 يوليو 1952 أن القوات التي خرجت من الجيش لتنفيذها، لم تكن هي صانعة للثورة، وإنما كانت أداة شعبية لها “.

إن هذا النوع من الإيمان المُفجر للطاقات البشرية كان خلال التاريخ وما يزال قوة هائلة في انتشار الرسالات والدعوات والعقائد، وفي انبعاث الآمال والمطامح في صدور الشعوب، وفي تحرك الشعوب لتحقيقها .

(2)

على أن هذه القدرة التي بلغ منها عبد الناصر شأواً لم يبلغه غيره في تاريخ العرب الحديث، وقلَّ من بلغه في مدى التاريخ العربي أو التاريخ العالمي، قد رفدها عنده وعي عميق للقدرتين الأخريين الأصيلتين المبدعتين: قدرة العمل الدائب المنتج، وقدرة العلم المنظم المطوّر . فبالعمل الصامت الصابر، الجلِد المتفاني، تُحوّل الصحارى إلى حقول خضراء، وتشاد المعامل والمصانع، وتبنى منظمات الحكم ومؤسسات المجتمع ومنشآت الحضارة، وتترجم الرؤى والأحلام إلى حقائق حية ووقائع تغدو هي ذاتها مصادر فعلٍ وإبداع . لقد جاء في الميثاق الوطني الذي قدمه الرئيس إلى المؤتمر الوطني للقوى الشعبية يوم 21 مايو 1962: ” إن العمل الإنساني الخلاق هو الوسيلة الوحيدة أمام المجتمع لكي يحقق أهدافه . العمل شرف، والعمل حق، والعمل واجب، والعمل حياة . إن العمل الإنساني هو المفتاح الوحيد للتقدم ” . ومن الشواهد العديدة على تقديره لهذه الحقيقة ودعوته المستمرة لإدراكها وتطبيقها، قوله من خطاب له في عيد النصر بالإسماعيلية في 24 ديسمبر 1964: ” فإذا أردنا أن نتعرض للاستعمار وإذا أردنا أن نتعرض للصهيونية، ليس لنا من سبيل إلا أن نعتمد على أنفسنا وأن نعمل عمل متواصل، ونعمل عمل مستمر . نعمل في ميادين الصناعة اللي تأخرنا عنها، نعمل في ميادين الصواريخ، نعمل في الميادين الذرية، نعمل في الميادين الزراعية، نعمل في كل ميدان: بهذا نستطع ان نبني قوتنا الأصيلة، قوتنا الحقيقية، بهذا نستطيع ان نبني بلدنا، بهذا نستطع أن نتكلم ومعنا قوة”

ولكن ما لنا وللأقوال والدعوات؟ ألم تكن حياة المجاهد العظيم ذاتها مصداقاً لرؤياه النافذة هذه ومثالاً مجسداً للعمل الحثيث ليل نهار، للعمل الذي لا يهدأ ولا يكل، للعمل الذي لا يوهنه مرض أو ألم، للعمل المُرهق في سبيل الواجب، للعمل الذي بذلت به الحياة دفاعاً عن حق المناضلين في الحياة؟ فلا عجب أن يستمد منه صحبه هذه الرسالة الناطقة الحية، فيهبوا بعد استشهاده للتقرير الحاسم وللعمل الثابت، ويدعوا، بلسان اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي، إلى تحويل طاقة الحزن على العظيم الراحل: ” إلى طاقة إيجابية للعمل، طاقة تفكر في عمق وهدوء، وتقرر في حسم ووضوح، وتتحرك في قوة وإيمان، وتنفذ في إصرار وإتقان، وتدافع في صمود وتفان ” .

والعمل الجاهد الدائب- العمل الذي هو شرف، وحق، وواجب، وحياة- هو مبعث الإنتاج وبالتالي مصدر الثروة والقدرة القومية . لقد ملأت أذهان الناس مفاهيم توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية عند عبد الناصر حتى طغت على مفاهيمه وأعماله في سبيل إمداد الثروة الوطنية وإغناء القدرة القومية: بالتزريع والتصنيع والتعمير، وباستغلال الموارد الطبيعية أوفى استغلال، وبالإنشاء والإنجاز في كل حقل ومجال . لا ننسَ انه هو الذي أقرّ، وما أصدق ما أقر!: ” إن الإنسان العربي قد استعاد حقه في صنع حياته بالثورة . إن الإنسان العربي سوف يقرر بنفسه مصير أمته على الحقول الخصبة، وفي المصانع الضخمة، ومن فوق السدود العالية، وبالطاقات الهائلة المتفجرة بالقوى المحركة . إن معركة الإنتاج هي التحدي الحقيقي الذي سوف يثبت فيه الإنسان العربي مكانه الذي يستحقه تحت الشمس . إن الإنتاج هو المقياس الحقيقي للقوة الذاتية العربية، تعويضاً للتخلف واندفاعاً للتقدم، ومقدرة على مجابهة جميع الصعاب والمؤامرات والأعداء وقهرهم جميعاً وتحقيق النصر فوق شراذمهم المندحرة ” ( الميثاق الوطني ) .

(3)

وبعد، فإن إيمان عبد الناصر بالعمل الدائب المنتج كان ملتحماً بإيمانه بالعلم المنظم المطوّر. وهنا أيضاً لم يبدُ أثر هذا الايمان باهراً لعيون الناس، لأن العمل العلمي بطبيعته هادئ صامت، ولأنه يتطلب من الإعداد والإمداد والمثابرة ما لا يتطلبه أي عمل، ولأن نتائجه، وبخاصة في البدء، تأتي متدرجة متعرجة . على أن من الإنصاف للرسالة الجليلة التي تلقيناها، ومن الخير لحاضرنا ومستقبلنا، أن نبّرز هذا المعنى من معانيها ونتدبره ونؤكده، فإن أياً ممن يستعرض سيرة القائد العظيم، القائد الذي سبر نفوس الجماهير وآمن بتحركها، لا بدّ من أن يعجب مما كان له أيضاً من يقين وإيمان بقدرة العلم الخلاق، العلم المنطلق والباعث للانطلاق، العلم الذي به نغدو من أهل هذا العصر ونفتح أبواب المستقبل ونخترق الآفاق . هاكم ما قال في احتفال جامعة القاهرة بيوبيلها الذهبي في 21 ديسمبر عام 1958: ” ان العلم يتقدم بسرعة مذهلة، وعلينا أن نسارع إلى موكبه، وذلك يفرض علينا مزيداً من إعداد أنفسنا لكي نستطيع أن نلائم ما بين أنفسنا وبين العصر الذي دخلنا فيه…. لم يعد يكفينا في العالم المتحضر أن نفخر بأننا في هذا الإقليم قد رفعنا مشعل الحضارة لأول مرة، ومن الاسكندرية، فتسلمته أثينا . كذلك لم يعد يكفينا كعرب أن نباهي بأننا حفظنا علوم الحضارة وأفكارها فيما كانت أوروبا غارقة في ظلام القرون الوسطى…. لم يعد يليق بآمالنا أن نعيش عالة على الآخرين، ولا عاد يليق بهذه الآمال أن تتعلق بالماضي، وإنما علينا أن نتحول إلى قوة خلاقة لا تأخذ من الآخرين، ولكنها تعطيهم، وتساهم في صنع المستقبل بطريقة إيجابية بناءة، وأن نعد أنفسنا في هذا السبيل لرحلة طويلة لا نهاية لها، فان العلم والفكر يسيران إلى الأزل من غير حدّ أو نهاية ” . وهاكم أيضاً، من عديد ما قاله في هذا الصدد: “ولقد كان العالم في الماضي ينقسم إلى قسمين شعوب غازية وشعوب مقهورة، ونحن الآن نرى القسمة تتخذ شكلاً آخر شعوب تعلم وشعوب لا تعلم، ولسوف تصبح القوة نصيب الذين يعلمون . أما الذين لا يعلمون فإن الحرية بالنسبة لهم تصبح كلمة جوفاء لا تحمل في طياتها أي قيمة أو أي عمق . من هنا كانت عقيدتي أن الحرية اللازمة لصنع المجتمع الديمقراطي لا بد أن تنهض على أساس من العلم . بل هي بحكم العصر وطبيعته لا يمكن ان تنهض على غير هذا الأساس ” .     ( خطاب عبد الناصر في عيد العلم ) .

من هذه العقيدة، الصادرة عن رؤيا ثاقبة جلية، كان دعمه الضخم للجامعات ودور العلم، ورعايته لأعياد العلم السنوية وحرصه على حضورها وإلقاؤه فيها خطباً هي من أروع ما قال ومن أجلّ ما يمكن أن يقال، وإنشاؤه لجوائز الدولة التقديرية والتشجيعية للعلوم، وتكريمه للمبرزين من الباحثين ومن الطلاب، وإرساله البعثات الوافرة للتخصص في مختلف المرافق العلمية، وتأسيسه للمركز القومي للبحوث الذي أصبح يضم الآن ألفاً وخمسمائة باحث وباحثة ويملك أحدث المعدات، وإشرافه بنفسه على إنشاء معهد الطاقة الذرية، ورعايته للعديد من معاهد البحوث الأخرى في مختلف الاختصاصات، وإقامته من أجل هذا كله وزارة خاصة بالتعليم العالي وأخرى خاصة بالبحث العلمي، ودعوته الدائمة، فكراً وعملاً، نظراً وتنفيذاً، إلى التسلح بالعلم لإنشاء دولة عصرية قادرة على التخلص من شرور التخلف، وعلى مسايرة ركب الحضارة، بل على المبادأة والسبق والابداع .

لقد كان عبد الناصر ملهم الثورة الشعبية العربية ورائدها، على أن مفهومه للثورة كان واسعاً عميقاً، عجيباً حقاً . فمما أقره في الميثاق الوطني أيضاً: ” إن العمل الثوري لا بدّ له أن يكون عملاً علمياً . إن الثورة ليست عملية هدم أنقاض الماضي، ولكن الثورة هي عملية بناء المستقبل . وإذا تخلت الثورة عن العلم فمعنى ذلك أنها مجرد انفجار عصبي تُنفس به الأمة عن كبتها الطويل ولكنها لا تغير من واقعها شيئاً . إن العلم هو السلاح الحقيقي للإرادة الثورية، ومن هنا الدور العظيم الذي لا بدّ للجامعات ولمراكز العلم على مستوياتها المختلفة أن تقوم به . إن الشعب هو قائد الثورة، والعلم هو السلاح الذي يحقق النصر الثوري ” ( الميثاق الوطني ) .
وفي خطبته بجامعة القاهرة يوم عيد العلم في 14 ديسمبر عام 1964 عرّف الثورة بقوله: ” إن الثورة ليست فوراناً عاطفياً وإنما الثورة في أصالتها هي علم تغيير المجتمع “، وأضاف: ” ولا يتغير المجتمع بالغضب على ما كان فيه، وعدم الرضا بالأوضاع التي سادته، وإنما يتغير المجتمع بتحليل علاقات القوى الاقتصادية والاجتماعية فيه، وإعادة تشكيلها على أساس جديد لصالح أوسع الجماهير “. هذا في البناء الداخلي، وأما في النطاق الدولي فإن المعركة من أجل الحرية وضد الاستعمار هي عنده: ” أولاً معركة علمية سياسية واقتصادية واجتماعية أخطر ما فيها علينا أن الطرف الآخر المواجه لنا ما زال يملك حتى الآن من أسباب العلم أكثر مما نملك “.

إن تراث عبد الناصر تراث ضخم متعدد الجوانب غنيُ المضامين . ولا غرابة في أن تتعدد وجوه نظرنا إليه وتأملنا إياه وتقديرنا للأهم الأبقى من روائعه . وفي رأيي المتواضع، كفرد من أفراد هذه الأمة، أن هذا المعنى من معاني الثورة التي فجّرها عبد الناصر: معنى قيامها على العلم واهتدائها بنوره واشتعالها بناره هو المعنى الذي يحّسن بنا تمثله وتجسيده في سلوكنا الفردي وتصرفنا القومي وفاءً للرسالة الأصيلة التي حملها عبد الناصر وصيانة وتعميقاً لكفاحنا في سبيل التحرر والبناء . لقد كانت تحركاتنا حتى الآن في كثرتها الغالبة ردود فعل لتحركات غيرنا، فآن لنا، كما قال هو، ” أن ندرك أن موقف رد الفعل مهما كانت استجابته مخلصة لم يعد كافياً . لقد وصلنا بمرحلة الانطلاق، ووصلت بنا، إلى حيث يتعين علينا أن نتحمل مسؤولية المبادأة، وأن نأخذ موقف العمل الإيجابي وان نفرض على الظروف، ومن فوقها، إرادة العمل الوطني وأهدافه. وذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بقيام العلم بدوره كاملاً وشاملاً . على أني أقول أكثر من ذلك، أقول بأن موقف ردّ الفعل في حد ذاته يتحتم أن يكون علمياً ” .

إن وفاءنا لهذه الدعوة الجليلة القدّر البعيدة الأثر يفرض علينا، شعوباً وحكاماً، أن نضاعف الجهد ونبذل الموارد- بل أن نمضي بثوريّة لا تهن ولا تني- في قلب مجتمعاتنا المتخلفة إلى مجتمعات علمية، تقدمية حقاً . وليس معنى العلم هنا مجرد استخدام الأدوات والتقنية الحديثة كما يعتقد البعض . فما هذا سوى مظهر من مظاهر هذا المعنى . أما الجوهر فهو الأسلوب المحقّق المدقّق، الأسلوب الملتزم المنتظم فكراً وعملاً، الذي يجابه الواقع على حقيقته، ويكشف علله وسبل معالجتها، ويحشد الموارد والإمكانات لهذه المعالجة، ويميّز أولوياتها ومراتبها، ويخطط تخطيطاً دقيقاً لمراحلها، ويمضي في تنفيذها بإرادة صادقة وتصميمٍ حاسم . إن هذه الإرادة وهذا التصميم يجب أن ينفذا إلى أعماق نفوسنا ويتحققا في جميع سياساتنا وخططنا وأعمالنا، شعوباً وحكومات .

عندما حضر القائد الرائد احتفال جامعة القاهرة بيوبيلها الذهبي في 21 ديسمبر عام 1958، قال في مطلع خطابه: “… وإنما جئت اليوم لأني أريد أن أحمّل الجامعة، على مسمع من الشعب العربي كله وعلى مرأى منه أمانة المستقبل ” . ولست أشك في انه عنى بالجامعة حينذاك جميع مؤسسات العلم والبحث العلمي . ولست أشك- كذلك في أن نظرته الخارقة تعدت هذه المؤسسات، لتشمل شعوبنا العربية كافة، ولتُحفزها إلى التجهُز بالعلم وبالقدرة الفاعلة الصادرة عنه، صيانة لكفاحها، وضماناً وتعميقاً لثورتها، وتحقيقاً لمطامحها في الحرية والسيادة، والكرامة والعزة .

ما أجلّها أمانة- أمانة المستقبل- يحمّلنا إياها جميعاً عظيمنا الراحل . عسى أن نستطيع الصعود إلى مستواها والنهوض بها .

————————————-
* مؤرخ ومُفكر سوري دمشقي (1909-2000)، أحد أشهر دعاة القومية العربية في العصر الحديث. عُيّن وزيراً مفوضاً للجمهورية السورية في الولايات المتحدة سنة 1946 وعضواً في وفدها المؤسس للأمم المتحدة. أصبح رئيساً لجامعة دمشق عام 1949 ثم رئيساً بالوكالة للجامعة الأميركية في بيروت حتى سنة 1957. وعمل رئيساً لمجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت من 1967 حتى 1983، وأستاذاً في قسم التاريخ في الجامعة الأميركية حتى 1977. أُطلق عليه أكثر من لقبٍ، بينها: شيخ المؤرّخين العرب، المُربّي النّموذجي، مُرشد الوحدَوييّن، داعية العقلانيّة في الفكر العربي الحديث.