الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

المؤرخ التونسي د. عبد الجليل التميمي:         النخبة العربية خيّبت آمال التكاتف والوحدة والتنظير الحقيقي للمعرفة

روعة قاسم *

عبد الجليل التميمي هو أستاذ جامعي ومؤرخ تونسي ورئيس مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، ولديه مسيرة حافلة بالإنتاج العلمي والفكري والتاريخي. شارك التميمي في بعث الفرع الإقليمي العربي للمجلس الدولي للأرشيف عام 1974 كما كان مؤسسا للجنة العربية للدراسات العثمانية وللجنة العالمية للدراسات الموريسكية الأندلسية اللتين يترأسهما إلى حد الآن. وفي عام 1986 كان من مؤسسي الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات وقد تولى رئاسته فيما بين 1994 و1997 ثم فيما بين 1997 و2000. بدأ التميمي عام 1974 بإصدار المجلة التاريخية المغاربية، وفي مطلع الثمانينات أصبح ينظم مؤتمرات عالمية حول التاريخ العثماني والموريسكي.

في حديثه لـ “القدس العربي” تطرق إلى واقع البحث العلمي في العالم العربي معتبرا أن البحث العلمي هو الرجل المريض. وأشار إلى أن هناك فجوات في تاريخ المنطقة. كما تطرق إلى مسار العدالة الانتقالية وإلى الثورة التونسية وإلى المشهد الحالي في تونس والأوضاع في المنطقة العربية.

يشار إلى ان التميمي وفي إطار مؤسسته أصدر مجلتين متخصصتين هما على التوالي “المجلة التاريخية للدراسات العثمانية” منذ عام 1990 و”المجلة العربية للأرشيف والتوثيق والمعلومات” منذ عام 1997. كما أن مؤسسة التميمي تنظم العديد من المؤتمرات المتخصصة وتنشر عدة كتب سنوياً. ولدى التميمي عديد المؤلفات والدراسات الفكرية والتاريخية، كما له أربع رسائل دكتوراه عربها عن اللغتين التركية والفرنسية وعديد المؤلفات والمنشورات الصادرة عن مركزه. وفي ما يلي نص الحوار:

– نحن اليوم أمام حكومة جديدة ومشهد سياسي متناقض فلا  أغلبية ثابتة ولا معارضة ثابتة فاذا تقولون عن ذلك؟

= في الحقيقة أنا محرج بأن أعالج المشهد السياسي في تونس من منطلقات عديدة، فأنا غير مرتاح للمشهد السياسي التونسي، فهذا التباعد والتناقض والتقاطع غير السليم وغير البنّاء يؤلمني كباحث ومؤرخ في هذا البلد. وما زاد الطين بلة هو هذا المناخ في مجلس نواب الشعب الذي يبعث على الخيبة والنفور والاشمئزاز من الحياة السياسية. كان يمكن أن يعكس مجلس النواب نضجا سياسيا عاليا وحسا وطنيا، ولكن الحس الوطني مفقود في هذا المجتمع والبرلمان والتقاطع الذي نعيشه يحرج الأشخاص النزهاء. أنظر بحذر إلى هذا المشهد وأشعر بألم كبير لما وصلت إليه الأوضاع بتونس بعد عشر سنوات من الثورة العبقرية التي حبانا إياها الله ولكننا لم نفعل شيئا للوصول إلى مستواها وقدسيتها ولم نستثمرها ولم نوظف شيئا، وكان يجب على كل القيادات الفكرية والسياسية أن تتضافر جهودها لتشريف هذه الثورة التي تعد نقطة بيضاء في العالم العربي.

لدينا حكومة المشيشي ولكنني أشك صراحة في قدرة أعضائها على تحقيق ما هو مطلوب. فاليوم أغلب من يحكم في الساحة السياسية وصوليون، همهم الوصول فقط على حساب المبادئ والنظافة والدفاع عن تونس التي تمتلك رصيدا حضاريا كبيرا جدا ولكن من حكموا تميزوا بالجهل وهم لا يقرأون. لدينا 255 كتابا ولا أحد من هؤلاء السياسيين بذل مجهودا للاطلاع عليها ومعرفة ما فيها من كنوز معرفية. ولدينا أيضا المجلة التاريخية المغاربية التي تصدر مند 47 سنة ولم تتوقف ونشرت مئات الدراسات ولكن ليست هناك أية جامعة تونسية اشتركت معنا لاقتناء الإصدارات. وفي مكتبتي الخاصة 20 ألف عنوان وهي من أغنى المكتبات الخاصة في العالم العربي لكن لا أحد يقرأ أو يود الاستثمار في المعرفة والعلم.

– في رأيكم ما سبب الأزمات المتلاحقة التي تعاني منها البلاد منذ الثورة وهل هي أزمة نظام أم تراكمات تاريخية؟

= في الواقع هي أزمة تراكمات تاريخية. فعندما تكون المسؤول الأول عن هيكلية الدولة، فعليك ان تستشرف تاريخ هذه الدولة والنظام السياسي. ولكن للأسف نخبتنا السياسية لا تقرأ ولا يهمها سوى المصلحة الشخصية والمناصب وانا أنادي بإعادة هيكلية النظام السياسي في بلادنا. تونس مثقلة بهذه التراكمات السلبية، ولم تجد الشخصيات البنّاءة والفاعلة لاحتضان التراث الفكري. بل الكثير من السياسيين عاشوا على هامش الحدث السياسي الآني ولم يحاولوا ادراك بعده الحقيقي. وبالتالي هذه التراكمات هي التي عطلت الرؤية المستقبلية لبناء تونس ونرى النتيجة، فليس لدينا أي مسؤول سياسي يعرف قيمة التاريخ التونسي وماذا يمثل وهذه مصيبة.

– في جعبتكم تاريخ مليء بالبحوث والدراسات والتخصص في مجال الدراسات الموريسكية والعثمانية وفي الذاكرة الوطنية أيضا، فما أهم استنتاجكم وخلاصاتكم لكل هذه المسيرة من الأبحاث؟

= بكل فخر وبحكم عملي في التاريخ الحديث والمعاصر والأندلسي، اكتشفت أن هناك شيئا غائبا في جدلية التاريخ الآني وما أطلق عليه اسم “أرشيفات الصدور”. فهناك فاعلون اقتصاديون وسياسيون ومارسوا السلطة من خلال استشرافهم لهذا الوضع، ولكن معلوماتهم غُيّبت ولم تؤخذ بالاعتبار ولم يقع تفعيلها. وهنا أستذكر أن المؤرخ المصري الدكتور عبد العزيز رمضان وهو صديقي كان قد أطلق كلمة “أرشيفات الصدور” وأنا تبنيتها وقال لي، لماذا لا تهتم بأخذ شهادات عديد الرجالات السياسية والاقتصادية والثقافية الذين صنعوا الأحداث ولم يقع توظيفهم؟ وأدركت ان كل المراكز والجامعات العربية غيّبت شهادات الفاعلين والصانعين للحدث التاريخي اقتصاديا وثقافيا وسياسيا.

والحقيقة بدأت بهؤلاء الرجالات الذين كانوا وراء صنع الحدث التاريخي في تونس، مثل محمد الصياح ومحمد مزالي وادريس قيقة وغيرهم، واكتشفت من خلال شهاداتهم جواهر ووثائق المعرفة الحقيقية. ولا يمكن للباحث في التاريخ الآني أن يغيب آراء وأفكار هؤلاء الساسة، وبالتالي كان الواجب علينا ان نستشرف رأيهم ونبرزه ونقول للمؤرخ عليك ان تأخذ بالاعتبار هذه الوثائق من أرشيف الصدور. نظمت أكثر من 2500 ساعة تسجيل بالصوت والصورة والآن هي بصدد الرقمنة. وأوّجه اللوم لكل المراكز العربية التي لم توظف ولم تأخذ شهادات هؤلاء الرجالات وأحمد الله أنني وفقت بأننا نشرنا الآن مئات الشهادات في هذه المجالات وهي مادة فريدة من نوعها تفوق الوثيقة المكتوبة. فالرسالة الشفوية فيها صدق وشفافية، استدعيت احمد بن صالح وكانت أول زيارة له لمركزنا سنة 2001 وباح لنا بمعلومات هامة عن فترة بورقيبة. وهنا التاريخ التونسي هو الذي كسب هذه الشهادة.

وبعد الثورة التونسية أيضا أصدرنا هذه الأيام مجلدين كبيرين عن مسار الثورة التونسية في 1200 صفحة فيها شهادة المرزوقي والطيب البكوش ورئيس الجمهورية الأول فؤاد المبزع، وأعطوا شهادات قيمة عن تلك المرحلة. ومجال آخر اهتممنا به هو كلفة اللا مغرب ولماذا لم نتمكن من بناء المغرب العربي، وقد نظمنا 6 مؤتمرات استضفنا خلالها شخصيات في مستوى رفيع وأدركنا أن كلفة اللا مغرب كبيرة جدا. واعتقد ان قضية البوليساريو هي التي عطلت بناء المغرب العربي. وعليه فإن 100 مليون شخص يعيشون في هذه المنطقة بتواصل اقتصادي واجتماعي وفكري وكان يمكن ان يكون المغرب العربي أحدث القاطرات الفاعلة في العالم العربي، لكن لسوء الحظ لم يقع الاهتمام بذلك. وانا دوما أؤكد ان بناء المغرب العربي يعتبر من العوامل الفاعلة لكي نبرز كقوة اقتصادية وسياسية فاعلة. ناديت بإلغاء كل الأعلام والأناشيد المغاربية وتعويضها بعلم ونشيد واحد حتى نغرس الحس المغاربي لدى مواطني المنطقة وهو حلم نتمنى تحقيقه.

هنا نريد أن نؤكد أيضا بأن مفهوم المعرفة والبحث العلمي هو الرجل المريض في الوطن العربي، وكان يجب ان تُشّكل المعرفة والبحث العلمي أحد الفاعلين في هذه المنطقة ولكن الجامعات العربية في أسفل درجاتها، لأن المعرفة لم تشكل أحد الهواجس الأساسية في بناء هذه الأمة وهذا خطأ كبير، والإدارة العربية قتلت الاستقلال على مستوى البلاد العربية ولم تصل أي من جامعاتنا وكلياتنا العربية إلى مستوى العالمية. لبنان كان له دور ريادي وضرب قبل شهر أيضا بهذا الحدث المؤلم. كان يمكن ان تستثمر الدول العربية بالمليارات للدفاع عن لبنان لكنهم لم يفعلوا له شيئا لأنهم ضد المعرفة والبحث العلمي.

فالأزمة معقدة ونجد أن مليارات عديد الدول العربية ذهبت إلى أمريكا ولم تذهب إلى الجامعات العربية التي تشكو العجز المالي والاحتياج والمنشورات بأسوأ ظروفها. مؤسسة التميمي كانت من أوائل المؤسسات التي خدمت العلم والمعرفة والبحث العلمي. وتخصصنا في مجال الدراسات العثمانية ووجدنا أن فيه جوانب مضيئة جرى التعتيم عليها. فمثلا الباحث والعالم حاجي خليفة، كتب كتابا اسمه “كشف الظنون” لم يكتب مثله أي باحث عربي، وفيه معلومات هامة جدا. هناك فجوات في تاريخ هذه الأمة المسكينة ولم ننجح إلى حد الآن في كتابة تاريخ الأمة العربية. فإعادة كتاب تاريخ الأمة العربية واجب على كل مؤرخ لديه حسّ وطني وفهم وادراك ووعي لكل المتغيرات. العالم العربي متأخر لأن  الانتماء الحزبي أصبح على حساب الكفاءة، ولم تكن الكفاءة هي المعيار الأساسي في إدارة المراكز البحثية وهي نكسة في الأمة العربية.

– هل تعتبرون أن العدالة الانتقالية في تونس أتت أكلها؟ وكيف تقيمون مسارها؟

= سهام بن سدرين هي صديقة وانا أحترمها جدا ولكن لم توفق في مهمتها. وإذا نظرنا إلى دول أخرى نجد مثلا أن مسار العدالة الانتقالية في المملكة المغربية كان ناجحا جدا لأنهم عينوا أكبر مؤرخ مغربي على رأس هذا المسار مع توجهات علمية وليست عاطفية. وأنا قلت عديد المرات بأن العدالة الانتقالية تحتاج إلى هيئة وطنية من ضمنها أكثر من مؤرخ، ولكن اللجنة التي شكلت لا تتضمن أي مؤرخ فكلهم محامون وحقوقيون. بالتالي لدي مؤاخذات على سهام بن سدرين لأنها لم تكن العنصر الإيجابي والفاعل بهذا المجال إطلاقا وغيبّت عديد الحقائق، والآن يثار موضع آخر ويقال ان كل هذه التسجيلات سُربت للخارج. لا أعرف الحقيقة وهذا الموضوع حساس ومرتبط بكثير من الأشخاص الذين ضحوا من أجل هذه الثورة. وسهام بن سدرين لم تكن في مستوى الرسالة وحقيقة لن أقبل أي منصب مستقبلا ولكنني مستعد لتقديم استشارة من باب النصيحة.

– ما المطلوب اليوم لتنجح الديمقراطية التونسية الناشئة في خضم هذه الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية والصراعات الأيديولوجية؟

= في رأيي يجب تشكيل مجلس حكماء من كافة الاختصاصات يعطي النصيحة والمشورة ويتضمن أسماء هامة في اختصاصاتها، مثل الخبير الاقتصادي عبد الجليل البدوي وأمين محفوظ وحسين الديماسي وغيرهم…هؤلاء خبرات يمكن ان يهندسوا خطة لإنقاذ الوضع الراهن ولإنقاذ ديمقراطيتنا الناشئة التي تعثرت كثيرا.

– تحولت المنطقة إلى ساحات للتدخلات الخارجية التي تعمقت أكثر خاصة في الجوار الليبي وغيره فكيف ترون ذلك؟

= حقيقة في تونس كانت مواقف الساسة والمسؤولين متناقضة تماما وهذه التصريحات المتناقضة التي تصدر عن أكثر من طرف تنمّ عن جهل بالمعضلة الليبية وعدم إدراك للواقع الجيوسياسي في ليبيا. القذافي لسوء الحظ أساء لهذا الشعب، والقيادات الليبية في خارج ليبيا بالمئات وهي كفاءات، وقد استضفنا بعضها في مركزنا. وحتى التدخلات الخارجية بشكل سافر دمرت هذا البلد. نحن نحتاج في تونس إلى سياسة ودبلوماسية أخرى ذكية وفاعلة ومدركة للتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.

– كيف تنظرون إلى ظاهرة التطبيع غير المسبوقة في العالم العربي وكيف يمكن مواجهتها والحفاظ على قدسية الحق الفلسطيني؟

= أنا حقيقة أتألم وأتأسف من القيادات الإماراتية التي لم تأخذ بالاعتبار باني هذه الدولة الشيخ زايد، وكذلك لم تأخذ بالاعتبار دور سلطان القاسمي حاكم الشارقة وهو رجل أمين ونظيف وخدم الأمة العربية وأنا أقدره ولأنه يحترم البحث العلمي وهو رجل علم وثقافة. هذا التطبيع خرب كل هذه الإنجازات، وهو خيانة لتاريخ الشيخ زايد والشيخ سلطان القاسمي. وأعتقد أن هناك حملة منظمة ودقيقة جدا تقوم بها أحد المراكز الإسرائيلية وتعميها على الصعيد العربي من أجل إيقاع شبابنا في شرك التطبيع. وهنا أريد ان أشير إلى أمر هام، فأنا احترم فلسطيني 48 ووضعهم خاص وهم يدافعون عن فلسطين من موقعهم .

اؤاخذ العرب لانهم غيبوا فلسطينيي 48 وهم مناضلون. وفرضت عليهم جنسية الاحتلال. المجتمع الجامعي الفلسطيني كان يمكن ان يكون أكثر تحركا وفاعلية وأكثر ارتباطا وعلى العرب ان يتقبلوا هؤلاء لأنهم مناضلون في وطنهم. وحتى المجتمع اليهودي الجامعي تنكّر لهم.

– كيف ترون دور النخبة اليوم سواء في تونس أو العالم العربي في خضم الاخفاق الحاصل؟

= أقول بكل أمانة لا أثق بالنخبة العربية لأنها منذ الاستقلال السياسي خيبت كل الآمال، خيبت آمال التكاتف والوحدة والتنظير الحقيقي للمعرفة. لم تقم بواجبها وفي مستوى المغرب العربي لم تدافع عن تحقيق حلم بناء المغرب العربي.  وبالتالي لا أثق بهذه النخبة ونحن نحتاج إلى جيل جديد من النخبة، وخلال السنوات العشر المقبلة ان شاء الله سنوفق في أن نساهم في إبراز هذه النخبة. فالجيل الجديد غير معقد ولكن النخبة الآن مريضة ومعقدة من تاريخها وحضارتها والعديد منهم موال لفرنسا ولديهم مشكلة مع تراثهم وهويتهم ولغتهم العربية.

– ما يزال العالم حتى اليوم يواجه تداعيات وانعكاسات جائحة كورونا، في رأيكم ما هي المتغيرات التي ستخّلفها هذه الأزمة خاصة أن هناك من يعتبر اننا إزاء نظام دولي جديد بصدد التشكل؟

= نحن نعيش فصلا جديدا مأساويا أثرّ على الجميع وعلى الطبقات الفقيرة والصغيرة وسنتعايش مع هذا الوباء لمدة سنتين أخريتين. ولهذا آمل أن تبرز من خلال هذا التواصل لجان ذكية وفاعلة وتعمل على خطة عملية لتجنيب المجتمعات هذا المرض الذي سيقضي على كل شيء حتى على تراثنا وتقاليدنا الاجتماعية التي تغيرت. الآن كورونا غيّر الكثير في المعطى الاجتماعي.

ولكن هذا الوباء أكد على حقيقة بأن السلاح ليس هو من سينقذ البشرية، بل البحث العلمي الذي سينقذنا والمؤسسات الطبية والمختبرات التي تعمل على إيجاد اللقاح هي التي ستنقذنا. فهنا نجد أهمية البحث العلمي في مختلف المجالات التاريخية والعلمية والطبية وغيرها والتي أهملناها كثيرا.

* صحافية وكاتبة لبنانية

المصدر: القدس العربي