الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

رؤية في مستقبل الاقتصاد السوري

سمير خراط *

تشير معظم التوقعات والتحليلات إلى عدم وجود أفقٌ واضحٍ للحل في سورية أو تحقيق أحد الطرفين نصراً عسكرياً واضحاً وحاسماً خلال المدى المنظور، حيث نرى نوعاً جديدًا من الصراع داخل النظام والمقربين من دائرته، وأسئلة عديدة تطرح هل يقوم النظام بحملة تنظيفية لما حوله من رجال الظل الذين يعتبرهم المجتمع الدولي بؤرة الفساد، حيث بات من الضروري الظهور بمظهر الذي يقمع الفساد حتى لو كان من أقرب المقربين إليه، أم أن هناك تفاهمات واتفاقيات ضمنية لإزاحة رؤوس وتهيئة آخرين لاستلام المهمات ذاتها، ولكن عبر وجوه جديدة يتقبلها المجتمع الدولي وتساعده في المحافظة على الكرسي.

في ظل المعطيات  الحالية، هل هناك مرحلة انتقالية بالأفق، وماذا سيرث من سيتولون إدارة البلاد، وماذا تبقى من هياكل قد يقوم عليها الاقتصاد القادم، الشيء الأكيد  أن  المعارضة السورية ( الحكومة القادمة ) سترث  بيئة اقتصادية وانتاجية مخربة وقطاعات اقتصادية مدمرة إلى مستويات قياسية، ولا يمكن في ظل الواقع الحالي للمعارضة السورية التعويل عليها في إعادة بناء الاقتصاد السوري من جديد، نتيجة انتشار ظواهر المحسوبيات والفساد وعدم الشفافية فضلاً عن التشرذم في البنى السياسية للمعارضة، والتي يجب عليها حيازة إجماع السوريين ودعمهم وصبرهم على متطلبات المرحلة القادمة لكن، وبغض النظر عن الشكل الحالي للمعارضة السورية فإن طبيعة الحلول للأزمة التي سيراها النظام الجديد بحاجة لدراسات وإحصاءات دقيقة جداً وعلمية إلى أقصى حد، كما يجب على من يتصدى لهذه المهمة أن يكون معايشاً للواقع السوري بتفاصيله اليومية وغير بعيدٍ عن هموم المواطنين وحاجاتهم، وطبيعة الصعوبات الاقتصادية والمشاكل السياسية والاجتماعية التي ستعترض عملهم الشاق بكل تأكيد، وقبل البدئ بأي خطوة يتوجب تشكيل فريق عمل من النخبة الوطنية مدعوم بتكنوقراط واقتصاديين، إضافة إلى القانونيين والمهندسين المدنيين لتتم عملية مسح شامل للدمار وتقدير الاحتياجات بإعادة إعمار البنية التحتية انطلاقاً من القانون منتهية ببرامج التربية والتعليم .

أما بخصوص التحديات التي يمكن أن تواجهها عملية إعادة الإعمار وإحياء الاقتصاد، وعن مكامن النجاح في سير عملية تطوير الاقتصاد السوري ومتطلباتها الفنية والتقنية الحديثة واستثمار الموارد المتاحة من ثروات وطنية إلى إقلاع القطاعات الصناعية وتنشيط البوابات الجمركية لأهميتها كمورد لخزينة الدولة والذي يعتبر من ضمن الإشكالات والتحديات الداخلية.

وبخصوص التحديات التي يمكن أن تواجهها عملية إعادة الإعمار وإحياء الاقتصاد، هناك نوعان من التحديات، خارجية وداخلية، التحديات الداخلية مقدور عليها داخليًا، أما التحديات الخارجية فهي أهم هذه التحديات على الإطلاق، في كيفية تجاوز الحصار والعقوبات على سورية، وبالتأكيد لا نستطيع إلا أن نلجأ إلى أصدقاء سورية وحلفاءها الذين وقفوا معها في الحرب، لأنهم هم الأقدر على المساعدة في مواجهة العقوبات، وبالتالي هذا هو التحدي الأول والأساسي، والتحدي الآخر يرتبط بإمكانات التمويل اللازمة، والتحدي الثالث هو أيضاً تحدي جوهري يرتبط بالزمن ويرتبط بسرعة الإنجاز، وهذا يحتاج كما نعلم إلى إمكانات بشرية كبيرة، وإلى موارد وتقنية وإمكانات فنية عالية، وهل الحكومة القادمة سوف تعتمد في إعادة الإعمار على إمكاناتها الذاتية بالدرجة الأولى، وعلى أصدقائها وحلفائها الذين ساعدوا في مواجهة الحرب التي شنت على شعبها،  وبالتالي هذا التوجه هو التحدي الأول على المستوى الخارجي، ومن هنا نجد أن التوجه نحو الأصدقاء سيكون لمواجهة التحديات .

دراسة متواضعة عن مستقبل سورية الاقتصادي والمجتمعي:

تتلازم الظواهر الاجتماعية والاقتصادية وآثارها السلبية الناتجة عن الأعمال الحربية العسكرية في المجتمعات، وتأخذ منحىً قد يطغى في كثير من الأحيان على النواحي الأخرى لآثار الحروب، إذ تدمر الحرب النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع عامة، وتفرز آثاراً سلبية تتواصل انعكاساتها إلى ما بعد انتهاء العمل العسكري أو الحرب. وتشهد سورية عمليات عسكرية توصف بأنها الأعنف على مستوى العالم خلال العقود الخمسة الماضية على أقل تقدير، كما أنها تتفاعل على أرضٍ وفي مجتمعٍ يعاني بالأساس من التهميش المجتمعي والاقتصادي فضلاً عن غياب الحريات الأساسية، وبذلك تضاف إلى الواقع السيئ اقتصادياً واجتماعياً صعوبات جمة نتجت عن العمليات العسكرية على كامل التراب السوري وبذلك تحول المجتمع كله إلى مجتمع حرب، وعندما يتحول المجتمع إلى مجتمع حرب تتحول أيضاً كل علاقاته وبناه للتلاؤم مع هذا الواقع

الذي تستثمر آثاره إلى ما بعد انتهاء العمليات العسكرية، وقد تخلف رواسب خطيرة تؤثر على بنية الدولة وشكل علاقات أفرادها المجتمعية، الأمر الذي يستدعي دراسة هذه الظواهر دراسة وافية، وتحديث هذه الدراسات كلما طرأ جديد أو تزايد تفاقم حالة ما، وذلك لتكون معالجات هذه الآثار السلبية مرتكزة على تقديرٍ واقعي لحجم الأضرار ومداها وامتدادها في المجتمع.

الواقع الاقتصادي السوري:

تعد سورية من أغنى الدول في المنطقة بمواردها الطبيعية، فهي تنتج القمح والقطن والزيتون والسكر ولحوم المواشي بكميات وفيرة، كما تنتج مصانعها مشتقات البترول والمنسوجات والمواد الغذائية والفوسفات والإسمنت، ويعتقد على نطاق واسع بأن فرص الاستثمار في الاقتصاد السوري فيما لو توفرت البنية الاقتصادية والحالة الأمنية الملائمة من أفضل الفرص في منطقة الشرق الأوسط نظراً لموقعها الجغرافي وتنوع مواردها.

كانت سورية تصدر 263,000 برميلاً من النفط يومياً (إحصاءات 2009) ويقدر احتياطها النفطي بنحو 2,5 مليار برميل، إضافة إلى 240,7 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. وأما على صعيد التجارة الخارجية فيعد الميزان خاسراً بنحو 1,379 مليار دولار (إحصاءات 2010) كما تقدر الديون الخارجية بنحو 7,636 مليارات دولار (إحصاءات 2010).

مؤشرات الأزمة الاقتصادية:

تشكل الأرقام دلالات مختصرة عن بعض مؤشرات الوضع الاقتصادي السوري، إذ تم استهلاك أغلب احتياطات النقد الأجنبي الذي كان يبلغ في ربيع 2011 نحو 20 مليار دولار، وتراجعت الإيرادات العامة للدولة، وتقلصت التحويلات المالية ومنها تحويلات السوريين العاملين في الخارج البالغة نحو 800 مليون دولار سنوياً، وتوقف تنفيذ اتفاقات التمويل الأجنبية، وهرب ما يقدّر بنحو 22 مليار دولار من رؤوس الأموال للخارج، وانكماش الاقتصاد السوري بما نسبته 30 إلى 40 % في عام 2012، وخروج ما يزيد على 70 % من رجال المال والأعمال السوريين للخارج.

إن الدمار الذي لحق بالاقتصاد السوري كان ثمرة ثلاثة من العوامل الأساسية؛ العامل الأول فيها والأهم يكمن في طبيعة الحل الأمني العسكري الذي اختاره النظام في مواجهة الثورة الشعبية، التي انفجرت أحداثها في آذار/مارس 2011، حيث بدأ استخدام القوة ضد المظاهرات الشعبية، وسرعان ما تطورت الأمور إلى حصار المدن والقرى واجتياحها، وإغلاق الطرق العامة، مما شل الحركة العامة وعطل عمل كثير من المؤسسات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية، وأوقف الخطط والمشاريع التي كانت في طريق التنفيذ، ثم أضيفت إلى ذلك أعمال القصف المدفعي والجوي والصاروخي، التي طالت مدناً وقرى كثيرة، تم بفعلها تهجير ملايين السكان ودمار كلي أو جزئي للبنية التحتية إضافة لما تم تدميره من مؤسسات ومعامل في محيط المدن وخاصة في ريفي دمشق وحلب، حيث تتمركز آلاف المؤسسات الصناعية والحرفية ومشاريع الإنتاج الزراعي والحيواني. فقد دمر الحل الأمني – العسكري في أحد فصوله المجنونة شبكة الأسواق التجارية في حلب القديمة.

والعامل الثاني الذي أنتج الدمار الاقتصادي، تمثله سياسات النظام  التي بدا أن سياساتها ملحقة بالحل الأمني العسكري، وليس الأخير جزءاً من تلك السياسة، حيث وضعت كل إمكانات الحكومة تحت تصرف الآلة العسكرية – الأمنية، في سبيل توفير كل الإمكانات المالية للاحتياجات العسكرية، بل إن الأمر تطور لاحقاً إلى إقرار أن موازنة سورية، هي “موازنة حرب”، يصرف الجزء الرئيس منها على الجيش والأمن والشبيحة ورواتب الموظفين وبعض النفقات الضرورية الأخرى لتسيير ماكينة الدولة حتى تظل حاضرة ومسيطرة، و” بأن الدولة ما زالت قائمة “

رؤية في مستقبل الوضع الاقتصادي السوري بعد انتهاء الحرب:

يمكن إجمال مهمة الحكومة الجديدة بعد انتهاء الأزمة في هذه المرحلة التي قد تستغرق فترة لا بأس بها وفيما يتعلق بالشق الاقتصادي تحديداً:

– الاستمرار في تشغيل القطاعات الحيوية من ماء وكهرباء وصحة وتعليم وأفران وما تتطلبه هذه القطاعات من قطاعات مرافقة، والاستمرار في تأمين رواتب العاملين في القطاع العام وتتبلور المرحلة الأولى:

–  تأمين مساكن مؤقتة للاجئين والنازحين والبدء فوراً بتأهيل المساكن المتضررة جزئياً من الحرب.

– إعداد دراسات تفصيلية وواضحة عن واقع الاقتصاد السوري ومشاركة أكبر شريحة ممكنة من المختصين وقادة الرأي في هذه الدراسات.

– حصر وإحصاء دقيق وتفصيلي لحجم الأضرار في المرافق العامة والخاصة والبنى التحتية، وحجم الأموال المتوفرة للحكومة ومصادرها.

– إيلاء الاهتمام الكافي لدور البنك المركزي في حماية العملة من الانهيار المتوقع والذي قد يصل لمستويات مشابهة لما حصل في العراق بعد حرب عام 2003.

– الاعتماد على الموارد المحلية، والإعلان عن المساعدات المالية من الدول الصديقة وإدارة هذه الأموال بشفافية.

– البدء بإعداد الكوادر وإجراء مسح وطني شامل للمختصين في كل المجالات والقطاعات الانتاجية.

– تعزيز وتفعيل ثقة المواطنين في الإجراءات المتبعة وإطلاع الرأي العام بشفافية كاملة فيما يتعلق بالإمكانات والخطط والتحديات.

المرحلة الثانية (مرحلة التخطيط وبدء التنفيذ):

ويتم في هذه المرحلة عددٌ من الاجراءات أبرزها:

– تحديد القطاع الإنتاجي الذي سيشكل القاطرة التنموية للاقتصاد، والذي سيدر العوائد المالية المناسبة ويحد من حاجات الاستيراد. ويعتقد أن قطاع الزراعة والانتاج الحيواني القطاع الأهم في هذه المرحلة، والذي يجب توفير كافة الإمكانات ليحقق مستويات عليا من الانتاج والريعية.

– إعادة تشغيل قطاع استخراج النفط والغاز والتنقيب في أقصى مدى متاح وفق خطط استراتيجية تبدأ بتوفير الحد الأدنى من المشتقات البترولية لسد حاجة السوق المحلية، ومن ثم تصدير الفائض.

– مواجهة التضخم العالي، والبطالة المتفشية من خلال خلق فرص عمل رئيسية جديدة في كلا القطاعين السابقين وما يرافقهما من قطاعات كالنقل والصناعات الغذائية وتسويق المنتجات الزراعية والحيوانية، إضافة للصناعات التحويلة والبتروكيماوية.

المرحلة الثالثة (مرحلة تأسيس بنية الاقتصاد الجديد):

من المفترض ألا تتخذ الحكومات المؤقتة لقرارات مصيرية حول شكل الاقتصاد دون الحصول على الاجماع المجتمعي المطلوب، ودون رصد وتحديد مشاكل الاقتصاد الحالي وتوصيفها بدقة وعلمية. ولذلك، يطرح في هذه المرحلة للنقاشات المستفيضة التوجهات الاقتصادية التي ستعتمدها الحكومات القادمة وفق شكل النظام السياسي.

لكن على الحكومة المؤقتة أن تمهد الطريق لبيئة استثمارية واعدة تتماشى مع موقع سورية الجغرافي وامكاناتها ومواردها. ويمثل التصنيع الذروة التي يجب على الحكومة المؤقتة تمهيد الطريق لها، وجلب الاستثمارات الصناعية التي تحقق أكبر ربحية ممكنة بالاعتماد على الموارد المتاحة في الداخل، وبما يفيد إعادة الإعمار المنتظرة.

الآثار الاجتماعية للحرب والتدهور الاقتصادي، في ظل الثورة السورية: 

تعد الآثار الاجتماعية المرتبطة بالنزاعات المسلحة وخصوصاً الداخلية من أشد وأعقد المشكلات التي تنتج عن العمليات الحربية، وذلك لآثارها الممتدة على مدى سنوات النزاع وحتى بعد انتهائه ولسنوات أيضاً، وتنتج هذه الآثار عن منظومتي العمليات العسكرية والحالة الاقتصادية التي تخلفها النزاعات المسلحة عادة. وتشمل بعمقها كل فئات المجتمع وشرائحه العمرية، وتؤثر على مستقبل الأجيال الناشئة من أطفال وشباب، ولذلك تمتد آثارها لسنوات نتيجة احتفاظ المخيلة الفردية والجمعية بمجريات الصراع وما نتج عنه لسنوات. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هذه الآثار والنتائج بمجملها صعبة القياس ولا تخضع في معظمها للمقاييس الكمية التي يمكن علاجها بسهولة، الأمر الذي يوجب التعامل معها من منطلقات مختلفة ودراسات تفصيلية أكثر لتأثيرات سنوات النزاع المسلح على الحالة الاجتماعية والمجتمعية عامة.

ويمكن القول إن بعض مظاهر الآثار الاجتماعية المرتبطة بالنزاعات المسلحة لا يمكن معالجتها إلا بعد انتهاء النزاع وعودة عجلة الحياة لطبيعتها بعد أن تأخذ العدالة مجراها.

في حالة سورية فقد أثرت العمليات العسكرية والقصف والاعتقال والتشريد والنزوح بشكل مأساوي في الوضع الإنساني والاجتماعي للسوريين، وبالرغم من تنامي دور المجتمع المدني، إلا أن الأزمة أدت إلى تدهور في العلاقات الاجتماعية وانتشار للتطرف والتعصب. وتأثرت سلباً القيم والأعراف الاجتماعية، من خلال تأجيج أفكار وسلوكيات الانتقام من الآخر، وتسبب كل ذلك في خسارة كبيرة في الانسجام والتضامن الاجتماعي والموارد البشرية على المستويين الاجتماعي والثقافي والتي يصعب تعويضها، وساهم في نشوء الكسب غير المشروع باستخدام العنف مما يعزز عوامل التنمية العكسية.

إن التأثير الكبير للعمليات العسكرية على البنية المجتمعية يرفع من مستوى الخطورة المستقبلية على بناء تكافل مجتمعي، ومحاصرة الظواهر التي تنشأ عن غياب هذا التكافل يتطلب موارد كبيرة جداً مادية وبشرية، لذلك يتوجب العمل على تفعيل برامج محددة ودراسة معطيات هذا الواقع باهتمام نظراً لتأثيراته على المجتمع ككل. وأبرز القطاعات المتأثرة هي الصحة والتعليم، كما أن مشاكل النزوح والتشرد، والمشاكل النفسية والمادية الناجمة عن موت المعيل، والاعتقال والإعاقة قد لا تنفع معها المعالجات السطحية. مع العلم أن قلة قليلة جداً من أبناء سورية لم يتأثروا بهذا الواقع.

مأساة القطاع الصحي:

بدأت مأساة القطاع الصحي في سورية مع بداية الثورة السورية، إذ تراجع الإنفاق الحكومي على قطاع الصحة بنسبة كبيرة وصلت لحدود 50% خلال العامين (2011-2012). وقد تم تخفيض الإنفاق العام الحكومي على قطاع الصحة من 7.5 مليار ليرة عام 2010 إلى حوالي 5.2 مليار ليرة عام 2011.

وقد أدى ذلك إلى تراجع في الخدمات الصحية التي تقدمها حكومة النظام، إذ يعاني الكثير من المواطنين من صعوبة الحصول على الرعاية الصحية والطبية حتى الأولية منها لعدة أسباب منها خروج عدد كبير من المشافي العامة – والخاصة- من الخدمة نتيجة تعرضها للقصف أو تحويل بعضها إلى مواقع عسكرية، أو استنزاف بعضها الآخر نتيجة استقبالها لجرحى قوات النظام، مما أعطى الأولوية لعلاج مثل هذه الحالات في المناطق التي يسيطر عليها النظام.

نتيجة هذا التراجع في دور الدولة في الرعاية الصحية، وفي سبيل تقديم الخدمات الطبية والرعاية الصحية اللازمة للمواطنين تم اللجوء إلى أشكال بديلة من تقديم الخدمات الطبية للمواطنين ومنها المشافي الميدانية في بعض المناطق. إذ تشهد المناطق التي انسحب منها النظام مثل مناطق ريف حلب وادلب وحماة، أو التي قرر معاقبة أهلها ففرض عليها حصارًا وضيق عليها الخناق وأوقف جميع أشكال الخدمات العامة فيها، تشهد هذه المناطق وجود مشافٍ ميدانية يقوم عليها عدد من الأطباء والممرضين والمسعفين ويبذلون كل جهدهم ووقتهم لتقديم الرعاية الطبية اللازمة للمرضى من المدنيين أو من المصابين نتيجة القصف الذي تتعرض له المدن والقرى السورية.

لكن وجود المشافي الميدانية أو بعض المشافي الأخرى في المناطق التي لا يسيطر عليها النظام، لا يعني وجود قطاع صحي يصل إلى مستوى المشكلات التي يتعرض لها المواطنين صحياً، فما يجري في سورية كارثة إنسانية صحية، نظراً لازدياد حالات الإعاقات وانتشار الأمراض المعدية وأمراض سوء التغذية، ونقص الأدوية المستوردة وتأمينها من المنظمات، ودمار أو توقف معظم معامل الأدوية المحلية عن العمل.

مع وصول البنية التحتية الصحية السورية إلى نقطة الانهيار، لا يجد المرضى المصابون بأمراض مزمنة، بما فيها السرطان والسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، والذين يحتاجـــــــــون لمساعدة طبية مستمرة، مكانًا يذهبون إليه من أجل الحصول على الرعاية الطبية.

المدارس والتعليم الإلزامي والثانوي:

تبين الأرقام الاحصائية المرتبطة بهذا الشق من القطاع التعليمي حقائق صادمة لجهة التعليم في سورية خلال الأزمة، مما ينذر بمشاكل اجتماعية وتنموية كبرى نظراً لما يرتبط بالواقع التعليمي المتردي من ظواهر الأمية، وضعف التعليم وآثار ذلك على البناء المجتمعي ككل وعلى عملية التنمية التي تنتظر سورية بعد انتهاء الأزمة. فعدد الطلاب السوريين في المراحل الثلاثة (5) مليون طالب من الذكور والإناث، ونسبة الطلاب المتضررين كلياً من توقف الدراسة هي (أكثر من 50 %)، ونسبة الطلاب المتضررين جزئياً من توقف الدراسة هي (43 %).

فيما يقدر عدد المدارس السورية بـ 22000 مدرسة تضرر منها أكثر من 60%، مما نشط المعاهد الخاصة التي ترهق كاهل الأسر.

الجامعات السورية:

بعد اندلاع الثورة السورية كان من الطبيعي أن تخرج المظاهرات السلمية من الجامعات العامة والخاصة وظهرت نتائج التاريخ الأمني الطويل في التعامل مع طلبة الجامعات وأساتذتها بوضوح صارخ في التعامل مع حراك الطلاب ولاسيما في جامعتي دمشق وحلب، حيث تحول العدد الأكبر من الكليات والأقسام إلى مراكز تتبع لنشاط الطلبة والأساتذة وكتابة التقارير الأمنية، وأصبح “الاتحاد الوطني لطلبة سورية” هو المركز الأساسي لتجمع الشبيحة وتسليحهم وتمويلهم، وإعدادهم لقمع التظاهرات، وتعذيب الطلاب وحتى قتلهم، إن اقتضى الأمر.

الإعلام والصحافة:

الدولة الشموليّة تتحكّم في كلّ مفاصل ومرافق الحياة العامة، فكانت خدمة الإنترنت واحدة من الخدمات التي سرعان ما قطعتها الحكومة السورية عن المناطق التي خرجت عن سيطرتها، فكان لا بدّ من إيجاد بدائل. ولعلّ أشهرها خدمة الاتصال الفضائيّ التي تعتمد على الأقمار الصناعيّة، والتي تعمل باتجاهين (إشارة صاعدة، وأخرى هابطة)، لذا فلا حاجة للخط الهاتفيّ. وقد انتشرت هذه الأجهزة بكثرة في المناطق المحررة، وأصبحت الوسيلة الأبرز للتواصل بين الناشطين فيما بينهم، وبين الناشطين والعالم لإيصال المواد الاعلامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة وصفحات ومواقع الانترنت التي أصبحت تعد بالمئات. ومن هنا أتت فكرة مواجهة إعلام النظام بآخر معارض، لكنه يفتقر في كثير من الأحيان للحرفية أو استخدام اللغة الاعلامية التي تؤثر في شرائح المتلقين، خصوصاً إذا ما اعتبرنا أنه موجهٌ للخارج.

مشكلة انعدام الأمن:

الصواريخ تهدم بيوتهم. الطائرات تقتل أحلامهم. المدافع تقض مضاجعهم.. والدمار يحيط بهم.. يهربون من رائحة الموت المنتشرة خارج منازلهم ليجدوا صورها على التلفاز أو في الفضاء الالكتروني تلاحقهم في يقظتهم وأحلامهم. عبثًا يبحثون عن أمن مفقود. وعن فسحة لتأمل واكتشاف مفردات الحياة من حولهم. فقد أصحاب الأجسام الصغيرة نعمة الأمن، ونعمة النوم بهدوء، ونعمة اللعب بطمأنينة.

يرى علماء النفس أن الآثار الحقيقية يمكن تلخيصها بآثارٍ آنية أي أثناء تعرضهم للأذى، كالصدمة الناجمة عن مشاهدة حالات الموت والتشوه للأقارب، وتترجم في قلة الشهية والابتعاد عن الناس والميل للتشاؤم واليأس وسرعة ضربات القلب والبكاء والاكتئاب والصراخ أثناء النوم وهذه الصدمات تصبح خوفًا مزمناً (فوبيا) من الأحداث والأشخاص المرافقة للحرب، كصوت الطائرات ورؤية الجنود، هذه الآثار التي قد تشتمل جيلاً كاملاً يحملون داخلهم هذه الآلام ولو بشكل متفاوت. فقلة قليلة من أطفالنا قد تخرج أكثر قوة وقدرة على التحمل وأكثر وعياً وتمرساً مع الواقع الصعب وتتأقلم مع آلامه.

أما الأطفال الأكبر سناً فقد يندفعون لحمل السلاح فهذه الصور المؤلمة التي خزنها أطفالنا في طفولتهم لن تموت بسهولة من عقلهم الباطني لأن الأطفال لا يرون مبرراً لسطوة نظام سرقت منهم نعمة الأمن وجعلتهم نهبة للانطواء والعدوانية ولو وجدوا هذا المبرر فهو لا يقدم لهم حلولاً منطقية لهمومهم ومشكلاتهم، وبواقع أكثر مرارة هم أصحاب الاحتياجات الخاصة والمعاقين بسبب تلك الحرب العشواء.

العلاج في مرحلة ما بعد سقوط النظام والاستقرار:

عانت منظمات المجتمع المدني في سورية خلال خمسين عامًا من حكم العائلة الأسدية من التضييق والتهميش والمراقبة وسطوة الموافقات الأمنية مما ضيق عليها وصعب عملها، إن سمح لها بالوجود أصلاً. لكن الدور الأهم يبرز لهذه المنظمات بعد سقوط النظام عندها يجب أن تتضافر جهود الدولة مع جهود مؤسسات المجتمع المدني لتقديم برامج متكاملة وتأمين وسائل لاحتواء الأزمة مع البيت والمدرسة فنحن أمام مشاكل مجتمعية شاملة لا نستطيع تجاهلها أو إهمالها، لأن الطفل هو لبنة بناء المجتمع وتجاهل آلامه يعني خللاً في بنية المجتمع الحضاري.

ولعل هذا هو التحدي الأبرز الذي ينتظرنا في وطن تكثر فيه الهموم والتحديات لذلك يجب تعبئة الطاقات الوطنية للتغلب على الموت المنتشر هنا وهناك وآلام الإعاقة والتشرد وهموم التعليم والإعمار وهي أمور لا خيار لنا بالتصدي لها وحملها لأن مستقبل المجتمع يقرأ من خلال واقع أطفاله والاهتمام بهمومهم ومحاولة ردم الهوة بين ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم والعمل على تعزيز إنسانيتهم التي خطفتها الحرب.


سمير الخراط :
كاتب وباحث اقتصادي سوري، مقيم في باريس

 

المصدر: إشراق