الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حوار شامل مع الدكتور جمال الاتاسي عن الناصرية والناصريين / 7- 9 /

مجدي رياض 

        ثالثاً: القسم النظري؛ آراء وقضايا

(2) الناصرية والديمقراطية والثورة الثقافية

[الديمقراطية تبقى لنا وفي هذه المرحلة بالذات من تاريخنا مرتكزاً أساسيا وضرورة لبناء وحدتنا القومية وللبناء الديمقراطي لدولة الأمة الواحدة، وبناء علاقاتها مع بقية الدول والأمم من خلال التطلع إلى نظام دولي ديمقراطي جديد]

                                                           د . جمال الأتاسي

  • في معظم كتاباتكم تبرز الديمقراطية كملمح رئيسي في اطروحتكم وفي مؤتمركم السابع- والذي تم بعد عشر سنوات من المؤتمر السادس نتيجة الظروف الأمنية- كان شعاره الرئيسي الناصرية حركة تحرر وتوحيد، والديمقراطية منهجنا في التفكير والممارسة والنضال

نريد الوقوف على الرؤية الناصرية للديمقراطية وبالتحديد على اجتهادكم هنا في هذا المجال، فما هي العناوين الرئيسية لهذه الرؤية وذلك الاجتهاد؟.

□ العناوين الكبرى التي تحكم  توجهنا ورؤيتنا للديمقراطية وتحكم حركتنا في التفكير والعمل السياسي وفي التفاعل أو المواجهة مع الآخرين تتمثل في:

أولاً : نحن نؤمن أن الديمقراطية هي نزعة إنسانية هدفها تحقيق الشروط اللازمة في الدولة والمجتمع، وتفتح حرية الشخصية الإنسانية وقدراتها المبدعة، وهي بالمقابل ترسي قواعد للاندماج الوطني للفئات الاجتماعية المختلفة، كما تأخذ أبعادها وتوجهاتها في الإطار الكامل القومي للأمة، وتبقى لنا وفي هذه المرحلة بالذات من تاريخنا مرتكزاً أساسياً وضرورة لبناء وحدتنا القومية وللبناء الديمقراطي لدولة الأمة الواحدة، وبناء علاقاتها مع بقية الدول والأمم من خلال التطلع إلى نظام دولي ديمقراطي جديد.

ثانياً : نحن نؤمن أيضاً.. بأن الديمقراطية نظام سياسي في الحكم وبناء الدولة ومؤسساتها ومن قوانينها وتشريعاتها، وهو نظام دستوري يقوم على الفصل بين السلطات وحصانة القضاء وصون الحريات العامة وسيادة القانون العادل على الجميع، وعلى حرية الرأي والتعبير والتجمع السياسي والتنظيم في الإطار الوطني العام وبالاحتكام إلى إرادة الغالبية الكبرى لجماهير الشعب…

ونحن نؤمن ثالثاً: بأن الديمقراطية السياسية لا تتأكد ولا تصان إلا بتعزيزها بالديمقراطية الاجتماعية وبخلق شروط من العدالة وتكافؤ الفرص بين المواطنين وبخلق ظروف من التقدم الاقتصادي والاجتماعي لتمكين المواطنين من ممارستهم لهويتهم السياسية والفكرية، وتمكنهم من إطلاق قدراتهم الإبداعية وتحرير الإنسان من كل عوامل القهر والضياع.

  • قضية الديمقراطية الاجتماعية تتداخل مع قضية قوى التحالف للشعب العامل ومع القضية القومية لتتشكل في النهاية رؤية نظرية عند بعض الفصائل الناصرية- ترفض من خلالها التعددية السياسية أو تقبلها كمطلب تكتيكي- مرحلي- بينما ترفضها كمبدأ استراتيجي، فما هو تعليقكم على هذه الرؤية.. خاصة وأنها تعتمد على رفض عبد الناصر للأحزاب في الفكر والتجربة؟.

□  لقد تحدثنا من قبل عن الاتباعية … وقلنا عنها أنها تقف عند ما قاله أو أنجزه عبد الناصر، بينما الإبداعية تعتمد نهجه الثوري في التفاعل مع الواقع والتاريخ ومن ثم في تقديم الإجابات على ما لم يقله عبد الناصر أو قاله ولم ينجح فيه لكنه كان يتطور ويحاول دوماً التجديد على طريق النجاح…

هناك العديد من المسائل ومنها مسألة الديمقراطية كانت بها نقائص وكان عبد الناصر واعياً لجوانب هذا النقص وظل حضوره واجتهاده يغطي هذا النقص، وإذا كان عبد الناصر قد رفض الصيغ التي كانت قائمة قبل الثورة والتي وجدها غير ملائمة للمرحلة ومربكة لمسار الثورة ومبددة لقواها، فإن البدائل التي قدمها- وفي كل مرحلة تجاوز كان ينتقد السابقة- ظلت مرحلية وناقصة ولذلك فإن الإبداعية أو الاجتهاد تفرض الاسترشاد بنهج عبد الناصر في هذه المسألة لا بما طبقه أو حققه في هذا المجال.

من هذا المنحى فإن التعددية السياسية مطلب أساسي واستراتيجي بالنسبة لنا، فنحن وإن كنا نسعى للوعي الكامل بواقعنا وظروفنا وإلى الوصول للحقيقة كلها، فإننا نرفض أن ندعي لأنفسنا أو أن يدعي أي طرف آخر لنفسه أنه يملك الحقيقة والمعرفة الصحيحة وحده.

أما قضية الطبقة أو الفئة الاجتماعية أو التحالف الشعبي لعدة فئات اجتماعية ((تحالف قوى الشعب العامل))، فيمكن أن يعبر عنها أكثر من تنظيم سياسي واحد أو حزب، وبذلك نرفض أن تفسر الأمور ليكون هناك حزب واحد.. ونرفض أيضاً هذه الوحدانية تحت أي مسمى كالحزب القائد للدولة أو الشعب أو المجتمع.

وإذا كان مبدأ التحالف- قوى الشعب العامل- ليس مبدأ تكتيكياً بل مبدأ استراتيجياً، وأن قاعدة التحالف القومي لعدة فئات اجتماعية تبقى القاعدة الثابتة في بناء النظام السياسي والتنظيم، إلا ان هذه القاعدة تتغير وتتجدد صيغتها وفق تغير الخريطة الاجتماعية للواقع ووفق تغير وتطور الخريطة السياسية للمجتمع الشعبي في مساره الثوري نحو تحقيق مهامه الديمقراطية والقومية والاشتراكية.

أما على مستوى قضية المجتمع الاشتراكي أو الديمقراطية الاجتماعية التي نريدها، فإننا نسعى للوصول إلى هذا المجتمع في مسار ديمقراطي ووفق منهج متعدد المراحل والأطوار، لكنه في الوقت ذاته لا يستهدف الوصول إلى مجتمع الطبقة الواحدة أو الفئة الاجتماعية الواحدة ومن ثم لا يوجد الحزب الواحد أو القائد…. الخ..

قلتم ان عبد الناصر قد رفض الصيغ التي كانت قائمة قبل الثورة في المجال الديمقراطي، ويقول أصحاب الرأي الرافض للتعددية أن عبد الناصر قد فضح زيف هذه الديمقراطية الليبرالية، وأن تاريخ المنطقة شاهد على تزويرها لإرادة الشعب وتبعيتها للمستعمر…. الخ.

  • السؤال الذي يطل برأسه هنا: كيف يتم التوفيق بين مقدمتين متفقتين ولكن بنتيجتين مختلفتين؟ أو بصيغة أخرى: كيف.. وأين تفترق رؤيتكم الناصرية للديمقراطية مع الرؤية الليبرالية؟.

□ نعم وقفت الناصرية منذ بداية ثورة يوليو لتكتشف ادعاء وشكلية الليبرالية في مجتمعاتنا سواء في مؤسساتها أو برلماناتها أو تزويرها للإرادة الشعبية وتسلطها وتغطيتها لحكم الأقلية الطبقية- مجتمع النصف في المائة- وتفريطها بالسيادة الوطنية… الخ..، وإذا كنا لا نريد العودة لمناقشة هذه الأمور المعروفة فإننا سنحاول التركيز على عناصر الافتراق بين الناصرية والليبرالية فالأخيرة ترفض فكرة الثورة وضرورة التغيير ومن ثم فهي ترفض الأحزاب الثورية وهي لا تنظر إلى المسار التاريخي للمجتمعات الإنسانية ولا لضرورات التغيير والتقدم بهذا المنظور، وتنظر إلى النظام الغربي وكأنه يجمع التطور الطبيعي وكأنه نهاية المطاف فقد وجد ليسود العالم وولد ليبقى في أطره الاجتماعية التي تهيمن فيه البورجوازية والقائمة على التمايز والتفاوت الطبقي، ولا تنظر إلى الشعب كقوة اجتماعية ولكن كمجموعة من الأفراد والمواطنين.. الخ.

  • وأين نقاط الالتقاء مع الليبرالية؟.

□ نحن في الناصرية نلتقي مع الليبرالية في المقولات الديمقراطية العامة حول النظام السياسي والتنظيم لسيادة الشعب وضرورة الدولة كممثلة لحكم الأغلبية والإرادة الوطنية العامة للشعب والقول بالسيادة وسيادة القانون بالنسبة للجميع على حد سواء وتقديم السلطات التشريعية المنتخبة على السلطة التنفيذية والقول بالتعددية وحرية التنظيم والأحزاب.

  • بين الافتراق والالتقاء تناقض، ففي الأولى الهيمنة للبورجوازية بينما في الثانية- الالتقاء- نجد الدولة ممثلة لحكم الأغلبية،.. الخ، كيف؟.

□ حتى يزول هذا اللبس لا بد من الإشارة إلى عدة ملاحظات أولها: ان الناصرية وإن كانت تلتقي مع الليبرالية في المفاهيم التي ذكرناها إلا انها تختلف معها أيضاً حول مضامين هذه المفاهيم وتلك المقولات وحول وضعها موضع التطبيق الفعلي.. وثانيها: أن الليبرالية كثورة تحررية إنسانية في التاريخ البشري قد استطاعت أن تفرض مبادئها- إعلان حقوق الإنسان 1789م- على أكثر الدساتير والنظم بل والمؤسسات الدولية، إلا أن الواقع والتطبيق يسلب منها الكثير، بل إن المجتمعات الرأسمالية نفسها قد فقدت صفتها الليبرالية التقليدية في اطلاقها سواء بالسلب- الاستعمار أو سيطرة البورجوازية- أو بالإيجاب  عن طريق تأثرها بالثورة الإنسانية التحررية الثانية- الاشتراكية- وذلك بإقامة نوع من القطاع العام في أشكال متعددة ونسب متفاوتة… وثالثها:  أن تجربتنا قبل ثورة يوليو أو في مرحلتنا الراهنة تشير إلى طبقة مهيمنة غير منتجة ومتخلفة- بورجوازية طفيلية- وتابعة للقوى الخارجية وتصب ثروات الأمة في سوقها وبنوكها، ومن ثم فإن أيديولوجيتها شكلية- دعائية- مزيفة لإرادة الأمة وهي تلغي كل إرادة أو تكتل شعبي وتنزع حق التشريع والرقابة عليها… الخ.

وفي هذا الإطار يمكننا الفصل بين ما نشير إليهم من البورجوازيات العربية وبين البورجوازية المتقدمة تكنولوجياً وسياسياً والتي لها قواعد اجتماعية  راسخة، ويمكننا الفصل أيضاً بين الأصول النظرية وبين التطبيق في الليبرالية.. الخ.

مرة أخرى يقفز الاتهام بالانتقائية والتجريبية على الفكر الناصري في المسألة الديمقراطية حيث الانتقاء من التجربة الليبرالية والتجربة الاشتراكية رغم تعارضها.

ليس صحيحاً أنها رؤية توفيقية.. بل هي رؤية جدلية تعبر عن خصوصية واقع وروح عصر، فالثورة العربية مطالبة بأن تعبر عن واقعها الوطني/ القومي بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية والدينية، وفي الوقت ذاته ترتفع إلى مستوى العصر وتصب تجاربها في ذلك التيار الثوري الإنساني العام الذي يتمخض ويطمح في تغيير شامل للعلاقات بين القوى الاجتماعية والشعوب والدول لخلق نظام إنساني عالمي جديد.

فالرؤية العربية للديمقراطية ينبغي لها في هذا المسار التاريخي أن تأخذ- ما هو إيجابي من تجربة الثورتين الكبيرتين في التاريخ، الثورة الليبرالية والثورة الاشتراكية، ذلك لأن الثورة الديمقراطية الأولى- البورجوازية الليبرالية- والتي بدأت قبل قرنين وبعد تمهيد طويل من حركات النهضة والإصلاح والفكر الفلسفي جاءت بوعد ومهام تحرير الإنسان من عبودية عهود الظلم والطغيان والإقطاع والحكومات المطلقة، وبالفعل أعطت هذه الثورة قواعداً ترسخت وما زالت تشكل الركائز الأساسية لمضامين الحرية السياسية وفهم سيادة القانون وإذا كانت الليبرالية السياسية قد سخرتها الليبرالية الاقتصادية لصالحها فأنتجت سيطرة فئة أو طبقة البورجوازية الرأسمالية واستغلالها للشعوب والحكم بالأقلية على الأغلبية- الطبقات الأخرى- بالمال والنفوذ وانتقلت خارجياً في صورة الاستعمار وما لبث أن تطور في صيغة الإمبريالية، فإن هذا الشق السلبي نرفضه ونعلم أنه المقدمة الطبيعية لمجيء الثورة الديمقراطية الاجتماعية- الاشتراكية-.

إن الثورة الثانية- الاشتراكية- جاءت نتيجة نضال فكري وسياسي وطبقي طويل استهدفت تعرية مساوئ النظام الرأسمالي وهيمنته الطبقية واستلابه لحرية الإنسان، ومن ثم محدودية الديمقراطية البورجوازية، وإذا كانت هذه الثورة قد حققت إنجازات على طريق الحرية الاقتصادية للإنسان بإلغاء الملكية الفردية واستغلال الطبقة الرأسمالية، وقدمت الرؤية الجدلية للفكر والتحليل إلا أنها سرعان ما حصرت نفسها في إطار الدولة والمذهبة فجمدت جدلية الفكر في فهم الواقع وتطوره ولم تنجز وعودها بالديموقراطيات الشعبية.. فلم ينته ضياع حرية الإنسان ولم ينته الاستغلال بكل أنواعه وتحول الحزب أو الدولة إلى الهيمنة السلطوية وتقنين حرية المواطنين وقمع حريات القوميات- المجر 1956 وتشيكوسلوفاكيا 1968- الخ..

مرة أخرى أكرر بأن الدروس المستفادة بعد نقد الثورتين ضرورة وفي الوقت ذاته يفتح الطريق أمام الثورات الوطنية لتطوير رؤيتها وتقديم تصورها على طريق تحرير الإنسان، ومن هنا كانت مفاهيم ثورتنا العربية تحاول أن تصيغ هذه الرؤية الجدلية والتجديدية في الديمقراطية/ الاشتراكية كتعبير عن روح عصر جديد… وخصوصية واقع- أمة- لها تراثها وتاريخها وأيضاً يجب أن يكون لها دورها في المسار التاريخي.

  • عن خصوصية واقع أمتنا وفي الطريق نحو تحليل أزمة الديمقراطية تحدثتم مبكراً وبإسهاب عن النظم الاستبدادية العربية ثم نعتّموها بالمملوكية، ما هو الفارق بين النظم المملوكية/ العربية وبين نظم الاستبداد أو الديكتاتورية كالفاشية والنازية مثلاً في الغرب؟.

□ النظم الاستبدادية عامة… أو ما يطلق عليها الديكتاتورية.. ملامحها: تمجيد الدولة والنظام والقانون… الوطن ووحدة الشعب،  وتعتبر نفسها ذات حق في تعطيل الديمقراطية من أجل هذا التمجيد الذي تنحاز له، فتعتدي على الحريات السياسية للمواطنين.. وتحتكر السلطة لنفسها…

أما النظم الاستبدادية العربية فإنها لا تستند لقاعدة اجتماعية.. أنها سلطة فئوية طائفية أو عشائرية أو فردية تعمل دائماً على تفتيت السلطة الاجتماعية… وتفكيك عرى المجتمع، وتعمل على تغييب الصراع الاجتماعي والإيديولوجي والسياسي لمصلحة صراع ثانوي هدفه الوحيد تقوية الانسجام الفئوي وتأكيد نفوذه على المجتمع.

وإذا كانت النظم الفاشيستية والتي صعدت في أوربا بين الحربين قد قامت أيديولوجيتها على قاعدة الوطنية أو القومية والتعصب لهما بالاستقلال وبالسيطرة على الخارج وفي الوقت نفسه أقامت قيمها الوطنية ورؤيتها القومية على أكتاف قوى اجتماعية شكلت لحمة البناء الاجتماعي ووحدة الوطن، فإنها في نهاية المطاف قامت بتطوير مجتمعها وبفرض احترام القانون… وصلابة وعقائدية الإدارة.

أما السلطة المملوكية فإنها لا تملك إيديولوجيا بل تجريد ومتناثرات فكرية تزويرية لطبقة فئوية تابعة وضعيفة، ولكنها تقدم نفسها مكتملة وكلية العلوم والقدرة، وهي غير قابلة للانقسام بل تفرز زعامات عديدة منبثقة عن العائلة أو العشيرة أو الطائفةـ، وهذا يفسر تعدد الجيوش والميليشيات المسلحة التي يقودها الأقرباء والمحاسيب.. انها شبيهة بالفترة المملوكية في صراعاتها… وفي أساليبها وتخلفها.. خاصة فترة الانهيار.

إن هذه النظم تدفع بحركة المجتمع للاتجاه المعاكس.. فتتحول كل أشكال الصراع مع الخارج الى صراعات داخلية، وتعرض المجتمع لاضطهاد وقمع متواصل بينما تحرض فيه عوامل التفتت والانقسام ليواجه بعضه بعضاً، مما يجعل الحرب الأهلية في حالة كمون دائم وقابلة للانفجار في كل لحظة، وتقى الفئة الحاكمة- عائلة أو طائفة- متماسكة ومسيطرة.. والمعيار الوحيد لعمل الدولة والأجهزة هو الحفاظ على وجودها وتماسكها في مواجهة ضعف المجتمع.

وتقوم بمحاصرة الطبقات والطوائف والأحزاب والمنظمات الشعبية والنقابية وتطالبها بأن تلغي دورها وتذويب شخصيتها ضمن هيئات وترتيبات الفئة الحاكمة.. وتخضعها لمراقبة أمنية مباشرة، وتعدم حرياتها السياسية والفكرية.. وتمادت في هذا الاستبداد حتى أصبحت تتفنن في الاذلال المجاني لغالبية المواطنين.

إجمالاً.. هذه السلطة المملوكية.. فئوية.. تعيش على التفسخ العام للمجتمع وعلى توسع قوتها الذاتية وفوقيتها واستعلائها، واستخدامها الاضطهاد والتعسف طريقة للحكم أكثر منه وسيلة للسيطرة، وتمارس نمطاً من الاستعمار الداخلي وتقوم بعملية نهب لثروة المجتمع واستنزاف موارده.

  • إذا كانت النظم المملوكية.. أو الاستبداد الشرقي وراء الأزمة الشاملة لواقعنا العربي المعاصر وللديمقراطية بصفة خاصة فكيف يمكن للقوى الوطنية- المعارضة العربية- أن تناضل بالديمقراطية ومن أجل الديمقراطية كما تركزون في كتاباتكم أو مواقفكم؟.

□ أولاً ينبغي لهذه القوى الوطنية أن تلم تبعثرها ثم تبتكر ثانياً طريقها ووسائلها التي تتيح لها الانتقال من حالة اللا فعل واللا جدوى الى مرحلة التأثير الإيجابي في مجريات الأحداث، وعليها ثالثاً لن تضع برنامجها الاستراتيجي- الجبهوي- وأن نتخذ الخطوة الصحيحة ومدخلها الطبيعي نحو التغيير الثوري ألا وهو (التوجه نحو الجماهير) وتحريض تلك الجماهير- كفئات اجتماعية محورية وكادحة- وبناء تلاحمها الوطني والتصدي لقوى الاستبداد بها ومعها للتغيير الديمقراطي.

إن التصدي لحركة الثورة المضادة- الاستبداد- في الوطن العربي يمكن  أن يعتمد على ((حرب الاستحكامات)) كما أطلق عليها المفكر الإيطالي ((غرامشي)) فالقوى الاستبدادية لم تصل للحكم وللسيطرة الكاملة إلا عبر تكتيكات متلاحقة باحتلالها موقعاً بعد آخر وبعد أن تستحكم فيه، ومن ثم وفي مواجهة هذه الحرب لا بد للقوى الوطنية والديمقراطية أن تستخدم تكتيك احتلال المواقع في قلب الشعب وفي داخل القوى الاجتماعية وتستحكم هذه المواقع حتى تصل الى خلع الهيمنة الاستبدادية عن هذه القوى الاجتماعية، إن أسلوب المواجهة الشاملة هنا يصبح اسلوباً فاشلاً..، وعملية الهروب الثوري نحو الفوضوية أي مواجهة ارهاب السلطة المستبدة بحركة إرهاب مضاد وقاصر عن التغيير عملية توغل في الضياع ولا تؤدي إلى غاية.

إن القوى المرشحة للثورة الوطنية الديمقراطية ينبغي لها أن تدرك أن طريق الثورة العربية صعب وطويل، ولا بد وأن تتشبث بالاستمرار على درب العمل والنضال، وتدرك أن الأزمة الراهنة التي تمر بها حركة التقدم العربي هي أزمة تعثر لا مرحلة انهيار وتسعى نحو الاسهام في دفع حركة التغيير الثوري بيقين قدوم شمسه التي لا بد وأن تسطع على هذه الأمة.

ولكن هذه القوة الوطنية- المعارضة العربية- والمطالبة بأن تلعب دور التحدي والنفي للسلطة الاستبدادية تعاني هي نفسها وداخلها أزمة الديمقراطية، في الوقت الذي ينبغي فيه أن تكون هذه القوى بسلوكها نموذجاً للمجتمع الديمقراطي المنشود.. على الأقل في جدلها الداخلي وقبل أن تشارك في الجدل السياسي والاجتماعي.

  • ما هو تفسيركم لهذه الظاهرة- التناقض- بتلك القوى المعارضة؟

□ ليس لنا أن ننسى أولاً أن قوى المعارضة المطروحة في الساحة العربية هي بنت المرحلة التاريخية وبنت الظروف التي أعطت وأنجبت هذه النظم الاستبدادية القائمة، كما أنها وفي كثير منها- بأقطار عربية عديدة- كانت تشكل مع العناصر أو الفئات التي صعدت الى السلطة أحزاباً وحركات سياسية واحدة، وعندما جاءت حركة الردة استطاعت أن تعيد من مواقع عديدة قادتها فتستعين بالعناصر والفئات التي خرجت معظمها من أحشاء القوى المسماة بالثورية وبالوحدوية والتقدمية.. الخ، بل إن بعض هذه القيادات والعناصر بعد تحولها السلطوي وتسلطها ما زالت تحمل الأسماء ذاتها وترفع الشعارات ذاتها، والعامل الأخير أحد العوامل التي تعيق التحام المعارضة الوطنية الديمقراطية بالمجتمع الشعبي أو تفاعلها معه فتظل هامشية وتدور في دوامتها الذاتية ومن ثم تنفجر بداخلها أمراض الواقع التي تعيش فيه وتنقده، هذا بالإضافة الى عوامل عديدة خاصة بالمسائل التنظيمية والخبرات التاريخية لقادة هذه الأحزاب وكوادرها..

  • ما هو الطريق نحو حل التناقض في صفوف المعارضة؟

□ ما نراه  على طريق الحل هو الارتباط بالثورة الثقافية، لأن الثورة الثقافية هي ((معرفة نقدية)) تحيط بالواقع من كل جوانبه ولا بد لها في حركة نقدها أن نتناول كل مقوماته وقواه.

إن هذه القوى مطالبة أن تنقد الواقع وتحلله لا تتناول النظم الحاكمة وحدها بل وأن تتناول حركتها ذاتها- حركة المعارضة- كما تتناول المجتمع الشعبي الذي عاد إلى الانغلاق على نفسه وتراجع لروابطه وعصبيته التقليدية.

إن تركيز النقد بالدرجة الأولى على النظم المستبدة يأتي من خلال أنها العقبة في وجه التغيير، ويجب ألا يقف عند كشف وتعرية استبدادها واستغلالها ومفاسدها بل يجب أن يحرض على معارضتها والوقوف ضدها وتوجيه النقد للمعارضة إنما يرمي في النتيجة إلى استخلاص قوى معارضة راديكالية تدير حركة الصراع السياسي مع نظم الاستبداد..

أما نقد المجتمع الشعبي فهو يهدف الوصول إلى ما فيه من مخزون نضالي وثوري هو الرصيد الأساسي للأمة وللتغيير على طريق أهداف الأمة..

  • الثورة الثقافية طريق النقد والتجاوز لأزمة المعارضة العربية، كما ذكرت وفي أدبيات الحزب وكتاباتك الأخيرة هناك ربط بين الثورة الثقافية- التي تلحون عليها كثيراً- وبين الديمقراطية، ما الذي تريد أن تؤكد عليه من خلال هذا الربط؟.

□ الثورة الثقافية الشاملة لا يمكن أن تبدأ أو يتوفر المناخ الملائم لها بدون الديمقراطية… حرية التعبير والنشر… وحتى حرية التنظيم السياسي، فالثورة الثقافية هي عملية بحث وتأصيل لهوية ووحدة… وهذه العملية تحتاج لحوار بين الآراء.. وبين الإيديولوجيات… والمنظورات المختلفة. لذلك فإن الخطوة الأولى على طريق تحققها هو النضال من أجل الديمقراطية السياسية والفكرية وهذا هو منطلقها الرئيسي في هذه المرحلة..

إن أية ثورة وطنية اليوم في وطننا العربي لا يمكن لها إلا أن تكون سياسية واجتماعية.. وأيضاً وحدوية. وهذا الترابط بين المهمات المتعددة.. والأهداف الكبيرة- على طريق الثورة الشاملة- يحتاج إلى ثورة ثقافية تقيم اللحمة والوحدة بين هذه المهمات والأهداف وفي الوقت ذاته تحتاج لمواجهة كبرى مع النظم الاستبدادية- المملوكية على أن تقوم هذه القوى الثورية بالمراجعة النقدية، كثيرة هي القوى والمجموعات السياسية التي قالت بمثل هذا النقد وتلك المراجعة، ولكن ممارستها لتلك المراجعة لم تأت كممارسة جدلية تثور بها على نفسها وتجعلها تتجاوز واقعها وتنقلها إلى موقع جديد في علاقاتها مع القوى الأخرى.

إن عملية الثورة الثقافية- القومية- الديمقراطية- في مواجهة الواقع العربي السائد.. وتحت وطأة هذه النظم للسيطرة الشمولية التي تتصدى لها، هي عملية تاريخية وتحتاج لحركة تاريخية.. وطريقها صعب وطويل والحركة على هذا الطريق تبدأ بخطوات، ولكن لا بد من تركيز جماعي.. ونضالات متعددة.. من أجل البدء في بناء حركة مجتمع معارض.. وحركة شعب معارض… وتكون الديمقراطية هي قضيتنا الأولى..، وتكون وحدة الأمة وحرية الإنسان العربي ومشروعه النهضوي في انطلاقه نحو المستقبل المشرق الغاية والهدف من هذا النضال وتلك المعارضة وهذا لن يتأتى إلا بالبدء بالثورة الثقافية حيث النقد والجدل والانفتاح والتفاعل بين الآراء والاتجاهات.

يتبع..