الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

البرجوازية الدمشقية وإعاقة التحديث السياسي

حسين عبد العزيز *

كيف يمكن تفسير التماهي الحاصل بين البرجوازية الدمشقية والسلطة الدكتاتورية؟ وكيف فشلت هذه البرجوازية في أن تتحول إلى كتلة متراصّة تدفع نحو التحديث الاقتصادي والسياسي بدلًا من أن تكون عقبة في مواجهة التحديث؟

البرجوازية الأوروبية:

قد يُفهم، في لحظات الثورات الاجتماعية/ الجماهيرية، أن تتخذ البرجوازية الاقتصادية والأعيان والطبقة الوسطى العليا مواقف مضادة للثورة الشعبية، فينحازوا نحو الجانب المحافظ/ الرجعي، خوفًا من منطويات النهوض الاجتماعي العام.

حدث هذا الأمر في سياق الثورة الفرنسية بعد اندلاعها عام 1789، حيث تراجعت فئة من الطبقة الوسطى عن مواقفها الثورية وآثرت الاعتدال؛ فوجدت نفسها في صفوف المحافظين الرجعيين الذين يرغبون في إبقاء الوضع على ما هو عليه مع تغيرات دستورية. وتكرر الأمر في ثورة عام 1830، حين قرر الليبراليون المعتدلون عدم المضي قدمًا في مسار الثورة الاجتماعية الراديكالية.

وقد بلغ هذا الانقسام أوجهه في ثورات ربيع الشعوب الأوروبية عام 1848: الراديكاليون الثوريون طالبوا بجمهورية ديمقراطية مركزية موحدة في ألمانيا وإيطاليا وهنغاريا وغيرها من الدول، في حين طالب الليبراليون المعتدلون بملكية دستورية، رافضين الديمقراطية التي كانت في نظرهم مرادفة للثورة الشعبية.

وفعلًا، سرعان ما انطفأت شمعة ثورات 1848، مع وقوف الطبقة الوسطى المعتدلة في كثير من الدول مع الملكية القائمة.. وبذلك التقت الليبرالية مع النزعة المحافظة لأول مرة.

وهكذا صوّتت فرنسا القروية عام 1848 ضد انتفاضات شوارع باريس خلال الانتخابات التأسيسية، فيما ضمنت الانتخابات الرئاسية انتصار الأمير لويس نابليون، كما منحت الانتخابات التشريعية عام 1849 أغلبية محافظة من 500 برلماني من أصل 750.

غير أن وضع البرجوازيات والطبقات العليا، ومن ضمنها الطبقات الوسطى المعتدلة في أنحاء العالم، في سلة واحدة، يُعدّ نوعًا من التشويه التاريخي، فإذا كانت هذه الفئات قد اشتركت في معاداة الثورات الجماهيرية، فإن سلوكها اختلف كثيرًا فيما بينها في مرحلة ما بعد الثورات؛ إذ اتجهت القوى البرجوازية الليبرالية في فرنسا وأوروبا القارية إلى تحقيق مطالب الثوار، لمنع تكرار الثورة الشعبية، كما حدث تمامًا بعد ثورات عام 1848.

عكفت الزعامات السياسية الليبرالية في أوروبا على تنفيذ برامج للإصلاح والإصلاح العقلاني الذي وضع لمعالجة شكاوى تلك المجموعات الشعبية وللتخفيف من معاناتها، واشتملت برامج الإصلاح على ثلاثة مكونات رئيسية:

1ـ حق الاقتراع الذي أدخل أولًا بحذر ثم اتسعت تغطيته بشكل متزايد.

2ـ تعديل التشريعات الخاصة بمواقع العمل وإعادة توزيع المنافع الاقتصادية.

3ـ خلق الهويات الوطنية عن طريق التعليم الابتدائي الإلزامي والخدمة العسكرية الإلزامية.

هذا السياق التاريخي يختلف تمامًا عما جرى في أنحاء كثيرة من العالم، ومن ضمنها العالم العربي، ومنه ما جرى في سورية، حيث وقفت البرجوازية وفئة من الطبقة الوسطى العليا مع النظام، في مواجهة الثورة الشعبية.

وإذا كان الليبراليون والطبقة الوسطى العليا قد وقفوا في أوروبا في وجه الثورات الجماهيرية، فذاك لأن ثمة حراكًا سياسيًا يقوده المعتدلون لإنهاء التقاليد السياسية القديمة، والعمل على تعزيز الملكية الدستورية أو إقامة الجمهورية، وكان من شأن استمرار الهبات الشعبية أن تطيح بهذه البرامج لمصلحة برامج راديكالية على النمط الشيوعي. لكن الأمر لا يبدو مفهومًا في عالمنا العربي، وفي سورية، إذ إن أهداف الثورات الشعبية من المفترض أن تتقاطع مع مصالح البرجوازية في بناء مجال اقتصادي – سياسي حرّ، ضمن دولة القانون والمؤسسات، وهذه بيئة مواتية تمامًا للنهوض الرأسمالي.

الطبقة الإقطاعية الحاكمة:

شهدت سورية بعد الاستقلال حضورًا واسعًا للأفكار الليبرالية، تمثلت في شقها الاقتصادي بالانطلاقة الرأسمالية في دمشق وحلب وحماة وحمص، وتمثلت في شقها السياسي في حزبين رئيسيين: حزب الشعب والحزب الوطني، وانعكس هذا الوعي الليبرالي لدى الطبقات المدينية في هذه المدن.

وعلى الرغم من أن الحياة الاقتصادية – السياسية في سورية كانت قيد التشكل وضعيفة، في مرحلة ما بعد الاستعمار، فإنها كانت تشكل البنية الضرورية للتطور الرأسمالي والتطور الديمقراطي اللاحق، فمن دون طبقة برجوازية حضرية حاملة لهذه الأهداف، لا إمكانية لنمو الديمقراطية البرلمانية، كما يجادل كثير من المفكرين.

خصوصية البرجوازية الاقتصادية السورية بعد الاستقلال أنها كانت تمتلك السلطة السياسية، وعندما تمتلك الأرستقراطية السلطة السياسية، تصبح طبقة رجعية على المستوى السياسي، حيث ينحصر هدفها في المحافظة على امتيازاتها الخاصة، ولن تعود طبقة تعمل على الموازنة بين تعسف السلطة السياسية وبين طغيان الجموح الشعبي، كما كان الأمر في إنكلترا وبعض الدول الأوروبية في مرحلة الحداثة، حيث وجدت أرستقراطية وراثية قادرة على إحاطة أحكام الملك السلطانية.

إن تحوّل المدينة، ومنها دمشق، إلى مقارّ للنخب العسكرية والدينية والاقتصادية التقليدية، يجعل منها مركزًا محافظًا بدلًا من أن تكون مركزًا ديناميًا منفتحًا. وإن اقتصار المناصب المدنية وعضوية البرلمان، على السياسيين الإقطاعيين، جعل السياسة في سورية مقتصرة على فئة معينة، ولذلك تمحورت السياسة حول التنافس بين التحالفات الإقطاعية للحصول على المناصب، ولم تتمحور حول البرامج السياسية والاقتصادية للنهوض الاجتماعي.

يميز عزمي بشارة، في كتابه الأخير “الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة”، بين الانتقال التدريجي إلى الديمقراطية – الليبرالية في الديمقراطيات التاريخية، وبين حالات الانتقال من السلطوية المباشرة إلى الديمقراطية الشاملة لناحية عمومية حق الاقتراع قبل ترسيخ الحقوق والحريات. ويرى أن تعقيد الانتقال الديمقراطي في العالم العربي، خصوصًا في مرحلة ما بعد الاستقلال حيث الشروط كانت مواتية أكثر من الوضع قبل الربيع العربي، ناجمٌ عن هذا الفارق الكبير.

غابت عن النخب الحاكمة الإقطاعية في مرحلة ما بعد الاستقلال مبادئ المواطنة خلال عملية بناء الدولة، وأدى ذلك إلى فقدان هذه النخب ثقافة سياسية داعمة للديمقراطية. ولذلك، كانت العملية الديمقراطية في سورية هشة والنخب هشة، وزاد ضعف الترابط بين الإقطاعية الاقتصادية – السياسية بين المدينة والريف من عوامل جعل الانقلاب البعثي أمرًا سهلًا، حين نجح في استقطاب الأرياف والبدو في مواجهة المدينة.

تراجع البرجوازية:

يتفق كثيرون على أن البرجوازية السورية، وخصوصًا الدمشقية والحلبية، قد تعرضت للتدمير خلال العقود الماضية، كانت البداية بعمليات التأميم في ستينيات القرن الماضي، ثم استمرت في عهد حافظ الأسد، وإنْ كان قد أعطاهم هامشًا للتحرك وفق منطوق الدولة ومصالحها الخاصة.

والفرق بين التجربتين مهمّ للغاية؛ ففي مرحلة التأميم كانت ثمة أيديولوجية اشتراكية تفرض منطقها في عمليات بناء الاقتصاد الوطني، بغض النظر عن هذه الأيديولوجية أهي صحيحة أم لا، لكن في المراحل اللاحقة كانت عملية تدمير البرجوازية هدفًا مخططًا له مسبقًا، من أجل انتزاع الإرادة الاقتصادية والسياسية منها، وانتزاع الأفكار الليبرالية والديمقراطية من وعيها، للحيلولة دون تكرار مرحلة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي.

لقد نشأ اقتصاد ريعي، أو اقتصاد المكرمة، يقوم على توزيع المشاريع والامتيازات، بحسب درجة الولاء السياسية للنظام، ويصل جزء من عملية التوزيع هذه إلى الطبقات الوسطى والمثقفين، فتفسد وتجهض عملية قيام وتبلور فئة مثقفين وقطاع ثقافي نقدي مستقل، محوّلة القلة من المثقفين النقديين إلى أفراد متمردين معزولين عن شروطهم المادية، يقول عزمي بشارة في كتابه “في المسألة العربية”.

وفعلًا، بدأت البرجوازية التي كانت مناهضة للإقطاع تصبح رديفة للسلطة الاستبدادية، وهكذا، نشأت أوليغارشية جديدة، ونشأ قطاع اقتصادي مافيوي مرتبط ببيروقراطية النظام.

إن القضاء على الطبقة الصناعية – التجارية الحرة تمّ بإحلال طبقة أعيان تجمع بين إقطاعية مبتذلة وبيروقراطية نظام تعسفي لا يفسح مجالًا لعقلانية بيروقراطية حديثة.

ينقل ميشيل سورا، في كتابه “سورية الدولة المتوحشة”، قولًا عن مسؤول سوري: “ثم جاء تطبيق الاشتراكية ليقضي تمامًا على ما تبقى من اقتصاد المدينة، لأن إلغاء الاشتراكية يعني تحويل كل الامتيازات السياسية والمالية والصناعية والتجارية إلى المدن، وتحديدًا إلى المجتمع السني، وباختصار، تتيح الاشتراكية للنظام العلوي إفقار المدن، بإعادة مستوى معيشتهم إلى مستوى القرويين”.

لماذا لم تقاوم البرجوازية الدمشقية سياسات البعث في تحويلها إلى طبقة طفيلية لا تأثير اقتصاديًا – سياسيًا لها؟ هناك مَن يذهب في الإجابة عن هذا السؤال إلى أنهم ارتضوا التهميش، مقابل عدم التعرّض لطقوسهم وحياتهم الدينية وعاداتهم الاجتماعية، ولم يكن لديهم من طموحات سوى الحفاظ على ثقافتهم الدينية والتجارية، وأن حافظ الأسد فهم هذا الأمر، وتجنب منافستهم بمنحهم ما يريدون.

غير أن الأمر قد يكون أعمق من ذلك، على ما في هذا الرأي من وجاهة، فنمط سلوك البرجوازية الدمشقية الرجعي هو استمرار لتاريخ طويل، وما ليبرالية القرن الماضي البرجوازية سوى استثناء تاريخي، وفي هذا يذهب صقر أبو فخر إلى أن دمشق ظلت أسيرة الثالثوث التاريخي: مالكي الأرض، رجال الدين، التجار. وهي بنية حامية للسلوك التقليدي وعازلة للسلوك التحرري ومانعة للعصرنة.

إن الشرخ الكبير بين المركز والأطراف قام بفصل الأغلبية المنتمية إلى النخبة الإسلامية السنية في المدن، عن المجتمعات الريفية للفلاحين والعشائر والبدو، فأصبح الدين في المدينة تقليديًا متجمدًا، وأصبح في الريف منوعًا عقائديًا، وهكذا قاومت دمشق -الحاضرة التاريخية لبلاد الشام- الحداثة، في حين فتحت بيروت وحيفا أبوابهما للحداثة.

* كاتب سوري

المصدر: حرمون