الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حوار شامل مع الدكتور جمال الاتاسي عن الناصرية والناصريين / 6- 9 /



مجدي رياض 

        ثالثاً: القسم النظري؛ آراء وقضايا

(1) الناصرية بين الإتباعية والإبداعية

[الناصرية ليست مجرد فكر نظري بل إنها قبل ذلك وأهم: حركة جماهيرية استطاعت أن تطبع بصماتها عل الواقع العربي، كما كان لها تأثير واضح على حركات التحرر في العالم الثالث]

                                                         كمال الدين رفعت

                                                         (ناصريون- نعم..)

  • بالرغم من أن الناصرية قد فرضت وجودها على الساحة العربية والدولية، وبالرغم من أن الجميع لا يستطيعون تجاهلها.. سلباً أو إيجاباً- وخاصة في المحور الفكري..، وبالرغم من أن الحركة الناصرية اشتد عودها.. وصلب بناؤها.. بالرغم من كل ذلك.. فما زال الجدل القديم يطل برأسه كل حين ليتساءل: هل هي نظرية أم أيديولوجيا؟ ما هو رأيكم في هذا .

□ لا نستطيع القول بأن الناصرية نظرية متكاملة.. ولكننا نقول إيديولوجيا ثورية معبرة عن روح هذه الأمة، والأيديولوجيا بمفهومها العام هي المنظور الكلي للعالم (سواء بالنسبة للفرد أو لفئة اجتماعية أو لحزب أو لأمة)..، ولكن هناك شكلين للإيديولوجيا:

1-هناك المنظور الإيديولوجي الضيق والذي نقول على أصحابه أنهم يريدون (أدلجة العمل السياسي وقولبته) ويرون فيه نوعاً من المذهبية الضيقة والتي تريد أن تفرض نفسها على الواقع (بأفكار ومنظورات عامة مسبقة) بدلاً من أن تستنبط معطياتها من حركة الواقع ومن حركة التاريخ.. انها ببساطة تريد مزاوجة الواقع لتطابق بينه وبين منظوراتها..

2-وهناك  نظرة مباشرة ومحددة.. حيث تكون فيها الإيديولوجيا مجموعة مبادئ ومفاهيم وأفكار توجه العمل السياسي وترمي لأهداف محددة وتصاغ على أساسها استراتيجية عمل بعيدة المدى ويستخلص منها التكتيكات وأساليب الصراع وبناء النظم والدولة وفي بناء العلاقات الاجتماعية..

بهذا المنحى الأخير نستطيع القول بأن الناصرية تقدم من خلال تجربتها أيديولوجيا معبرة عن الواقع العربي.. وما زالت متقدمة ومتميزة على ما سبقها من إيديولوجيات وما لحقها حتى الآن.. ذلك لأنها مستخلصة من معاناة قوى النضال العربي وخبرة ومعاناة الأمة.. وكان يحكم عبد الناصر منطق جدلي متجدد.. ومنظور عام ضابط..، إن عبد الناصر لم يكن بالفيلسوف.. ولم يبتكر الأفكار التي صاغها في أيديولوجيته.. وأيضاً لم تأته مستوحاة بشكل مسبق، فهو لم يكتشف القومية- وهي منظور ثابت لديه- ولكنه بلور القواسم المشتركة بين أطروحات طلائع الأمة، ولم يكتشف الثورة الوطنية وارتباطها بالثورة الاجتماعية.. ولكنه اهتدى إليها من تجارب حركات التحرر.. ومن فهمه لروح العصر ومتطلبات مرحلة الاستقلال، لقد وضع الفكر أمام محك التجربة وربطه بحركة ومصالح الجماهير في العدل والحرية.

فالناصرية إذن هي وعي ومبادئ وجماهيرية، فهم لمواجهة الواقع وأمل الاستشراف للمستقبل، والثورة القومية والتقدمية التي قادها عبد الناصر نهضت بقوى الجماهير.. وهي اليوم تختزن قيم هذه الثورة ومبادئها لتصنع بنضالها على مدى الوطن العربي صورة المستقبل..

  • في إطار فهم الناصرية لروح العصر هناك ملاحظة من جيلنا تتمثل في أن المفردات الماركسية كثيرة في الأطروحات الفكرية لجيلكم! هل هذا يرجع لكون جيلكم أول من كتب أدبيات الناصرية في المرحلة التمهيدية قبل أن تمتلك مصطلحاتها الخاصة؟ أم أن هناك أسباباً أخرى؟

□ في واقع الأمر أنه في كل مرحلة من المراحل السياسية ووفق الثقافة العامة السائدة.. تسود مصطلحات في الصراع السياسي والنشاط السياسي بشكل عام. وبالنسبة لأمتنا بعد الحرب العالمية وفي مرحلة تحررها ونضالها في كافة الساحات كان هناك من يستعير المصطلحات الفكرية والسياسة التقليدية والسائدة من قبل.. تلك التي تعلمها أيام الاستعمار ومارسها أيضاً في صراعه مع الاستعمار، كانت مصطلحات غربية كالديمقراطية الليبرالية والتحرر وغيرها.. ولكن هناك مصطلحات أخرى دخلت ساحة النضال وكانت تأتي لتلبي حاجات لدى القوى السياسية والطلائع الثورية.. كبناء حزبي نضالي. أو الاعتماد على الجماهير الشعبية.. الخ..

لقد بدأت المصطلحات الماركسية تسود في الفكر السياسي التحرري ليس على مستوى أقطارنا بل في العالم، لما كانت حركة تحررنا وتحرر العالم عملية ثورية، فإن الفكر الثوري لا بد وأن يتأثر بما هو جديد في الفكر العالمي، وكان المصطلح الماركسي جديداً.. فضلاً عن أن الماركسية لعبت دوراً خطيراً وثورياً في نقد الإمبريالية وفي الوقوف بوجهها.. بالإضافة لدور هذا الفكر في التأكيد على توجيه العمل السياسي وتعبئة القوى الاجتماعية وبلورة أداتها الثورية، من كل هذا كان من الطبيعي أن تسود مصطلحات ماركسية في تعبيرات جيلنا، ويظل بعضها سائداً حتى الآن وكان من الطبيعي أيضاً أن نجد هذه المصطلحات في ثنايا الميثاق الوطني عند عبد الناصر..

  • الميثاق!! هل يمكن ضرب بعض الأمثلة؟

□ بالطبع.. هناك مثلاً فكرة الوضع الاقتصادي- النظام الاقتصادي- كيف يفرض ذاته على صيغة القوى السياسية- القطاع السياسي- السائدة والمسيطرة، وهناك مقولة صراع الطبقات سواء أخذت مفهوم الصراع القاطع والحاد أو الصراع السلمي أو التحالف في مراحل معينة..

  • هل يعنى هذا أن المصطلحات الماركسية الموجودة في الميثاق تدل على ميل عبد الناصر نحو الماركسية وأن الميثاق كان مرحلة سيتلوها مرحلة تحوله الواضح نحوها- كما يردد البعض؟

□ ينبغي أن نفرق بين الماركسية كمذهب لنظام دولة وبين الفكر الماركسي وتفاعلاته ومعطياته الإنسانية، الأولى حزب يسيطر على الدولة ويتبنى إيديولوجية يريد فرض مقولاتها وحتميتها على الناس، والثانية هي المحاولة والجهد النقدي والجدلي للواقع الاجتماعي للتاريخ والأفكار، هناك تركيز في الفكر الماركسي على جوانب معينة بسبب تركيز القوى والمذاهب الأخرى على جوانب معينة، هذا التركيز هو الذي سيطر في التيار الذي نسميه التيار الماركسي المدرسي أو الماركسية الرسمية التي صارت مذهباً للدولة وللنظم.. وهذا يختلف عن الفكر العام.. لقد تفاعل ماركس وتأثر بالفكر الاشتراكي الفرنسي ومع الفلسفة الألمانية وخاصة هيجل.. وأيضاً مع الاقتصاد السياسي ونقده في المدرسة الانجليزية.. هذا التراث تفاعلت معه الماركسية واعتبرته كأنه ملك لها.

عبد الناصر كان من الطبيعي أن يستفيد من التجارب وأن يستوعب الفكر الإنساني العام ومن هنا كان تأثره بالفكر الماركسي.. ولكنه لم يتبن الماركسية أو يتأثر بها كمذهب لنظام.. لقد كان يتحمل مسؤولية بناء استراتيجية نضال وثورة وفي نفس الوقت مطالب بقرارات تنفيذية للتطبيق.. لكل هذا كان لا بد وأن يدرس ويطلع ويتابع بشغف معظم التجارب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العالم، وكما ذكرت في الجزء التاريخي فإننا كنا في حزب البعث نتابع هذا التطور لدى عبد الناصر، وعندما أتى الرفاق من زيارات القاهرة ولقاء الزعيم- 1957- قالوا لنا: إنه مدرسة.. لقد قام الجهاز المكون من حوله بتلخيص أمهات الكتب له، وهو يدرس في هذه المرحلة الاقتصاد السياسي بشغف، وقال لهم: نحن بدورنا سوف نعلن نهجاً اشتراكياً، ولكن المسألة يجب أن تتضح من خلال توفر واستكمال الشروط الموضوعية لذلك..

  • قد يتبادر إلى ذهن البعض- مرة أخرى- ان فكرة توفر الشروط الموضوعية هي التي وقفت وراء تأجيل عبد الناصر- لعدم توافرها- بطرح الماركسية؟

□ في هذه المسألة ككل لا بد من الانتباه إلى هذه النقاط:

أولاً : الماركسية كمصطلحات سياسية فرضت نفسها عبر الصراع دولياً ومحلياً وفي أقطار بعينها، فرضت نفسها حتى على نقائضها، فنقائضها كانت مضطرة لأن تنقل هذه المصطلحات لتقوم بتحليلها وتفنيدها ونقدها.. ومن ثم شاعت تعبيرات ومقولات ماركسية في العمل السياسي..

ثانياً : إن تأثر عبد الناصر بالمصطلحات الماركسية أتى من المناخ العام السائد ومن انفتاحه على الفكر الإنساني وقراءته، ولكنه لم ينقل المصطلح كما هو- كترديد- أو قام بنقل الفكر، فالصراع الطبقي- بين طبقتين- في الفكر الماركسي وليد التبلور الطبقي في الغرب بينما في مجتمعنا العربي لم تتبلور بعد، من هنا كان التعبير الناصري أدق فلقد استخدم تعبير الفئات الاجتماعية والقوى الاجتماعية،  ومن هنا لم تكن ديكتاتورية طبقة ولكنه قال بتحالف قوى الشعب من الفلاحين والمثقفين والعمال والبورجوازية الوطنية والجنود.

ثالثاً : إن الناصرية بدورها- من خلال عبد الناصر بتفاعله وبتجربته- قدمت مصطلحاتها الخاصة وتعابيرها التي تعبر عن ظروف واقعنا العربي.. وبدأت هذه المصطلحات تسود الفكر السياسي العربي ويصبح لها وجود حتى عند الجماهير الشعبية، وهذا يفسر جنوح بعض النظم العربية في استخدامها المصطلح حتى وهي تمارس نقيضه.

  • كان عبد الناصر دارساً وقارئاً ومتأثراً بالفكر الماركسي مثلما كان دارساً وقارئاً للفكر الليبرالي.. والفكر القومي.. ولكنه كان يقرأ هذه الثقافات وهذه التجارب من خلال منظوره الخاص.. وهو منظور الأمة التي ينتمي إليها.. ومن ثم ظل تمايزه وصلابته المنهجية في فرز كل ما هو أصيل الأساس الواضح لأيديولوجيته، فهل توافقون على هذا الرأي؟

□ هذا صحيح وإن لم يكن عبد الناصر بالرجل المنظر ولم يكتب في الأمور الفكرية والنظرية، لكنه وصل لأفكاره من خلال الممارسة والمعاناة والتثقيف الذاتي.. وبالجهد المستمر، ولا يفهم من هذا أنه تجريبي بحت أو أنه انطلق من فراغ وبدون رؤية فكرية، فلقد كانت لديه خلفيات إيديولوجية مختلفة تأثر بها وتفاعل معها برؤية نقدية:

1- هناك المنظور الإيديولوجي أو التصور والمفهوم العام الإسلامي كنزعة لوحدة الإنسانية ووحدة البشر ومفاهيم الأخلاق.. ووحدة الخلق والخالق، إن حركة التوحيد الإسلامية والتي حققت وحدة أمتنا كانت بخلفية إيديولوجية أساسية..

2- بالمقابل أيضاً هناك الثقافة ومعطيات الحضارة الغربية.. وشكلت خلفية ومنهلاً لأفكار الدولة الحديثة.. الأمة.. القومية.

3- وهناك الإيديولوجية الماركسية كحركة صراع ثوري ونضال طبقي واجتماعي وربطها بين التحرر السياسي والاجتماعي.. وتأكيدها على أن الشعوب هي التي تصنع تاريخها بنضالاتها وصراعاتها.

لكن تأثر عبد الناصر بهذه الإيديولوجيات ارتبط ببحثه عن الحقيقة.. إمكانية تحدي الواقع.. وتحديات العصر، نحن نريد أن نتقدم وأن نتطور أن ننتقل ونجدد ثقافتنا.. عبد الناصر كان يشعر بحاجة لثورة ثقافية لإصلاح الفكر الديني- وهذا ما يميزه عن التيارات الأصولية الأخرى برغم خلفيته الإيديولوجية الإسلامية- وكان يرى أننا في حاجة لإصلاح سياسي.. إلا أن هذه الحاجة لن تجعلنا أن نلفظ بقية التجارب.. أن ننكفئ على أنفسنا.. كان يقول دائماً بأن تجربتنا في حاجة إلى أن تغذي نفسها بكل زاد ثقافي إنساني وكل تجربة إنسانية، لقد حاول عبد الناصر أن يهضم ويستوعب (الإيديولوجيات السائدة- العصر- التجارب الإنسانية) في إطار منظور جديد.

لذلك تجد في الميثاق بذوراً لكل الاتجاهات السابقة، فالإسلامي المستنير الذي ينظر لنفسه في إطار أمته ووطنه ويريد أن يحقق حرية وطنه من خلال منظوره يجد نفسه في الناصرية، الماركسي المنعتق من الجمود والمذهبية الرسمية يجد نفسه في الناصرية.. وكذلك الديمقراطي الاجتماعي.. والعلماني يجد نفسه في الناصرية، ولكن عبد الناصر لم يكن بالماركسي وليس بصاحب الإسلام الأصولي.. وليس ذا منحى ليبرالي ومقولات البورجوازية الغربية..

  • يردد البعض أن الفكر الذي يتضمن الإيديولوجيات المختلفة يقال عنه أنه فكر توفيقي أو تجميعي؟ فهل الفكر الناصري يخضع لهذا التصنيف؟

□ بل هو فكر جدلي.. وهو الفكر الذي يصل للكلية التي تتجاوز الأجزاء في منظور واحد، وهذا هو الفكر الجدلي سواء في المذهبية الماركسية- المادية الجدلية- أو الهيجلية- المثالية الجدلية- أو حتى في الفكر الكلاسيكي القديم.

عبد الناصر حاول دائماً في سبيل الوصول إلى ما هو حق وصحيح أن يبحث عن القاسم المشترك في التيارات الفكرية وأن يحاول إيجاد الكلية التي تربط هذه الأجزاء ولكن ليس بطريقة ميكانيكية أو حسابية.. بل بعملية تفاعلية ومتجاوزة..، وحاول أن يصب هذا في نهج استراتيجي ومسار تاريخي وفق منهجية جدلية في الممارسة.. ربط الفكر بحركة الواقع وهو يتغير.. ومن خلال الفعل في هذا الواقع.. ومواجهة صراعاته في موقف ثوري يتطلع دائماً للجدوى والهدف…

لقد حافظ عبد الناصر على التعددية دائماً.. لأنه ليس هناك أحد يستطيع أن يقول بأنني ملكت الحقيقة كاملة لذلك نجده حينما يقيم تنظيم وحدة- كالتنظيم الطليعي- وهو صيغة حزب أصر بالرغم من كل شيء على إبقائه في إطار التعدد..

هنا يمكننا نحن أن نتساءل: هل تعرض عبد الناصر وقال كل شيء؟ هل ناقش كل المقولات النظرية والفلسفية؟ نقول إن هذه المهمة عامة فنحن لا تزال ثقافتنا في طور التلقي والأخذ أكثر من طور العطاء والإبداع فعملية رسم معالم ثقافية جديدة عملية حضارية تصل لها الأمة في نهوضها ويمكن أن تأخذ أطراً متعددة.

  • السؤال الذي طرحته: هل قال عبد الناصر كل شيء؟ يطرح قضية هامة ومثارة وهي الاجتهاد والإبداع.. وغالباً ما تأتي في صيغة تساؤل محددة: هل يمكن أن تكون ناصرية الستينيات صالحة للتطبيق في الثمانينيات؟

□ بالطبع لا.. لا يمكن أن نعود ونقف عند مرحلة معينة.. هناك مسائل تعود لتطرح نفسها، وهناك أشياء لم تكن مطروحة أو طرحت ولم يتم الإجابة عليها، فلقد كانت هناك مهام مؤجلة.. ومهام مستعجلة، أما الآن فإن المهام المؤجلة أصبحت عاجلة ومفروضة علينا..

هناك متغيرات عديدة.. التحول الاشتراكي مثلاً كان يعني في مراحله الأولى صنع اقتصاد وطني ضمن ظروف طبقية معينة، حالياً الظروف مختلفة.. القوى المضادة في السلطة والثورة تبنى من خارج النظام.. ولا يوجد نظام مساند.. وصياغة العلاقات مختلفة فالقوى الاجتماعية والسياسية كانت في طور وأصبحت الآن في طور آخر، هناك متغيرات عربية ودولية.. الخ، كل هذه الأمور تحتاج إلى حركة استيعاب جديدة، الثورة العربية تحتاج لحركة عربية وإعداد ثوري واحد.. طرح هذا الشعار كهدف استراتيجي في وجود عبد الناصر.. ثم طواه السكون، بعد عبد الناصر يصبح مطروحاً كشعار بالنسبة للجماهير الناصرية والحركة الناصرية وكذلك الصراع الاجتماعي على أساس التحالف وليس الصدام الطبقي.. يحتاج لأداة ثورية جديدة وموحدة.. غياب المرتكز الثوري والاستراتيجي في مصر.. الخ، كل هذه المسائل.. وحتى الأهداف الاستراتيجية بحاجة لصياغة جديدة على ضوء معطيات الواقع والمتغيرات.

إننا عندما نطرح شعاراً نكمل المشوار.. لا بد وأن نتساءل: كيف نكمل المشوار؟ عملية متابعة المشوار لا تعني أن نعود لنقطة من نقاط هذه التجربة أو محطة من محطاتها، ولكن تعني العودة لجدلية ناصر والإمساك بها، وجدلية ناصر في الفكر كانت تأليف وتركيب وعملية إبداع وابتكار.. حشد المناهج الفلسفية والإيديولوجية رغم تعددها- وبشرط عدم التعارض- لتصب في إطار الأهداف المشتركة.. في تجربة نضال الشعب الوطني وتجربة تقدم الأمة ونهوضها، وفي السياسة يتوجه لوعي الجماهير ويحاول نقله من مرحلة إلى مرحلة ويقوم بتوحيد القوى الوطنية والقومية وفق تحديد الأولويات ويرسم أهدافاً مرحلية ومستقبلية ويضع الخط الناظم لحركة الجماهير والقوى.. وفق الهدف الاستراتيجي.

وفي كل مرحلة جديدة كان يقوم بعملية نقدية شاملة للمرحلة السابقة لا لينقض عليها أو يبدأ من الصفر.. ولكن ليتجاوزها.. وتبقى العناصر الأساسية لديه ثابتة وإن كانت ناضجة أكثر.

الآن وبعد غياب هذا الضابط للخط الناظم.. وبعد الانقطاع والردة، لا بد وأن يقوم الناصريون بسد ما كان يسده عبد الناصر في وجوده سواء في المسألة التنظيمية أو التنظيرية، لا بد من الإجابة على المهمات المؤجلة.. ومن أهمها الثورة الثقافية، لقد ألمح إليها عبد الناصر وطالب بها في عدد من المواقف ولكنها كانت تطلعات وممهدات عادت وعصفت بها الردة.. لذلك ينبغي أن تكون الثورة الثقافية منطلقاً ونقطة بدء.

  • في كتابك إطلالة على فكر عبد الناصر.. طرحت أن الثورة الثقافية تعنى حواراً حول الهوية والوحدة، وتعنى في الوقت نفسه صراعاً بين التقليد والتجديد.. بين الإتباع والإبداع فما موقع الإتباعية في الناصرية؟

□ الإتباعية أو دعاة الإتباع في الناصرية (كما هو الحل في الإيديولوجيات الأخرى، هي محاولة تطبيق ما كان في مرحلة على مرحلة أخرى رغم الاختلاف والمتغيرات، فتتحول بذلك لمعوق لا حافز للتقدم، أنها تجميد جدلية ناصر.. وجمود في الفكر والوقوف دون النزوع نحو الابتكار  والإبداع ..، الوقوف عند أطر سابقة في العمل السياسي.. وتجمد معها حركة الجماهير، أنها لا تقدم شيئاً لتغيير الواقع أو للثورة.. بل أنها تقلص مشروع الثورة عند عبد الناصر.. مع تقلصها وتحولها للهامشية.

عبد الناصر كان يتهم بالتجريبية.. لكن تجريبيته لم تكن بالمفهوم الانتهازي أو الانتقائي أو البرجماتي، تتغير كلما كان هناك خطأ..، بل كانت تجريبيته مستمدة في الأساس من وجهة نظر.. منظور عام.. يحاول أن يطوره من خلال عملية النقد المتواصلة.. والانتقال من طور إلى طور.. ينتقل عندما يستوعب كلية من الكليات.. ينتقل الفكر.. وينتقل المجتمع.. وتتم حركة تجديد بعد عملية المراجعة النقدية والاستيعاب لما مضى..، أوضح مثال على ذلك ما تم في عام 1962 بعد تجربة الانفصال، حيث قام بهذه المراجعة الفكرية والسياسية والتنظيمية والتي راحت تبحث عن جوهر الأسباب والحقائق وتنقد الأخطاء الذاتية وتستكشف آفاق المستقبل، ثم قدم لنا الميثاق الوطني كوثيقة رائعة ومتقدمة.. ونموذجاً فذاً لعملية النقد البناء.. والمراجعة التي تستهدف اجتياز الصعاب نحو الغد..

  • إذا فالحالة الإبداعية- التجديد- داخل الناصرية هي التي ستقوم بعملية المراجعة النقدية، وهي التي ستستشرف آفاق المستقبل..

ولكن يبقى السؤال مطروحاً: من الذي سيمثل هذه الحالة: أي يقوم بالمراجعة والاستشراف؟

□ الطلائع.. في كل العالم هناك دور المثقفين.. دور يبرز فيه المثقف والفيلسوف أو المفكر والمنظر.. من الممكن قيام محاولة من الطلائع الثقافية في الوطن العربي لتطرح هذا التصور، الأخ حسنين هيكل- له حق كبير- من سنوات عدة كان له رأي في تجديد الناصرية.. قال إن الناصرية لن تقوم ما لم يقم حزب ناصري أي كأداة تجديدها وصياغتها.. ونحن نؤكد هذا.. لأن عملية التجديد جماعية.. عملية تنهض بها حركة الطلائع وترتبط بعملية تنظيمية.. وبالنضال حتى يظل الارتباط بين الفكر والممارسة ويظل التجديد ضمن الصراع وضمن المنظور.

  • أنتم في الاتحاد الاشتراكي كحزب ناصري له تاريخه التنظيمي والنضالي الطويل لماذا لم تحاولوا أن تقتحموا مسألة التنظير للناصرية وبلورتها في إطار إيديولوجي/ تجديدي، أو تأصيلها للمستقبل عبر الرؤية النقدية؟

□ نحن  رفضنا هذا الأسلوب في مذهبه تنظيمياً.. ومطالبة الكثيرين بعنونة أنفسنا: هل نحن مادّيون أم مثاليون؟ ماركسيون أم ليبراليون؟ ولكننا في الوقت ذاته لا نقف دون محاولة اغناء وتطوير الناصرية، إننا ما زلنا نعتبر الميثاق الوطني (1962) دليلنا الأساسي.. ولكن لا بد من مراجعته وإغنائه وتكملته.. الميثاق كان تعبيراً عن مرحلة.. ولا بد أن ننقله للتعبير عن هذه المرحلة الشائكة في تاريخنا.. وليقدم أجوبة على المشكلات المستجدة والتي تقف عثرة أمام مسيرة أمتنا..

هناك مسائل بحاجة لتأصيل وتوضيح أكثر الآن، فمسألة الوحدة القومية لم تعد في حاجة لإثبات ضرورتها ولكن في حاجة للإجابة عن كيف؟. ومتى؟ جدلية العلاقة بين العروبة والاسلام، مسألة الأقليات العرقية والدينية والطائفية وعوامل التفتت الاجتماعي ما قبل القومية، أيضاً مسألة التنمية وكسر حاجز التخلف، مسألة البرنامج القومي والأداة القومية..، ثم تأتي في المقدمة الثورة الثقافية.. التي ينبغي أن تكون المنطلق والبداية، وعندما نصل لصياغة هذه الرؤية الجديدة حينئذ نقول أننا جددنا الناصرية.. وأصبحنا نملك دليل عمل متكامل يصح أن نسميه نظرية.

نحن في هذا المجال قدمنا ما هو في حدود طاقاتنا وإمكانياتنا، ولكن هذه المسألة لا يصح.. ولا يستطيع أن يقوم بها حزبنا وحده.. انها مسؤولية الناصريين على امتداد الوطن العربي.

  • قضية المذهبة- وأدلجة العمل السياسي وقولبته- ترفضونها في الدولة.. وفي العمل السياسي.. وفي نفس الوقت تركزون على ضرورة الفكر وتطوير الناصرية فيما أطلقتم عليه الحالة الابداعية والنقيضة للإتباعية.. فكيف يتم التوافق بين الأمرين! عدم المذهبة.. وضرورة التطوير والتأصيل النظري؟

□ أولاً ينبغي الالتفات إلى أن عبد الناصر نفسه هو الذي رفض إخضاع النضال السياسي للمذاهب النظرية الشمولية والجاهزة ورفض أيضاً مذهبية الدولة.. كما رفض ديكتاتورية أي طبقة..

إن مشروع الدولة العصرية التي أراد عبد الناصر بناءها كانت تعتمد في الأصل على مبدأ ديمقراطية كل الشعب.. فلا تعبر عن فئة أو طبقة فقط، ومنعتقة من المذهبية والطائفية والعشائرية، وفي هذا الشق الأخير أتذكر حادثة لها مغزى وأهمية بالنسبة لنا في المشرق، فحينما كنا نتابع ما يحدث في مصر بدءا من 1954.. كما قلت من قبل وكنا نناقش أهمية دور مصر في العمل الوحدوي.. وكان الحوراني عائداً من زيارة برلمانية لمصر، وكان أول ما طرحه لنا وبانبهار شديد هو وحدة الكيان الاجتماعي في مصر.. فلا توجد أية مشاكل بين المسلمين والأقباط.. ولا توجد أية اختلافات أو صراعات مذهبية في داخل كل منهما.. وراح يشرح أهمية هذا الأمر في بناء الدولة العصرية.. والنموذج الوحدوي..

على المستوى الإيديولوجي والسياسي فإن قضايا التحرر الوطني والعربي، التخلف بأبعاده.. التجزئة والتفتيت.. التحول الاشتراكي والديمقراطي الوحدوي، في مواجهة هذه المسائل الكبرى في مسيرة أمتنا كان نهج عبد الناصر هو الممارسة والتعلم من الممارسة في الواقع بتفاعلاته.. وبحركته النقدية الدائمة يندفع للنضج وللانتقال، وكان التخطيط الاستراتيجي والاستيعاب التاريخي مكملين لهذا النهج، لقد بدأ عبد الناصر تجربته واستمر فيها من خلال مقولته في الميثاق عن إرادة التغيير الثوري (انها تحتاج لمعرفة ما يجري حولها.. ولكن حاجتها الكبرى هي ممارسة الحياة على أرضها) وكذلك كان هناك الالتحام مع الجماهير ودفعها إلى دائرة الصراع التاريخي.. من أهم مقومات الثورة الناصرية..

عندما نقف عند تجربة عبد الناصر وما أنجزته.. وعند مجمل فكره وسياساته النضالية.. ونقول أنها كافية، ونحاول أن ننزع منها إجابات قاطعة لكل القضايا.. في ذاك الحين نكون قد مذهبنا الناصرية.. وجمدنا نزعتها الجدلية وقدرتها على التجديد والاستمرار.. وحولنا الثورة العربية إلى ماضٍ ننهل منه بالرجوع إليه وبالإتباعية له..

نحن كحزب رفضنا ثورياً وديمقراطياً مذهبه العمل السياسي.. أو استعارة نظرية جاهزة لنفرضها على الواقع..، ولكن لم نقصد بذلك رفضنا للتنظير ولدور الفكر في العمل السياسي إذا كنا نريد أن تكون ممارستنا ثورية، فالحزب الرجعي يعتمد على السلفية وما سلف لا يجيب على ما استجد من متغيرات، والحزب المحافظ يبقى على ما هو قائم.. وهذا سكون، أما الحزب الثوري فهو يناضل من أجل التغيير والتقدم ولا يقدر على أن يظل ثورياً بدون منظور تاريخي.. ومنهجية واضحة في الفكر والممارسة وأن يمتلك برنامجاً استراتيجياً ومرحلياً..

  • السؤال المترتب على هذا القول هو: كيف يتم التطوير في الناصرية وبها؟

□ لكي نحق التطوير في الناصرية وفي الوقت ذاته لا ننزع إلى المذهبية، نأخذ بجدلية الناصرية في عبور المراحل وتجاوزها.. في مراجعة الأفكار ووضعها على محك الواقع. في الوعي بحركة التاريخ الفعلي وكشف تناقضات المرحلة.. وفي الاصغاء بعمق للجماهير، وأن نمسك بالخط الثابت للناصرية في الدفع على طريق تحالف القوى الوطنية والقومية وتوحيدها.. في إطار من التعدد والتعاون..

هناك ما لم يقله عبد الناصر.. علينا أن نجيب عليه أو قاله ولم ينجزه.. أو أنجزه وكان غير واف، اننا ينبغي أن نضع يدنا على الفارق بين الثورة في السلطة وبين وجودها في الشارع مضطهدة، ينبغي أن نحدد البديل لقيادة عبد الناصر التاريخية.. لم يعد الدور للفرد التاريخي.. بل الحركة  الثورية الجديدة والقيادة الجماعية الواعية والقادرة على الالمام بالتجربة الناصرية.. وما طرأ على الواقع العربي من انكسار بعد رحيل عبد الناصر، ومن متغيرات عديدة، ومن جانب آخر الارتكاز على القاعدة الشعبية العريضة للتحالف- كبديل لغياب السلطة.

ولا بد مع كل هذا أن يكون هناك- ونحن نشدد على ذلك- ثورة ثقافية تحيط بجوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفنية.. الخ، وإذا كان التطوير مهمة عامة لكل الناصريين، فإن الثورة الثقافية مهمة عامة لكل الذين ينشدون نهوض أمتنا وتقدمها..

يتبع..