الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

إرادة عبد الناصر وشعوب الأمة جعلت الهزيمة أرضية لنصرٍ أحاله العملاء لاستسلام واستبداد

     مع هجمة التطبيع والانهيار الخليجي والعربي المريع تتفاقم كارثية غياب البوصلة الوطنية الواضحة لمشروع وطني محدد واستراتيجية وطنية جماعية في كل موطن عربي إضافة لغياب المشروع القومي الواحد والموحّد، وأخطر من ذلك التذرر والاستنقاع القيادي الفلسطيني؛ واتفاقات التطبيع الأخيرة ليست اتفاقيات سلام، بل تطبيع وتحالف مع الصهاينة ظهر للعلن، وكل النظم المتسلطة على شعوب أمتنا تلهث خلف التطبيع لضمان الرعاية الإمبريالية الصهيونية الأمريكية المشتركة لنظمهم بخلاف أرادة الشعوب.

          فـ « إن الـزرازيـر لـمـا قـام قـائمُها / تـوهمت أنها صـارت شـواهينا »

     إن عصر القوميات ما ولى، ولا ولت قوميتنا العربية أدبارها، كما يرى أو يريد لها آخرون، بل هي حياة وحيوية المجتمعات وهي تتجدد وتترابط ببعضها وتتقدم، وحيويتها في قدرتها على استيعاب المتغيرات في العالم وأن تبقى في سباق مع الزمن؛ وليست الأمة مجرد إطار لطبقات متناحرة تجمعها رابطة اللغة والأرض والسوق الاقتصادية، إنما هي دافع حياتي أساسي للإنسان يعيشه كما يعيش واقعه الاجتماعي؛ والواقع الحياتي هذا عشناه منذ تفتح وعينا كأمة على وجودنا الاجتماعي وعلى وجودنا في العالم، ولكنه لم يصبح وعياً قومياً وعروبياً فاعلاً، إلا عندما أخذ حركيته وأصبح حافزاً للحركة والنضال، وعندما أخذت فكرة الأمة العربية الواحدة، مجراها وصيغتها الإجرائية، وأصبحت سياسة وحركات سياسية، تعطي لحركة الاستقلال الوطني أفقها القومي، وتدفع لأن يقوم على الاستقلال دولة للأمة، وأن يوضع الاستقلال على طريق توحيد أجزاء الأمة وعلى طريق مشروع نهوض حضاري لها متمثلاً نهج وسياسة عبد الناصر العربية باعتباره النهج الأكثر تقدماً والأكثر عقلانية وتطلعاً للمستقبل في حركة الوحدة أو التوحيد العربي.

     كل تلك الاعتبارات جعلت من تجربة النهوض القومي في الخمسينات والستينات الوجّهة التي تتلقى سهام الغدر والخيانة للرجعية العربية كلها- يمين رجعي مع يسار كاذب ومدعي-، باعتبارها واجهة التقدم العربي كحركة تحرر وطني وقومي في آن ضد الإمبريالية العالمية وأداتها الصهيونية في فلسطين، الأمر الذي جعل منهم حلفاً واحداً لإجهاض التجربة والانقضاض عليها في حرب 1967 حين لم تمت بانفصال 1961.

     ولما كانت النظم العربية استبدادية مافيوية لا تستند لأي قاعدة اجتماعية، فإنها سلطات فئوية طائفية أو عشائرية أو فردية تعمل دائماً على تفتيت السلطة الاجتماعية، وتفكيك عرى المجتمع، وتعمل على تغييب الصراع الاجتماعي والأيديولوجي والسياسي لمصلحة صراع ثانوي هدفه الوحيد تقوية الانسجام الفئوي وتأكيد نفوذه على المجتمع؛ فإذا كانت النظم الفاشيستية التي صعدت في أوربا بين الحربين قد قامت أيديولوجيتها على قاعدة الوطنية أو القومية والتعصب لهما بالاستقلال وبالسيطرة على الخارج وفي الوقت نفسه أقامت قيمها الوطنية ورؤيتها القومية على أكتاف قوى اجتماعية شكلت لحمة البناء الاجتماعي ووحدة الوطن، فإنها في نهاية المطاف قامت بتطوير مجتمعها وبفرض احترام القانون، وصلابة وعقائدية الإدارة، أما السلطة المملوكية- العربية- فإنها لا تملك أيديولوجيا بل تجريد وتناثر فكري تزويري لطبقة فئوية تابعة وضيعة وضعيفة، لكنها تقدم نفسها مكتملة، وكلية العلوم والقدرة، وهي غير قابلة للانقسام بل تفرز زعامات عديدة منبثقة عن ” العائلة أو العشيرة أو الطائفة ” وهذا يفسر تعدد الجيوش والشبيحة والميليشيا المسلحة التي يقودها الاقرباء والمحاسيب، إنها شبيهة بالفترة المملوكية في صراعاتها، وفي أساليبها وتخلفها، خاصة فترة الانهيار، ان هذه النظم دفعت بحركة المجتمع للاتجاه المعاكس، فتحولت كل أشكال الصراع مع الخارج إلى صراعات داخلية، وتُعرّض المجتمع لاضطهاد وقمع متواصل بينما تُحرّض فيه عوامل التفتت والانقسام ليواجه بعضه بعضاً، مما جعل الحرب الأهلية في حالة كمون دائم وقابلة للانفجار في كل لحظة، وتبقي الفئة الحاكمة- عائلة أو طائفة- متماسكة ومسيطرة، والمعيار الوحيد لعمل الدولة والأجهزة هو الحفاظ على وجودها الطائفي والعائلي وتماسكها في مواجهة ضعف المجتمع وتفتته؛ وما وجدناها إلا مُنفذة بكل حرص لتعليمات الإمبريالية الأمريكية لحربٍ تحريكية عام 1973خدمةً للمشروع الصهيوني والسياسة الكونية للإمبريالية، بتوظيف هذه النظم- الطغم- العربية كأدوات محلية للتنفيذ، مقابل ديمومة سلطاتها ونهبها للثروات، وإيداعها في بنوك نفس الجهة المُدعية حمايتها- الإمبريالية الأمريكية- التي تخطط وتدير تنفيذ تلكم المخططات بأيدي محلية ودولية عابرة للجنسيات .

فالأفكار والجماعات الفكرية وكذلك الحركات والتحركات السياسية المعادية للقومية العربية والنافية لها، من داخل الأمة وخارجها، مستنفرة على أشدها منذ عقود، وقد بلغت ذروتها في هذه الآونة من تاريخ أمتنا وشعوبنا، وإذا كان عداء الغرب وقوى الهيمنة الإمبريالية والصهيونية في العالم، للقومية العربية ولوحدة أمتنا، ووقوفها ضدها، قد أخذ دوراً فاعلاً في حركة الأحداث، فإن الأدهى والأكثر مرارة هو ذلك العداء والنفي الذي يتحرك من داخل الأمة، ومن نخب ثقافية وسياسية محسوبة عليه؛ إن هذا ما أريد له أن يكون، في تلك الحملة التي دبرتها الإدارة الأميركية للردة بعد 1967 ولا زالت تديرها، وهي إذا ما كشفت تفكك الرابطة القومية والالتزام القومي لدى الأنظمة العربية والحكام، فتلك أزمة طرحت أيضاً، في المقابل ، ضرورة الرد القومي والوحدة القومية كمخرج لا بديل عنه في مواجهة التحديات؛ إنه كان نوعاً من الاستشراف لما بعد مسرحية تشرين التحريكية، في ما اصطلح على تسميته “سلسلة تشرين والمستقبل العربي”(1) .

     ففي حالتنا السورية ومنذ اندلاع ثورتنا التي كشفت نظام آل أسد الاستبدادي على حقيقته إزاء قضية التحرير وقضية فلسطين، بحيث بدا أن هذه ليست القضية المركزية، كما روّج طوال ما يقرب من خمسة عقود؛ إذ تبين أن إشهارها على هذا النحو إنما يستهدف التورية والتلاعب والتوظيف، في تبرير شرعيته، وتسلطه، وسيطرته على الموارد، ومصادرته للحريات، طبعاً هذا حدث، مع الشعارات الأثيرة الأخرى: الوحدة والحرية والاشتراكية، التي ظلّ يحرص على أن يردّدها طلاب المدارس كل صباحٍ مدرسي، وأن تكون لازمة فضاءاته الإعلامية في الإذاعة والتلفزة والصحف، من دون أن تعني شيئاً ملموساً بالمطلق؛ والمعلوم أن هذا النظام الذي رفع شعار “الوحدة” انتهج سياسة المحاور، وإثارة الشقاق وتسميم النظام العربي بادعاءاته الفارغة، والديماغوجية، لذا؛ لم يكن مصادفة أن أكثر بلدين عربيين تنازعا وتصارعا هما سورية آل أسد وعراق صدام، وأن هذين البلدين كان يحكمهما “البعث” ذاته؛ أما “الحرية” فغدت مجرد كلمة للتورية مع نظام شمولي وتسلطي يحتل الفضاء العام، في بلد تمت فيه مصادرة الدولة وتهميش المجتمع ومحو مكانة المواطنة، لتتحكم به أجهزة الأمن، ووسائل السيطرة الخشنة والناعمة؛ و”الاشتراكية”، فهذه تمخضت عند النظام بمجرد تقويض البرجوازية الصناعية، ووضع اليد على ممتلكاتها؛ ما أضر بقطاع الصناعة الوطنية، في مقابل توسيع قطاع عام أسهم في شيوع المحسوبية للنهب والفساد، وكانت وظيفته ليس الإنتاج أو مد الدولة بالموارد، وإنما توسيع القاعدة الاجتماعية للنظام، واحتلال مزيد من فضاءات المجتمع، وإنشاء طبقة من رجال الأعمال الطفيليين العملاء؛ على هذا النحو- أيضاً- استثمر في القضية الفلسطينية باستخدامها مجرد ورقة لابتزاز الأنظمة العربية الأخرى، ولأخذ ’’أتاوة‘‘ منها، بدعوى مواجهة إسرائيل، وكورقة للاستهلاك الداخلي، لتعزيز شرعيته الكاذبة وتغطية استبداده؛ وهكذا مع الفلسطينيين، إذ كان شغله الشاغل تقييد الحركة الوطنية الفلسطينية، والتدخل في شؤونها، والتلاعب في أوضاعها، وإضعاف الهوية الوطنية، حتى أن حركة “فتح”، كبرى المنظمات الفلسطينية، أشهرت شعار: “استقلالية القرار الفلسطيني”؛ للحد من تدخّلات النظام السوري الفاشي، وهذا ما عُبّر عنه في العلاقة المتوترة بين هذا النظام ومنظمة التحرير، وبين حافظ أسد والزعيم الراحل ياسر عرفات؛ في هذا الإطار يمكن ملاحظة إنشاء النظام لأجهزة خاصة للسيطرة على الفلسطينيين مثل الضابطة الفدائية وفرع فلسطين، وإنشاء ودعم منظمات مثل “الصاعقة” والجبهة الشعبية- القيادة العامة وغيرهما، مما بات يُعرف بفصائل دمشق، التي تدور في فلك النظام السوري، وكان طبيعياً أن النظام الذي يحد من الحريات ويمنع المشاركة السياسية عن شعبه أن يفعل ذلك مع الفلسطينيين، وإن كان اضطر للسماح لهم بهامش، بحكم طبيعة قضيتهم، وبحكم رؤيته لإمكان الاستثمار والتوظيف السياسي والأمني فيها؛ هذا يشمل موقف النظام من الكيان الصهيوني، أيضاً، إذ أن حديث الأسد الأب عن “التوازن الاستراتيجي” لخوض الصراع معها تبين أنه خدعة أو لعبة للاستهلاك الهدف منها السيطرة على موارد السوريين، وتجييرها لصالحه، وجلب المعونات الخليجية، والسلاح من الاتحاد السوفياتي السابق؛ وفي هذه الحال حُطم الجيش السوري، الذي فقد طابعه كجيش للدولة، في عقيدته وفي تركيبته وفي وظيفته، ولا سيما مع وجود فرق عسكرية خاصة خارجه، وأقوى منه، تستحوذ على أفضل التدريبات والأسلحة والامتيازات، مما جعل حرب تشرين التحريكية عام 1973 آخر الحروب العربية كما أرادت أمريكا ووجّهت، ومن يومها لم تطلق رصاصة واحدة على إسرائيل من جبهة الجولان، أي منذ حوالي 50 عاماً، على الرغم من أن إسرائيل قامت بعشرات الاعتداءات والضربات ضد أهداف في الأراضي السورية، حيث كان النظام يكتفي بأنه سيرد في المكان والزمان الملائمين، وهي لازمة باتت للتندر والاستهزاء.

     هذا التلاعب بقضية فلسطين وبقضية الجولان أيضاً، هو ما أراح إسرائيل التي ضمّت الجولان، وتعاملت مع الهضبة كأنها باقية فيها إلى الأبد وهذا يشي باتفاقات سرية مع الكيان الصهيوني، وبالنتيجة، فقد تبين أن جيش النظام كان يُهيَّأ لوظيفة أخرى؛ إذ إن الكلام عن تأجيل الصراع مع إسرائيل وعدم الوقوع في استدراجاتها، حفاظًاً على سلامة سورية وشعبها، تكشف بدورها عن خدعة كبرى، فمع اندلاع ثورتنا السورية، استخدم النظام كل ما في ترسانته العسكرية من أسلحة وذخائر وصبَّ حممها على السوريين ومن في حكمهم؛ ما نجم عنه مصرع مئات الألوف، وتشريد الملايين، ودمار أحياء كاملة في مدن سورية عريقة، فمن يتفحص ما جرى في سورية- في السنوات العشر الماضية- يرى كأن حرباً عالمية جرت فيها؛ وأن عشرات الحروب الإسرائيلية ما كانت لتقتل من السوريين أو تدمر عمرانهم أو تشرد منهم، مثلما فعلت حرب النظام الوحشية بهم، هذا، على الرغم من معرفتنا بطبيعة إسرائيل، كدولة استعمارية وعنصرية ووحشية ومصطنعة وعدوانية.

     نؤكد هنا موقفنا الوطني القومي الناصري إزاء قضيتي فلسطين، ووجود إسرائيل في المنطقة، وضمنه احتلالها لجزء من أراضينا السورية، وهذه ليست لتوظيفات ومزايدات، بل تأكيد على وطنية نهجنا المعارض الذي سلكناه، بأنه موقف سياسي مبدئي يتساوق مع الشرعية الدولية بخصوص استعادة الجولان، ودعم حقوق الشعب الفلسطيني، بالوسائل المشروعة، ولا سيما أن قضية الجولان وفلسطين قضايا عادلة، وقضايا الحرية والعدالة لا تتجزأ أبداً؛ وإذا كان العالم عند لحظة تحول حرجة من خلال انتخابات رئاسية أمريكية توشك أن تُحسم نتائجها في صناديق الاقتراع بعد ثلاثة أيام، تكتسب هذه اللحظة أهمية استثنائية في تاريخ الإمبراطورية، التي أخذت مداها بعد الحرب العالمية الثانية، وانحيازها ضد الحق العربي في فلسطين- لتقف جميع الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع الطغاة والاستبداد العربي على طول الخط، كلازمة تخدم ديمومة الصراع والتشظي لصالح الكيان المصطنع- حتى بدأت ضربات جائحة «كورونا» تُعري ما هو كامن من أوجه ضعف وخلل في بنيتها الداخلية، وتبرز ما هو محتمل من تراجع في أوزانهــا الدوليــة.

     وبعد خمسة أعوام من احتلال روسي- إيراني مشترك لسورية بغطاء وموافقة أمريكية، تبدو موسكو عاجزةً عن تحويل إنجازهم العسكري لحلٍ سياسي يحقق أهدافهم السورية والعربية والدولية، ليتأكد فشلها في الانفراد بالسيطرة وبالتالي سيكون خيارها تجميد السعي لأي حل، وتشديد قبضتها على مستعمرتها بمزيد من الضربات الإجرامية كالتي جاءت بها مجزرتها منذ أيام في جبل الدويلة شمال إدلب والتي كان ضحيتها حوالي مائة شهيد، كأول خرق خطير لما زُعم أنه وقفٌ لإطلاق النار؛ إن هذا، أيضاً، سيغذي الانقسام والتشرذم والتعصب تجاه الغرب غير الأخلاقي بتعامله مع قضيتنا الوطنية العادلة وهويتنا العربية الإسلامية، ويساهم أكثر في تراجع مستوى المعيشة، خصوصا مع انتشار الجائحة والفشل الدولي في توفير لقاحات وعلاجات ضده، والانحياز التام لصالح عصابات النظام بالرعاية الدوائية، وعدم الاهتمام بنظيرتها في المناطق المحررة .

            فـ « لقد هزلت حتى بدا من هُزالها / كَلاها وحتى سامها كلُ مفلسِ »

     إن الحالة العربية الراهنة مع الحريات هي واحدة من الأسوأ في العالم، وهذا وضع قد يدوم لبعض الوقت، لكن وصوله في 2020 لمرحلة متقدمة قد يكون الأساس الممهد لصراع قادم حول فتح لمساحات الحرية العربية؛ إن الكبت الفكري والسياسي لا يمكن إدامته بلا تهديد للاستقرار وتعميق للشروخ؛ إن الحريات ضرورة للمساءلة وللتعامل مع أنواع الظلم والعنصرية المختلفة ومع اقتصاد مريض وفساد منتشر يؤدي للتبعية للخارج.

     إن الموقف الرافض للحريات- سياسية وفكرية- يدلل على زمر مسيطرة ومالكة لوسائل القوة والسلطة، هذه الزمر تؤمن بالقدرة على فعل كل شيء، وتؤمن بملكيتها للدولة والمجتمع والناس والأفراد والاقتصاد، هذه النظرة للإنسان عرفها التاريخ ولم يكن رحيماً معها؛ في ظل أنظمة كهذه ستقع اهتزازات مفاجئة كثيرة، لهذا فالنموذج العربي الراهن سيختبر الكثير من الاهتزازات المفاجئــة القادمــة.

——————-

(1) نشرات حزبية ستة للاتحاد الاشتراكي العربي في سورية نهاية عام 1973 وبداية 1974.. سنقوم بنشرها على موقعنا تباعاً بإذن الله .