الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

مخاضُ عقدٍ طويل وصعب لم يزهر بعد

عبد الباسط حمودة *

دمشق وقبل بداية 2010 بأكثر من العقد زمنياً وبكل ساحاتها وأمام القنصليات الأجنبية ومفوضية الأمم المتحدة بـ’’أبو رمانة‘‘ والقصر العدلي ومجلس الشعب والنُصب التذكاري للقائد صلاح الدين الأيوبي وما يسمى محكمة أمن الدولة فيها، كانت تشهد العديد من الوقفات والنشاطات والتظاهرات للطلائع السياسية والثقافية المعارضة في المجتمع المدني والأهلي السوري بكل مناسبة وطنية وقومية ولحقوق الإنسان دون موافقة سلطات الأمر الواقع، لتذكير الجماهير بضرورة التحلق حولها ومطالبة السلطة المستبدة بالوفاء بالتزاماتها الدستورية التي لطالما تشدقت بها، ذلك لإدراك هذه الطلائع بأن تباشير تغييرٍ وثورة قادمة تتبدى في الأفق بظل ممانعة الدكتاتوريات العربية المطلقة أمام أية انتخابات مهما كانت شكلية للتغيير والتحسن.

إن هذا الحدث التاريخي للتغيير بقدر إدراك ضرورته من فعاليات المجتمع وطلائعه الثقافية والسياسية، فقد كان إدراك النظام المستبد له أقوى وأشد من خلال رصد الفعاليات وضبط البيانات واعتقال مروجيها وحامليها والقسوة الشديدة معهم، كي لا تعم العدوى في مفاصل وعروق المجتمع ككل، هذا المجتمع الذي كان ينوء تحت نير العسف والفساد والنهب المنظم وسطوة وسياط أجهزة الأمن، وما إن بدأ الربيع العربي يتبرعم بمواقع عربية مُشابهة للواقع الوطني السوري حتى انطلق المارد السوري من قمقمه منادياً بالحرية والكرامة ومعلناً أن الهم العربي واحد ومطالب التغيير العربية واحدة ولفظ الاستبداد وإحلال الديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقلال السياسي والاقتصادي أيضاً واحد.

هكذا جاء عقد الصدامات العربية بمخاضاته وتحولاته الخطرة، لقد ساد تفاؤل ثوري كبير طبع بداياته ليتسمى بالربيع الديمقراطي العربي، لقد كان تفاؤل يُمنِّي النفس بنصر ثوري قريب على أنظمة الاستبداد والطغيان العربية وأن الديمقراطية والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية قادمة بعصر الحداثة العربي البازغ.

ما حلُمت به شوارعنا العربية كلها من شعارات بداية الربيع العربي استحالت خراباً نتيجة حجم العنف والإرهاب- المُغطى دولياً- الذي مورس على شعوبنا لمنع كسر سردية الأنظمة العربية المستبدة التي تتجلى بالكذب والنفاق لصالح إمبريالية إرهابية طاغوتية وظفتهم وشاركتهم بخططها الجهنمية كي لا تتحقق أهداف النضال والتحرر العربيين التي ستؤدي لقطع رأس أداتها وربيبتها الأفعى الصهيونية في فلسطين.

إن الواقع العربي شاهد على الخراب والإرهاب المُغطى دولياً كما ذكرنا والذي استحال بدوره إلى احتلالات ترعاها نفس الجهة التي خططت تاريخياً لبقاء أنظمة الطغيان والنهب بعد استيلائها على فلسطين، وكل ذلك لا يمكن له أن يتحقق بدون الرعاية الكونية الإرهابية الأميركية، لكي يظهر أن احتلال فلسطين مقبولاً بالمقارنة مع احتلال كل العالم العربي، كما هو حاصل الآن.

فهل بات التغيير- مع الخراب واليأس الساكن في النفوس من تحققه- مستحيلاً؟

إن دحر الاستبداد والديكتاتوريات وتحقيق العدالة الاجتماعية ومجتمع الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية مع حياة الأمن والأمان، لهو الأمر الذي سعى لمنعه من خطط ورعى، وسكت على، تلكم الأنظمة البوليسية الإرهابية العربية المُرعبة وسعت لتحقيقه كل الدكتاتوريات العربية قاطبة ضمن أجواء دولية كم ناشدناها مخطئين للوقوف إلى جانب حقوقنا بوجه صناعتهم من طواغيتنا !

لعل توحش السلطات العربية وتجبرها من جهة، ومدى غربتها عن مجتمعاتها التي باتت تتعامل معها كرعايا عليهم الطاعة فقط لا غير، كشفت أننا نعاني فواتاً تاريخياً وحضارياً، فنحن عملياً أمام سلطات مُغطاة دولياً ولم تغادر وعي القرون الوسطى، فما شهدناه من عنف وتوحش فاق التصور والحدود، فهل كان كل هذا العنف خافياً؟ وكيف تمكنت هذه السلطات من تقديم نفسها زوراً بأساليب غطت على جوهرها الإرهابي؟ وهل تتحمل النخب العربية كل هذا الهزال والخواء العربيين لزمن الرداءة واللا انتماء؟ وهل نحن أمام نخب كلها كانت عاجزة ومتناحرة ومفوّتة تاريخياً إلى درجة أنها لا تعرف الأرض التي تعيش عليها ولا تعرف ممكنات الواقع العربي وتحولاته؟ أم أن أغلبهم مازال يعيش ضد الحداثة والفكر الحر ومازالوا يخشون من مصطلحاتها، كمقولة الحزب والتحزب والعلمنة والدمقرطة.؟ وهل يستسهل هؤلاء رمي المسؤولية على الحقل الأيديولوجي الرث حسب وصفهم بمواجهة الواقعية السياسية التي يزعمون، والتي لم تكن سوى مقدمة للوقيعة والتفسخ والتشتت أمام تغول السلطات وأجهزتها؟ وهل يصح انتقاد الآخرين بكل شدة- مع أهمية النقد دوماً- دون التفكير الحقيقي والجاد بانتقاد هذه الأغلبية لنفسها أولاً كي يكون من المناسب نقد الآخرين، وإلا استحال النقد إلى نقض كما هو حاصل؟؟!

لا ننسى غياب مفهوم الدولة عربياً لصالح مفهوم السلطة، والذي لم يكن له صلة باللبرلة من عدمها بل بالجهل والتخلف السائدين عربياً، واللذان تجذرا عبر حقبة الاستعمار واستوطنا ولم يتحرر العقل منهما بعده، مع ضرورة الإسراع بتحريره زمنياً، وجاءت سلطات ما بعد الاستعمار بأغلبيتها، فعمقت هذا الفوات كي تمنع وتحول دون التغيير والثورة، الذي استحال مع الربيع العربي مباشرة لانحطاط وتراجع بمستويات غير مسبوقة بسبب حجم التخلف والجهل المرعيين والسائدين لعقود طويلة من سلطات كم زعمت أنها ترفع المستوى المعرفي والثقافي اجتماعياً في الوقت الذي تغذي به جميع النعرات ما قبل الوطنية وما قبل القومية في آنٍ معاً، كل ذلك في نهاية المطاف يشكل ممانعة كبيرة أمام التغيير الحقيقي الذي بات بعيداً، إضافة لغرق العالم العربي عبر سلطاته في مماحكات تبدو استئصالية غير تضامنية أكثر منها حوارية؛ فلا مكان هنا للحوار والتلاقي بين الخصوم السياسيين، بل الاستئصال هو الخيار الوحيد، وذلك في الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن الديمقراطية والحوار والتضامن، وهو ما فسح المجال لكي يلعب الخارج كله في ملاعبنا ولمصالحه بغياب فهم حقيقي وسعي لمصالحنا الوطنية والقومية.

إن ما جرى هو أمرٌ تاريخيٌ بحت، يُقرأ في سياق أحداث التاريخ وتفاعلاتها، فثمة قوى متنافسة وبنى سياسية واقتصادية واجتماعية ووقائع جيوسياسية لا يمكن القفز فوقها، لتأتي جائحة كورونا، وتزيد الطينَ بلة، حيث منحت السلطات المستبدة عربياً والسلطات المتحكمة بمصير العالم أداة جديدة للهيمنة على البشر وتطويعهم بما يعقّد الطريق العربي الطويل نحو الديمقراطية، هذه الديموقراطية التي لن تولد؛ ما لم يتم قراءة الحدث جيداً والاستفادة منه. فهل نفعل؟


عبد الباسط حمودة

مهندس وباحث سوري

 

المصدر: إشراق