الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حوار شامل مع الدكتور جمال الاتاسي عن الناصرية والناصريين / 5- 9 /

مجدي رياض 

ثانياً: القسم التاريخي وقائع وأحداث

(4) اللقاء مع عبد الناصر

[أنا واحد من أمة كبيرة فجعت في الوالد العظيم.. حين فقدت رجلها الأول وقائدها وهي تمر بمرحلة من أصعب مراحل تاريخها، إن مأساتنا بفقد الرجل الكبير جمال عبد الناصر لكبيرة، وتأتي الفاجعة امتحاناً كبيراً لمعدن أمتنا العربية ومعدن رجالها وثوارها، فمن خلال الحزن العميق لا بد وأن نتطلع بشيء من الأمل.. فنحول المأساة عزيمة]

برقية عزاء د. جمال الأتاسي*

الأمين العام للاتحاد الاشتراكي بسورية

*الأهرام – 31/ 10/ 1970.

سنحاول في هذا الجزء تسليط الضوء على تفاصيل اللقاء الذي تم في أغسطس- آب- عام 1969م مع الزعيم الخالد جمال عبد الناصر بالقاهرة..

  • وكمدخل طبيعي لرصد هذا اللقاء سوف نبدأ بالظروف والملابسات التي مهدت وفرضت هذا اللقاء.. ما هي

□ الظروف التي كانت محيطة وممهدة لهذا اللقاء هي ظروف ما بعد هزيمة 1967م، فالظروف الجديدة تتطلب تعبئة وتوجيهاً موحداً للأوضاع التي خلفتها الهزيمة، ولمواجهة مرحلة إزالة آثار العدوان، بالطبع كان عبد الناصر ممسكاً بإعادة البناء داخل مصر ويريد إعادة بناء العلاقات العربية ليأخذ منها أقصى ما يمكن أخذه لصياغة حركة التضامن والصمود والتصدي لهذه الهزيمة وتلك المرحلة، وفي سبيل الإعداد للمعركة كانت لسورية دور هام يريد عبد الناصر أن تلعبه، خاصة وأن هناك تلاقي في المواقف العامة سواء مواجهة الإمبريالية والحلف الأمريكي/ الصهيوني أو من حيث العلاقات الإيجابية مع الاتحاد السوفيتي الذي كان يدعم الأمة العربية في اتجاه نضالها وكفاحها..

في هذا المناخ وفي الخطوات التي كانت تتخذ على طريق توثيق العلاقات وبناء القيادة المشتركة، كانت القيادات البعثية في لقاءاتها مع عبد الناصر تشكو من الموقف السلبي للحركة الشعبية الناصرية والمضاد لنظامها، وأيضاً تتعرض لشخصي في هذه الشكوى، ولما كانت رغبة عبد الناصر هي دفع النظام نحو التضامن والمشاركة في التصدي لأعباء المرحلة فإن المشاكل الداخلية والانقسامات كانت وفق تصوره تشغل النظام وتعطيه مبرراً للابتعاد عن هذا الدور القومي، هذه الرغبة جعلته يرى أن القوى الوطنية في الداخل يجب أن تجد صيغة للوفاق مع النظام..

وزادت حدة المسائل بعد التغييرات التي حدثت في القيادات الحاكمة بسورية عامي 1968/ 1969، فلقد دعتني هذه القيادات للمشاركة في الوزارة والحكم كما ذكرت ورفضت وطرحت موضوع الجبهة الوطنية كأساس لهذا التعاون فاعتذروا، لكنهم في لقاءاتهم مع عبد الناصر في هذه الفترة ركزوا شكواهم على تنظيمنا ومواقفه المعارضة والمشككة فيهم ويطالبونه بأن يؤثر على تنظيمه بسورية، وكان عبد الناصر يؤكد لهم دوماً أنه ليس له تنظيم ولا يريد أن يتدخل في الأوضاع الداخلية لبقية الأقطار العربية.. وفي الوقت نفسه لا يريد أن يتدخل أو يؤثر في الاتجاهات والخيارات التي تتبناها القوى السياسية، ولكن مع الإلحاح المستمر والشكوى الدائمة طرح عليهم إمكانية دعوتي للقائه.. وأعلن ذلك للقيادة السورية فرحبت بهذه الفكرة..

  • هل كانت رؤية عبد الناصر بالنسبة لسورية مرتبطة بالتغير الذي حدث في فترة 68/ 1969 فقط؟! وهل كانت هذه أول دعوة للقاء معه؟

□ الرئيس كان من قبل ذلك وحتى من قبل الحرب- 1967- بفترة قصيرة كان يرسل ينبهنا إلى هذه المسألة.. وطلب مني قبل الحرب مباشرة أن أجد فرصة للذهاب سراً إلى القاهرة لمناقشة هذا الموضوع، وكانت صلة الوصل هو مكتبنا بالقاهرة حيث كانت القيادة الخارجية وهي التي تدير هذه الاتصالات معنا وتضع القاهرة أمام الصورة الداخلية، بالإضافة إلى الصلة المباشرة لي بالرئيس من خلال سفيرنا سامي الدروبي الذي كان أخي وصديقي وملتزماً بالنهج الوحدوي وتعلقه بإعادة الوحدة..

لقد أعددت ترتيباتي باتفاق مع سامي الدروبي للسفر في بداية حزيران 1967 حيث كنت سأذهب في جولة للاتحاد السوفيتي ثم للقاهرة، ولكن المعركة وقعت وأقفلت المطارات قبل الحرب بيومين فألغيت الزيارة..، وعندما جُددت الدعوة اخترت أيضاً الطريق غير المباشر حيث كنت مدعواً للجزائر وتوجهت من هناك إلى القاهرة.

  • لماذا وقع الاختيار على الطريق غير المباشر؟ ألم تكن الحكومة السورية على علم بهذا اللقاء كما ذكرت الآن وكما ذكرت في الفصل السابق أنهم كاشفوك بهذا؟

□ نعم لقد أبلغوني أنني مدعو للقاء الرئيس.. وذكروا لي الصيغة التي قيلت بالتحديد، فقد سألهم بعد تكرار الشكوى: هل لديكم مانع في لقائي معه؟ فوافقوا ورحبوا بذلك- عسى أن يكون ضغطاً منه علينا لتغيير مواقفنا معهم-، لكنهم بالرغم من ذلك لم يعلموا موعد اللقاء.

  • كيف أخّبِرت بالموعد؟

□ عن طريق سفيرنا الدروبي فقد جاء لدمشق بسبب وفاة ابنته، وأخبرني بالموعد واتفقنا على الترتيبات اللازمة.. ولكي يُلزمني بالحضور أخذ ابنتي معه للقاهرة..

  • ولماذا الجزائر؟

□ كنت مدعو لحضور المؤتمر الثقافي الافريقي هناك..

  • ومن كان في استقبالك بالقاهرة؟

□ كان في استقبالي سفيرنا وسفير الجزائر وبعض السفراء العرب وبعض الأخوة السوريين كالأخ جاسم علوان وآخرين.. ومندوب الرئاسة الذي أبلغني بأني في ضيافة الرئيس فأنزلني بفندق شبرد وقال لي أن اللقاء سيكون في الاسكندرية..

  • هل حدث لقاء أو حوار مع رموز المرحلة قبل لقائك بالرئيس؟

□ كان الممسك بعملية الاستقبال أو الاتصال هو الممثل الشخصي للرئيس- حسن صبري الخولي- فقال لي: أنت في ضيافتنا.. وكمرحلة تمهيدية يمكن أن تتصل بنواب الرئيس ثم بآخرين، وبالطبع كانت لي اتصالات ولقاءات مع شخصيات تنظيمية وسياسية وكانت صلة الوصل بهذه الشخصيات آنذاك هما الأخ علي صبري والأخ محمود أمين العالم، وعندما ذهبت للإسكندرية كان هناك لقاء مع السادات وحسين الشافعي وبعض الشخصيات السياسية والصحفية.

  • قبل الدخول إلى تفاصيل لقائك مع الزعيم: ما هو انطباعك بعد هذه اللقاءات والاتصالات عن رجال الرئيس- إذا صح التعبير-؟

□ ظننت أنه سيكون بيني وبينهم أحاديث تحيط بالموقف العام وفي الوقت نفسه تمهد بالآراء للقائي مع الرئيس، ولكن الحقيقة أنني لم أجد ما توقعته، حتى حينما دعاني السادات لاستراحته بالإسكندرية.. وبدأت في طرح بعض القضايا والمواقف السياسية، قال لي: دع ذلك للقاء الرئيس واتركنا هنا نتحدث في أشياء أخرى، فكانت الأحاديث كلها أمور عادية وعامة وكأن مسألة السياسة هي مسؤولية عبد الناصر فقط.

  • أي لم تتم حوارات فكرية مع رجال الرئيس أو الشخصيات السياسية؟

□ إطلاقاً.. الحوارات كانت تدور حول ظروف المعركة.. والجو الوطني العام الموجودين فيه..

  • كان الحديث عن مصر بالتحديد لا عن الوطن العربي؟

□ نعم.. وحتى الحديث عن الوطن العربي كان مجرد تبادل معلومات أكثر منه إحاطة بظروف أو توجه نحو موقف أو تركيز على قضية معينة..

  • هناك ملاحظة أريد استيضاحها مما سبق: هل الهم القومي- الملح في المشرق وخاصة عند التيار الناصري- كان له صدى عند قيادات الاتحاد الاشتراكي بمصر؟

□ في الحقيقة.. كان الهم القومي شاغلهم كلهم.. ولكن تركيزهم كان منصباً على المواجهة والصمود في مصر.. خاصة وأن حرب الاستنزاف كانت قائمة آنذاك..

  • ولكن إزالة آثار العدوان كانت مطروحة عليكم أيضاً.. ولا تتعارض أو تلغي اهتمامكم بالحركة العربية الواحدة أو بالقضايا القومية مرة أخرى: هل كان الهاجس القومي واضحاً ومحدداً لدى القيادات المصرية في ذلك الوقت؟

□ بالنسبة للقيادات والمسؤولين في النظام الناصري أو التنظيم السياسي- الاتحاد الاشتراكي- فقد كان الهم الأساسي لديهم هو إزالة آثار العدوان.. ولم يكن الهاجس القومي ملحاً لديهم..

ولكن كانت هناك قيادات تقدمية وناصرية على علاقة بإخواننا من تنظيمنا بمكتب القاهرة، وكانت الحوارات تدور معهم حول الهم القومي..، وحتى في مجال إزالة آثار العدوان كان الحديث يتعرض بالتحليل للقوى اليسارية أو القومية أو الفلسطينية التي كانت تدين/ وتقوم بالمزايدة على/ شعار إزالة آثار العدوان وتعتبره لا يفي بالحاجات القومية، ومن هذه القيادات التي لمست لديها الهم القومي بوضوح: الدكتور خلف الله.. والدكتور عبد العزيز الأهواني والدكتور عبد الكريم أحمد وآخرون..

  • هل كانت الفترة منذ وصولك حتى تحديد موعد لقاء الرئيس الهدف منها إدارة حوارات مع هذه القيادات؟

□ لم يكن هذا هو الهدف.. فكما فهمت من حسن صبري الخولي فإن إطالة المدة كان الهدف منها أن آخذ قسطاً من الراحة والاستجمام.. خاصة وأنني  كنت قبل فترة قصيرة في المعتقل بسورية.. وكان هذا من كرم الضيافة.

  • كيف تم تحديد الموعد؟

□ الحقيقة أنني لم أذهب للراحة أو الاستجمام.. وقد طالبت بتحديد الموعد بعد وصولي مباشرة، ولكن بعد عدة أيام شعرت بضغط الظروف عليّ.. سواء الظروف العامة أو ظروفنا الخاصة بسورية والحاجة إلى العودة، وعندما زاد إلحاحي في هذا الاتجاه ذهب حسن صبري الخولي إلى الرئيس ثم عاد وهو يبتسم وقال لي: إن مسألة لقاء الرئيس تبدو وكأنها الضيافة.. ونحن نريدك هنا أطول فترة لتستريح، فقلت له: إذا كان الهدف هو الضيافة فما لهذا قصدت، فقال لي إذن الموعد يمكن أن يكون اليوم، ثم أتى بعد الظهر وقال لي: الموعد تحدد في السادسة مساءً، وبالفعل جاء إلي واصطحبني إلى شاليه برج العرب ووصلنا في موعدنا..

  • هل كان هناك آخرون في هذا اللقاء؟

□ عندما وصلنا وجدت بجانب الرئيس كلاً من أنور السادات وسامي الدروبي..

  • ما هو الانطباع النفسي المباشر- خاصة أن هذا أول لقاء لك بالرئيس- وهل وجدته كالصورة المرسومة في ذهنك عن؟!

□ في الحقيقة أن هذا هو أول لقاء لي به.. وكان من الممكن اللقاء به قبل ذلك عندما كان يأتي لسورية وكانت الوفود من حزب البعث وغيره تذهب للقائه ولكنني لم أكن أذهب لأن من عاداتي إذا لم أطّلب لا أذهب.

أما ما يخص الصورة الذهنية.. فقد كانت واضحة جداً.. سواء عن الرئيس أو شخصه أو حديثه ولقاءاته.. الخ، فأنا لم أفاجأ بأي صورة مغايرة عن الصورة المرسومة، ولكنني في بداية اللقاء كنت منفعلاً جداً.. وهذا عكس حالتي بعد نهاية اللقاء.. فقد شعرت بالراحة القصوى.. بأنني امتلأت بشيء جديد هو الثقة بالنفس وبالقضية والأهداف.. إنه يعطي للآخرين حوافز ودوافع قوية.. وتفاؤلاً بالمستقبل، وعندما خرجت أنا والدروبي قلت له: لقد شعرت بنشوة لم أشعر بها في حياتي.. فالثقة بالمستقبل كانت قوية لديه.. وفي الوقت الذي تسود الوطن العربي سحابة قاتمة من اليأس والحزن..

  • هل كنت قد أعددت أوراقاً لهذا اللقاء؟

□ أثناء إقامتي بالإسكندرية مع صديقي الدروبي قلت أن هذه فرصة يجب أن آخذ منها أكثر ما يمكن الاستفادة به، وبدأت في كتابة أهم القضايا والأمور التي ينبغي مناقشتها أو التساؤل عنها فقد لا يتاح لي الوقت لطرح كل الأمور وكل ما أريده، ولكن سامي الدروبي قال لي: دعك من هذا. واترك المبادرة للرئيس فهو سيضع الأمور في نصابها مباشرة..

  • كيف بدأ الحديث؟!

□ بعد الكلمات العامة والترحيب والسؤال عن الإخوان في سورية.. فاجأني بسؤال هجومي وضعني فيه على طريق الحوار، فقد قال لي: ما لذي تفعله أنت والإخوان في سورية؟ هل ما زلتم تفكرون بالعقلية الانقلابية.. بالانقلابات العسكرية والمناورات… الخ..

بالطبع أدركت ما هو المقصود بهذا السؤال، ولكنني فوجئت بأن الرئيس يوجه لي هذا النقد وتلك التهمة بالرغم من معرفته بمجريات الأمور لدينا في سورية!، ثم عاد وطرح سؤالاً آخر امتداداً للسؤال الأول.. فقد قال لي (إيه يا سي جمال.. إحنا ح نشتغل سياسة ولا لأ؟).

  • هل كان الرئيس يقصد رفضك التعاون مع النظام بسورية؟

□ نعم.. كان يقصد ذلك..

  • وماذا كان موقفك؟

□ كان موقفي في البداية هو التوضيح والدفاع عن النفس..، فقد قلت له: أنني لم أفكر في حياتي كلها بعقلية انقلابية.. وهذا الكلام قد يوجه لغيري- أي النظام- فأنا أنبذ هذه العقلية ولا أراهن في أي لحظة على الأعمال السياسية المغامرة أو الأساليب التآمرية والعمليات الانقلابية.. الخ، بل دائماً أؤمن وأعمل باستمرار معتمداً على العمل الشعبي والتنظيمي وهذا الأسلوب بارز حتى في مطالبنا التي توجهنا بها إلى سيادتكم أو التي اختلفنا بسببها مع النظام بسورية..

وأوضحت موقفي أكثر للرئيس قائلاً: أنكم علمتمونا أن السياسة ممارسة وهي التعامل مع الممكن.. ولكن بشرط أن يكون الإنسان ممسكاً بلب المسائل وله دور في القرار السياسي، ولكن الصيغة الموجودة والتي يبني عليها النظام أساس حكمه لا تعطي أي دور للآخرين.. لأنه نظام فئوي..

  • هل كان للرئيس ملاحظات على هذا الموقف؟.

□ نعم فقد أشار إلى ما طرحوه عليه- أي النظام- من إمكانية التعاون معنا والمشاركة في الحكم عن طريق ترشيح وزير أو وزيرين من طرفنا، ثم سألني مستفسراً: ما هو السبب في الرفض والاستنكار إذن.. طالما مستعدين لإتاحة مساحة تمارسون فيها دوراً؟

كان تعقيبي: هو أن مجلس الوزراء ليس هو مكان المشاركة وليس هو القيادة السياسية، وإذا كنا نريد أن ندفع هذا النظام على الطريق الإيجابي للمعركة وللتحالف الملتزم مع مصر فلن يكون ذلك بأسلوب المشاركة الوزارية، لأن النظام يرفض أن يكون بداخله هذا الاتجاه.. الذي يدفعه إلى عكس اختياراته..

ثم قدمت رؤيتنا لهذا النظام وتاريخيته وعن الاشكالية القائمة بيننا وبين هذا النظام منذ أن نكل بمشروع الوحدة واستأثر بالحكم بعد أن وصل إلى السلطة عن طريق الايهام بالتجاوب مع مطالب الشعب.. والدفع الجماهيري نحو الوحدة، ثم انقض على ما سبق وأبرز وجهه الحقيقي، وقد خلق هذا أزمة ثقة بين الجمهور الناصري العريض وبين هذا النظام، ولا تتوقف الخلافات عند الانفراد بالسلطة فقط، بل لدى الجمهور الناصري في سورية شكوك تطرح حول مسألة صدق النظام في الموقف الوطني ومن المعركة، وتمتد هذه الشكوك حول دوره في هزيمة حزيران- يونيو- ودفعه الأمور إلى الحرب، وحول الكثير من الظروف والملابسات التي أدت إلى الصراعات والمصادمات بينه وبيننا..

  • ألم يكن الرئيس على علم بهذه الأمور؟ وهل طرح في الحديث تفسيره لفكرة التعاون مع النظام السوري؟

□ بالطبع كان ملماً بكل هذه الأمور.. وقد كان تفسيره أو رؤيته التي شرحها قائلاً: ان التغييرات التي حدثت في النظام السوري فيما بعد الهزيمة تجعلني أتعامل مع هذا الحكم الوطني مهما كانت ظروفه وشروطه وعقده.. فنحن بحاجة لدفعه على طريق المعركة.. ونحن لا نتخذ هذا النهج لأنه حكم بعثي يحمل شعارات الاشتراكية والحرية والوحدة وينتهج سياسة اجتماعية وسياسة عربية ودولية تقدمية بشعاراته ودعواه، ولكن أياً ما كان نظام الحكم في سورية فسوف أتعاون معه وأدفعه على طريق المعركة..، أي حكم وطني حتى ولو كان ((شكري القوتلي)) أو ((صبري العسلي)) أو ((أديب الشيشكلي)) فأنا بحاجة في المعركة للتعاون معه وأدفعه لساحة الصدام مع إسرائيل..

ثم استمر في توضيحه: أنني بعد الهزيمة واكتشاف عوامل وأسباب هذه الهزيمة.. أحاول أن أبني قوتي وأعد مصر للمواجهة حتى لو اضطررنا أن ندخل المعركة وحدنا!!، لكن هذه المعركة ليست معركة مصر وحدها إنها معركة الأمة العربية كلها وأي رصيد يقدم من الأمة لهذه المعركة هو سند لنا.. ويساعدنا، وسورية يمكنها أن تساعدنا بشكل أكبر حتى لو انحصر دورها يوم أن ندخل المعركة- في أن تشغل جزءاً من القوى الإسرائيلية على الجانب الآخر.. وهو دور هام بالنسبة لنا، فما بالك لو شاركت سورية بإمكانياتها وطاقاتها الأكبر من ذلك بكثير؟، وضرب لي مثالاً على هذا فقال: في يوم 3 آب- أغسطس- أعلنت الإذاعة أن الطيران السوري هجم على جبل الشيخ في الجولان.. لكن الإذاعة الإسرائيلية أعلنت بسخرية أنهم ضربوا كشك للصيادين، ورأيي حتى ولو ضربوا (كشك) لصيادين فهذه عملية إيجابية تضيف لنا.. وتشعرنا بالمساندة، لذلك نحن في حاجة لسورية ولا نريد أن نعطي أي مبرر للنظام أو الحكم لكي يبتعد عن المعركة، ولا نريد أن نشغله بالصراعات الداخلية، ولقد قمتَ في السابق بتشكيل جبهات وبنشاطات معادية للنظام.. لكنني لا أريد مشاكل في سورية الآن.. وأريد أن تدفعوا الأمور إلى الأمام..

  • ماذا كان تعليقك على هذا التصور؟

□ تعليقي كان التأكيد على الصورة الثانية.. أن هذا الحكم لا ينفتح للتعددية ولا لعلاقة وطنية تشد الشعب معه، وأن هناك جوانب فئوية بالنظام تدفع لمزيد من أزمة الثقة، وبالرغم من هذا فإننا مع اتجاه الدفع نحو التعاون الإيجابي من أجل وضع النظام على طريق المعركة مع إسرائيل، خاصة بعد التغييرات التي طرأت بالفعل على القيادة البعثية وبعد أن اتضحت ظروف الاندفاع لمعركة مع العدو بوتيرة أسرع، إلا أن أزمة الثقة ما زالت موجودة..

ومن زاوية أخرى طرحت على الرئيس المشكلة على النحو التالي: إنني لست فرداً له مطلب سياسي.. ولكنني على رأس تنظيم وحزب له طموحاته البعيدة ومراميه، وله منظوره القومي والاجتماعي وقواعده من الوحدويين الذين ذاقوا ما ذاقوه على يد النظام البعثي في تعدد مراحله وتقلباته، ومن ثم فإن عدم الثقة لا يمكن أن يتحول في يوم وليلة، لا يعني هذا أننا سنحاول عرقلة الخطوات التي تستهدف خلق أجواء جديدة من أجل المعركة القومية، ولكننا سنحاول أن ندفع هذه الخطوات وذلك الاتجاه بكل قوانا من موقع المعارضة، ونحن بالأصل لا نتآمر ولا نخلق المشاكل، وعندما شكلنا الجبهة التي ضربوها بعنف هم الذين صوروها بشكل مؤامرة، وهذا محض افتراء.. فلقد دعونا في بداية الحوار قوى مشاركة مع النظام- كالشيوعيين البكداشيين- وبعض أطراف النظام وكان الهدف هو الوصول لصيغة تحقق المشاركة الجماهيرية الأوسع وانسحب هؤلاء ولكننا سرنا في اتجاه الجبهة من أجل الضغط لدفعه نحو قبول المشاركة والرقابة الشعبية على توجهاته القومية حتى لا نقع في نفس الظروف التي وقعنا فيها في هزيمة حزيران/ يونيو عندما انسحب بالشكل الذي انسحب به.

  • ما هي نتيجة الجدل حول هذا الموقف من النظام البعثي؟

□ النتيجة التي توصلت إليها هي صعوبة التعاون.. لأنني جزء من قيادة تنظيم له امتداده الجماهيري الواسع.. فالمطلوب أن يتعاون النظام مع الشعب وإن لم يجد هذه الصيغة فإن الجماهير لن تقبل أن تسير وراء التنظيم ولن يسير التنظيم وراء قيادته إن هي قبلت بالتعاون مع نظام لا يتعاون مع جماهيره.

  • ماذا كان موقف عبد الناصر؟ كيف وازن بين تصوره لطبيعة المرحلة واحتياجاتها وبين طبيعة مواقفكم وصلابتها؟

□ كان موقف الرئيس واضحاً.. فقد تفهم ظروفنا ورؤيتنا، بل إن السادات وسامي الدروبي حاولا التدخل للضغط عليّ من أجل أن أقبل التعاون مع النظام فإذا بالرئيس يقاطعهم ويقول لهم: اتركوه فهو أقدر على تقدير ظروفه واتخاذ قراره، خاصة وأنه يتحدث بمنطق ومعقولية، ونحن نريد إيجابية في المواقف مع النظام السوري ولكن بدون بتر أو ضغط للحقائق وتفاعلات الواقع.

  • هل الحديث عن ضرورة التعددية السياسية في سورية وانفتاح النظام على القوى السياسية والشعبية كمطلب ديموقراطي مبدئي.. الخ، دفعكم لمناقشة قضية الديموقراطية- نظرياً- في فكر الرئيس خاصة وأن التعددية لم تكن موجودة في مصر؟

□ لم يكن هناك حوار عن الديموقراطية.. لأن حديثنا لم يكن عن النظام الذي نريده أو حول فكر الرئيس، ولكن معظم الجلسة دارت حول النظام السوري بالتحديد وموقفه منا وموقفنا منه وسبل التعاون. الخ، وعلى صعيد آخر لم تكن هناك فرصة للمناقشات النظرية لأن القضايا الحيوية والساخنة كانت محور تركيزي حيث أنها فرصة تاريخية- اللقاء- حاولت أن أناقش وأستجلي الحقائق والأمور فيها، فقد كانت القضية الفلسطينية ومنظماتها المتعددة قضية ملحة.. وكذلك موضوع الحركة العربية الواحدة.. الخ، ولكن ظروف المعركة أخذت اهتماماً أكبر.. حيث دار الحديث عن الوطن العربي. والقوى الفاعلة على الساحة وكيفية الوصول إلى مرحلة إزالة آثار العدوان وتعبئة القوى كلها..، خاصة أن هذه الهزيمة في 1967 جاءت لتقطع على المسيرة الوحدوية تقدمها..

  • بعد الحديث المستفيض عن سورية ماذا تم الاتفاق عليه؟ وماذا دار حول موضوع المعركة وإزالة آثار العدوان؟

□ أغلقنا ملف الحوار عن سورية في إطار التأكيد على ضرورة مشاركة سورية في المعركة والدور الذي يمكن أن تؤديه أو الحاجة لوقوفها بجانب مصر، وبعد ذلك سألت الرئيس السؤال الشائع آنذاك: ماذا عن معركة التحرير؟ وقد حاول الرئيس أن يضعنا في الصورة خاصة وإنه كان يشعر كأن الهزيمة مسؤوليته التاريخية وحده.. وكان يكرس حياته وجهده كله لإنهاء هذا الموضوع وحسم المعركة لصالحنا..

قال لنا ((لا يدخل في شك أحد أننا سندخل المعركة وهي بالنسبة لنا ليست فقط قتال وكسب حرب وإزالة آثار العدوان، بل أصبحت ضرورة لاستعادة الثقة بالنفس والكرامة.. الثقة بالأهداف والطريق، إننا نحاول تهيئة كل الظروف التي تساعدنا على خوض المعركة، إن السؤال عن يوم المعركة يدور في أذهان الجميع.. حتى ابني الصغير عبد الحكيم جاء ليسألني: متى سنقاتل يا أبي؟ لأن أصدقاءه في المدرسة يسألونه أيضاً))

والحقيقة أن الرئيس في حديثه عن المعركة، تحس حرارة الصدق والإصرار، وإلى جانب هذا تجد الوضوح والنظرة الشاملة بالإضافة إلى إلمامه بالتفاصيل في كل جوانب المسألة، لقد قدم لنا تصوره للمعركة في بعدها الداخلي- إعادة البناء- وفي بعدها العربي والدولي، وكيفية تهيئة كل الظروف المواتية من أجل النصر..

  • هل كان في حديث عبد الناصر تحديداً للفترة الزمنية التي ينبغي أن تتم فيها المعركة؟ أم كانت المسألة مفتوحة للزمن وللأحداث؟

□ بالعكس كان تركيزه في سرد الوقائع والمهام الرئيسية التي تخص المعركة على قاعدة وجود (سقف زمني) لهذه المرحلة الإعدادية، فعن إعادة بناء القوات المسلحة قال لي (إنني من قبل ساعات قليلة كنت مجتمعاً بالقيادة السوفيتية كان فيها رتبة أميرلاي واستمر اجتماعي بهم حوالي ست ساعات من أجل تكوين تصور للمعركة) وفي هذا الإطار أوضح لي كيف أنه يحاول شد الاتحاد السوفيتي وإلزامه بقضية المعركة بحيث يواجه التزام الولايات المتحدة ودعمها المطلق لإسرائيل مع فارق الظروف والإرادة، وكيف أنه جلب المستشارين السوفييت وخلق هذا صعوبات بسبب الحساسية والوطنية للضباط الشبان، ثم تردد المستشارين وعدم ثقتهم في إمكانياتنا العسكرية ومضى في توضيحه إلى أن قال (لقد تخطينا هذا كله.. وحالياً حتى السوفييت الموجودين أصبحوا يتفاعلوا ويتعاملوا معنا بثقة، وأصبحوا يتحمسوا لنا وكأن صلتهم ببلادهم قد انقطعت، بالطبع لن يشاركوا في المعركة لكنهم متحمسون لنا ويروا أننا أصبحنا في طور متقدم وأصبحنا في مرحلة القدرة على الاجتياز وأن نبدأ معركة التحرير، لكنني أرى أنني في حاجة إلى سنة أو سنة ونصف حتى أضمن هذه المعركة.. وحتى أصل إلى مليون جندي تحت السلاح).

  • كيف كان يرى الوضع العربي بتناقضاته وفي الوقت نفسه برؤيته لوحدة الصف؟

□ في حديثه عن الوضع العربي والعلاقات العربية تكلم عن النهج الإيجابي بصفة عامة، لكنه كان يشعر بمرارة تجاه المناورات: كدور العراق السلبي والنظم الرجعية، وبالرغم من ذلك فإنه أكد على ضرورة أن (تأخذ منهم المساحة التي يقدرون عليها وفق إمكانياتهم وظروفهم) وفي هذا المجال أشار إلى أن الملك السنوسي أرسل إليه عشرة ملايين ……. حتى لا ينفضح أمره أمام الاستعمار وهو الواقع تحت وطأة الإمبريالية وقواعدها العسكرية في بلده، وتعرض أيضاً لدور الجزائر التي استغلت الهزيمة وبدلاً من أن تكون بجانبنا تحولوا وكأنهم خنجر في ظهرنا، ثم مضى يقول:

(لكننا على كل حال نحاول أن نستثمر مناخ التعاطف والتعاون في اتجاه المعركة، وطالما نحن جادون في شق الطريق إليها نستطيع أن نعبئ كل القوى وأن نلزم كل عربي بدوره تجاه المعركة مع إدراكنا لظروف وعلاقات الجميع) .

وفي تحليله عن الأوضاع وتناقضات المرحلة عربياً أكد على أن الشعب العربي يقدم كل يوم رده على الهزيمة، وأن ثورة السودان إحدى هذه الردود، وهناك على الطريق ردود أخرى، فيقظة هذا الشعب سوف تتصاعد مع تصاعد حركتنا في اتجاه التحرير والنصر..

  • فيما يخص القضية الفلسطينية والمنظمات الفدائية قلت منذ برهة أنها كانت من النقاط الرئيسية المستهدفة في الحوار وضمن استفساراتك للزعيم، فما الذي طرح بهذا الشأن؟ وهل كان غاضباً عليها نتيجة مواقفها الطفولية منه؟

□ كان الحديث عن الثورة الفلسطينية له شجن عند الرئيس- كما تحدث في خطبه- فهي بارقة أمل كبيرة في ظلام الهزيمة، وبالرغم من المضايقات والمزايدات الطفولية التي تعرض لها من قبل فصائل المقاومة الفلسطينية ، إلا أنه كان يرى بموضوعية ضرورة دعمها ومساندتها، وكان يقول (إن هدفنا المرحلي هو إزالة آثار العدوان والمقاومة ليست ملزمة بهذا ولا بالقرار 242 الذي لا يلبي حاجاتها ومن هنا فهي كثورة مطالبة بأن تأخذ حريتها في التعبير عن أهدافها الكبرى).

وحيث أن المقاومة الفلسطينية لم تكن قد اتحدت أو شكلت (منظمة التحرير) بعد، فقد طرحت على الرئيس ما مؤداه أن الثورة الفلسطينية لكي تستطيع أن تؤدي دورها لا بد وأن تتوحد فصائلها حتى توحد من ورائها وفق برنامجها، وقلت له أيضاً: أنت الوحيد المؤهل لهذا العمل، فبمقدورك أن تدفع الأمور في هذا الاتجاه، وذلك لما لك من تأثير معنوي ضخم.. تستطيع أن تضغط لتوحيد هذه الفصائل نحو تشكيل جبهة واحدة وطليعة مقاتلة واحدة تكمل جبهة التصدي العربي وبهذا تتكون صورة متكاملة لوحدة النضال العربي..

كان رده هو أنه يريد المقاومة بكل فصائلها وقال: (وإن كنت أعول بالدرجة الأولى على حركة فتح لما لها من فاعلية أكثر وهي مشكلة بشكل أنضج ولها جماهير أكثر، أما عن توحيد هذه الفصائل فليست مسؤوليتي كما ترى أنت.. فأنا أتحاشى جانب العنف والإكراه، أنها مهمة الطلائع الوطنية العربية لكنني لا أفرض نفسي في هذا الدور).

  • ربما كانت الحساسية عنده تجاه الأجهزة ودورها.. وقد فهم حديثك على أنه طلب موجه للدولة- الأجهزة؟

□ نعم.. ولكنني ضربت نموذجاً ثورياً لما أطرحه ألا وهي ثورة الجزائر وقلت أنها لم تنتصر إلا عندما فرضت بالقصر وبالدم وحدة فصائلها حتى وصلت إلى نهايتها المنتصرة.

هنا أوقفني عن الحديث وقال بحدة (لك أن تعرف كم هو الثمن الذي دفع في هذا الصراع- وأنا لا أقبل لنفسي أو أسجل عليها أنني مارست عمليات تصفية أو إكراه بالقوة أو ما شابه ذلك- لقد سارت الثورة الجزائرية في هذا الطريق وقدمت تضحيات باهظة، وتركت أيضاً آثاراً سلبية وستعطي آثاراً سلبية في المستقبل).

وقص لي حادث تذكره بأسى فقال (كان هناك قائد من القيادات الوطنية الأساسية في الجزائر، وكان ممن اختلفوا مع بن بلا وكان بالقاهرة، فاتصلت القيادة الجزائرية بالأجهزة وقالت أنه يعمل ضد القيادة هناك وله كتلة وجماعة تعرقل نشاطنا، فكان تصرفنا هو اعتقاله في السجن حتى انتصرت الثورة هناك، فأطلقنا سراحه واستدعيته حتى اعتذر له بسبب الاعتقال، ففوجئت به على العكس من ذلك مسروراً وأراد أن يقبل يدي، فسألته: لماذا؟ قال لي: لو لم تكونوا قد اعتقلتموني لكنت قد قتلت وصفُيت ).

ثم عاد الرئيس ليؤكد مرة أخرى على أن دور الضغط على فصائل المقاومة ينبغي أن تأتي من القوى والتيارات غير المسؤولة عن نظام أو سياسة حكم، (فهذه مهمتكم ومهمة الطلائع الفلسطينية والشعب الفلسطيني من أجل إنهاء هذا التشرذم).

  • الحديث عن القوى والتيارات الشعبية يقودنا لقضية ((الحركة العربية الواحدة)) وهي إحدى الهموم الرئيسية والبارزة في التيار الناصري خارج مصر عامة وفي سورية خاصة، وكانت أيضاً إحدى النقاط العامة التي سعيت للحديث فيها مع الزعيم فما هو السياق الذي طرحت فيه هذه المسألة؟

□ كانت الموضوعات والحوارات تتداعى واستغرقنا الوقت فالأحاديث السابقة كلها استغرقت حوالي ثلاث ساعات.. عندئذ نظرت إلى الرئيس وقلت له: هناك موضوع أعتقد إذا لم أطرحه أشعر كأني لم أستفد من زيارتي، وهو الموضوع الخاص والحيوي ولا أستطيع أن أعود لحزبي والقوى الناصرية التي تتطلع للمستقبل بدون إجابات على هذا الموضوع..

هنا تدخل الآخرون وقالوا: يا سيادة الرئيس لقد مر ثلاث ساعات وأشاروا إلى صحته، لكنه قال دعونا نستمع لهذا الموضوع ماذا تقصد بالضبط؟

قلت له: في السابق عندما تأزم موضوع الوحدة طرحت شعار الحركة العربية الواحدة.. وطرحت في الداخل- هنا في الجمهورية العربية المتحدة- ضرورة تنظيم القوى والطلائع التي تلتقي على هدف واحد ونظرية واحدة لبناء هذه الصيغة على المستوى العربي بالنسبة للعمل الوحدوي الناصري، وكنا نتلقى الإجابة بأن هذه الصيغة خاصة بالتجربة في مصر ولم نصل لقناعة بإمكانية تعميمها أو تصديرها وأن بها ثغرات عديدة لم نسدها بعد، أما الآن فإن السؤال ما زال قائماً فالقوى الوحدوية الناصرية الموجودة بالوطن العربي والتي تلتقي حول المركز وحول القيادة التاريخية لا تجد أداة تنظمها وتوحدها، فيكون لها وحدة الفكر والحركة في ظل الظروف العربية الراهنة، وفي ظل تكتل القوى عليها.. وفي وجود تيارات شيوعية وبعثية وفصائل المقاومة الفلسطينية.. الخ، إننا نطالبكم بتكتيل الجهود العربية.. وتوحيد الصفوف والتيارات.. الخ ولكن هذا الدور ينبغي أن يوكل لتنظيم ثوري يأخذ بهذا النهج وهذا الطريق، بالإضافة إلى أن الكثيرين من الجيل الجديد الصاعد والذي يمتلك حرارة الاندفاع القومي وكذلك الوعي سرعان ما يذهب إلى الآخرين طالما لم تقدم له الصيغة المطلوبة قومياً!

بعد أن استمع لي قال ((فيما يخص التجربة هنا.. حيث الجهاز السياسي أو التنظيم الطليعي فما زلنا مضطرين أن يأخذ وضعه السري في التكوين، وما زالت التجربة تأخذ أبعادها، ويمكنك أن تلتقي مع الأخوان في قيادة التنظيم للتعرف على تفاصيل التجربة)).

((أما موضوع الصيغة القومية وبناء حزب على الصعيد القومي فقد تركت هذه التجربة حالياً من أجل ظروف المعركة، ولكن هذا العمل ينبغي أن تبادروا إليه أنتم إنها مسؤوليتكم أنتم الذين تعملون في ساحات النضال الوطني وتؤدوا الأدوار بحرية بعيداً عن تعقيدات النظم ومشاكلها، لماذا لا تخطو خطوات نحو هذا الطريق؟ ولتبدأ من الآن وتلتقي مع الشباب المصري بالتنظيم السياسي وتديروا حواراً حوا هذا الأمر؟))

  • هل يعني هذا عدم تحمسه للموضوع؟

□ بالطبع لا.. ولكنه كان مهموماً وكل تركيزه على قضية المعركة وإزالة آثار العدوان، ومن ثم حاول أن تكون المبادرة من القوى الشعبية الثورية المنظمة.. وحتى قبل النكسة كانت هذه رغبته..

  • ولكن هناك مشكلات- خاصة في ذلك في ذلك الوقت- معقدة بسبب وجوده كزعيم للأمة وقائد ومنظر لهذا التيار مما يخلق صعوبة تجاوزه؟

□ لقد طرحت عليه هذه الصورة وقلت له: نحن أمام إشكالية كبرى وهي أننا أمام جمهورنا وشبابنا الناصري ندين بالولاء لمصر في أي عمل، وبدون مبادرتك فإن المسألة ستظل معلقة دون تقدم، فقال لي: لماذا؟ قلت له: لأنني أقود جمهوراً على أساس الانتماء لك وليس لي.. الانتماء لنهجك وطريقك- أي الخط الناصري- وبمقدار ما أعبر عن العلاقة العضوية بين هذا الاتجاه الذي تقودنا فيه وبين الحركة الجماهيرية.. بمقدار تقدم خطواتنا، وفي غياب صيغة واضحة ومحددة قد يدّعي كل قيادي أنه يمثل عبد الناصر فيتكلم باسمه  وسط هذا الاتجاه وتلك الحركة، وذلك له عواقبه الوخيمة كما حدث من قبل..

عند ذلك تصور أنني أريد دعماً شخصياً أو مباركة منه أو تفويضاً في مواجهة الآخرين، فنظر لحسن صبري الخولي متسائلاً: هل نستطيع أن نلحق بنشرة الأخبار؟ وكانت الساعة قد اقتربت من الحادية عشر.. فقال نعم، فأمره أن يذاع نبأ لقائي معه.. ثم نشر الخبر في جرائد صباح اليوم التالي..

  • ألم تتوصلوا إلى نتائج عملية في هذا المضمار؟

□ النتائج التي توصلنا إليها هو الاتفاق على أهمية وضرورة الموضوع، فقد قال لي ((الموضوع ضخم وهام ولا يمكن حسمه بحديث عابر، ثم استطرد متسائلاً ((هل لديك تصور لكيفية بناء الحركة أو الحزب القومي الواحد؟))

وعندما أجبته بأنني أطرح أفكاراً فقط ولكن إذا صارت المسألة حاضرة وجادة فإنني مع إخواني يمكننا إعداد وتهيئة التصورات في هذا الإطار، وكانت النتيجة التالية التي حققناها هو الاتفاق على وضع تصور ومناقشة مع الرئيس، وقد سألني ((هل تستطيع أن تجلس فترة من الزمن هنا وتلتقي وتجتمع وتتداول مع إخوانك أو الاخوة المصريين لتضع تصور وتناقش الأمر))، ولما كانت ظروفي تضغط علي للعودة إلى سورية فقد اعتذرت وأعقبت الاعتذار باتفاق على العودة بعد فترة..

وانتهى اللقاء عند هذا الحد بالاتفاق على إعداد تصور جماعي والعودة في مناسبة أخرى وفتح الحوار مع الرئيس حول هذه المسألة..

  • هل كانت هناك خطوات أخرى- اتصالات – قبل رحيلك؟

□ نعم سافرت أنا وأخي سامي الدروبي بالديزل إلى القاهرة.. وفوجئنا بحسن صبري الخولي يأتي في الصباح معنا ويخطرنا بأنه ترك السيارة ليرافقنا بالديزل ويتحدث معنا في توصيات الرئيس له، وقد صرح لنا بأن الرئيس قد أعطاه ((كارت بلانش)) للحديث معي ومعرفة الأشياء والطلبات التي نريدها كمساندة ودعم لحزبنا، وعندما عدت للقاهرة التقيت مع اخواننا السوريين وأعدنا جسر الاستمرارية في العلاقة الخاصة وأن الأخوة كانوا يشعرون بجفوة في العلاقة لانشغال الرئيس وعدم اتصاله بهم، وطرحنا موضوعاتنا الخاصة ثم سافرت بعد ذلك لدمشق..

ماذا كان انطباع الزعيم عن هذا اللقاء وعنك بصفة خاصة؟

□ كان انطباعه- كما ذكر لي حسن صبري الخولي- عن هذا اللقاء هو الارتياح للحديث الذي دار وصرح بذلك للخولي وللسادات، ثم قال لهما ((انني كنت أتصور جمال الأتاسي رجل عصبي وإنه في ظروف الاعتقال الأخيرة سوف يكون أكثر عصبية ولكنني وجدتني أمام رجل معقول ويبحث الأمور سياسياً))

  • ماذا حدث بالنسبة للقاء الآخر المرتقب؟

□ ذهبت إلى القاهرة وكان ذلك في حزيران- يونيو- 1970م وكان الرئيس وقتها في الاتحاد السوفيتي في زيارته السرية التي تحولت يعد ذلك لزيارة طبية، وتأخر عن العودة للاستشفاء، فالتقيت آنذاك بالسادات وهيكل ودار الحديث مع السادات عن الوحدة الثلاثية التي أعلن عن تشكيل لجنة إعداد برئاسة نور الدين الأتاسي الذي لم يُرسل حتى ذاك الوقت أي جواب عن اتصالاته، عندئذ قلت له: أنا مهمتي حالياً في دمشق وليست في القاهرة.. وعدت إلى سورية فوراً..

  • بالنسبة للأستاذ هيكل هل حدثت حوارات معه آنذاك؟ وهل كانت هناك لقاءات من قبل أو بعد؟

□ الحقيقة كانت اللقاءات قبل ذلك في حضور آخرين، ولكن في هذه الزيارة- وهي المرة الوحيدة قبل وفاة الرئيس- وكنا في أوائل تموز- يوليو 1970 ذهبت إليه مع الدروبي نستطلع الأخبار حول العلاقة مع السوفييت والزيارة السرية للرئيس وتطور الحديث عن المعركة والوضع في سورية والمنطقة، وكان اللقاء عاماً، ولكن لقاءاتي الحقيقية معه أتت في عام 1971 عندما وقف مع السادات نتيجة تحفظه على مجموعة مايو وخلافهم معه- وهو خلاف شخصي أكثر منه مبدئي- ولكنه سرعان ما نقد خطوات السادات نحو الردة واختلف معه وانفصل عنه..، والأحاديث مع هيكل لا تنتهي.. فأنا أقدر كل التقدير لهيكل وللثروة التي يحملها من المعلومات وللبصيرة السياسية الثاقبة لديه.

  • هل تمت اتصالات بعد عودتك لدمشق من أجل تحديد موعد آخر؟

□ لا.. لم تتم لأن الأحداث توالت منذ مبادرة روجرز وموافقة الرئيس في نهاية تموز- يوليو- ثم أحداث أيلول- سبتمبر- ثم رحيل القائد والزعيم في نهاية سبتمبر.

لقد فجعنا برحيل عبد الناصر.. والسؤال الذي طرح نفسه آنذاك ما البديل لقيادة عبد الناصر؟

وقلنا يومها وقال آخرون غيرنا أنه لم يعد هناك فرد بديل لعبد الناصر، البديل الوحيد هو الوحدة المنظمة والتلاقي القومي لكل الطلائع التي تؤمن بوحدة الأمة وبالأهداف التي ناضل واستشهد من أجلها عبد الناصر.

يتبع..